|
نحو تاريخ للافكار الاسلامية حول التحديث والعلمنة
(2) من (3)
ميشيل هوبنك
جامعة اوترخت، هولندا
ترجمة محمد عبد الحميد
الاسلام الحديث: قضيتــــان جداليتـــــان
تعرض العالم الاسلامي لتأثيرات متزايدة مباشرة او غير مباشرة للاستعمار والتوسع الاوربيين خلال القرن التاسع عشر حيث جاءت الهيمن السياسية والاقتصادية مصحوبة بالتأثيرات الاجتماعية والثقافية لأوربا ما بعد التنوير واُدخلت القوانين الاوربية والنظم التعليمية والمؤسسات السياسية الاوربية الي معظم ارجاء العالم الاسلامي، وتشكلت شبكة موازية ومنافسة للؤسسات التقليدية ذات المشروعية الدينية مثل قوانين الشريعة والتعليم الديني الي اخره. وكان التطور الاكثر اهمية في هذه السلسلة هو إلغاء الخلافة في تركيا من قبل الجمعية الوطنية (البرلمان) الذي كان يهيمن عليه القوميون الاتراك عام 1924، وقد لازمت العلمانية كل هذه المؤسسات الجديدة كمبدأ يستند الي المسؤولية الاخلاقية المستقلة للإنسان وينادي بضرورة تراجع الدين - وخاصة المؤسسات الدينية - من الحياة العامة الي فضاء الحياة الخاصة للافراد. وقد نُظر الي عملية "العلمنة" هذه بإعتبارها مكون اساسي لعملية التحديث التي جرت في اوربا وبالتالي كشرط ضروري لتحديث المجتمع الاسلامي.
في سياق نقاشنا هذا للتحديث يمكن ان ننظر الي هذه التأثيرات الاوربية المتزايدة كموجة جياشة من التغيرات الاجتماعية والثقافية التي غمرت كل العالم الاسلامي، لكنها اتسمت بطابع محدد وهي انها فُرضت على العالم الاسلامي بواسطة قوى امبريالية مهيمنة. بالطبع تعرض المسلمين من قبل لتأثيرات مماثلة، لكن تلك التأثيرات وفدت من مناطق كانت تحت النفوذ السياسي للمسلمين. كما ان العالم الاسلامي نفسه تعرض مرارا ً لاحتلال غزاة اجانب لكنهم في معظم الاحيان انتهوا الي اعتناق الاسلام. والان وللمرة الاولي يواجه العالم الاسلامي قوة اجنبية تحاول الهيمنة على المسلمين ليس سياسياً فحسب، بل ثقافياً ايضا بنشر مبدأ العلمانية بشكل يطرح للنقاش بوضوح وضع القرآن كمصدر مطلق للمعرفة الدينية (الاخلاقية) ومشروعية الحياة الاجتماعية. في هذا الوضع الجديد، اصبح موقف المثقفين المسلمين مهتزاً وغير ثابتاً ومختلفاً الي حد كبير من موقف اسلافهم المسلمين من جانب ورصفائهم الاوربيين من جانب اخر. وتجلى الفرق الرئيسي في انه اصبح على المسلمين في العصر الحديث ان يحددوا موقفهم من التقاليد الثقافية الاسلامية والغربية في آن. فمن جانب اُخذ العديد من المثقفين المسلمين، ليس فقط للاختراعات التكنولوجية القادمة من الغرب، بل ايضا بالمؤسسات الاجتماعية والافكار الغربية الحديثة مثل الديمقراطية وحقوق الانسان وتحرير المرأة. ومن الجانب الاخر تعاظم الشعور بأنه إذا نسي المسلمون تقاليدهم وتجاهلوها واصحبوا يفكرون بمفردات ثقافة اخرى فإنهم سيعملون تهميش على انفسهم ويقبلون برضىً موقعاً ثانوياً في المجتمع الانساني. بكلمات اخرى، اصبح السؤال الذي يواجه المثقفين المسلمين هو ما اذا كان بوسعهم انجاز التحديث بدون التغريب.
لفهم المشهد الايولوجي المعقد الذي نجم عن ذلك، ساحاول ان اصفه اعتماداً على قضيتين منفصلتين ووثيقتي الصلة ببعضهما في ذات الوقت. القضية الاولي تتعلق بموضوعى العلمنة والتغريب وتعالج الثانية موضوعي التجديد والتحديث. في الجدال الدائر حول العلمانية يختلف الاسلاميون والعلمانيون حول ما إذا كانت الشريعة الاسلامية والدولة الاسلامية مطلوبة ومرغوبة اصلاً، وهذا الجدال حديث نسبياً، إذ انه نشأ وتطور نتيجة للهيمنة الاستعمارية الاوربية وما ترتب عليها من نضال لاجلاء المستعمرين. اما السجال الثاني حول التجديد والتحديث الذي يدور اساساً وسط الاسلاميين، فهو سجال قديم، بل هو امتداد ومواصلة للسجال القديم بين التجديديين والاصوليين والتقليديين حول تفسير وتأويل القيم الاخلاقية للقران(16).
الجدل حــــول العلمانيـــــة
حتى نتمكن من فهم ما جعل فكرة العلمانية مثيرة للجدل الي ذلك الحد البعيد في العالم الاسلامي دعنا نلقي نظرة على مضمون الفكرة عن قرب. كما اشرت من قبل فإن مصطلح العلمانية Secularism يشير الي مبدأ يقوم على استقلال الانسان وحريته مقابل السلطة الاخلاقية/الروحية لله والدين. كما ان المصطلح العلمانية يستخدم بمعناه الضيق لوصف المبدأ الذي يسعى الي فصل الدين عن السلطة السياسية عموماً وعن الدولة تحديداً، وهذا المبدأ يسمي حقيقة وبتعبير ادق باللائكية Laicism (17). لقد اوضحنا فيما سبق من هذا المقال ان العلمانية بهذين المعنيين قد سبق ان تم تبنيها والدعوة اليها في الاسلام التقليدي بواسطة كل من التجديديين والاصوليين على حد سواء. لذلك فإنه من المهم ان نضع في الحسبان ان فكرة العلمانية جديدة على الاسلام بمعنى واحد فقط هو انها اطلقت ما يمكن اعتباره تخلياً تاماً عن الدين كمصدر للمشروعية في الشوؤن الدنيوية.
لقد كان لفكرة العلمانية مؤيدون في العالم الاسلامي منذ وقت مبكر. وقد فهم هؤلاء المفكرون المؤيدون المبكرون العلمانية بالمعنيين اللذين اشرنا اليهما آنفا كمسعى للحرية الاخلاقية والفكرية في مواجهة المباديء الدينية والفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية للدولة. نفى علي عبد الرازق (ت 1966) الذي يعتب احد اهم دعاة العلمانية الاسلامية، ان يكون اى من القرآن او السنة قد حدد شكلا معينا للدولة او الحكومة الاسلامية ولذلك فقد خلص الي ان شوؤن الحكم والساسية من الامور الدنيوية التي يجب ان تخضع لتقديرات البشر وعقولهم. وينظر العلمانيون المسلمون المعاصرون الي انفسهم كمعارضين للثيوقراطية التي تعنى ان تفرض الاقلية سيطرتها ونفوذها على الاغلبية بإسم الدين وان الطريقة الوحيدة للحيلولة دون ذلك هي الحفاظ على نظام ديموقراطي يضمن الفصل الحازم بين الدين والدولة وفقاً لوجهة نظرهم(18).
من جهة اخرى فقد واجهت عملية العلمنة وفكرة العلمانية معارضة صريحة وقاطعة منذ بدايتها من مفكرين اسلامين مثل نامق كامل (ت 1888)، جمال الدين الافغاني (ت 1897)، محمد عبده (ت 1905)، محمد رشيد رضا (ت 1935)، ومحمد اقبال (ت 1938). فيما يلي سنسمي هؤلاء المعارضين للعلمانية بالاسلاميين(19). ماهي اعتراضات هؤلاء الاسلاميين على العلمنة والعلمانية بالضبط ؟
للتوصل الي فهم ادق لمقولات وحجج الاسلاميين يجب ان ندرك مسبقاً انها تقع ضمن اطار ما يسمى بالمنظور "المثالي" في العلوم الاجتماعية الغربية. نقطة الانطلاق الاساسية للإسلاموية هي ان مصدر قوة اى مجتمع تكمن بشكل اساسي في ثقافته ووعي افراده وليس في قدراته الاقتصادية او العسكرية. وهذا التحليل الثقافي يربطه الاسلاميون بالتأكيد بفكرة الاصالة التي تقول بانه من الضروري بمكان للمجتمع ان يتمسك بالولاء لهويته الثقافية، إذ ان فقدان الهوية الثقافية هي فقدان الثقة بالنفس التي تشكل اساس ومصدر قُوّته وبدونها يصبح المجتمع عرضة للتفتت والتآكل. إنطلاقا من هذه الفكرة عالج الاسلاميون المعضلات والازمات المختلفة التي تواجه العالم الاسلامي مثل الهيمنة الغربية، السعي للوحدة الوطنية والاستقلال وفيما بعد مشاكل الهزيمة العسكرية والتخلف، منطلقين اساساً من الولاء لما رأوا انه يمثل هويتهم الثقافية الاصيلة.
لذلك، فإن الاسلاميين قد فهموا الامبريالة الغربية بأنها "غزو ثقافي" في المقام الاول. وفقاً لوجهة النظر المثالية الاسلامية، فإن المجتمع لا يلتحم ببعضه البعض بالثروة والاسباب المادية بل بالولاء لمجموعة من القيم والعادات المقبولة من الجميع، وعليه فإن مؤسسات المجتمع مثل القانون ونظام التعليم وغيرها ينظر اليها باعتبارها مرتبطة عضوياً بهذه القيم الثقافية وان الجهود التي تبذل لإستبدال مثل هذه المؤسسات الاهلية الاصلية من قبل اخرين اجانب وغرباء يستندون على قيم مختلفة لا تمت بصلة للقيم الاصيلة ستؤدي حتما الي انفصام تام بين البني الهيكلية الخارجية للمجتمع وبنية الوعي الداخلية لافراد المجتمع وانفصام ذهني سيقود الي الاستلاب وتفكك للمجتمع في نهاية الامر. وهذا هو ما يسعى الامبرياليون الي الوصول اليه، ان الغرب كان يحاول باستمرار ان يُخضع المسلمين بإضعاف اُسس ثقافتهم (20).
ظهر مبدأ العلمانية بشكل غريب ومخلتف ضمن اطار خطاب الاصالة، حيث خلص الاسلاميون الي ان العلمانية هي اكثر الوسائل الغربية مخاتلة، إذ ان الغرب يتخفي تحت ستار هذا المبدأ ووعوده المخادعة بالديمقراطية والتقدم فرضت القيم والقوانين والمؤسسات الغربية على المسلمين بهدف تدمير الاسس الروحـية الاخلاقية للمجتمع المسلم مما يجعله تابعاً للغرب(21)..
كل هذا يضيف الي حصيلة اساسية واحدة وهي ان الوسيلة الوحيدة التي يمكن ان يتبعها المسلمون لمقاومة الامبريالية واستعادةو وحدتهم واستقلالهم اللذين افتقدا لوقت طويل هي بناء حياتهم على قيمهم ومبادئهم الخاصة الاصيلة وذلك بالعودة لجذورهم الاسلامية.
وبالرغم من ان هذا الموقف شكل استجابة جديدة لوضع جديد، إلا ان خطاب الاصالة الاسلامي يجد جذوره في الاسلام التقليدي (22). لقد تطور من الدعوة الكلاسيكية القديمة للعودة الي الاسلام الاصيل المتمثل في السنة، خاصة بالمعانى التي عبرت عنها التيارات المتأخرة من خصوم التقليدية من رفض الاجتهادات الفقهية القروسطية المتراكمة واستعادة الصلة الحية بمصادر الوحي الاصلية. إكتسبت هذه المقولة آفاقاً جديدة، حيث اصبحت تشي، اضافة الي محتواها المعادي للتقليدية اصلا، برفض الهيمنة الثقافية الغربية ورفض خضوع المسلمين للهيمنة بإعتبارها تقليداً بل وشركاً بالله، واُضفي معنىً جديدأ لمقولة التوحيد في هذا السياق يعبر عن رفض الازدواج الثقافي.
ومن الملاحظ هنا ان مفهوم الاصالة الثقافية الذي يلح عليه الاسلاميون كمكون حيوي لا يمكن الاستغناء عنه لمجتمع قوى ومنسجم هو مفهوم دنيوي نفعي غير ديني بشكل لا مواربة فيه. الافتراض القائل بأن إتّباع الموجهات الاخلاقية الدينية يمكن ان يحقق مزايا ومنافع في الدنيا ليس جديدا في ذاته وقد تضمنتها كل الدعوات التجديدية التي حاولت تأكيد صلاحية التعاليم الاسلامية في الظروف التاريخية المتغيرة. لكن، وبالرغم من ذلك، فإن التحدي الجديد المتمثل في الهيمنة الامبريالية الغربية حفز عنصراً جديداً داخل هذا الاتجاه الدنيوي النفعي، حيث ادى إتساع موضوع النقاش من التعاليم الدينية المحددة الي وضع الدين نفسه فقد اتسع النقاش منطقياً ليكون موضوعه الدين نفسه في عموميته وبالتالي وضع الدين على اطلاقه موضع الاختبار لتأكيد نفعه الدنيوي. نجم عن هذا العنصر الجديد في المقاربة نفعية للإسلام مفارقة حول صلاحية الاسلام الشمولية كدين لأن مقولة الاصالة التي استحدثت لا تنطبق على الإسلام فحسب بل يمكن تطبيقها من حيث المبدأ على كل التقاليد الثقافية او الدينية الأخرى، لذلك فقد تقدم الاصوليون الاسلاميون مثل المصري شيد قطب بمقولة ثانية ذات صابع ديني اكثر تركز على التفوق الشامل للاسلام واستعلائه على المنظمومات الايديولوجية البشرية الاخرى مثل المسيحية والماركسية والليبرالية .. الي اخره والتي يسِمُها سيد قطب بالقصور لانها تضفي اهمية فائضة على مظهر واحد من مظاهر الوجود الانساني على حساب بقية المظاهر الاخرى فيما تتفرد المنهجية الاسلامية (الربانية) المنُزلة بقدرتها على احتواء مظاهر الوجود الانساني في كل متوازن ومتكامل (23).
تتخذ مقولات الاصالة الثقافية، الوحدة الثقافية والاستقلال والامبريالية الثقافية موقعاً اساسياً من طروحات الغالبية العظمي من الاسلاميين بطريقة او بأخرى،ابتداءً من الرواد الاوائل مثل الافغاني ومحمد عبده الي المحدثين مثل سيد قطب، حسن حنفي وطارق البشري(24). في هذا الاطار تطور بالتدريج مفهومي اساسيين ليحتلا موقعاً مركزيا في البرامج الايديولوجية للإسلاميين. الاول هو الاسلام كنظام اخلاقي شامل واما الثاني فهو القول بضرورة تطبيق الشريعة الاسلامية وإقامة الدولة الاسلامية(25).
كان المفكر الهندي /الباكستاني محمد اقبال من اوائل الذين اكدوا على شمولية النظرة الكونية للإسلام والحاجة الي اقامة الدولة الإسلامية، انطلاقا من فكرة التوحيد الإلهي توصل اقبال الي ان الاسلام يتطلب الاعتراف بالله كمصدر واساس روحي لكل مظاهر الحياة بما في ذلك القانون والدولة ويذهب اقبال الي القول بأن الدولة يجب ان ينظر اليها بإعتبارها محاولة لتحقيق النموذج الروحي للإسلام في الواقع في تنظيم انساني ملموس ومعين(26). أما فكرة الدولة الاسلامية فقد تناولها بالتفصيل بشكل خاص محمد رشيد رضا احد تلاميذ محمد عبده وكانت اقامة الدولة الاسلامية تعني بالنسبة له، مثل سائر الاسلاميين، تطبيق الشريعة الاسلامية (27).
بعد عشرينيات القرن الماضي اتخذت المطالبة بتطبيق الشريعة الاسلامية واقامة الدولة الاسلامية تعبيرات سياسية تمثلت في حركات مثل حركة الاخوان المسلمين المصرية التي اسسها حسن البنا (ت 1949) والجماعة الاسلامية الهندية/الباكستانية التي اسسها ابو الاعلي المودودي (ت 1979) عام 1941. في العقود الاولي عقب تأسيسها ساهمت هذه الحركات في النضال التحرري ضد الاستعمار، لكن السلطة السياسية في معظم البلدان الاسلامية آلت للوطنيين العلمانيين بعد الاستقلال مثل الناصريين في مصر والبعثيين في العراق ورابطة محمد علي جناح الاسلامية في الباكستان وتحولت المعارضة الاسلامية ضد الامبرياليين المحليين(28) الذين لم تتجاوز سياساتهم، في نظر الاسلاميين، محض مواصلة لسياسات التغريب التي اتبعها الحكام الاجانب. على اية حال بقى رد الاسلاميين على حاله، ويتحدث سيد قطب احد اهم ايديولوجيي حركة الاخوان المسلمين في مصر في الخمسينيات والستينيات عن التنافض بين التشريعات المستجلبة من الغرب وروح الشعب الذي تفرض عليه هذه التشريعات ويضيف ان الشعب مستلب بهذه القوانين وانها ستؤدي بالضرورة الي انعدام القيم والمعايير الخلقية مما يقود الي تفكك المجتمع في اخر الامر. الحل الاسلامي لهذه المشكلة وفقاً لسيد قطب يطمن في مبدأ التوحيد الإلهي الذي يتطلب توحد كل مظاهر الحياة - بما في ذلك القانون ومؤسسات الدولة - تحت الحاكمية المطلقة لله(29).
اعتباراً من منتصف السبعينيات تزايدت اهمية الاسلاموية كبديل سياسي بشكل درامي في العالم الاسلامي، ومن العوامل التي ادت الي هذا النهوض الاسلامي الهزيمة العسكرية للجيوش العربية امام اسرائيل، وفشل الايديوجيات الاخرى بالوفاء بوعودها بالتنمية الاقتصادية والثورة الاسلامية في ايران عام 1978-1979، وقد احتلت الهزيمة العسكرية والفشل في التنمية الاقتصادية موقعاً مركزياً في كتابات الاجيال الجديدة من الاسلاميين وبالرغم من ذلك يمكننا القول ان التحليل الاسلاموى قد بقى على حاله دون تغيير.
يقول المفكر المصري المعاصر حسن حنفي ان النماذج والاستراتيجيات الغربية في التحديث والتنمية والايديولوجيات العلمانية الغربية مثل الماركسية والليبرالية قد فشلت على حد سواء في العالم الاسلامي لأنها عجزت عن ادراك دور الوعي والثقافة. لايمكن فهم التخلف ، كما يقول حسن حنفي، بالمفاهيم الاقتصادية فقط وبالتالي حل المشكلة بإنشاء المصانع والمعمال لأن التخلف يستبطن مكوناً ثقافياً فائق الاهمية. ويضيف ان المجتمعات التقليدية في العالم الاسلامي يهمن عليها وعّي اسطوري وإن تجاهل مكونات طريقة التفكير "اللاعلمية" هذه يصبح نفسه لاعلمياً وان التطورات الجديدة في العالم الاسلامي لا يمكن ان تصيب نجاحاً إلا إذا قدمت نفسها في لغة التقاليد. ولا يمكن قبول العقلانية والديمقراطية والإنسانوية Humanism في اوساط الجماهير الاسلامية إلا اذا تبدت في مجازات العقائد المحلية، ولذلك فإن حسن حنف يخلص الي القول بأن العودة الي التقاليد هو الشرط الضروري الذي لا يمكن ان تحدث نهضة اسلامية بدونه ويقوده هذا الاستنتاج الي المطالبة باسلمة المجتمع ودمج الدين والدولة (30).
اوضحنا فيما سبق كيفت اتخذت فكرة العلمانية ومنذ دخولها الي العالم الاسلامي معانٍ مختلفة بل ومتناقضة لدى كل من الاسلاميين والعلمانيين، بالنسبة للاخيرين اصبحت العلمانية تعني التحديث والتحرر من البني السلطوية في المجتمع من جانب والتحرر من القيود الدينية من جانب اخر، اما بالنسبة للإسلاميين فقد كانت العلمانية هي التغريب واخضاع البلدان الاسلامية للهيمنة الامبريالية الغربية، لذلك فأن معظم السجال الذي دار بين الاسلامين والعلمانين في هذا الصدد لم يتعد "حوار الطرشان". كال الاسلاميون تهم العمالة للغرب للعلمانيين ورد هؤلاء بدمغ الاسلاميين بالرغبة في اقامة سلطة دكتاتورية بإسم الدين، لكن السؤال المهم هو الي اي حد استمع كل طرف لآراء الطرف الاخر ووضعها في اعتباره.
تكتسب آراء بعض مفكري مابعد الحداثة مثل إدوارد سعيد ومحمد اركون اهمية خاصة في هذا الصدد لأنهما يشاركان الاسلاميين بعض مناحي تحليلهم المثالي لكنهما يعارضان بشدة الدعوة لإقامة الدولة الاسلامية. يتفق سعيد واركون على ان السلوك الانساني لا تحكمه الظروف المادية فقط بل تحكمه ايضا الافكار التي تحدد فهم هذه الظرورف المادية(31)، وهذا يعني ان واحدة من اوضح مظاهر الصراع على السلطة يدور على مستوى اللغة والافكار للسيطرة على وعيّ الاخرين.
في كتابه المشهور "الإستشراق" يعرض ادوارد سعيد الدراسات الاكاديمية الغربية عن الشرق، التي يُفَتَرضْ انها نزيهة وخالية من الاحكام القيمية، كخطاب ايديولوجي يقدم الشرق والغرب كهويتين ثابتتين ومختلفتين جوهرياً، ويصور الغرب بانه تقدمي، عقلاني وديمقراطي والشرق بانه متخلف، لاعقلاني وإستبدادي. ويجادل سعيد بأن الخطاب الاستشراقي يقوم بدور مزدوج وهو تسويغ النزعة التوسعية في الغرب واقناع الشرق الخاضع للهيمنة الغربية بان هذه الهيمنة تتم لمصلحة الشرق نفسه. وهكذا فإن سعيد يعترف بوجود الامبريالة الثقافية لكنه يرفض الرد الاسلامي عليها ويصفه بأنه غير مناسب. ويقول سعيد ان الاسلاميين، بدلا من تفكيك الخطاب الاستشراقي، يعمدون لإنشاء خطابهم المهيمن المضاد على نفس اُسس تَقابل الهويتين الثابتتين، انهم يواجهون الاستشراق بالاستغراب(32).
يجادل محمد اركون بنهج مماثل مع إضفاء اهمية اكبر على مفهوم الاصالة. ويقول اركون بأن العقل العلاماني الغربي قد استغل كخطاب لـتأسيس الهيمنة والسيطرة على وعيّ جماهير المسلمين في الشرق. ويضيف ان مفاهيم الإنسانوية والحداثة والعقلانية هي نزعات ذهنية كونية يمكن ان تتطور ضمن بيئات ثقافية مختلفة بما في ذلك نمط الوعيّ الاسطوري الديني السائد في العالم الاسلامي. وفقأ لمحمد اركون فإن العقل الغربي العلماني قد عرّف كل الخصائص المرتبطة بالحداثة مثل الإنسانوية والعقلانية والتنمية بإعتبارها إنجازات الغرب العلماني، دافعة المسلمين للإعتقاد بأن عليهم ان يختاروا إما هويتهم الدينية التقليدية اوالحداثة الغربية العلمانية. كان لمواجهة هذا الخطاب اثرأً عميقاً جداً على وعيّ المثقفين المسلمين الي اليوم الي الحد الذي ابقي استجابتهم وردهم عليه مشروطا بنفس شروط العقل العلماني الغربي. التزمت النخبة التي تسلمت السلطة بعد الاستقلال في العالم الاسلامي بمثُل العقل العلماني دون ان يدركوا ان هذه المُثل كانت هي المسؤلة عن فقدان هوية مجتمعاتهم وعزل المثقفين عن الوعيّ الاسطوري الديني لجماهير المسلمين. ومن جانب اخر ، فإن اسلاميي اليوم الذين يرفضون الهيمنة الغربية يسعون لإستبداله بهيمنة إسلام تقليدي معادِ للحداثة. وكهذا نجد ان اركون يدرك مخاطر الامبريالية الثقافية لكنه، مثل ادوارد سعيد، لا يؤمن بأن الاستقلال الثقافي يمكن تحقيقه بإقامة الدولة الإسلامية، لأن نموذج الدولة الاسلامية الذي يتبناه الاسلاميون نموذج غير ديموقراطي ويكرس سلطة وإمتيازات علماء الدين التقليديين. ان الهيمنة الثقافية الغربية يمكن مواجهتها فقط بتفكيكها عن طريق بإستخدام العقل النقدي هذا لا يمكن ان يحدث إلا في مناخ من الحريات الديمقراطية(33).
ويبقى سؤال حول رد الاسلاميين على اعتراضات العلمانيين بأن دولتهم الاسلامية ستكون بالضرورة غير ديمقراطية ومعادية للتحديث والنزعات الانسابية والحرية الفكرية؟
حتى الان اثبت الاسلاميون حججهم حول ضرورة اقامة الدولة الاسلامية وتطبيق الشريعة الاسلامية لكنهم لم يوضحوا بعد ماذا يعنون تحديدا بالدولة الاسلامية والشريعة الاسلامية. عندما يبدأ الاسلاميون في مناقشة هذه الاسئلة يتضح مكون اخر اساسي في فكرهم، وهي ان الاسلاميين، بعيداً عن معارضتهم للهيمنة الثقافية الاوربية، يبذلون الجهود ايضا لإصلاح وعيّ المسلمين ومجتمعاتهم. وهذه الدعوة للإصلاح غالباً ما يتم التعبير عنها بالمناداة "بالعودة للاصول". وقد اوضحنا في جزء سابق من هذه الورقة كيف عزى الاسلاميون ضعف مجتمعاتهم في ازمانهم الي الغزو الثقافي الاوربي وكيف يمكن التغلب على هذا الوضع بالعودة للذات الاصيلة. مع ذلك هنالك شعور بأن السبب الاكثر عمقاً للضعف النسبي للمجتمعات الاسلامية يكمن في الوضع المتدهور لهذه المجتمعات نفسها الذي يعتقد عموماً انه بدأ منذ في مرحلة مبكرة بعد الاجيال الاولي من المسلمين مباشرة. وإذا كان للمجتمعات الاسلامية ان تستعيد قوتها فإن عليها ان تعود لسنة السلف الصالح. مع ذلك فإن الاسلاميين يختلفون بشدة حول ماهية هذه السنن الحميدة التي يجب العودة اليها بالتحديد وكيف كان ذلك السلف صالحاً بالضبط. في هذه الدعوة للاصلاح تبدأ طروحات الاسلاميين في التباعد عن بعضها البعض وتبدأ الايديولوجليا الاسلامية في الالتحام مجدداً بالجدال الاسلامي التقليدي حول التجديد والاستقلال الاخلاقي للإنسان وسلطة تفسير الوحى والاجتهاد فيه.
ظلت معارضة التقليدية احدي اهم الموضوعات التي انشغل بها الاسلامين دعاة التجديد والاجتهاد الذين واصلوا، على نفس نهج ابن تيمية واصلاحيي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، التأكيد على ان انحطاط المجتمعات الاسلامية يعود الي مبدأ التقليد الذي يقوم وجوب إتّباع إجماع العلماء السابقين. والعودة الي السنن الاصيلة للسلف الصالح في هذا السياق يرمز الي رفض الاجتهادات الفقهية القروسطية المتراكمة واستعادة الصلة الحية بمصادر الوحي الاصلية القرآن والسنة.
يُجمع محمد عبده ورشيد رضا على ان مبدأ التقليد كان ضلالاً او انحرافاً شوه المعني الاصلي للقران، لذلك فإن رفض التقليد لديهما استبطن العودة الي مقولة اجماع الامة كما فهمها المشرعون الاوائل, هذا يعني انهما كانا لايزالان يعتبران الإجماع مصدراً للمعرفة الاخلاقية، لكنها ليست ملزمة ولا يمكن السماح لها بتعطيل واجب الاجتهاد الحيّ الذي يتعين على كل جيل لاحق ان يقوم به من جديد (34). على هذه الخلفية من مناهضة التقليدية دأب الاسلاميون المتأخرون على التمييز بين السنة والفقه التي تعنى ان السنة معصومة وتعبير ثابت عن ارادة الله في القرآن والسنة فيما يعتبر الفقه فهم انساني غير معصوم لهما ومتغير بإستمرار بتغير الظروف التاريخية. ان رفض الاسلاميين للفقه القروسطي يرتب آثاراً بعيدة المدى على تصور الاسلاميين لمفهوم الدولة الاسلامية لأنها تقر ضمنياً بأن مؤسسات الخلافة القروسطية كانت مؤسسات تاريخية وليست ملزمة في الوقت الراهن (35). على اية حال، فإن رفض التقليدية قد افصح عن معضلة كانت مستترة لقرون، هو النزاع على تفسير الوحي الذي هو لب الصراع الدائر بين التجديديين والاصوليين اليوم.
كان الاسلاميين الاوائل امثال سيد احمد خان، جمال الدين الافغاني، محمد عبده ومحمد اقبال مجددين في جوهرهم، وفيما عدا دفاعهم عن نمط الحياة الاسلامية في وجه تأثيرات الامبريالية الثقافية، فإن دافعهم الاساسي كان هو رغبتهم في اقلمة وتكييف التعاليم الاسلامية لتكون اكثر ملاءمة لظروف الحياة العصرية السريعة التغير مما جعلهم يشددون على الاستقلال الاخلاقي للانسان والحاجة الملحة لاعادة تفسير جذرية للقرآن والسنة، واستندوا في كل هذه الدعاوي على العودة الي عدد كبير ومتباين من الآراء الاسلامية الكلاسيكية القديمة مثل العقلانيين المعتزلة، والفلاسفة والصوفيين المسلمين وكذلك الي الحنابلة المستنيرين مثل ابن تيمية واتباعه في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. علاوة على كل هذا كانت هناك ايضا تآثيرات واضحة للمفكرين العقلانيين من اوربا عصر التنوير(36).
يعبر فقه محمد عبده ضمنيا وبإنتظام عن آراء وموقف هولاء المجددين الأوائل(37)، حيث انه عمد الي استخدام مفهومى العبادات والمعاملات من التراث التشريعي التقليدي لرسم الحدود الفاصلة بين الاستقلال الاخلاقي الانساني وحاكمية الله المطلقة. العبادات هي احكام القرآن المتعلقة بالآخرة والعلاقة بين بني البشر وخالقهم اما المعاملات فهي احكام القرآن المتعلقة بحياة الناس في الدنيا والعلاقات بين البشر. لأن البشر ببساطة لا يعرفون ما يحقق منفعتهم في الآخرة فقد اوحى الله بالعبادات بأدق التفاصيل في القرآن ويجب قبول هذه العبادات وادائها دون اى تساؤل. لكن فائدة وجدوى الاحكام القرآنية حول المعاملات الدنيوية يمكن فهمها وإدراكها بالعقل البشري، ويقول محمد عبده ان ذلك ليس فقط ممكنا بل من الواجب الملح ان يسعى المسلمون لإدراكها. المجتمع الانساني في حركة دائبة تتولد عنها في قضايا ومشكلات اخلاقية جديدة باستمرار لذلك فقد اقتصر الوحى المتعلق بالمعاملات، على الاقل في معظم الاحيان، على احكام اخلاقية عامة ينبغي اعادة تطبيقها بإستمرار في اوضاع متغيرة بالإستعانة بالعقل الانساني. يعزى محمد عبده انحطاط المجتمع الاسلامي ببساطة الي ان المسلمين كفوا عن استخدام عقولهم في وقت معين، وبالتالي فإن العودة لثر السلف الصالح تعني بالنسبة له ببساطة العودة الي التفسير العقلاني للاحكام الشرعية السابقة. واكتسبت فكرة التوحيد اهمية كبيرة في مثل هذا التفكير التجديدي بإعتباره مبدأً حيوياً يعبر عن السعى المستمر لإعادة توحيد المثال الخالد للوقائع المتبدلة(38).
بهذه الطريقة صاغ محمد عبده موقف الاسلاميين التجديديين كما يعبر عنه اليوم مفكرون اسلاميون معاصرون مثل محمد عمارة وراشد الغنوشي. يتطلع الاسلاميون التجديديون الي اقامة دولة اسلامية لا تنفصم في وجهة نظرهم عن تطبيق الشريعة الاسلامية، لكن يظل المحتوي الفعلي لهذه التشريعات الاشلامية متروكاً، الي حد كبير، للبشر لتقديرها فقاً للظروف التي يجدون فيها انفسهم. وقد منح بعض الاسلاميون التجديديون المتأخرون قدراً جد كبير من الاستقلال الأخلاقي والاجتماعي للإنسان الي الحد الذي يجوز فيه للمرء ان يتساءل عن الفروق الفعلية بين دولتهم الاسلامية والنظام الاقتصادي الاجتماعي الذي ينادي به العلمانيون المسلمون. في هذه الحالات يصبح الخلافات الباقية بين الطرفين خلافات لغوية بحتة، فما يسميه العلمانيون علمانياً يسميه الاسلاميون مدنياً ومايطلق عليه العلمانيون سيادة البشر يطلق عليه الاسلاميون خلافة البشر(39).
لكن نقاط الضعف في طروحات محمد عبده قد تركت اثرها علىالنقاشات اللاحقة، ولعل اهم نقطة ضعف في طروحات محمد عبده هي انه تجاهل بخفة حقيقة ان القرآن يتضمن بالفعل بعض الاحكام الصريحة المفصلة جدا حول قضايا تترتبط بعلاقات البشر ببعضهم ومن اقرب الامثلة على ذلك احكام القرآن المتعلقة بالميراث الذي يمنح الذكر مثل حظ الانثيين والعقوبات الجنائية القرآنية ، الحدود، التي تحدد عقوبات مفصلة لبعض الجرائم مثل السرقة والزنا. بالرغم من قلة عدد العقوبات الحدية نسبياً، فإن هذه الاحكام القرآنية المفصلة حول الحياة الاجتماعية تواجه المؤمن بمشكلة اساسية في فهم الوحيّ ويثير التساؤل عما اذا كانت هذه الاحكام كحقائق ابدية يجب ان تطبق حرفياً في كل مكان وزمان ام انها يجب ان تفهم بإنها مشروطة تاريخياً وبالتالي فهي تعبير قابل للتغيير عن قيم اخلاقية منزلة خالدة؟ بالسكوت عن تقديم اجابة واضحة ومحددة على هذا السؤال تجنب محمد عبده احدى المشاكل الاساسية وهي مشكلة تارخية القرآن (40) وتركها دون ان يلمسها الي ان تقدم تلميذه رشيد رضا ليتصدى لما حاول استاذه ان يتجنبه، وقرر رشيد رضا ان الاحكام القرآنية القطعية الواضحة الدلالة، بما فيها الاحكام المتعلقة بالحياة الاجتماعية يحب ان تفهم وتطبق حرفياً (41). وهكذا نجد ان رشيد رضا التحديثي قد وضع اللبنة الاولي للعودة للاصولية في الفكر الاسلامي.
حتي خمسينيات القرن الماضي كان الخصم الاساسي للإسلاميين هو الاستعمار الاجنبي الذي حاول ان يسم الاسلام بالجمود ويصوره كعقبة امام التنمية وإنجاز التحديث. وتمثل الرد الاسلامي على هذا في المفكرين الاسلاميين التحديثيين من امثال الافغاني ومحمد عبده، الذين انكروا احتكار الغرب للعقلانية والتحديث وحاول ان يبرهنوا ان الاسلام مرن وعقلاني وحداثي اذا فُهم بطريقة صحيحة. عقب الاستقلال اختلف الوضع تماماً، اذ وجد الاسلاميون انفسهم في مواجهة الوطنيين العلمانيين من مواطنيهم المسلمين الذين سرعان ما بدؤا في قمعهم بقسوة فاقت قسوة الحكام الاستعماريين. وفي الممارسة العملية، كانت علمانية هؤلاء الوطنيين اكثر حرصاً على سيطرة الدولة على الدين من فصل الدين عن الدولة في غالب الاحيان. وبالرغم من علمانيتهم المعلنة عملت معظم هذه الانظمة على الحصول على مشروعية سياساتها وقوانينها من الدين(42). واسفرت تحديثية الافغاني ومحمد عبده الان عن وجهها التسلطي حيت اثبتت انها اداة فعالة منحت الحكام الجدد المرونة المطلوبة لتطويع تعاليم الاسلام لاهدافهم السياسية، لكن على اية حال، وتماماً كما حدث في عصر "محاكم التفتيش المأمونية" في القرن التاسع، ادت محاولات هؤلاء الحكام لاحكام السيطرة على الاجتهاد والتفسير الي استفزاز رد فعل اصولي.
يعتبر سيد قطب، الزعيم الثاني لحركة الاخوان المسلمين المصرية، اهم اصوات هذا التيار الاصولي الجديد، وقد تأثر قطب الي حد كبير بالمفكر والسياسي الباكستاني ابو الاعلى المودودي (ت 1979) (43). سبب سيد قطب صدمة عنيفة للمؤسسة الدينية بإعلانه ان جميع الانظمة الحاكمة في العالم الاسلامي في وقته غير إسلامية ولا تمت له بصلة، وينطبق ذلك ليس فقط على الانظمة العلمانية التي تنفي صلتها بالدين فحسب، بل ايضا الانظمة التي تعلن تمسكها بالاسلام قولاً لكنها عملياً تخلت عنه تماماً. وتقول سيد قطب ان مثل هذه هذه الانظمة تصدر ما تشاء من القوانين وتقول "هذا شرع الله" لكن قطب يحذر من ان دين الله ليس "متاهة غامضة" ولا "طريقة الحياة الاسلامية مائعة"(44).
تتسم كتابات سيد قطب و ابو الاعلى المودودي بتشديد اصولي متميز محدودية وذاتية الاحكام البشرية. البشر بمفردهم، وفقاً للمودودي وقطب، ليس بوسعهم تطوير رؤية كونية متزنة وعادلة للتعقيدات اللامتناهية للحقيقة والواقع، والاحكام العقلانية البشرية جزئية ومتقطعة تركز على مظهر وحاد من مظاهر الواقع على حساب الاخري، والاحكام البشرية، علاوة على محدوديتها، تخضع لكل انواع الهوى والمصالح الدنيوية، خاصة الرغبة في حكم الاخرين والتسلط عليهم. ولهذا السبب، يخلص قطب والمودودي، الي ان اى نظام قيمي او قانوني بشري يمثل مصالح البعض على حساب البعض الاخر حتماً، وطالما كان البعض يشرّع للاخرين فإن البعض سيهيمن على الاخرين ولن تكون هناك مساواة او عدالة بين البشر.
هذا الوضع من الظلم والعبودية هو الذي يسمية المودودي وقطب ب "الجاهلية" وهو مصطلح كان يقتصر استخدامه حتى ذلك الوقت على معنى تاريخي يشير المجتمع العربي قبل الاسلام، واصبحت "الحاكمية" هي نقيض الجاهلية عند قطب والمودودي بمعنى حكم الله، اصبح الطريق الوحيد للتخلص من الجاهلية واكتساب الحرية والمساواة هو التسليم المطلق لحكم الله والاعتراف بالوحي الإلهي كسلطة حقيقة وحيدة في في كل المسائل التشريعية والاخلاقية. يعتبر مفهوما الحاكمية والجاهلية صدى لمفهومي التوحيد والشرك التقليديين والجاهلية، على حد تعبير سيد قطب، هي رفع الفكر الانساني الي مقام الإله، بينما يعنى مبدأ التوحيد التسليم بأن لا حاكم إلا الله الذي هو وحده يهب الهداية والشريعة(45).
بسبب من هذا التناظر الحاد بين الجاهلية والحاكمية، وزعمه بأنه حتى الحكام الذين يعتبرون مسلمين في العالم الاسلامي كفار في حقيقة الامر، تعبر كتابات قطب بقوة عن ان الوحي الإلهي يمكن المؤمن من ان يميز بوضوح قاطع لا يتطرق اليه الشك بين الخير والشر وبين الايمان الحقيقي والزائف دون الاعتماد على الاجتهادات البشرية القاصرة. في هذا الإفتراض الاصولي الجذري لخط فاصل واضح ومحدد بين الايمان والكفر تكمن اسس الميول الانعزالية والعنيفة للجماعات الاسلامية المتطرفة. في مصر على سبيل المثال، اوحت مثل هذه القراءات المتشددة لكتابات سيد قطب للعديد من الجماعات الاسلامية منذ السبعينيات بتكفير المجتمع، وبالهجرة عنه فعلياً واستخدام العنف ضده (46). إن الأصولية الجذرية لهذه الجماعات تمثل استعادة لتراث الحنابلة الاوائل خاصة الخوارج الذين افترضوا ايضا تمييزاً واضحاً بين اهل الجنة واهل النار وكثيراً ما احلّواً قتل الاخيرين. وقد اثار هذا التشابه اهتمام الكتاب الاسلاميين الاكثر اعتدالاً وانتقاداتهم. يجادل حسن الهضيبي احد قادة الاخوان المسلمين في مصر على سبيل المثال، بالضد مما تقول به فكرة الحاكمية، ان الله قد وهب البشر قدراً محدوداً من الاستقلال والحرية لتفسير الشريعة في الظروف المختلفة لحياتهم، ولأن مثل هذه التفسيرات قابلة للخطأ وتفتقر الي العصمة فإنها لا يمكن ان تكون اساساً لإعلان كفر أحد (47). ومها كانت اهمية مثل هذه المساجلات فإنها لا تنصف كتابات سيد قطب الذي يتميز فكره بغموض اكثر بكثير مما يقدره معجبيه المتطرفين وناقديه المعتدلين. بالرغم من ان قصور الاحكام البشرية وذاتيتها هو الموضوع المركزي للتشديد الاصولي لسيد قطب والمودودي، إلا انهما يعترفان بانه لا مناص من الاجتهاد، ويتضح هذا الموقف اكثر عندما يتحدثان عن موضوع خلافة الانسان على الأرض باعتبارها استكمالاً لحاكمية الله(48)، حيث يقر كلاهما بأن الوحي لا يوفر اجابة حرفية لاتشوبها الغموض لأى موقف في الحياة، في مثل هذه الاحوال ويجب على الانسان خليفة الله في الارض ان يعمل اجتهاده الذاتي القاصر لتفسير ارادة الله. على الرغم من ان اصوليتهما كانت معتدلة فإن الكاتبين سرعان ما يعودان الي تشديدهما على المدى المحدود لهذا الحكم البشري. وقد اتفق قطب والمودودي تماماً مع رشيد رضا في القول بأن الاحكام القرآنية التفصيلية حتى في شوؤن الحياة الاجتماعية يجب ان تتبع حرفيا وانها احكام صالحة لكل زمان ومكان وانه لا اجتهاد مع النص الصريح (49).
تاريخيــــــة القـــــــرآن
أصبح موضوع تاريخية الاحكام القرآنية الحرفية المتعلقة بالحياة الاجتماعية مقابل التطبيق الحرفي لها هو الموضوع السجالي الذي يرتكز عليه النقاش بين التحديثيين والاصوليين المعتدلين الذين يقرون بضرور الافساح لقدر من الاجتهاد. في تباين جلي مع الوضوح الحاد للاصولين اتسم موقف التحديثي حول هذه القضية منذ محمد عبده بالغموض والمرواغة.
حاول العديد من التحديثيين تطوير ما يمكن ان يسمى موقفاً وسطاً، ومن الامثلة على مثل هذه المواقف آراء الكاتب السوداني الصادق المهدي حول العقوبات الحدية للسرقة والزنا، الذي يقول ان الحدود قد شُرعت لتطبق في مجتمع اسلامي نموذجي تحرر فيه الجميع من الاحتياجات المادية وتيسر الزواج للجميع، ما لم تتحق هذه الظروف المثالية فلا سبيل الى تطبيق الحدود. ويضيف المهدي انه حتى في ظل مجتمع مثالي لهذا فإن شروط تطبيق الحدود ستظل عسيرة التحقق الي الحد الذي يجعل تطبيقها عملياً متعذراً الى حد كبير جداً. وقد عبر بعض الاخوان المسلمون المصريون عن مواقف مماثلة في خمسينبات القرن الماضي وبعض الاسلاميين التحدثيين المصريين المعصرين(50).
لقد وضح جلياً ان الفهم التاريخي للقرآن كنص مشروط بالظروف التاريخية التي ظهر فيها امر بالغ الحساسية وبالرغم من ان الكاتب المصري طه حسين (ت 1973) قد تعرض لهذا الموضوع في عشرينيات القرن الماضي(51)، فإن حفنة قليلة فقط من الكتاب الحداثيين يلزمون انفسهم بوضوح بمثل هذه المقاربة التاريخية، منهم نصر حامد ابوزيد، حسن حنفي، محمد اركون وفضل الرحمن. تتبنى هذه المجوعة من الكتاب موقفاً مضاداً للذين يقولون بالموقف الوسط، وبدلاً من القول بان الحدود لا يمكن تطبيقها إلا في مجتمع إسلامي مثالي، فإنهم يجادلون بأن المجتمع قد تطور منذ عهد النبي بحيث اصبحت الحدود وبعض الاحكام القرآنية المتعلقة بالحياة الاجتماعية غير قابلة للتطبيق بمعناها الحرفي.
ويخلص الكاتب الباكستاني فضل الرحمن (ت 1988) الى ان المجتمعات الاسلامية قد بدأت في الانحاط منذ اللحظة التي فقد فيها العلماء المسلمين القدرة على رؤية التماسك العقلاني والطابع التاريخي للقرآن وشرعوا في مقاربة الآيات القرانية كل على حدة بمعزل عن بعضها البعض وعن سياقها التاريخي. وقد تواصل هذا الإتجاه التجزيئي اللاتاريخاني ايضا في الإسلام الحديث. لتجاوز هذا الانسداد المنهجي ينادي فضل الرحمن بنظرية تفسير تعمل في اتجاهين متقابلين منطلقة من المحدد تاريخياً للعام ثم عودة للمحدد. يجب البدء بالوضع التاريخ الذي نزلت فيه الآيات القرآنية المختلفة لإستخلاص القوانين الاخلاقية المنزلة الخالدة التي اعتمدت عليها الآيات، ثم أعمال هذه القوانين الاخلاقية المنزلة في الاوضاع الحالية المحددة. هذه العملية تمكن من الحفاظ على الاصالة الاسلامية بالإنسجام العقلاني للقرآن والسنة. وفقاً لفضل الرحمن، يمكن للمبدا او المؤسسة الي تكون "اسلامية حقيقة" الي الحد الذي تنساب فيه بسلاسة من المباديء الكلية للقرآن والسنة (52).
يوضح العالم المصري نصر حامد ابوزيد القدرات الكامنة للمقاربة العقلانية التاريخية للقرآن بمثال جد مقنع، حيث يقول على ضوء الظروف الإجتماعية التي كانت تسود قبل الاسلام، فإن الحكم القرآني بأن يكون للمرأة نصف نصيب الرجل من الميراث كانت خطوة مهمة الي الامام لانها لم تكن تحظى باي ميراث على الاطلاق قبل ذلك إذا اعِدنا تطبيق المقاصد الاصلية لهذا الحكم الذي كان مشروطاً بظروفه التاريخية آنذاك، فإنها تحثنا على ان نفترض المساواة التامة للمرأة امام القانون(53).
وينادي المفكر الفرنسي الجزائري محمد اركون بإنسانوية اسلامية تستند على المقاربة التاريخية للقرآن، ويقول اركون ان الانسانوية الاسلامية قد تطورت في القرون الاولي للإسلام في فكر المعتزلة والفلاسفة المسلمين. بقولهم بأن القرآن مخلوق، نظر المعتزلة الي القرآن نظرة تاريخية واعتقدوا بانه يمكن ان يخضع للإختبار النقدي البشري دون ان ينكروا اصله المقدس. لكن وعلى أية حال، عندما احكم العلماء التقليديون هيمنتهم استبعدوا مبدأ خلق القرآن بالإصرار على الحقيقة الحرفية واللاتارخية للقرآن وتفسيراتهم له، تراجعت الانسانوية الاسلامية وانحطت. جعلت هذه الاوضاع المسلمين فريسة سهلة للعقل العلماني لخطاب الهيمنة الاوربي في القرن التاسع عشر، مما دفع المسلمين للإعتقاد بان عليهم ان يختاروا بين ان يكونوا إما تقليديين ومتدينين او حداثيين وعلمانيين. وبالنتيجة بقى العقل الاسلامي حبيس الاستقطاب بين خطابين يتسم كلاهما بالهيمنة وهما العقل العلماني الغربي والاسلام التقليدي. وفقاً لاركون فإن تفكير الاسلاميين المعاصرين لم يتمكن من تجاوز مواقع الإسلام التقليدي، وبالرغم من رفضهم لفكرة التقليد فقد تمسكوا بالفهم الحرفي اللاتاريخي للقرآن وهذا ما يدعم، لا مناص، احتكار علماء الدين. ويعتقد اركون ان الوعيّ الاسلامي يمكن ان يحرر نفسه من هذا الاستقطاب بإعادة تقييم إنسانوية المعتزلة. ولابد من تطوير طريقة تفكير جديدة يتعايش فيها الوعيّين الاسطوري والعقلاني دون ان يستبعد احدهما الاخر ويمكن ان يُفهم بها القرآن تاريخياً دون إنكار اصله المقدس(54).
بقيت نقطة خلاف بين دعاة التفسير التاريخي للقرآن حول قابلية الخطأ وموضوعية مثل هذه المحاولات للإجتهاد والتفسير. يعتبر فضل الرحمن نفسه ضمن "مدرسة الموضوعية" ولا يتفق مع طروحات هانس جورج جادامر القائلة ب "عدم امكانية الفهم الموضوعي لأى شي على الاطلاق"(55)، بينما يميل مفكرون مثل محمد اركون وحسن حنفي الي الاعتقاد بأن تحرير الوعي الإسلامي من المؤسسات البشرية التي تدعي لنفسها سلطة مقدسة لا يتم إلا بالإقرار بالذاتية (عدم موضوعية) الكلية للإدراك والمعرفة الانسانية. تنهض ذاتية اركون وحنفي في ملتقى تيارات فكرية اوربية واسلامية متباينة، إذ انها تمثل في المقام الاول نقطة انطلاق من الوضعية الاخلاقية للمعتزلة والفلاسفة المسلمين، وبهذه الصفة فإنها تمثل ايضا مزيجا من النقد الإسلامي الاصولي للإجتهاد والنقد الاوربي مابعد الحداثي لعقل التنوير، وحيث ان ذاتية الاحكام البشرية (لا موضوعيتها) بالنسبة للاصوليين تستبطن دائما الهيمنة والسيطرة فإن السبيل الوحيد لتفاديهما هو الاعتصام بالمعنى الحرفي للقرآن، لإن هذه الذاتية تعتبر لدى ما بعد الحداثيين من الخصائص الجوهرية للحرية الانسانية ولا سبيل الي الفكاك منها.
ويتخذ حسن حنفي موقفاً اكثر تطرفاً، تتخذ مقولة إن لاي معنى وحقيقة طبيعة ذاتية موقعا مركزيا في كل اطروحاته. يجب ان يجدد الاسلام في القرن العشرين بالتحول عن الايمان بحقيقة مطلقة وإله متسامٍ الي مفهوم ذاتي للحقيقة وإله قريب وحالٍ في الأرض وقرأة تاريخية ومرتكزة على الانثروبولوجيا للقرآن. متابعاً أثر هايدجر وجادامر يمضي حسن حنفي الي القول بأن المعني لا يكمن في النص بل يتم انتاجه المواجهة بين النص والبشر في سياقهم التاريخي الاجتماعي المحدد. وتقوده ذاتيته المفرطة الي وصف كل المعرفة بالسلطة وكل الحقيقة بالايديولوجيا، ويبقى المعيار الوحيد الباقي لمعرفة المعنى الحقيقي للقرآن بالنسبة لحنفي هو الاعتقاد الراسخ بأن الهدف الاصلي للتوحيد هو تحرير الوعي الانساني من قوى الطغيان. ويمضي مع مقولة ماركس بإن الوعيّ الحقيق هو وعيّ البروليتاريا الي دعم مثالية المودودي، سيد قطب والخميني كتعبير عن التضامن الشعبي في النضال من اجل الحرية والعدالة الاجتماعية والإخاء(56).
يمثل محمد اركون موقعا وسطا في الطيف الممتد من الذاتية للموضوعية، فهو من ناحية يقول بان التحليل التاريخي الذي يدعو اليه لا ينكر ان القرآن يحتوى على معنى جوهري مقدس، ومن ناحية اخري فإنه على اية حال يقرر ان اي فهم او تعبير انساني عن هذه الحقيقة المتسامية، بما في ذلك القرآن نفسه، هو فهم وتعبير تاريخي وذاتي، وإذا فُهم الإقرار بذاتية الاحكام البشرية بهذه الطريقة فإنها لا تستدعي التخلي كلياً عن محاولة التوصل الي معرفة موضوعية. وبالرغم من ان الموضوعة المطلقة مستحيلة فإن العقل النقدي يمكن ان يحد من الاخطاء لاقصى قدر بالجهد الدؤب لإعادة نقد النقد، واستحالة الموضوعية المطلقة لا ينفي امكانية ان تصبح اكثر واقل موضوعية (57).
بالرغم من ان اركون يرفض مثال الدولة الاسلامية الذي يتبناه الاسلاميون إلا انه يمكن القول بأنه بالانسانوية الاسلامية التي يدعو لها يقود المشروع التحديثي الاسلامي على النمط الذي بادر به الافغاني ومحمد عبده الي خلاصتها الجذرية القائلة بان اي نظام ديني لا يؤدي بالضرورة الي استبعاد النظام العلماني، وانه يمكن المساهمة في الحداثة الكونية مع الاحتفاظ بهوية خاصة محددة وامكانية حماية الاصالة الاسلامية دون ان تنظر الي ذاتك كجوهر اسلامي ثابت. وهذه النقطة هي التي يُميز فيها العلمانيون الجذريون مثل عزير العظمة وصادق جلال العظم انفسهم من دعاة التفسير التاريخي للقرآن الذين يحاولون مصالحة مفاهيم لا يمكن ان تتعايش وفقاً لرأى العلمانيين. بالنسبة لهؤلاء فان مقولة الاصالة، ليس في تعبيرها التاريخي الاسلاموي فحسب، بل على اطلاقها، مقولة جوهرية بطبيعتها ومتناقضة مع الحداثة الكونية. وهكذا فإن عزيز العظمة يجادل بإن خطاب الاصالة خطاب واستبعادي على اطلاقه، تماماً مثل نقيضه الخطاب الاستشراقي. ويعتقد الفليسوف السوري صادق جلال العظم بالرغم من ان الاسلام تعايش طوال معظم تاريخة مع الاوضاع العلمانية إلا انه كعقيدة لا يقبل بالعلمانية. ويسأل صادق العظم نفسه عن المشكلة التي تجعل مابعد الحداثة الاروبية المعاصرة يندلق بمثل هذه السهولة والاهمال ليدفع الرياح الي شراع الاسلامويين. بالنسبة لصادق جلال العظم لا يعدو خطاب الاصالة كونه خطاباً جوهرياً وبهذه الصفة يكون هو الاستشراق معكوساً. والمناداة بالاصالة الاسلامية تعن استبدال الحقائق الموضوعية الكونية بمقولات الذاتية الثقافية للتوصل الي اسلام جامد وثابت والعودة الي الدولة الدينية القروسطية(58).
يتواصل بالصفحة التالية
|