|
لقاء مع تعبان لو لِيَونْــــقْ *
Taban Lo Liyon
(سُجِّل في لندن، 30 ديسمبر 1976)
·
كيف ولماذا بدأتَ الكِتابة؟
لا أستطيع أن أعرفَ، بالضبط، متى بدأتُ الكِتابة. أظنُّ
أنّني كُنتُ سامعاً كثيراً من الحكاياتِ الفولكولوريّة و
حكايات الأسفار حينما كنتُ يافعاً، ثم نحنُ قد كُنّا، في
المدرسةِ الأوّليّة، مهتمّينَ بسردِ القصص. ثمةُ فترةٍ في
الصّباحِ كان على كلّ واحدٍ منّا أن يقصَّ فيها قَصّةً.
كان ذلك يُجري صفّاً فصفّا. ولئن جاء دور الواحد منّا كان
يذهبُ إلى مقدّمة الفصل، يحكى حكايته ثمّ يعُد إلى مكانه
ويجلس. ولئن لم يستطع المرءُ أن يحكي حكايةً يَكُنْ عليهِ،
آنذاكَ، أن يجلسَ في مُقدّمة الفصل وفي مُواجهةِ الجّميع
مما كان يُسبّب لهُ حرجاً. أنا أتذكّرُ أنّني قد حكيتُ
حكايتي الأولى، أمام فصلي الدراسي، في عام 1945. أظُنُّ
أنّها كانت تلكَ الحكاية عن الأرنب البرّي والtarbaby،
أو رُبّما كانت تلك التي عن الديك الذي وُجدَ واقفاً على
رجلٍ واحدةٍ إزاء الأرنب البرّيّ.
سأل الأرنبُ البرّيُّ الديكَ، آنذاك: "ماذا فعلتَ برجلِك
الأخرى؟" فأجابهُ الديك: " بما أنّكَ ضيفي فإنّ أمّي
قطعتها و طبختها لكَ كي تأكلها". جاء وقتُ الغداء فأكلا.
في اليوم التالي دعا الأرنب البرّي الديك إلى منزله، ثم
أهابَ بأمّه أن تقطعَ ثلاث من أرجله حتى يستطيع أن يقف،
مثل الدّيك، على رجلٍ واحدة. حين جاء الدّيكُ إلى بيتِ
الأرنبِ البرّيّ وجد صاحبهُ يئنُّ. نظر الدّيكُ حوله وقال:
"ما الذي تفعلَهُ تلك المرأة هناك؟" أجابهُ الأرنبُ
البرّيّ: "إنّ أمّي تطبخُ الآنَ أرجُلي لوجبتِكْ". حينذاك
جذب الدّيكُ خارجاً رجله ’الأخرى ‘ ووقفَ عليها، لكنّه كان
عليهِ أن يركضَ بعيداً، بأقصى سُرعةٍ، لأنَّ أمّ الأرنب
البرّي ما كانتْ راضيةً عمّا حدث.
أظُنّ أنني، مُنذ تلك الأيّام، بدأتُ أُحبُّ سَماع و رواية
الحكايات. في المدرسة الأوّليّة أيضاً كانت لدينا بعضً من
تلك الإصدارات الباكرة من سلسلة أقاصيص دار لونقمانس، أو
حكاياتها الأفريقيّة، المُبسّطة فقرأنا، آنذاكَ، قصصاً
كثيرةً من غربِ أفريقيا، جنوب أفريقيا و شرق أفريقيا.
ثُلّةٌ من تلكَ قرأناها في الفصل، و قِلّةً جعلناها
تمثيليّاتٍ. كُلُّ ذلكَ يؤوبُ، في تاريخِهِ، إلى بواكيرِ
الأربعيناتِ ممّا قد يدُلُّ على أنَّ ذاكَ الزّمانِ كان
أوّلَ عهدي و اهتمامي بسَمَاعِ و روايةِ الحكايات.
·
ذاكَ كان عن سَماعِكَ و رِوايَتِكَ للحكايات. لكن، هلا
أخبرتنا متى بدأتَ، بالفعلِ، " تسجيل " أمثال تلك الحكايات
و من ثَمَّ غدوتَ كاتباً لها؟
لا أعتقد أنني أستطيع تحديد موعدٍ لذاك. لكنّني أعلمُ أننا
اعتدنا، في المدرسة الأوّليّة و الثانويّة، أن نُجري
تمارينَ على سردِ القصص. ثمّ أننا قد قُرِأتْ علينا،
حينذاك، بأصواتٍ جَهُورَةٍ، كثيراً من القصص. قد تتلمذتُ
على أستاذة إنجليزيّة في مدرسة قَولُو الثانويّة العُليا
كانتْ تأتي و تقرأ علينا رواية ألان بوتون ابْكِ يا
بلدي الحبيب لمدّة ساعة كاملة. كما كانتْ لدينا أستاذة
أخرى أكثرَ كسلاً من تلكَ كانتْ تقرأُ علينا كذلك، بصوتٍ
جهُورٍ، رواية رايدر هاقارد مناجم الملك سليمان.
ثمّ أنّنا قد قرأنا، من جانبنا، قصصاً كلاسيكيّةً مُبسّطةً
عديدةً.
بالمُناسبة، إنّ رواية ألان بوتون إبكِ يا بلدي الحبيب
قد أثّرتْ على أوكوتْ بيبتيكْ بقُوّةٍ بحيثُ أنّهُ
كتب روايةً، باللّغةِ الأشوليّةِ، تحت عنوان
Lak Tar بدا عليها، بجلاء، أثرُ ما قد فعل
ألان بوتون. قُرأتْ على بيبتيك كذلك، أو ربّما هو قرأها
بالتَّصَاحُب مع أستاذ موسيقى في كِنقْ كوليج، أُنشُودة
هيواثا. كان بيبتيك قائدَ زُمرة المترنّمين في مدرسة
بيدُو، رُغم أنّه كان تلميذاً فحسب، فيما كانتْ تلميذة
إنجليزيّة هناك قائدة زُمرة المُترنّماتْ. كانتْ تلك
التلميذة تقرأُ على بيبتيك، أو تُغنّي، أُنشُودة
هايواثا. ثمَّ كتب هو، أخيراً، " أُنشُودة هايواثا "
الخاصّة به و هي عمله الموسوم ب" أُشودة
لاوينو ". قال لي بيبتيك، ذاتَ مرّة، أنّه مال كان يُريدُ،
آنذاك، قراءة مزيدٍ من الكُتُب لأنّه كان إنساناً شديد
الانطباع مما جعله ميّالاً لأن يبدأ، للتّوّ، كتابةَ شيءٍ
آخرٍ مثيلٍ لكُلِّ (أو مُستوحىً من كُلِّ) ما كتابٍ قرأهُ
حينذاك.
ربما تكونُ كتابتي الخاصة قد بدأتْ آناء دراستي في مدرسة
قَولو الثانوية العليا. أردتُ، حينذاك، أن أبدأ ترجمة
كتابٍ ألّفهُ واحدٌ من زُعمائنا القَبَلِيّين شيخ قبيلة
أشولي كان قد ذهبَ إلى إنجلترا و كتبَ كتاباً عنها. كان
الكتابُ فيما أذكُر باللغة الإنجليزية و كنتُ أُترجِمُهُ
للغة للّغة الأَشُوليّة. ربما كان ذلك أوّل عهدٍ جِدِّيِّ
لي بالكتابة. لا أدري الآن ماذا حدثَ لذلك الكتاب. ربما
ضحكَ عليَّ، حينذاك، التلاميذ و ما استطعتُ أن أُكملَ
ترجمته أو شيئاً من هذا القبيل. لكنّ الشيء الجّدّيّ
الثاني الذي كتبتُهُ كان في عام 1951 و آنَ ما كنتُ طالباً
في مدرسة السير صامويل بيكر كان ذلكَ قصة قصيرة و قد
أحببتُها بالفعل.
·
ماذا كانوا يُدرّسُونَ في مقرّر الشّهادة المدرسيّة آنذاك؟
حتّى قبل الشهادة المدرسيّة تلك كانت هنالك
الشهادة الثانويّة العامّة التي احتوى مقررها، في
الغالب، على روايات مبسطة، قصص و مسرحيات على شاكلة
مسرحيات شكسبير المبسطة و ما إلى ذلك من كتابات.
كانتْ الشّهادةُ المدرسيّةُ، على عهدنا، هي عينَ
شهادةِ مدرسة كامبردج الجامعيّة التقليدية، بذاتِ الكُتُبِ
التي كان على طالب المدرسة الثانوية العليا بإنجلترا أن
يدرسها. ما كان هنالك شيءٌ أفريقيٌّ ضمن مقرراتنا. كنّا
نُدرّسُ دوماً إمّا مسرحيّةٌ لشكسبير، روايةٌ لشارلز ديكنز
ربما الآمال العريضة أو حكاية مدينتين. قد
قرأنا أيضاً، حينما كنتُ أنا في سنة امتحانات الشهادة
المدرسيّة، النسخة المترجمة عن دار نيفيل كوقْهِلْ
لرواية شَوسَرْ المسمّاة حكايةُ صَفُوح.
·
هل كان هنالك طلاب يُحاولون، آنذاكَ، كتابة قصصهم الخاصّة؟
حدّثني نقُوقِي [نقُوقِي واثنقو]، ذات مرّةٍ، أنّهُ كان
هنالك في فصلهم، في مدرسة التّحالف الثانويّة العليا أو
ربّما في كليّة ماكريري الجّامعيّة، كاتب قصة قصيرة أفضل
منه. ذلكم إنسانٌ كان سيكون في تقدير نقوقي واثنقو
الرّوائي الأفضل في شرق أفريقيا، إن هو ثابرَ على سبيلِ
ذلك. لسوء الحظّ يقول نقوقي واثنقو كفّ ذاك الشّابُّ
نفسَهُ عن الأدب و انضمّ للجّيش. أظُنّ أنه كان طالباً من
منطقة كالِيْنْجَنْ اسمَهُ لانْقَاتْ. قد استبان نقوقي
واثنقو و آخرون، في شخصِ ذلك الطّالب، الكاتبَ الأفضلَ من
بينهم.
ثمةُ أناسٍ كُثُرٍ آخرين أُضِيْعَتْ مَلَكاتَهُم كذلك.
على سبيلِ المثالِ، حينما كنتُ في المدرسة الأوّليّة كان
هنالك صبيٌّ يافعٌ على براعةٍ شديدةٍ جداً، جدّاً في سرد
القصص القصيرة. كان ذلك الولد هو الحكّاء الأفضل الذي
حُزناه، و كان يُمتُعنا كثيراً. إنّه كان ابن طبّاخ
المدرسة، و آن ما تُحنْ فسَحَةُ سردِ القصص تكن قصصه هي،
دوماً، الأفضل بين الأُخريات. أحياناً أظُنُّ أنّ غالبية
من يكتبُون مِنّا الآن إنّما هم يغصبُونَ أماكنَ بعضِ من
كانوا أحقَّ بها منهم، إن كان قد قُيّضَ لأولئكَ أن
يُثابرُوا على الكتابة أو يستمرّوا في تعليمهم. أنا لا
أظنُّ أنّ لديّ أيُّ قدرةٍ على نسجِ غِزُولِ الحكاياتِ
تُضاهي، على أيِّ نحوٍ، قُدرة زميلِ دراستي ذاك. لسوء
الحظ، لم يذهب ذلك الولدُ بعيداً على سبيل التعليم،
فأبُوهُ كان طبّاخاً و ما استطاع أن يُوفّر له مصاريف
الدراسة. لكنّه ذاك الطّالب كان أيضاً فناناً جيداً و كان
دؤوباً على إقامة حفلات الرقص في منزل والديه. عندما كنتُ
في أمريكا علمتُ أنّهُ قد أقامَ حفلِ رقصٍ في منزلِ آلهِ و
أمّهُ النّاسُ، بيد أنّ الغضبَ تملّكهُ فجأةً و اغتال
واحداً من أولئك الناس فانتهى به الأمرُ إلى الموتِ شنقاً.
·
هل كتبتَ كثيراً آنَ ما كُنتَ طالباً في مدرسة السّير
صامويل بيكر؟
لا، ليس كثيراً. ثمةُ فجوةٍ عريضةٍ من اللا كتابة كانت
هنالك حتى حوالي 1960 (أو 1961) حينما عدتُ إلى مدرسة قولو
الثانوية العليا إذ عُيّنتُ هناك معلّماً. لكنّ كتابتي،
آنذاك، كانتْ سياسية و معنيّة، رئيسياً، بمساندة حزب
مؤتمر الشعب اليوغندي.
الكتابة الأدبية التي مارستُها، من بعد ذلك، كانت في
أمريكا حيثُ كتبتُ قصيدةً عن الأمريكيّين السّود إبّان
عهدي في كليّة كنوكسفيل. ضُمّنتْ تلك القصيدةُ مجموعتي
الشعرية الموسومة ضلوع فرانز فانّون اللا مُستقيمة.
أظُنُّ أنَّ تلك كانتْ أول كتابة حقيقية لي. أطلعتُ بعضَ
أصدقائي على تلك القصيدة، و كان من بينهم طالبٌ في جامعةِ
كولومبيا متزوّجاً أمريكيّة سوداء. أحبَّ ذينكُما تلك
القصيدةَ جداً. ثم كان الشيء الثاني الذي فعلتُهُ هو كتابة
قصة فولكولورية سميتُها أُمثُولةٌ من بلادٍ أخرى
لكي تُنشر في مجلة إنكاونتر الأمريكيّة المسيحيّة
الجّنوبيّة. قد قدّرتْ تلك المجلّة القصة إيّاها تقديراً
كبيراً إذ نشرتها على غلافها الأخير. أظُنّ أن ذلك كان هو
العمل الأوّل المنشور لي، بجانب مقالاتي التي ظهرتْ
في مجلات شرق أفريقيّة. تلك المقالات قد تكون كُتبتْ ما
بين عام 1963 و 1964 بعد أن غادرتُ كليّة كنوكسفيل لأدرس
في جامعة هوارد.
·
هل شُجِّعتَ على الكتابةِ آنَاءَ أيّامِكَ في جامعة هوارد؟
لم يكُنْ ذلكَ، فيما أظُنُّ، شأنَ تشجيع. فالذي حدثَ هو
أنّني قد حصلتُ، أثناءَ إجازتي الصيفية، في نيويورك في عام
1963، على نُسخةٍ من هاكِلْبَيْرِي فِنْ. كنتُ قد
قرأتُ نُسخاً مختصرة من الكتابِ إيّاهُ في يوغندا. لكنّني،
في نيويورك، حزتُ على نصّه الكامل و صرتُ أشدَّ افتتاناً
به من ذي قبل. أنا قد ذهبتُ إلى أمريكا لكي أدرُسَ العلوم
السياسيّة و السّوسيولوجي. و ذاك ما فعلتُهُ في سنتي
الأولى في كليّة كنوكسفيل. ثم، في سنتي الأولى في جامعة
هوارد، التي كانتْ، في الحقّ، بمثابة سنتي الثانية في
الكليّة إيّاها، صرتُ مهتماً أكثرَ بدراسة الأدب. عليه
تركتُ دراسة العلوم السياسية و السوسيولوجي و اتّجهتُ
لدراسة الأدب.
·
متى صرتُ مُدركاً أنّ الأفريقيّين كانوا يكتُبُون؟
قد قرأتُ بعضهُم آنَ ما كنتُ في شرق أفريقيا. قد جاءَ
جيرالد مور، ذاتَ عُطلةِ نهايةِ أُسبُوعٍ، إلى قولو حيث
رتب لنا مقرراً إضافياً ألقى علينا فيه محاضرة عن الأدب
الأفريقي لم يستثني منها الكتاب ’الفرنسيين‘. هو قد جاء
معه بنسخٍ من أورفيَوس الأسود و ربّما تَحَوّل
كذلك. كما و قد سمعتُ أيضاً عن مؤتمر للكتاب الأفارقة
عُقد في ماكريري آن ما كنتُ أُدرِّسُ في مدرسة قولو
الثانوية العليا. كنّا، في الحقّ، قد اشترينا، حينذاك،
بعضاً من كُتب أولئكَ أو، على الأقلّ، حصلنا على شيءٍ من
مادّتها، لذا كنتُ مدركاً أنّهُ كانتْ هنالكَ، في ذلك
الزّمان، أدبٌ أفريقيٌّ. أستدرِكُ هنا فأقُولُ إنّني حتّى
حينما كنتُ أصغرَ من ذلك كنتُ قد قرأتُ رواية جواز سفر
مَلام إليَا لكاتبِهِ سيبريان إكوينسِي.
عندما ذهبتُ إلى جامعةِ هوارد استعملتُ مكتبتهم
الأندلسيّة التي كانت محتوية على مجاميعهم من الكتب
الأفريقيّة و الأفريقية الأمريكيّة. كنتُ أنفقُ كثيراً من
وقتي قارئاً للكتب هناك، بما في ذلك ما ألّفهُ جومو
كينياتا، أكيكي نيابونقو و كلّ ما ألّفهُ، آنذاك، الكتّابُ
الشرق أفريقيّين تقريباً.
·
هل ذاكَ هو ما حفّزكَ على التَّشَكِّي من جدبِ شرق أفريقيا
الأدبيّ؟
بلى.
ذاكَ كان ما قد حضّني على ذلك. ثمةُ كتبٍ قلائلٍ جداً كانت
قد كُتِبَتْ، آنذاك، من قِبل كتّاب شرق أفريقيّين. فكلّ
الأشياء الأدبية التي طلعتْ علينا آنَ ما كنتُ في جامعة
هوارد كانت رواية نقوقي واثنقو لا تُبكِ، أيُّها الطّفل،
منتخباتَ ديفيد كوك القصصية المسماة الأصل: شرق أفريقيا،
ثمّ بضعة مواد مكتوبة، قصص قصيرة و قصائد نُشرتْ في مجلاتٍ
في شرق أفريقيا، و ربّما أمريكا و أوربّا.
أتذكّرُ أنّني قرأتُ استعراضاً لكتاب نقوقي الأول بقلم جون
ناقيندا تحدث فيه عن عن "النقطة الساكنة". أعتقدُ أنّه
استعار المُصطلح من نقد ت. س. إليوت الأدبي. كان ذاكَ مثل
القول إنّ نقوقي قد فعل، في أدبه الخَياليّ، ما سبق و
فعلتهُ أوربّا يبدو أنّ هذا الانطباع قد أُنشِأَ في عقولِ
أولئك الذين كانوا في ماكريري.
\
لكنّني قرأتُ مؤلّفاتَ أخرى لكتّابٍ غرب أفريقيين و من جزر
الهند الغربية و ما إلى ذلك و وجدتُ أننا في شرق أفريقيا
ما كنّا، آنذاك، حائزينَ على الكثيرِ من الكتابة الادبيّة.
عليه بدأتُ كتابة ذلك التّشَكِّي من الجّدبِ الأدبيِّ في
شرق أفريقيا.
·
ما الذي، في اعتقادِك، كان وراء التغيير المفاجئ في
المُناخ الأدبي الشّرق أفريقيّ؟ لماذا هنالك أناسٌ عديدون
جداً يكتبُون الآن، في شرق أفريقيا فيما لم تشتمل الستينات
على سوى قلّة قليلة من الكاتبين؟
كنّا، فيما أظنُّ، في حاجةٍ لأن نُظْهَرَ على أنّ ذلكَ
مُمكنً فعله. الشيء الأول الذي اكتشفناهُ هو أنّ الشرقَ
أفريقيّين قد كتبُوا، مُبكّراً، أشياءَ كثيرة مثل ذاك
الكتاب الذي ألّفهُ هام موي سا عن زيارته للندن، أو كتاب
جومو كينياتا ثم، بالطبع، مؤلف أكيكي نيا بونقو الموسوم
أفريقيا تردُّ على سائليها الذي نُشر فيما أذكر في
موعدٍ باكرٍ هو عام 1936. إن المتحدّثين باللغة السواحليّة
على وعيٍ مسبقٍ و جليٍّ بتراثِ كتاباتهم السواحليّةِ
الغنيّ، خاصّة في كينيا حيثُ رُبّيَ النّاسُ على قصص أبي
نوّاس و سندباد البحري.
·
هل كانتْ هنالك كتابةٌ معتبرةٌ باللغة الأشوليّة حينذاك؟
هل كانتْ هنالكَ أعمال أدبيّة أخرى يمكنُ قراءتُها،
حينذاك، غير تلك التي نشرها أوكوت بيبتيك؟
بلى. إنّ أحدَ الخريّجين الأوائلِ من جامعة ماكريري كان قد
برز، في الساحةِ الأدبيّةِ، بكتابتِهِ مسرحيةً سمّاها
تحوّل بيت وثني إلى بيت مسيحي. ذلكم في قد حدث في
حوالى عام 1946. لسوء الحظ، تُوفّي ذاك الكاتب الأشولي،
بعد ذلكَ، بعامٍ، أو عامين. كان أوكوت طالباً في المدرسة
التي كان يعملُ فيها الكاتبُ إيّاهُ، آنذاكَ، معلّماً.
حينذاكَ كنّا أيضاً نملُكُ إرثاً من الكتاباتِ
الإثنوغرافيّة باللغة الأشوليّة، قصصَ عن زعماء قبائل
مختلفين و ما إلى ذلك. نفس الكاتب الذي ذكرتُ ألّفَ، من
بعد مسرحيّته تلك، كتاباً سمّاه الإرث الأشولي، و
كان ذلك مؤلفاً كبيراً جداً و واحداً من أفضل الكتب
التاريخية عن الأشوليّين. كتب، كذلك، شقيق زوجتي، لاسيتو
أوكيش، شيئاً عن زعامة قبليّةٍ أشوليّة. ذلك يُرينا، إذاً،
أنّه كانت هنالك كُتُبٌ متاحة باللغة الأشولية من ضمنها،
بالطبع، ترجماتٌ للإنجيل و كتب ترانيم دينية مسيحية.
·
هل تعتقد أنّ تعليمكَ و تجربتك الحياتية في الولايات
المتحدة الامريكية قد صيّرتا كتابتك مختلفة، على أيّ وجهٍ
من الوجوه، عن كتابة شرق أفريقيين آخرين؟
بلى.
ذلكم بمعنى أنني ما أُنشِئتُ على مُقرّرِ جامعة ماكريري،
ذلك المقرر ذو المركزية الإنجليزية الذي درسه خرّيجو أماكن
مثل جاكعة ماكريري، أبادان و ليقون. أنا قد حُزتُ، في
أمريكا، على تعليمٍ أكثرَ ليبراليّة. كما و أنني بدأتُ ذلك
بالطبع بدراسة العلوم السياسية و السوسيولوجي و ليس الأدب.
أعتقدُ أنني التهمتُ كُتباً، خلال أعوامي الدراسية الثلاث
هناك، أكثرَ مما كنتُ قد أكونُ فعلتُ إن بقيتُ بماكريري
مُركّزاً على قراءة كتب المقررات الجامعية المعلومة فحسب.
في ماكريري، كما في أغلب الجامعات ذات النمط الإنجليزي،
يُدرّسُ المرءُ نصٌّ مقرّرٌ في سنته الاولى، ثمّ يُمتحنُ
فيه في سنته الثالثة. لكنّ في نظام التعليم الامريكيّ
يُدرّسُ المرءُ مقرّرٌ واحدٌ بما يشتملُ عليهِ من نصوصٍ
منهجيّةٍ محدّدة، لا أكثرَ و لا أقلّ، خلال كلّ فترةٍ
دراسيّةٍ واحدةٍ. ثم بعد أن ينجح المرءُ في ذلك ينتقلُ إلى
دراسةِ مٌقرّرٍ آخرٍ في الفترةِ القادمة. عليه ستكونُ
هنالك كتبٌ أكثرَ مقرّرٌ على المرء أن يقرأها في الجامعات
الأمريكيّة أكثرَ مما هو الحال في مكانٍ مثل جامعة ماكريري.
أظنّ أنّ ذلكَ قد يكونُ سبباً في الاختلافِ إيّاه.
* أيُّ الكُتّاب الذين قرأتَ لهُم آنما كنتَ طالباً
جامعياً كان لهم الأثر الأعظم عليك و على كتابتك؟
من الصّعب جداً أن أُخصّصَ، بالضّبط، أيّاً من أولئك كانوا
أعظم أهميّة بالنسبة لي. ذلكم لانني عندما بدأتُ الكتابةَ
ما كنتُ راغباً في أن أكتُبَ كما كتب الأمريكان. كنتُ،
آنذاكَ، معنيّاً أكثرَ بهذا السّؤال: "حسناً. هذه هي كلّ
كتب المقررات العلمية الأمريكية التي ندرسها. لكن أين
الكتب الأفريقية؟" عليه كان الشّأنُ معي مثل أمرٍ
جُوّانِيٍّ: أُكتُبْ الكتاب الأفريقي.
أنا أيضاً قد تأثّرتُ، بقوّةٍ، بخلفيّتي الشفاهيّة
الخاصة. فكتاباتي الإبداعيّة الأولى كانتْ، على كلٍّ،
إعادة ابتداع ذاتيّة للقصص التي عرفتُها في عهدِ نشأتي.
كنتُ أحاولُ أن أُعيدَ صياغةَ تلكَ و أن أهبَها معنىً
جديداً. ما كان الأمرُ مثلَ قولي لنفسي: "حسناً. أنا
سأكتُبُ كتابي هذا مثل هذا الكتاب أو ذاك".
·
لكن هنالك كُتّابَ و مُفكّرينَ كثيرينَ تُشيرُ إليهُم في
كتاباتِك؟
بلى.
ثمةُ كثيرينَ هناك. وذلكم يُصيّرُني لا أدري حقّاً من أينَ
"استَعَرْتُ" هذه "الريشة" أو تلك. لا أستطيع القول من أين
أنا قد أتيتُ ببعضٍ من تلك الرّيشات الجّميلات اللاتي
نرتديهُنَّ نحنُ جميعاً.
مع ذلك، كان للموسيقى أثرٌ مهمٌّ عليَّ. أنا أحبُّ أن أدع
الموسيقى تُهيئ لي إيقاعي و مِزَاجِي الكتابيّين. آناً
فآناً، يأتي زمانٌ أسمعُ فيه قطعةً موسيقيّةً مُركّبةً ما
و أُحاولُ أن أحذُو حذو الموسيقى "لفظيّاً". أنا أستمتعُ
بالموسيقى الكلاسيكيّة باخ، برامز، بيتهوفن و كذلكَ أضرُبٌ
كُثُرٌ أخرى من الموسيقى. لكنّ لديّ مشكلةُ تَواؤُمٍ مع
ضربٍ بعينِه من الموسيقى الأفريقيّة. كان لدينا، في يوغندا،
كثيرٌ جداً من الموسيقى الكنغوليّة. بيد أننا، لسببٍ ما أو
آخر، ما استطعنا أن نتواصلَ معها على نحوٍ حَسَنْ. فلُغةُ
ما يُغَنّى بها كانتْ هي اللغة الأفريقية المسماة "لِنقَالا"
التي ما عرفها أيّواحدٍ منّا. أنا لا أجدُ في نفسي
انسجاماً مع إيقاعها. أنا أرقُصُ على نغمٍ مختلف.
·
كيف تُقرّر الشّكلَ الذي تكونَ مُزمعاً الكتابةَ
وِفْقَهُ؟
أهْ، ذلكم كان سهلاً. عندما بدأتُ كتابة مقالاتي كانتْ
كُلٌّ من هاتيكَ مختلفةً عن الأخرى، كما و اتّخذتْ القصصُ
القصيرة في مجموعتي ارتسَخات و الرّجُل ذي
الزِّيِّ الرَّسْميِّ أشكالاً متنوّعة. كُلُّ واحدة من
تلك القصص كانت مختلفة في أسلوبها عن الأخرى. لا أدري إن
كان القُرّاء قد اكتشفوا ذلك بالفعل. فكلُّ قصةٍ من تلك لم
تُحْكَى، بالضّبطِ، كما حُكِيَتْ سابقتُها. كان ذلك مثلَ
قولكَ: "حسناً، يا كتّاب المستقبل في شرق أفريقيا. ثمةُ
شكولٌ متعدّدة من الكتابةِ هُنا. اختاروا ما تشاؤون من بين
تلك اختاروا هيئة الكتابة التي ترضَون". ما كنتُ أحاولُ أن
أفعلهُ كان شيئاً من ذلك القبيل.
حدث الأمرُ معي، جُزئيّاً، بصورة حدسية (تلقائية). فبينما
كنتُ عائداً إلى المنزل، ذاتَ شتاءٍ في مدينة أيوا
الأمريكيّة، واتتني، جِماعاً و بشَكلها الذي الذي كان
عليها أن تكتُب به، القصة الموسومة الرجل العجوز من
أوسومبُورا. في الوقتِ الذي وصلتُ فيه إلى المنزل
كانتْ تلك القصة قد سبق و كُتبَتْ في عقلي بالشكل الذي كان
عليّ أن أكتُبها به. و ذلكم يجعل الأمر ليس مثل قولي: "أنا
أفكّرُ في هذه القصة و أستطيعُ أن أكتُبها على هذه
الهيئة" و إنما، ببساطة، نزوعاً نحو عدم تكرار نفسي. أنا
ما أردتُ أن أُكرّرَ شكلاً، أو أُسلوباً، ما سبق و أن
كتبتُ قصّةً ما على هيئته.
·
لكنّكَ تبنّيتُ أشكالَ كتابةٍ موغلةٍ في اللا أرثوذوكسيّة
مثل "جوامع الكَلِم
aphorisms
" التي ضمنّتَها عملك المُسَمَّى "أناشيد التخلّف"؟
بلى. تلك ترجع إلى أيّامِ تأثّري بنيتشة، إلى انطباعاتِ
قراءتي لنيتشة و الفلاسفة اليونانيين القبلسقراطيّين.
·
ربّما يكُنْ علينا أن نُرتّبَ أعمالكَ الأخيرة على نحوٍ
تأريخيٍّ صحيح. فبعضُ تلك الأعمال يبدو أنّه قد نُشرَ بعد
زمانٍ طويلٍ من كتابته.
إنّ "الحِكم الموجزة" (جوامع الكَلِم) التي برزت، فحسب، في
أناشيد التّخَلّف هي بعضُ كتاباتي الباكرة في
أمريكا التي ما علمَ أحدٌ ماذا يفعلُ بها، كيف ينشُرُها أو
حتى ما الذي "يَخْرُجُ" منها به. هكذا كان الأمرُ في
أوّلِهِ. و ذلكم اضّطرّني، في النهاية، لأن أقول: "حسناً.
دونكم هذه "الأناشيد" كي تنشروها معاً و "العبارات
الموجزة" الجزء الأوّل سيحتوى على الشّعر، و الثّاني على
"العبارات الحِكَميّة الموجزة". ما كان لتلك الكتابات أن
تُنشرَ في شكلها الحاليّ إن لم أفعلْ ذلك.
·
هل كنتَ على علاقةٍ قريبةٍ بأقوالِ الزّعيمِ ماو أو أفكار
باسكال؟
ماو.... لا. باسكال؛ نعم. نيتشة؛ نعم. الفلاسفة
الماقبلسقراطيين؛ نعم. لكن ماو.... لا. أعتقدُ أنّ هنالكَ
أحياناً كان فيها ماو اسستنساخيّاً و مُصطنعاً في أقوالِهِ
أكثر من الآخرين. أنا بدأتُ بنيتشة، شوبنهور و واحدٍ من
أصحابِ "جوامعِ الكَلِم" اليونانيين ذلك الذي قال "إنّكَ
لا تنزل النَهر مرّتين". لا أستطيع تذكّر اسمه الآن [يشيرُ
تعبان لو ليونق هنا إلى هيراكليتس المترجم]. لكنّني،
قطعاً، توسّعتُ في الاشتغالِ على ما فعلوا. ثمّ كان
هنالكَ، من بعدِ أولئكَ جميعاً، بيرتولد بريشت طبعاً،
بقصائده التي هي "جَوَامِع كَلِم".
·
هل تكتُبُ كُتُبَكَ واحداً إثر الآخرِ أم أنّها تُجيءُ على
هيئةِ مجاميعٍ من أشياءٍ تُكتبُ خلل فسحةٍ زمنيّةٍ طويلةٍ ثم تنضمُّ، في النّهايةِ،
إلى بعضها البعض؟
كتبتُ المؤلّفات المُسمّاة الكلمة الأخيرة،
ترسّخات، الرّجل ذو الزّيّ الرّسميّ، ثم قصائد كتابي
الموسوم ضلع فرانز فانون اللامستقيم باكراً و
أكملتُ صياغتَها في أمريكا. و حينما كنتُ عابراً بلندن
خلّفتُ مسودّة واحدٍ من تلك الكتب عند دار هاينمان للنّشر
و أخذتُ مسودّة ضلع فرانز فانون اللامستقيم لدارِ
نشرِ جامعةِ أوكسفورد، لكن أولئكَ ما علموا كيف يقرأون ما
كتبتُ فرفضوه. و أما مُسودّة كتابي الكلمة الأخيرة
فقد حملتُها إلى دار نشر شرق أفريقيا. هذا يُنبئُ بأنّ كلّ
تلك الكتابات قد أُكمِلَتْ و طُبِعَتْ خلال أيّامي في
جامعتي هوارد و أيوا الأمريكيّتين. كتبتُ "جَوامِعَ
الكَلِمِ" (العبارات الحِكَمِيّة الموجزة) آناء تلك الفترة
أيضاً.
بعد الأيّام الأمريكيّة بدأ عهد إقامتي في نيروبي. أعتقدُ
أنّ أوّلَ شيءٍ فعلتُهُ في نيروبي كان هو كتابةَ القصص
التي جُمِعتْ في كِتَابِي المُسَمَّى أكلُ الزُّعماء
القَبَلِيّين. كنتُ، آنذاكَ، أقومُ ببحثٍ في معهد
الدراسات الأفريقية و قرّرتُ أن أكتُبَ كتاباً عن قبيلة
اللُيُوس، و آخرَ عن الماساي. لكنّني عُيّنتُ مُحاضرٌ في
شعبة الآداب في جامعة نيروبي فتخليّتُ، في ذاكَ الوقتِ، عن
المشروعِ إيّاه. ثم كان ذلك هو جلّ شأني مع الأدب
التعليمي. بعد ذلك جاؤت مؤلّفاتي المُسمّاة تأمّلات في
حال البينَ بين، ثلاثة عشرة حملةً ضدّ أعدائنا،
ثمّ الغالبية العظمى من كتاباتي الأخريات. كلّ ذلك قد
أُنجزَ آناء إقامتي في نيروبي.
·
هلا حدّثتنا الآن عن مرحلة "ما بعد نيروبي": تلكَ التي
يُمكنُ لنا أن نُشير لها باسم "مرحلة بابوا غينيا
الجديدة"؟
حتى الآن لم تكُنْ مرحلة بابواغينيا الجديدة مثمرةً جداً.
فالكتابُ الجديد الذي سلّمتُهُ، حديثاً، لناشرٍ كان قد
كُتِبَ، في الحقّ، أثناءَ أيّام إقامتي في نيروبي. كنتُ قد
سلّمْتُهُ لناشرٍ آخرٍ من قبل هذا و رفضه، ثمّ لناشرٍ آخرٍ
رفضه كذلك. عليه فكّرتُ بأنني ينبغي عليّ أن أصبِرَ عليهِ
حتى أستطيعُ أن أجدَ ناشراً ما قد يُدركُ كيف يقرؤُهُ و
يستوعبُ جِماعَ ما يُعنيه. إنّ واحدةً من المشاكل التي
تُواجهُنا في شرق أفريقيا كائنةً في أنّ غالبَ ناشري الكتب
هناك، أو مُحرّرِيهم، ليسوا على اطّلاعٍ واسعٍ، مما
يؤهّلُهُم لأن يُدركُوا فقط ما هو في حدودِ فهمهم
المرسومة. إنّهم لا يستطيعونَ أن يَشَاقَّوا أنفسهم لكي
يعلونَ على ذلك. ذلكم فضلاً عن أنّ المشتغلين بقراءة الكتب
لحساب دور النشر لا يستطيعون أن يُمسِكُوا برأسِ أو قَعَرِ
بعضِ الكتب التي تُسَلّمُ لهم كي يقرؤُون. ذلك جعل
الناشرين يقبلون فقط ما يفهمون و يرفضون أيّ شيءٍ مختلفٍ
عمّا يعلمون. و لئن كان دُوْنَكَ ناشرين في شرق أفريقيا
تلقّوا تعليمهم و دُربَتَهُم في جامعة ماكريري فإنّهم سوف
يعتبرون كلَّ ما يبدو لهم مُقارباً في هيئته و محتواه
للكتب التي قرؤُوها في جامعة ماكريري بمثابة أدبٍ حقيقيٍّ.
و كلّ ما عدا ذلك لن يفلحَ لأن يُعَدَّ، في رأيهم، بمثابةِ
أدبٍ.
·
هل أنتَ معتادٌ على تقديمِ كُتُبِكَ الجديدةِ، أوّلاً،
لناشرين من شرق أفريقيا؟ أيُّ مُطَالِعٍ لمؤلّفاتِكَ
يَرِدُ على تَصَوَّرِك؟
مُطالعُ ما أؤلّفُ هو، دوماً، مُطالعٌ شرق أفريقي. ثمةُ
نفرٍ منّا في نيروبي كانوا منزعجينَ كثيراً من غيابِ
المادّةِ المقروءة. لذا نحنُ قد ألّفنا كُتُباً ظننّا
أنّها تتطلّبُ أن تُنشرَ في الحال. لقد أتاني زمانٌ جاءني
فيه نقوقي [نقوقي واثنقو] و قال لي: "أنتَ ’تُنتجُ‘ كتباً
أكثرَ مما ينبغي. أعتقدُ أنّهُ من الأوفقِ لكَ أن تجعلَ
القرّاء يتشوّقُونَ إلى كتاباتك و تدعهم ينتظرونها لعام أو
عامين". لكنّني و أوكوت شعرنا بالمسألة على هيئة مختلفة.
كنا، بالفعل، نتنافس على أن نرى من منّا يستطيعُ أن يكتُبَ
أكثرَ مؤلفات تُخصبُ المرأى الأدبي القاحل. عليه حاولنا
أنا و أوكوت أن نَسُودَ على الناشرين الشرق أفريقيين حتّى
ينشروا كتبنا في الحال و يُطلعُوا الناسَ عليها. نحنُ
أيضاً اتّصلنا، آنذاكَ، بناشرين كثيرين لأنّ دار نشر
لونقمان ما كانتْ بمستعدة وحدها لنشر أكثر ممّا يمكن من
كتبٍ لمؤلفٍ واحدٍ يكتبُ، مثلنا، بغزارة. ذاتُ الكلامِ
ينطبقُ أيضاً على دار شرق أفريقيا للنشر و هيئة الأدب
الشرق أفريقي و دار نشر هاينمان. هذا يعني أننا ما كنّا
مهتمين، في الحق، بأن نقصرَ تعاملنا على ناشرٍ واحدٍ. كنا
معنيين أكثر يإنتاجِ مادةٍ من شأنها إخصاب المشهد الأدبي
الشرق أفريقي. و لربما كان جزءاً من سبب كون أن هناك الآن
عددٌ متزايدٌ دوماً من الكتّاب في شرق أفريقيا هو أنّ
بعضهم قد لاحظَ أنّ هنالك اثنين، أو ثلاثة، من الناس فقط
كانوا غامرِيْ السّوق بما يكتُبُون، الشيء الذي جعل كلُّ
واحدٍ من ذاك النفر قائلاً لصاحبه: "أنظُرْ! إن كان
فُلانٌ، أو عِلانٌ، يستطيعُ أن ’يفعلها‘ [أي ينشُر كتاباً
أو كُتُباً المترجم]، لماذا نُستثني نحنُ؟"
كنا نقدّمُ كثيراً من الكتاب الشرق أفريقيين الشباب إلى
الناشرين. أظنّ أنني أستطيعُ أن أزعمُ بأنني قدمتُ أكثرَ
من عشرة من أولئك إلى الناشرين. أوكوت أيضاً له الفضل في
تقديم عدد معتبر من أولئك للناشرين. قد اعتدنا على تقديم
كتاب جدد للناشرين عند الحجرة العامة للأساتذة بجامعة
نيروبي. و ذلكم قد كان، بالفعل، مُعيناً جداً. لم نخش قط
من المنافسة، بل فكرنا بأنه كلما كثر شباب الكتاب كلما زاد
انشراحنا بهم و النّاس. عليه نحنُ قد شجّعنا أولئكَ
تشجيعاً حقيقياً.
لقد كنتُ، في زمانٍ ماضٍ، ممثلاً، في جامعة نيروبي، لهيئة
الأدب الشرق أفريقي. و أظنّ أنّني قد جعلتُ حوالى اثني عشر
كاتباً يوقّعون على عقود نشر كتب مع الهيئة إياها في أقلِّ
من عام. وذلك صيّر تلك الهيئة فيما أظنّ منزعجةً قليلاً
فأوقفتني من المُضيِّ بعيداً في ذاك الاتّجاه. كتبٌ كثيرةٌ
من تلك هي الآن تطلعُ على الناس. و ثمةُ قليلٍ منها لم
يُنشرْ بعدْ. عليه سأحاولُ، عند ذهابي إلى نيروبي، أن أحثّ
هيئة الأدب الشرق الأفريقي على تقديم ما تبقّى من تلك
الكتب للقارئين.
كان هنالك مشروع لتأليف الكتب نظّمتهُ هيئةُ الأدب الشرق
أفريقي. كما و أنّ دار نشر جامعة أوكسفورد نظّمتْ، أيضاً،
مشروعاً كذاك في ماكريري،سفرَ عن إبرازه، للقرّاء، أعمال
أدبية للكاتب لابان إرابو و آخرين. فيما كان ذلك المنشط
جارياً حثثنا الناشرين على تأسيس جائزة للأعمال الأدبية
المنشورة حديثاً. خصص الناشرون مالاً لتلك الجائزة و
سُمّيَتْ "جائزة جومو كينياتا" و كان هنالكَ سعيٌ لنشرِ
عدة كتب في كل عام كي تُدخل المنافسة عليها. كنا نشجّع كلّ
دار نشر على أن تُمثَّلَ، على الأقل، في تلك المنافسة.
أظنّ أنهم كانوا، ذاتَ فترةٍ من ذاك الزمان، "يتبادلون"
الفائزين. فلئن فاز، مرةً، بجائزة الشعر رجُلٌ نشرت له دار
نشر جامعة أوكسفورد كان جائزة القصة القصيرة أن تُهبَ
لشخصٍ نشرت له دار نشر أخرى.... و هكذا. سُرعان ما جعل هذا
الكتاب جميعهم على اجتهادٍ شديدٍ جداً في سبيلِ أن
يُنتجُوا كتباً يكُن بمُستطاعها أن تصل المنافسة على تلك
الجائزة.
أعتقد أننا يجب أن نتذكر أن كلّ دور النشر المحلية كان
عليها، آنذاك، أن تتنافس، مبدئياً، مع دور النشر اللندنية
الراسخة مثل دارنشر جامعة أوكسفورد و دار نشر لونقمان و
خلافهما. حين قيام دار نشُر شرق أفريقيا مضى جون نونتنقهام
قُدُماً و حاول أن ينشرَ أكبرَ مجموعة ممكنة من الكتب و أن
يُوقّع عقوداً للنشر مع أكثر ما يمكنه من كتاب. و قبله
كانت هنالك هيئة الادب الشرق الأفريقي التي نشرت كتباً جمة
مؤلفة بلهجات شرق أفريقيا. معظم الكتب التي نشرت في أواخر
الأربعينات و الخمسينات، بما في ذلك الكتب المعنية بشؤون
الثقافة، قد نشرتها هيئة الأدب الشرق أفريقي. كل الكتب
التي ألّفت بلغات أفريقية كانت، بالفعل، من منشوراتهم.
فمدير تلك الهيئة، في ذلك الزمان، أراد لها أن تنشرَ فقط
كتباً مؤلفة باللغات ا لمحليّة.
·
لماذا تكتُب بالإنجليزية؟
أنا لديّ جمهورٌ يقرؤني بالإنجليزية أكثرَ من قراءته
الممكنة لي باللهجات الأفريقية. إن تكن مزمعاً كتابة
مؤَلّف ليُقرأ من قبل كل الشرق أفريقيين فمن الأفضل لك
الكتابة بالإنجليزية أفضلَ بمعنى أنه لو كُتِبَ بلغة
الأشولي فسينتفعُ به قليلٌ من الناسِ فحسب. لكنني لو كنتُ
أنتمي لقبيلة الموقاندا لكتبتُ بلغة اللوقاندا. ذلكم لأنه
هنالك جمهورٌ عريضٌ من القارئين بتلك اللغة، كما و أنّ
لديها تقليداً أدبياً راسخاً. فثمة كثيرٌ من الحكايات
الشعبية و الروايات قد نُشرتْ بلغة اللوقاندا، و بعضُ تلك
يرجعُ إلى أربعينات هذا القرن [العشرين]. لئن كنتُ عالماً
باللغة السواحيلية لكنتُ، كذلك، كاتباً تآليفي بها و
لفزتُ، حينذاك، بقارئين معتبرين. هذا يعني أن الكاتبَ لا
يستطيع أن يبيع كثيراً من كتبه في شرق أفريقيا إلا إذا
كُتبتْ بلُغاتٍ مثل اللوقاندا و الكيكييو و السواحلية.
بخلافِ ذلك من اللغات الأفريقية سيكون الكاتبُ، عموماً،
ناشراً لكتبٍ لا يشتريها أحد.
·
هل هناكَ كتاباتٌ كثيرةٌ، في هذا الزّمان، باللغات التي
ذكرتَها؟
لا. ذلكم ياستثناء اللغة السواحيلية، فمعظم بلدان شرق
أفريقيا تريد أن تبدل لغاتها إلى السواحيلية. عليه فإنّ
هناكَ قصائد، قصص قصيرة و بعض تمثيليات إذاعية تخرجُ علينا
الآن مكتوبةً بالسواحيلية. كما و أنّ هنالك، كذلك، كمّ
كبيرٌ من الكتابة بالسواحيلية يُجري الآن في جامعة دار
السلام. باستثناء ذلك ليس هنالك من شيءٍ يُعتبر يُكتبُ
بأيٍّ من اللغات (اللهجات) الأخرى. أعتقد أنّ السياسة
الحالية هي أن يُقضى على اللهجات (اللغات) الأفريقية، في
جِمَاعِها، بالاندثارِ حتّى تُشجّع اللغة السواحيلية على
بلوغ مستوى يُنافسُ الإنجليزية.
·
كيف تُقرر دور النشر الشرق أفريقية ما هي معتزِمَةً نشره؟
آنما تحصلُ إحدى تلك الدّور على مسودّةِ كتابٍ ما تذهبُ
بها إما إلى الجامعة أو إلى أصدقاءٍ لها قائلةً: "هل
تستطيعون قراءة هذه المسودة لنا و موافاتنا بتوصية؟" عليه
تُجرَّبُ المسودّات المعنية على بعضِ القارئين في نيروبي.
قد غدا نفرٌ من أولئكَ الناس قارئينَ منتظمين لمسودّاتِ
كُتب أولئك الناشرين. و لئن يكُن حماس ذلك النفر لما
يقرؤون ضعيفاً، لئن لم يودُّوا الكاتبَ أو شيئاً من هذا
القبيل، فإنهم سوف يعيدون، آنذاك، ما يقرؤون مُرفقاً
بملاحظاتٍ قليلة. و إن لم تكُن تلك الملاحظاتُ جيدةً جداً
فلن يهتمّ، من بعد ذلك، أيُّ واحدٍ بأمرِ نشرِ ما تُعلّقُ
عليهِ.
هذا من جهةٍ. أما من الجهة الأخرى فإنّك لو تكن أوكوت أو
نقوقي أو تعبان و قد كتبتَ شيئاً فإنّ ذاكَ يذهبُ،
مباشرةً، إلى المطبعة. فالناشرون لا ينظرونَ أبداً خلل ذلك
و يقدمون اقتراحات بمراجعته. لقد طبعتُ كُتُبي تماماً كما
كتبتُها لم يحذف منها أحدٌ أيَّ فصلٍ أو يسألني أن أُبدّلَ
فيها هذا الشيء أو ذاك. أنا أعتبرُ هذا أمراً ليس مستحباً.
فهو يحدثُ، ليس بشأننا فحسب، بل بشأنِ أيّ كتابٍ ينجذبُ
إليهِ هواهُم. إنّ قليلاً جداً من الكُتُبِ قد حُرّرتْ. لم
يجلس الناشرون مع الكتاب ليقولوا لهم: "هل لنا أن نُبدّلَ
هذا أو نحذفُ ذاك؟" لا أحدٌ قد فعل ذلك حقاً، خصوصاً
حينما تعلّق أو يتعلّق الأمرُ بتلك ’الأبقار المقدّسة‘
التي لا يستطيعُ المرءُ أن يجرأ على انتقادها. إنّ جماعةً
بعينها تقرّر، آنذاك، أن تحوز على مسودّة الكتاب المعني و
تنشرها.
هذا يحدثُ حتى بشأن الكتب المدرسية في شرق أفريقيا. إن
الأمر، ببساطة، هو أنّ الناشرين لم يصيروا على مقدرةٍ
نقديةٍ كافيةٍ أو يتعلموا، بالفعل، أسس تجارتهم تعلماً
كافياً يؤهلهم لأن يُدركوا أنّ كتاباً ما هوحصيلة عمل
مشترك بين مؤلفه و محررٍ، أو ناقدٍ، ما قد تعمّقَ في
قراءته بشيءٍ من التفصيل. إنهم بدلاً عن أن يكلفوا إنساناً
ما بتأليف كتابٍ مدرسيٍّ و يقولوا له: "حسناً. علينا ان
نرسم الخطوط معاً الخطوط العريضة لذاك الكتاب. ثم تكتبُ
أنتَ لنا، من بعد ذلك، فصلاً منه نقرؤُهُ، كعينةٍ، و
ننقدهُ بغرض أن نُعينكَ على كتابة فصل ثانٍ أقضلَ منه، ثم
ثالث و رابع....". كلّ ما يفعلهُ هؤلاء هو النظر إلى
شهادات المرء المدرسية (الأكاديمية). فلئن يكن امرئٍ ما قد
أنجز شهادة ماجستير أو دكتوراة و كتب، في موضوعها، أطروحةً
فإنّهم، حينذاك، سوف يأخذون تلك الأطروحة كما هي، يحذفون
صفحة "الشكر و العرفان" و بضع صفحاتٍ أُخر، ثم يخرجُ
علينا، من بعد ذلك، الكتاب! إنّ الناشرين الذين تكن
مكاتبهم الرئيسية في لندن قد يسألون، في أمثال تلك
الحالات، متخصصاً في الحقل الذي كتب فيه الباحثُ كي ينظُرُ
في عموم الأُطروحةِ المعنية. أما في ما عدا ذلك فإن
الأطروحة إياها تُنشرُ دون مراجعة.... على سبيل المثال،
نشرت دار ماكميلان رسالةَ دكتوراة قيديون موتيسو تحت عنوان
"الفكر الاجتماعي في الأدب الأفريقي". كُتبتْ تلك الرسالة،
قبل زمانٍ طويلٍ، في أمريكا و كانتْ متأثرة بنظرةأمريكية
للأمور هي قد أشرفَ عليها بروفسور أمريكي. حين قرأتُ
الرسالةَ إياها، تمهيداً لنشرها من قبل ناشرٍ محلّي، و
حاولتُ أن أقولَ لمؤلفها: "أنظُر. ثمة أشياء كثيرة مفتقدة
هنا. لماذا لا تَقِرَّ و تُراجع هذا أو ذاكَ من تفاصيلها؟
" سحبها المؤلف، ببساطة، من ذاك الناشر و قدمها لناشرٍ
آخرٍ. ذلكم هو ما قد كان جارياً.
·
هل أنتَ معنيًّ بمحتوى و جودة بعض الكتابات التي تطلع
علينا الآن من شرق أفريقيا؟
بلى. أنا معنيٌُّ بالأمرين معاً. لكنني أعتقدُ أننا
نمر الآن بمرحلةٍ بعينها نحنُ قائلين خلالها إن ما نحتاجه
الآن هو كتب ذات طبيعة عامة و على مستوى عام من الكفاءة.
نحنُ نأمل في أن يُحسّن كتاب المستقبل "أداء" الكتب
الطالعة علينا الآن.
بالطبع، إن غالبنا، نحنُ الكاتبون في شرق أفريقيا، لا ندبر
لأنفسنا إلا زمناً قليلاً لكي نقرأ ما يكتبه الكاتبون
الآخرون. نحنُ منشغلون تماماً بما نكتبهُ بحيثُ أننا لا
نملكُ، في الحقّ، زمناً لنُدير رؤوسنا في هذا الاتجاه أو
ذاك. نحنُ لاهثون و لاهثون و لا نُريدُ أن نُضيّعَ أيَّ
وقتٍ في قراءةِ عملِ أيِّ كاتبٍ آخرٍ. لكنّ الكتاب الأصغرَ
سناً منا، مثل صامويل كاهيجا و ميجا موانقي و آخرين (أولئك
الذين هم إما أصغرَ منا بعشر سنين أو هم قد ترعرعوا خَلَلَ
عهدِ الزّخمِ الادبيّ في شرق أفريقيا في بواكير الستينات)،
يقرؤون، كما و هم أيضاً يكتُبُون. لذلك يستطيعُ المرءُ أن
يرى تطوراً في عملهم الأدبي لا يكن بمستطاعه أن ينظُرَهُ
في تآليف الكتاب الذين هم أكبر منهم سناً.
·
الكثيرُ من الأدبِ الجديد الذي يطلعُ علينا الآن في شرق
أفريقيا يبدو، لقارئه، إما خفيفاً جداً في وزنه المعنويّ
أو طائشاً. إنه لا يبدو ذا غرضٍ جادٍّ، الشيء الذي يُصيّرُ
المرءَ مُستعجباً بشأنِ الأثر الذي سوف يتركه على المُناخِ
الأدبيّ. ماذا تشعرُ يشأنِ هذا؟
تلك هي نتيجة تأثير أوكوت بيبتيك و شارلس مانقوا. فحين
نُشرتْ أغنية لاوينو أراد كلّ إنسان أن يضحكَ على
أو مع نفسه شعرياً، لذا كتب أولئكَ من أجل التفكّه فحسب.
إنهم كانوا ناشرين أمامهم مرآة مختلفة و ناظرين إلى
أنفسهم، للمرة الأولى، على أنهم شخصيات
كوميدية. كأنما الامر هو أن أفراداً من الكتاب الشرق
الأفريقيين قد قالوا لأنفسهم: "أوه، لئن تكن هذه هي "عينة"
الكتابة التي يرغب الناس في قراءتها [الإشارة هنا، فيما
أقدّر، ل"أغنية لاوينو" المترجم]، لماذا لا أكتبُ
أنا أيضاً مثلها؟" عليه غد عندنا أوكيلو أوكيولي، جوزيف
بوروقا و آخرون ما انفكّوا يقلدون أغنية لاوينو....
حين خرجتْ علينا دار نشر شرق أفريقيا بكتاب بوروقا الموسوم
الكوخ المهجور سألناهم عما هم كانوا له
ناشرين فأجابونا: "قد أرسلتْ لنا، مؤخراً، كتابات كثيرة
مُستنسِخةً أغنية لاوينو وهذا كان، على الأقل،
المؤلَّف الذي يُقاربُها".... الجميعُ إذاً جروا وراء ما
هو شائعٌ، وراء شيءٍ يستطيعُ أن "يُثيرَ" ضحكةً. كان ذلك
تقليداً لا علاقةَ لهُ بكُتّاب التقليد "الماكريريّ" [نسبة
إلى "ماكريري" و جامعتها المترجم].
ثُمّ جِيْئَ بشارلس مانقوا الذي درس الجغرافيا في جامعة
ماكريري و الذي كان قارئاً لجيمس هادلي جيس أو آخرين من
كتاب قصص الجريمة. هو قد كتبَ ابن المرأة تقليداً
لبعض قصص الجرائم المثيرة. ذلكم أعجبَ كثيراً من الناس لأن
كلّ آل نيروبي، تقريباً، يقرؤون، فيما يبدو، قصص الجريمة.
إنهم يقرؤون تلك القصص في المنزل، في البارات، و حين لا
تكن السكرتيرات، في المكاتب، طابعاتٍ لأيّ شيءٍ فإنّهُنَّ
يكنّ، حينذاك، منشغلاتٍ بقراءةِ قصص جيمس هادلي جيس. هم لا
يقرؤون الروايات (و الكتابات) الكلاسيكية، بل فقط الكتابة
الشائعة. و ذلك قد استمرأهُ البعضُ و صيّرَ الآنَ كثيراً
من الكاتبينَ راغبينَ في كتابةِ كتباً شائعة. إن التقليد
العظيم الذي تحدث عنه ليفيس و الذي صِيْنَ عند كتاب
التقليد الماكريري لم يُهيأ له أبداً أن يُدعمَ في ذلك
النوع من الكتابة. ذهب سايبرين أكوينزي، في كتاباته
الأولى، ذاك المذهب أيضاً. لم تأتِ تلك الكتابة الشائعة
(أو العامّوِيّة) من داخلِ أيّ شكلٍ من أشكال التعليم
الأدبي الجامعي و إنما من بين ’صفوف‘ أولئك الذين كانوا
يقرؤون كتباً شائعة و كانوا فقط يريدون تسلية الآخرين.
إن ديفيد ميلُو واحدٌ من أولئك. فقصائدهُ هي نسخٌ أخرى،
فحسب، من أغنية لاوينو و أغنية أوكول و الذي
هو من ذلك. بدا أنه كان قائلاً: "حسناً. دعنا نُسلّي
أنفسنا لأنّ ذلك أيضاً يجلبُ لنا مالاً". يبدو أن الناشرين
بما في ذلك جون نوتنقهام، مدير تِرانس آفركا بُوكْسْ
يريدون أن يركزوا جهدهم على الكتب الشائعة
(’الجّماهيريّة‘) التي بمستطاعها أن تُباعَ و تدُرَّ مالاً
بأسرعِ ما يُمكن. إنّ هذه النزعة "الشعبويّة" (الشّائعيّة)
قد أثّرتْ كثيراً على الكتابة الشرق أفريقية.
·
إلامَ تُعزي العنصر الفضائحي (البورنوغرافي) في تلك
الكتابة؟ إنّ كثيراً منها تحتوي على نوعٍ من السّفورِ
الجنسيّ يُتاخمُ حدودَ الكتابةِ الفضائحيّة، بل
هو،أحياناً، يجرؤ حتى على عبورِ تلكَ الحدود.
كتاب أوكيلو أوكيولي المُسمّى العاهرة يفعلُ ذلك.
في وقتٍ ما كان المرءُ مستطيعاً، بالتقريب، تقييم كاتبٍ
شرقِ أفريقيٍّ ما بالنظرِ إلى حسن الكيفية التي كان يعاملُ
بها العاهرة في كشخصية قصصية. ذلكم لأن الغالبية العُظمى
من تلك الكتب االشائعة (الجماهيريّة) تُوجد شخصية العاهرة
في مكانٍ ما. قد يكون الأمر هو أنَّ بعضَ أولئكَ الكاتبين
ما يزالوا فتياناً، صبيانَ جامعاتٍ اعتادوا على أن
يُستثارُوا أدبياً بفعلِ استغلالهم للعاهرات. عليهِ هوّمتْ
شخصيّةُ العاهرةِ بِشُسِعٍ في عقولهم. ربما هم حين يكبرون
سوف يتخلّون عن ذلك و ينتقلون للكتابة عن العاهراتِ
’الأُخَر‘ الأعظم، مثل السياسيّين و أولئكَ الذين على
شاكلتِهِمْ.
كلّ كاتبٍ يعيشُ على مخزونه الاحتياطيّ من التجربة. و معظم
الكتابات عندنا تميل إلى أن تكون سيراً ذاتيّة شخصيّة لأن
معظمنا لم يتجاوزوا ذاكَ إلى ’إسقاطِ‘ عقولهم على عالمٍ
آخرٍ. ذلكم على خلافِ كاتبٍ مثل شكسبير الذي كان مُنشئاً
لمسرحيّة تاجر البُندقيّة ذاتَ يومٍ، ثم لمسرحيّة
العاصفة ذاتَ يومٍ آخرٍ، ثم لمسرحيّةِ الملك لير
ذاتَ يومٍ ثالثٍ. إننا ما نزالُ نستغلُّ خلفيّاتنا
الشّخصيّة.
·
يبدو نقوقي و كأنه قد فعل ذلك في كتابته عن فترة الطوارئ.
كذلك ميجا موانقي، رغم أنه كان ينبغي عليه أن يكون حَدَثَ
السّنِّ جداً خلال عهد الماوماو حَدثَ السّنِّ لدرجةِ
أنّهُ ما كان حريّاً به أن يكون قد اختَبَرَ، في نفسهِ،
آنذاكَ، كثيراً من الأشياء التي كان عنها كاتباً. يبدو أن
ذلك النوع من الكتابة التّخييليّة التّاريخيّة ما يزالُ
مستمراً، بيد أنّهُ، كمَنْزَعٍ، ليسَ قويّاً اليومَ
كمَنْزَعِ (أو، بالأحرى، ك"موضةِ") كتابةِ أدبِ الشّارِعِ
الشّائع.
أعتقد أنّ نقوقي كان فاعلاً ما قد فعله أشيبي. حين أتى
أشيبي إلى مؤتمر ماكريري أعطاه نقوقي واحدةً من رواياته
ليقرأها و كانتْ ما تزالُ مسودّة. و لقد نصحه أشيبي،
حينذاك، بشأن كيفية إتمام تلك الرواية. عليهِ هو قد كان
مُحتذياً خُطى أشيبي في منحى الأوبةِ (في سردهِ) إلى عهدي
الجّدّة و الجّد اللأعظم بدلاً عن التركيزِ على الحاصرِ
فحسب. إنه كان أيضاً كاتباً للمُدوّنات التاريخيّة.
لكنّ عهود الماماو كانت أيام تجربة مٌزَعْزِعَة و
مُقْلِقَة لأفرادِ قبيلة الكيكيّو الذين عاشوا في زمان
نقوقي. فهي، حتى الآن، لم تمّحِي تماماً من واعياتِ اولئكَ.
أعتقدُ أنه ما يزالُ هنالك، اليومَ، نوعٌ من الادبِ
الشّعبيّ (الفولكلور) الخاصّ بأيام الماوماو و الذي هو قد
عُنْعِنَ، شفهيّاً، من والدٍ لابنٍ و أن ميجا موانقي كان
واحداً من اولئكَ الذين نشأوا و هم سامعينَ اساطير
الماوماو و حكاياتهم الخُرافيّة. كما و أنّ تلك الفترة هي،
الآن، فترةٌ لا خوفَ على من يكتُبُ عنها. لذا إن يكُن
المرءُ لا يريد أن ينتقدَ القادة السياسيّين الحاليّين،
بيد أنّهُ لا ينفكُّ عن الرغبةِ في كتابةِ شيءٍ ما، يكُن
عليهِ إذاً أن يقفزَ آيباً، في تلك الحالة، إلى باطن
التاريخ. ثمة كثرة من الناس ما يزالوا راغبين، اليومَ، في
القراءة عن تلك الفترة.... لئن كانت دور النشر كائنة في
مومباسا، مثلاً، لكانت لدينا كتاباتٌ أقلّ، من هذا النوع،
مما نراهُ الآن. كما و أنّه إن لم تكن قبيلة الكيكيّو
سائدةً سياسياً في كينيا كانت ستنخفض، حاليّاً، كمية
الكتابات إياها على نحوٍ أشدَّ وضوحاً.
أستذكِرُ هنا حادثةً وقعتْ في كينيا في عام 1969 وآناءَ
وعيدِ قبيلةِ الكيكيّو ضدّ أعدائها و هي أنّ فتياتٍ في
مدرسة التحالف الثانوية العليا ما أردنَ، آنذاكَ،
أن يقرأنَ كتاب نقوقي واثنقو المسمّى حبّة قمح.
هنَّ قد قُلنَ إنّ ذاكَ الكتابَ قد احتوى على وعيدٍ كثيرٍ
جداً بالويلِ و الثبورِ. قد كان ذاك الوعيد مُوجّهاً، في
السابق، ضدّ الاوربيّين، ضدّ المُستعمرين. لكنّه غدا، من
بعد ذلك، وعيداً من قبيلة الكيكويو ضدّ اللّيوس و غيرها من
المجموعات الإثنية الكينية. أولئك الأطفال اليافعين الذين
ما أرادوا أن يُزَجَّ بهم في حروب (و ثارات) آبائهم و
أجدادهم قد اعتقدوا، بالفعل، أنّ هنالكَ وعيدٌ لا يُطاقُ
تِردادُهُ و تواليه في ذاك الكتاب. لذا هم حين قرأوه
فكروا: "إن نقوقي أيضاً مستمسك بتقليد الوعيد و القسم
الثأري، بتلك العقلية القبلية. إنه يقولُ إنّ الوعيدَ و
قسم الويل و الثأر أشياء حميدة". ذاك النّوعُ من ردّ الفعل
ضدّ رواية حبّة قمح موجود في أوساطِ الشّبابِ من
النّاس.
أنا أستدركُ هنا و أقولُ إنّ ميجا موانقي يتحرك في اتجاهٍ
هو على اختلافٍ يسيرٍ من ذاك. إنه يعيدُ تخليق ذلك العهد،
بيد أنه يدعوهُ "فصلاً منتهياً". إنه يتعاملُ مع خلل
معالجة أمر المحنة (الورطة) الإنسانيّة في ذلك الزّمان. إن
أبطاله ليسوا مثل أولئك الذين يخلقهم نقوقي؛ فنقوقي يُريدُ
أبطال الماوماو أن يكونوا قدّيسين.
إنّ كاتباً كشارلس مانقوا يجعل الماوماو، في روايته
ذَنَبٌ في الفم، يبدون كوميديّين. إنه يضحك على ذلك
"الشيء" كلّه. هو قد جعل، في روايته تلك، المقاتلين من أجل
الحريّة يخرجون من الغابة و يبدون مثل بعض البدائيين من
العصر الحجري. بفعله ذاك يُنشئُ شارلس موانقوا مَسْخَرَةً
مُتهَكِّمَةً من ذاك التقليدِ في الكتابة التاريخية.
قد كتب كينيث واتيني، مؤخراً، مسرحيّةً عن الجنرال كيماثي.
و لقد اعتقد الكيكويّون الذين كانوا مع ذاك الجنرال في
الغابة أنّ كينيث واتيني قد رسم، بتمامٍ، لوحتين سرديّتين
له و لزوجته. ثم ذهب ميسيرو موقو و نقوقي لمشاهدة تلك
المسرحية. بيد أنهما غضبا غضباً شديداً من الطريقة التي
شانَ بها كينيث واتاني "قُدُسيّة" ذاك البطل القومي إلى
حدّ أنهما جلسا معاً و كتبا نسختهما (مسودّتَهُما) الخاصّة
من قصة الجنرال كيماثي. تلك هي المسرحية التي ستعرضُها
كينيا، قريباً [يتحدث تعبان لو ليونق في عام 1976
المترجم]، في مهرجان
FESTAC
المسرحيّ في نيجيريا. أنا ما شاهدتُ
تلك المسرحية، لكنني أظنّ أنها محاولة أخرى لإعادة تزيين
صور كلّ الأبطال القُدماء. إنّها استنساخٌ لذلك الصّنف
العتيق من القوميّة. ما أخشاهُ بشأنِ ذاك النوع من
القوميّة هو كون أنّ المرءَ لا يستطيعُ الآنَ أن يستخدم
أيام الماوماو كمثال أنموذجي للقومية الكينية. أعتقد أن
القومية الكينية ينبغي لها اليوم أن تكون قومية داعية
لاتحادٍ ألصقٍ فيما بين مختلف الإثنيّات. ذلكم بمعنى أنّ
المؤلفين الكينيين الحاضرين ينبغي عليهم أن يكتبوا أيضاً
عن كلّ المساهمات الوطنية للكينيّين الآخرين عن أشياءٍ
مرتبطةٍ بمؤتمرِ لانكاستر هاوس أو بأولئك الذينَ أسقطُوا
سلطة أودينجا و ما إلى ذلكَ من الشؤون، فعهدُ تلك الحوادثِ
هو العهدُ الصحيح للحديثِ عن الأبطالِ و الخائنين..... إنّ
كلّ كينيٍّ يريدُ أن يكتُبَ أدباً وطنيّاً أدباً كينيّاً
وطنياً معاصراً حقّاً سيتعيّنُ عليهِ أن يُعالجَ كلَّ ما
ذكرتُ من أمورٍ في أعمالهِ، لكنّني لا أرى الكتّابَ
الرّئيسيّينَ فاعلينَ ذلك.
·
إذاً أنتَ مُتّفق، أساساً، مع الرأي الذي صاغهُ أشيبي و
سوينكا و القائل إنّ على الكاتب أن يكونَ معنياً بالزمان
الحاضر؟
بلى. ينبغي، بالطبع، على الكاتب الأفريقي أن يكونَ معنياً
بالزمان الحاضر. لكنّ المشهد الشرق أفريقي رأى مجموعةً
جديدةً من الكاتبين تودُّ أن تدعو نفسها "مجموعة
اشتراكية". هذه المدرسة "الاشتراكانيّة"، زعماً و تشبّهاً،
لها مجال للتعبير عن آرائها هو مجلة كِرس وانجالي الموسومة
جوليسو التي هي، على كلٍّ، متصدّيةٌ لمِراس الشأن "الاشتراكاني".
لا أدري إلى أيّ مدىً هي قد مضتْ في ذاك الاتجاه أو إذا
كان وانجالي يُوطّنُ، في الحقِّ، النقد الاشتراكي أو هو
فقط ينشرُ أيّ شيءٍ بلغهُ من كتابات الكاتبين مما كان
ممكناً لها أن تكون قد اتّخذتْ سبيلها إلى أيِّ مجلّةٍ
أخرى خلافها. قد أقبلَ أنّ كامينجو هو ممثّلً، من تنرانيا،
للتيار الاشتراكي في المجلة، بيد أنني أعتقدُ أنّهُ ناطقٌ
بأقوالٍ اشتراكية شعبويّة أكثرَ من كونه كاتب. إنه قد كتبَ
رُقعةً نقديّة واحدةً فحسب: مناقشة لمؤَلَف أوكوت أغنية
لاوينو يجزِمُ فيها بأشياءٍ كثيرةٍ لا أظُنّها
يُمكنُ أن تُزْعَمَ بشأنِ تلك القصيدة.... إن نقوقي متحرّك
باتجاه الاشتراكية، لكنني كنتُ راغباً في بدئه الكتابة
بالفعل عن الاشتراكيّة بدلاً عن "كلامِهِ" اللا ينتهي عن
حاجتنا لمنظورٍ اشتراكيٍّ تجاه حيواتنا. أعتقدُ أنّ هنالكَ
نزعةً فاشِيَةً اليومَ تجذبُ المثقفين في شرق أفريقيا نحو
الاشتراكيّة. لكنَّ لا أحدَ من أولئكَ قد فعلَ أو كتب، في
هذا الوقت بالذات، أيّ شيءٍ بُوسعِهِ تبرير وجود توجّه
نقدي اشتراكي تجاه الأدب في شرق أفريقيا.
·
ربما تكون النزعة تلك أكثر بروزاً في تنزانيا. ثمةُ كتب
عديدة نُشرتْ هناك و كانتْ محتفيةً بمفهومِ ال"يُجماعة
ujamaa
[الإشتراكية الأفريقية أو "اشتراكية النّفير" المترجم] و
خلافه من المفاهيم الاشتراكية الشرق أفريقية.
إن مشكلة معظم الكتاب التنزانيين هي أنهم يحتفلون بدلاً عن
أن ينقدون. يكن أجدى و افيد لجولياس نايريري لو أنه اطّلعَ
على مزيدٍ كثيرٍ من النقد، من قِبَلِ تنزانيين مخلصين،
للاشتراكية التي يُقدّمها. لا أحدَ هناكَ يُناقشُ تلك
نقدياً. فعموم الجّميعِ قافزينَ، على أيّةِ حالٍ، على
المركبة الشعبوية و مغنّينَ أشياءَ في مدحِ "النّفيرِ"
الاشتراكي التنزاني. حتى المغتربين في جامعة دارالسلام،
الذين صاروا بالكادِ مبعوثينَ و مُبشّرين كما ماعوثي عيدي
أمين، ما ينفكّونَ يُدبِّجُونَ المديحَ و التأييدَ
لنايريري و لم يكُنْ واحدٌ منهم طارحاً فكراً ناقداً بشأنِ
الاتجاه الذي يُفترضُ أن يكونَ أو بشأنِ ما يكُن نايريري
فاعلاً. كذلك لم يكُن هنالكَ نقدٌُ، من قِبَلِ تنزانيّين،
لعينِ اشتراكيّتهم تلك. فجمعُ أولئكَ لم يكونوا سوى ثُلّةِ
محتفِلينَ فحسبْ.
·
لكنّ التوجّه الاشتراكي المعلن إزاء الأدب جليٌّ هناكَ إلى
حدّ أنْ كُتُبَ ميللو قد حُجِرَتْ. إنّ المرءَ لا يستطيعُ
قراءة كتاباته في تنزانيا.
بلى.
لكنني أقولُ لكَ، بمناسبةِ حديثِ الرقابةِ هذا، إنّ هنالكَ
قسيساً اسمَهُ باندا، قائماً على شأنِ جهازِ الرقابةِ في
ملاوي، قد أوغلَ في حظرِ كثيرٍ من الكُتبِ التي أصدرتها
دار نشر شرق أفريقيا بمجرد رؤيته لعناوينها من أمثال "عاهرة"
و ما إلى ذلك. هو لم يقرأ تلك الكتب. هو حظرها فقط بسبب
عناوينها و صورها. قد اعتاد نوتنقهام على أن يحدثنا عن
بعضٍ من موظفي و موظّفات مبيعاته الذين كانوا يذهبون إلى
ذلك المكان [ملاوي] و يعودون منه برفقةِ كثيرٍ من الكتب،
معلّلينَ ذلك بأن "الملاويّين" كانوا عن تلك الكُتُبِ
راغبين.
حين ذهب آيي كِويي أرماه
Ayi Kwei Armah
إلى دار السلام ظننتُ أن أثرهُ هناك سيكونُ محسوساً إما في
الجامعة أو في تنزانيا ككل. توقّعتُ أن تخرُجَ علينا، من
هناك، أعمال نقدية على الأقل. لكنّ أرماه فعل في تنزانيا
شيئاً ليس أكثرَ و لا أقلَّ من فعله أيرنَيْسْتْ
هَيْمِنْقْوَيْErnest
Hemingway حينما كان معتاداً على الذهاب إلى
كوبا. هو فقط قد مضى إلى هناك، استنامَ (ثم استكانَ) و
كتبَ أدبَهُ الخياليّ: ألفينَ موسم. أعنى هنا أنني
لا أستطيع أن أرى لهُ أثراً هناكَ على النحو الذي أستطيعُ
به أن أرى شيئاً من ذاكَ في آنِ نظري إلى شأن أوكوت و
نقوقي و شخصي حينما كنّا في نيروبي و كانت لنا فيها
حواراتٌ دائرةٌ كلّ الوقت. إنّ حقيقةَ أنّ أرماه قد عاش
زماناً في تنزانيا لم تؤثّر مطلقاً على التنزانيين. و حتى
لو كانت قد فعلتْ ذلك فإنني ما رأيتُ، حتى الآنَ، ثماراً
لِذاك.
َ
·
في أيّ اتجاهٍ ترى أن أدب شرق أفريقيا متحرّكٌ الآن؟ ما
الذي تراهُ على أنه تطوّرٌ هامٌّ في ذاك الأدب؟
أعتقدُ أننا ككتّاب بادئينَ في استشراف لحظةِ النقد الذاتي
والبحث. فالكتاب اليوغنديون لم يعودوا قادرينَ أن إنشاءِ
أغانٍ في المدحِ المطلق لقادة "الأفارقة". ذلكم لأنهم
يعرفون إن الشياطينَ تأتي في ألوانٍ، أشكالِ تخَفٍّ و
أديانٍ و مستوياتِ تعليمٍ شتّى.... ثم الذي هو من ذلك.
أعتقدُ أنّ اليوغنديين سيُواصلون، على الأ رجح، تطويرَ
وجهاتِ نظرٍ شخصيَة في أدبهم أكثرَ من انخراطهم في تبنّي
آراءٍ لمؤسساتٍ ما. صحيحٌ أنكَ قد تجدُ أناساً مثل روبيرت
سيروماقا الذي لا يزالُ يُقاتلُ في حربٍ بَوغنديّة. بيد
أنّ هنالك أيضاً الفانيا زيريمو الذي يتأرجحُ بين المشاركة
في حربٍ بوغنديّة واتّخاذ سبيلِ الحرب اليوغنديّة. ذلكم
ينبئُ عن أننا لم نعد نثق في أفريقيٍّ ما لمجرّدِ كونه
أفريقي. فنحنُ ليس لدينا تقليدٌ كتقليدِ "الطّوارئ" في
كينيا. لذا نحنُ قد غدونا متحررين من أيّ حبٍّ قد يتعامى
عن أن يرى عيوباً ما في أفريقيا أو الأفريقيين. أعتقدُ أنّ
هذا قد بدأ يطلعُ على الناس. أنا قد شهدتُه في بعضٍ من
القصص و القصائد التي كتبها يوغنديون. فكثيرٌ من تلك
انطوتْ على نقدٍ قاتمٍ لعيدي أمين. ليس هذا فحسب، بل أنّ
هنالكَ حكايةَ خُرافةٍ عن وحشٍ سينشرها قريباً جون
نوتنقهام. تلك الحكايةُ جدّ لاذعة في نقد نظام عيدي أمين.
إنّ أمثال أولئك الزعماء ينبغي أن يُضحكَ عليهُم الآن إذ
يُرَونَ في كاملِ عِريِهِم [الفرعوني المترجم]. أظنُّ أنّ
ذلك شيءٌ جيّد.
·
هل تظنّ أن النزوعَ سيكون أكثرَ باتجاه أدب المَسَاخِر،
أدب الطّرافة اللاذعة، أم أنه من المنظورِ لهُ، بالأحرى،
أن يجدَ تعبيرهُ في شكلٍ أقسى من النّقد؟
أظُنُّ أن هنالك من يُمكنُ لهم أن يتعاملوا مع الوضعية
إيّاها بطرافةٍ، فيما قد يودُّ آخرون أن ينحو، فيذلك،
منحىً جِدِّيَّاً. فكاتبٌ كإلفانيا زيريمو لن يودَّ، أوهو
لن يستطيعَ، أن يتعاملَ مع تلك الوضعية بطرافة. أما
سيروماقا فهو يستطيعُ أن يَسْتُرَ و يُقَنّعَ ما يكتُبُهُ
إلى درجةِ أنَّ المرء لا يستطيعُ حتذى ان يرى، فيماهو
قارئٌ، معنى ماهو قائلٌ. ربما يحكمُ المرءُ بذلكَ في
الليلِ، لكنه لا يراهُ، في آن صوغِ الكاتب لهُ و
صيرُورتُهُ هو قارئاً لذاك، مباشرةً و بوضوحٍ فعليٍّ. ذلك
ما نحنُ نُرجّحُ حدُوثَهُ في هذا المُتَعلّق.
غالباً ما سوف يُدهشُنا كينيٌّ من، في القريب العاجل أو في
البعيدِ من الزّمان. لكنّني منزعجٌ هنا من شيءٍ واحدٍ و هو
أنّ ذاكَ الكينيَّ، شأنُهُ قي ذلك شأنُ آيي كِويي أرماه،
قد يبدأُ في تصعيدِ انبعاثةِ الكِتابَةِ المُديْنَةِ لجومو
كينياتا حينما يكُن الرّجل العجوزُ ميّتاً أو حين يسقُطُ
النّظامُ الحاليُّ في كينيا. ذلك النوع من الكتابة لا
يُساهمُ، في الحقِّ، في خلقش مُناخٍ أفضل ٍ لسوى أولئكَ من
الكائنات الإنسانية لكي يعيشوا فيه. ذلكم هو خوفي، و هو
مُعَلَّلٌ بأننا سوف نُؤتى، لاحقاً، بوفيرٍ من الكتُبِ
تطلعُ علينا بكثرةس منها دُورُ نشرٍ لا تثريدُ ان تُغامِرَ
حالياً بإصدارِ كُتُبٍ ناقدة. ذاك سيَكُونُ شيئاً
مُشِيْنَاً جِدّاً، لكنّني أراهُ حادثاً. فلئن كان لجومو
كينياتا أن يختفي، بالفعل، من الحياة العامة، بعلّةِ
انقلابٍ سياسيٍّ، فلسوف نرى، من بعده، كثيراً من الكتابات
الصحافيّة الفضائحيّة [’الصائدة في الماء العكر‘ المترجم]
تُنشرُ توّاً...
ثمةُ شيءٍ واحدٍ يهُمّنا، حالياً، من بينَ كلّ ذلك و هو
أنني أظنّ أن هنالك بعضُ كينيين يُحاولونو على نحوس قاتمٍ
و مُعتَمٍ، أن يقولُوا، الآنَ، أشياءَ معيّنة، لكنّهم لا
يجرؤون على قولِ تلك الأشياء بصوتٍ عالٍ أو بوضوحٍ شديد
تلك هي المشكلة.
مع ذلك، أنا، كما قُلتُ سابقاً، سوف لا أغدُو مندهشاً إن
يُقيَّضُ لنا، ذاتَ يومٍ، أن نسمعَ أصواتَ بعضِ كُتّابٍ
جَديدينَ ما كانوا، حتى الآن، مُغنِّينَ
أُغنِيَتَهُمْ..... إن الكثيرين من الكتاب لا يلبثُون أن
يتعوّدُوا على سماعِ أغنيتهم الخاصة، فنغمُ تلكَ يرنُّ في
آذانهم و هم فقط يستمرّونَ في سماعِ ذاتِ الأُغنية. كلّ
الناشرين يودّون سماعَ تنويعاتٍ على ذاتِ القصّة. إنّ
شيئاً من هذا النوع هو ما يُوالي أوكوت، الآنَ، الانسجانَ
فيهِ. فهو ما أن بدأَ بكتابةِ تلكَ الأغاني حتّى أرادُوهُ
أن يكتُبَ مزيداً منها. ذاتُ الشيء حدثَ لرُوحيني ذلك
الرّجل الذي كتب "أيَّ حياة!" و اتّبعها ب"أيّ
زوجٍ!".... و هكذا.... أظنّ أن ثمةَ زمانٍ يأتي، في
حياةِ بعضِ كُتّابنا، إذ هم يطمئنّون إلى تأسيسهم ل’ماركةٍ
تجاريّةٍ‘ خاصّةٍ بهم، يكونون فيهِ مُستحثِّيْنَ على أن
يستمرّوا، لعهدٍ طويلٍ، على ذاتِ نهجِ كتابتهم المعتاد.
ذلك يقتُلُ الإبداعيّة إذ يُصيّرُ المرءَ سجيناً لمُنتجِ
ماضيهِ الكِتابيٍّ الذي ما كانَ، في الحقِّ، سوى كتابٍ
ناجحٍ، كتابٍ من ذلكَ النّوعِ الذي يَرُوقُ للنّاشِرِيْنْ.
مع ذلك أنا أظلُّ معتقداً بأنّه ربّما تكُونُ هُنالكَ بعضُ
المفاجآتِ الإبداعيّةِ في الطّريقْ.
ستستمرُّ تنزانيا، على الأرجحِ، في الاحتفاءِ بالاشتراكيّة
Ujamaa
. لكنه ما دامت قُرى النفير الجماعيّة مكتفيةً بذاتها فسوف
ياتي يومٌ من الأيامِ نشهدُ فيهِ أوصافاً للحياةِ في قريةٍ
اشتراكيّةٍ (قرية نفير). و من بين تلكَ الأوصافِ ستنداحُ
علينا مناقشاتٍ للقضايا الكبيرةِ في الحياة. أظُنُّ أن
الإشتراكيّةَ (اليُوجماعةUjamaa) واسعة جداً على فهومِ اليُفّعِ من
النّاس، و أولئك الذين قرأوا "مَاوَهُمْ" [من "ماو تسي
تونج المترجم] أو "ماركِسَهُمْ" [من "ماركس" المترجم] سوف
يكونون على تعاملٍ مع (أو تامّلٍ في) قضيّةٍ جدّ جسيمة.
عليه أنا أظنُّ أن بعضَ أولئكَ سينصرفُون للكلامِ، في هذا
السياقِ، عن الأشياءِ الصغيرة مثل الحياة في القرى
الاشتراكية (قرى النفير) و الذي هو من ذلك.
·
كيف سيتعاملُ، في تصوُّرِكْ، ذلك الأدبُ الجّديدُ مع عيدي
أمين؟
خوفي هو أن بعضَ الناس سينزعون، في ذاك، إلى أن يكونوا، في
نقدهم لعيدي أمين، قشُوريّينَ مثل أولئك الصحافيين
الغربيين الذين دعُوهُ مهرجاً و مُغفّلاً. و بدلاً عن أن
يُفَكّرَ، تفكيراً حقيقياً، في طبيعة رسالته و عمّا إذا هي
معقّدة أو بسيطة أظنّ أنّهم سيكتُبون، في الغالب، قصصاً
تستسخَفَهُ و تستخفُّ به فحسب. أنا أظنّ أنّ الاستخفاف
بعيدي أمين و استسخافَهُ فحسب أشدَّ خطراً من الضّحكِ
عليهِ. إنّهُ، الرّجلُ، يستأهلُ منا مناقشةً جديّة، نقداً
جدّياً، بل و حتّى ضحكاً جدّيّاً. و لئن لم نقُم بكلّ ذلكَ
في شأنِهِ فسوف نكتُبُ أشياءَ ليس لها مقدرة حتى على أن
تجعلنا نضحك بقدرِ ما تستطيعُ حملَنا على ذاكَ الضّحكِ
أمثالُ تلك القصص التي قرأناها في [الإصدارة الكوميديّة
المُسمّاة] "بَنْشْ
Punch". ذلكم هو خوفي.
·
هل تتفقُ مع لانجستون هيوز بأنّ هنالكَ أوقاتٌ ينبغي فيها
على المرءِ أن يضحكَ حتّى لا يُبكي؟
بلى. ثمّ أنا اعتقدُ أنّ البعضَ منّا ينبغي عليهم أن
يضحكوا لأنّ لحظةَ البكاء قد مضتْ. إننا قد رأينا مأساةً
مُهالةً فوقَ مأساة، و أنا احسبُ أنَّ هناكَ قلّةً قليلةً
تماماً من اليوغنديين ممّن هم الآن مُسلّمينَ بأن يتركوا
شأن عيدي أمين لتصاريف القدرِ وحده. أولئك يفكرون كالآتي:
ما الشيء الذي يستطيعُ المرءُ، ككاتبٍ، أن يفعلَهُ ضدّ
عيدي أمين؟ أنا أعني بذلك أنّ أولئكَ يقولون لأنفسهم:
"لئن يكن حتى قادة الجيش غير قادرين على أن يزيحوهُ عن
الحكم، ماذا عن امرئٍ ليس لهُ سوى قلمهِ؟ و لئنْ تكنْ
المجموعاتُ القبليّةُ قد كُسِرَتْ و شُقَّتْ مُذَرَا من
قِبَلِ عيدي أمين و سُلطته، ماذا يستطيعُ المرءُ أن يفعلهُ
ضدّه بكتابٍ فحسبْ؟
أنا آسفٌ إذ أقولُ هنا إنني أُقابلُ بعضَ الأوربيين، بعض
الامريكيين، بعض الأُستُراليين، بعضَ مواطني جُزُر الهند
الغربية، بعضَ الغرب أفريقيين، بل و حتى بعضَ الكينيين ممن
يعتبرون عيدي أمين بطلاً. إنّهُ حائزٌ على معجبين كثيرين
من الأجانب و من خارج بلاده، مثله في ذلك مثل نكروما الذي
قال عنهُ الناسُ ما قالوا و الذي من الجّائزِ أن يُقالَ
عنهُ إنه قد كان رجلاً عظيماً لأفريقيا، بيد أنّهُ،
بالتأكيد، لم يكنْ رجلاً عظيماً في بلدهِ غانا. حين تبدأُ
في إنباءِ بعضِ الناس بحقيقة عيدي أمين لا يطيقون منكَ
سَماعَا. ذلكم لأنّهم، بقدر ما هم معنيّون بالأمر، يرونَ
أنّ عيدي أمين قد أوفى ببعضِ ما يصبُون إليهِ على مستوىً
معيّن على مستوىً "أعلى" مُعيّن، فيما هم يَحْسَبُون. لكنّ
أيّاً من الأمورِ التي كانتْ جاريةً على مستوىً ’أدنى‘ من
ذاكَ الذي في ظنّهم هم به، فيما هو جليًّ، لا يشعُرُونْ.
·
أيُّ مدىً من التأثيرِ، على المجتمع المحلّي، يمكنُ لكاتبٍ
شرق أفريقي أن يبلُغَهُ؟
ذاكَ مدىً قريبٌ جداً، إن يكُن الكاتبُ يبتغي تحولاً
فورياً. إنه يستطيعُ، على المدى الطويل فحسب، أن يُؤسّسَ
القيم الأخلاقيّة التي ستقُودُ الجّيل القادم. لكنني لا
أظنُّ أنّهُ، في زمانه الحاليّ الآنيّ، يمكنُ أن يكونَ لهُ
أيَّ أثرٍ مباشرٍ في المجتمع. ذلكم لأنّهُ، حين تُفرَزُ
كلُّ الكُتُبِ عن بعضها البعض، و حين تُدرّسُ بعضُها في
المدارس الابتدائية و الثانوية و في الجامعة، و حين قلّةٌ
منها تُبَسَّطُ حتى تغدُو مفيدةً على أدنى مُستوىً
تعليميٍّ سوف تكُونُ تلك القيمُ الأخلاقيّةُ التي نحنُ
نُبشّرُ بها مُقَعَّدَةً، بجلاءٍ، في أُسِّ ذاك الذي سوف
يصوغُ من يقرؤُونَهُ. ليس لنا، في الوقتِ الحالي، ما
نفعلُهُ بشأنِ ذلكَ سوى القليل. إنّ كتابَ وول سوينكا
الموسوم الرّجُلُ مات لم يفلحْ، رُغمَ قُوّتِهِ، في
إسقاطِ حكمِ يعقوب قاوون، لكنّهُ جعل النّاسَ يضحكُونَ
عليهِ و على ما كان يفعلُهُ. ذلك كُلُّ ما نأملُ في أن
نفعلَهُ.
لكنني أعودُ فأقولُ إنّ الكتابَ معتمدونَ على حسّ الحُكمِ
عند ناشرٍ ما، حسّه بالتوقيت، كما و حسِّ الاقتحامِ عنده.
إنّ المرءَالكاتبَ بحاجةٍ هنا إلى رجلٍ مثل جون نوتنقهام
كي يقولَ لهُ: "حسناً. أنا سأخرجُ على الملأ بهذا الكتابِ
"الحيوانِ" و سنرى كيفَ سيكونُ مآلُهُ بينَ الناس!" إنّ
دورَ النّشرِ الأخرى تلك التي لديها مكاتبٌ في لندن لا
تجرؤ على فعلِ ذلك. قد سلّمتُ مجموعةَ قصائدٍ لأحد
الناشرينَ كي يُصدرَها. وقد حوت المجموعةُ إيّاها على
أشعارٍ كانت شديدةَ الانتقادِ لعيدي أمين و أبوتي [مِلتُون
أبوتي المترجم]، اللّذين دعوتهُما هناكَ باسميهِما. قال لي
ذلك الناشرُ إننا ينبغي علينا أن نستبعدَ تلك الأشعارَ من
مجموعتي. كان، حينذاكَ، كمن يقُول: "نحنُ نعيشُ من ريعِ
بيعِ كُتُبنا لمدارسٍ في يوغندا، كينيا و تنزانيا. لذا قد
يؤدي حظرُ كتابكَ هذا في بعضِ (أو كلّ) تلك الدّولِ إلى
مساءلةِ و تجريمِ ناشرينا المحلّيّينَ هُناكْ. عليهِ أنا
أُوصيكَ بسحبِ الأشعارِ المعنيّة من مجموعتِكْ". و لقد
رددتُ على ما طلبَ بقولي: "حسناً. سأسحبُ تلك الأشعارَ من
مجموعتي، لكنني سأنشُرُُها في مجلاتٍ ما دمتَ أنتَ لا
تُريدَ أن تنشرَها ضمنَ هيئةِ كتابٍ". إنّ أمثالَ أولئكَ
الناشرينَ اللذين لا يجرؤون على طبعِ أعمالٍ تُغضبُ نظاماً
سياسيّاً ما، أو آخرَ، في شرق أفريقيا ليسوا، على أيِّ
درجَةٍ، واهبينَ أنفُسَهُمْ لإشاعةِ الفِكرِ الجّديد.
إنّهم معنيُّونَ أكثرَ بالعائداتِ الماليّةِ، بالبيعِ
الوفيرِ لكتبِ المناهجِ الدّراسيّة للمدارس. و بما أنّ
ذلكَ هو الحيثُ الذي منهُ يَكْسِبُون معاشَهم فإنّهُ ليس
بِوُسْعِ المرءِ أن يتوقّعَ منهم أن يُنكِرُوا على
أنفُسِهِم الخُبزَ، أو مصدرَ الخُبز.
·
ما هي مشاريعكُ الكتابيّةُ المستقبليّة؟
لا أدري بعد. أنا الآنَ مُبدذلٌ لعملي منتقلٌ من جامعة
بابوا غينيا الجديدة إلى مجلّة آفرِكا.
قدعشتُ، في بابوا بغينيا الجديدة، حوالى عامين تقريباً،
مما جعلني شاعراً بقدر من فقدِ الاتصال بشرق أفريقيا، كما
و أنني لم أنجزْ، كذلك، تواصلاً بأفريقيا في كلّيّتِها.
آملُ في أن يُمكّنَنِي عملي الجّديدُ من التّجوالِ الحُرِّ
في شتّى أنحاءِ أفريقيا بحثاً عن الأنباءِ و من ثمّ تغدُو
مقابلةُ كُتّابٍ أفارقةٍ مختلفينَ و الحديثِ معهُم عن
شؤونِهِمْ و شجُونِهِمْ أمراً مُتاحاً لي. ستكونُ لندن هي
مقرُّ عملي، لكنّني سأُتابِعُ أعمالَ مؤتمراتٍ شتّى، كما
وسأُجري مقابلاتٍ مع أناسٍ مختلفين، الشيء الذي لن يُبقيني
في لندن كلَّ الوقت. إنّ السّببَ الفعليَّ الذي حفّزَنِي
على أن أُوافقَ على أداءِ عملي الجديد هذا هو أنه سيهبني
فرصةً للتِّسفارِ في شتّى أرجاءِ أفريقيا، امريكا، أمريكا
اللاتينية، وكذلك أوربّا. حينما كنتُ في جامعة هافارد
حصلتُ على درجة الامتياز في الأدب و على الدرجة المتوسّطة
في الصحافة. أشعرُ بأنني الآنَ قد ’استخدمتُ‘ بما يُكفي
درجتي تلكَ في الأدب وأحتاجُ إلى أن أعودَ إلى اهتماماتي
الصحفيّة.
·
لكن هل تستطيعُ أن تكونَ قادراً في ظرفِكَ الجديد على أن
تُواصِلَ كتاباتَكَ الإبداعيّة؟
بلى. سوف أكونُ قادراً على ذلك. سأتعاملُ مع الأمرِ كما
تعاملَ معهُ هيمنقْوَي و آخرون. سوف أسألُ نفسي: "حسناً.
ما هو العملُ المُكلّفُ به أنا الآن؟".... في هذا الوقتِ
بالذاتِ أنا ذاهبٌ إلى لاغوس لأُغَطِّيَ مهرجان
FESTAC
المسرحي. سأكتُبُ كلماتِ تحريرٍ لمجلّةِ آفْرِكَا
عن ذاك المهرجان، الشيءُ الذي ينبغي عليَّ أن أكونَ
مستطيعاً إكمالَهُ في أُسبوعٍ. أما بقيّةُ الوقتِ
فسأُقضيهِ جائلاً في الأرجاء، ملتقياً بالناس و متآنساً
معهُم و الذي هو من ذلك. تلكُم هي عينةُ الأشياء التي
سأكونُ، بالفعلِ، مُمارساً لها. عليهِ أنا لن أقيّدَ أنفِي
إلى الآلةِ الكاتبةِ و مجلّة آفركا في كلّ
وقتي.
أنا آتٍ إلى لندنَ أيضاً لأنني أريدُ أن "أُشرِفَ" بنفسي
على ما أَنْشُرُ من كتابات. إنّ النّاشرينَ جدُّ خَسِيسين
مع الكُتّابِ الأفارقة. إنّهُم يعرضُونَ علينا أخسَّ
العقُودِ و أخسَّ المُخصّصاتِ والمبالغِ المدفُوعةِ
مُقدّماً. أنا سأعملُ من أجلِ التّأكّدِ من أنَّ أولئكَ
سيدفعُونَ ثمنَ المالِ الذي يكسِبُونْ.
مايُّو يُونيُو 2004.
* من كتاب أفريقيا تردُّ على مُسائليها: لقاءاتٌ مع
كتّابٍ أفارقةٍ أنجلُوفونيّين، تحريرِ: بيرنث لندفورس،
آفركا ويرلد بريس، ترينتون/ أسمرا، 2002.
** إبراهيم جعفر، كاتب ومترجم سوداني مقيم
بانجلترا.
|