|
حتى تزهر الأقنعة أشواكاً
مجموعة نصوص قصيرة
مــأمون التــلب
أحاول أن أختــار....
ينتابني
الظنّ:
أنَّ الفتاة.....
الفتاة التي هربَت سَوفَ تأتي
وأن التي صمدت سوفَ تسقطُ عما قريب
أنّ الورود....
الورودُ تموتُ لتَتَركَ
أشباحها تَتَصيَّدُ قاتلها
وأنَّ المكان....
المكان الذي سوفَ يجمَعُنا في غدٍ
يتهيَّأُ منذ سنينٍ بقَهوتِهِ وابتِساماتنا
حتى الحوار الذكيّ الذي دار... حتى توتّر أقدامنا..
يتهيَّأُ منذ سنينٍ ليمتصّ أحلامنا تاركاً وقتَهُ
يَتَسلَّلُ في الذاكرة
كنسيمٍ
وبعدَ سنين
نراهُ فنلمحُ سخريةً
تَتَبختَرُ بين المقاعد..
والجدران تُقَهقِهُ
ينتابُني
الظَن:
أنَّ المرايا
المرايا ثُقوبٌ تؤدَيْ لمسخٍ كَريهٍ :
((سينتَابُكَ الذعرُ في أوَّلِ الأمرِ
لكنْ.. سَتعتادُ أنْ لا تُشاهِدَ شخَصَاً سواهُ
يُرتِّبُ كلّ الهزائم
يشاطِرُكَ الليلَ ..
يُهديكَ وَرداً إذا سِرتَ وحدكْ
يغطيكَ حينَ تغورُ مخالبَ من حوَّلوكَ إلهاً بصَدرِكْ))
وأنَّ البلاد
البلادُ أساطير مَن يتنزَّهُ في داخلكْ
(تُسَميهِ: شِعراً
يُسمِيكَ: بيتاً لهُ)
هو من سوفَ يَصقُلها بالدموعِ لَتصبِحَ بين يَديهِ تماثيلَ
من ذَهَبِ الكَلِماتِ
وأنتَ معَ الآخَرين..
تنتَقونَ وُحوشاً نَمَت في قُلوبِ الجميع
تحشِرونَ الوحوشَ الصديقة في جثَّةٍ واحدةْ
وتسمونها _وبكلّ الوقاحهْ_
بلاداً....
أقول:
((ظنوني تشيخُ مع العمُرِ
يجتاحُها الشَيبُ كالنار
يجتاحها كإخضِرارِ الحقولْ
يتَصاعَدُ مِنها أنِينُ القناع الذي ضاقَ بالوَجَهِ
يا عالمي
هي تختارني دائماً
فأيّ الظنونِ ستختارني في السنين التي سوف تأتي ؟؟!!!))
فينتابني
الظنّ:
أن الهواء يعبث بالفراغ
كالإنسان يعبث بما حوله:
((أحاول
أن
أختار.......؟؟!!))
مارس 2005م
جحيــم التلامس
فَلتَكنْ حَياتُكِ أَرْضَاً
لا تَخْبُو أَبداً
فَليَكُنْ تُرَابُهَا ذَرات
جِسْمي وأَحْلامي
وهكَذا استَطِيعُ التَمييزَ
.. بَيْنَكِ وبَينَ السَماء الَّتي تَعْبُرُ فَوقِي عَادةً
واستَطِيع تَمييزَ الأَمطارَ
الَّتي تَهطُلُ فِي الخَريف
وبَينَ الَّتي
_رُغمَ أَنفِ مَسامَاتي_
تَتَفجَّرُ كالبَراكِين
راسمةً في المسافَةِ الصَغيرةِ التي نَشتَرِكُ في
صِناعَتِهَا مَعاً
بُشَارات الرَبِيع مِن وَردٍ يَرقُصْ.. وجَفَافٍ يَجتَاحهُ
الوَهمْ....
امرأةٌ تَقولُ لِلوُجودِ: (كُنْ
جَمِيلاً)
فَيصيرُ الوجود: (انا)
..
غَيرَ أنَّ الطيورَ الَّتي
تَتَنَزَّهُ بَينَ خَلايَا الوجودِ بِحرِّيةٍ مُطلَقَة
لا تَموتُ حَتى تُكمِلَ
أُغنِيَةً خَلَقتنا سَلالِماً نَحوَ أَرواحِنَا المَفتونة
باللَّهَبْ....
والبِحار الَّتِي تَشُقُّ
الأُفُقْ.. تَتَلبَّسُنَا فَنُحِبُ الشَمسَ كَما هِي..
مُبَاشِرَةٌ مُتَربِّصَة
هَكذا رَأيتُكِ:
مُزارِعَةً تَلبَسُ بَساطَتها المُخِيفَة ..
وتَدخُلُ جَسَدِي وَروحِي مِن
مَداخِلَ يَعجَزُ عَنها الكَمالْ.......... وتَبتَسِمْ...
كُلَّما كَلّمتُكِ:
تَحفُرِينَ حُفرَةً رَقِيقَة .. وتَضَعِينَ بُذورَ
النار...
وكُلَّمَا لامَستُكِ:
تَنمُو البُذور غَابَةً مِن
ذِكرَيَاتٍ تَتَشابَكُ حَتى الاشتعال...
وكلَّمَا تَعلَّمتُ
النَظَرَ إليكِ أَكثَر:
تَشابَكَتِ الأَلوانُ فِي
رَعشَةٍ واحدةْ...
ولا أرى.... لا أرى إلا
الضُوء تَائِهَاً فِي جَحيمٍ مِنَ الأُغنَياتِ...
كَيفَ تُغنينَ حِينَها... فِي
ذَلكَ الوَقت الذَي يُشبِهُ العَواصِفَ والسَّماءَ
الصَافِيَةْ
يُشبِهُ الحُزنَ والغَبطة القَاتِلَةْ
يُشبِهُ السُكونَ .. والرَجفَة الصاعِقَةْ !!
وكَأنَّكِ لا تُغَنين..
دُون أَنْ تَتَنَزَّهِي فِي
مَعانِي الكَونَ حَافِيَةً
بَينَمَا تَتَكَشَّفُ
الأَسرَارَ مِنْ ثَوبكِ خيطاً خيطاً ...
ثُمَّ لا أَرى.. لا أرى سِوى
الكَمَال فِي آثارِ أَقدَامكِ
عندما تَترُكِينَهَا فَوقَ الرملِ كَدَهشَةِ طفلْ
كَانتِشَاءِ الحَقلِ بِرذَاذِ المَاءِ والشَمس....
فِي الصَبَاحِ
لا أَكونُ غَيرَ مُخَادِعٍ
صَغيرْ..
يَعشَقُ أَنْ يَلقَاكِ
صُدفَةً فِي الطَريِقِ العَامْ..
يَعشَقُ أَنْ يُنتَزِعَ ابتِسامةً أمامَ المارّةِ بِكُلِّ
لُؤمْ..
ويَنتَشِي مِن تِلقَائيِّةِ التَجَاوب والبَوحِ..
كأنَّ السِرَّ (شَخصِيَّاً)
يَسكُنُ بَينَ أَصابِعِنَا
كَأنَّ أَصابِعنا أَنوارٌ
تُعرِّي العَالَمَ مِنْ سَطحِيَّتِهِ الكَالِحَةْ ...
هَذا الظَلام الدَامِس أَيضاً
يَعرِفُ طُرقَنا .. ولكِنَّهُ يُصبِحُ كَهِرٍ صَغيِرٍ
يُحِبُّ اللَّهوَ بِالمَفَاتِيح الَّتِي تَتدَلّى مِن
الكَلِمات الَّتِي نَتَبادَلُها
والنَظَراتِ الَّتِي تَتَبادلنا ...
......
....
فَلتَكُن حَياتُكِ أَرضاً لا
تَخبُو أَبداً
ولأَكُنْ قِديسَاً يُحِبُ
الصَلاةَ بِأَمسِهَا وَغَدِهَا..
مُحَاوِلاً أَنْ يُرتَّقَ
بِهَا شُقوقَ الحَاضِر
بِكُلِّ المَهَاراتِ المُتَاحة
وبِكُلِّ الوَقتِ السَاهِرْ..
فبراير 2005م
فتنـة
الـوداع
في مَكَانٍ يرتديه الجَفَاف
بقوة
يفتِّتهُ بين كفيه كطينٍ واهن
في مكانٍ كهذا تبطش الشمس
بالأرض
تاركةً جَيشَها المُلتَهِبْ
يَتَسلَّلُ بِقَسْوَتهِ إلى جَوْفِهَا الكَئيبْ...
طَوال النهارْ
مادامَ النهارْ...
وفي الليل
تَتَشقَّقُ الأرض
بِهدوء
والكائِنات نائمةٌ دون أن
تُحسَّ بموسيقى الوداع ذات الضوء الساطع
موسيقى تبرزُ في شَكلِ نجومٍ
ومغنىٍ وحيد يسمونه قمرا
....
تُوَدِّعُ أجزاء الأرضُ
بعضها بصراخٍ جارح
تَتَهاوى تَحتَ سطوته
أوراقُ الأشجارِ الشوكيَّةِ
وتَتَبخَّرُ البحار
لِتَظهرَ عارِيةً في الهَواء كامرأةٍ من بُخارٍ وتَرقصُ إذ
تَسمعهُ
تنقَشعُ العواصفُ القادمةُ والكامنةُ في رَحمِ التراب
ويتوقَّفُ الزمنْ....
تودّعُ أجزاء الأرضِ
بَعضَهَا بعد أن هُزِمَت في حروبِ النهار
......
الطُيور المُهاجِرَةُ فِي
الليل تُأَرْجِحُهَا الرِيحُ كَطِفلٍ عَلَى مَهْد
مُطْلقةً بَصَرَها
اللامُتَنَاهِي
بَاحِثَةً عَنْ أَراضٍ
جَديدَةٍ بِأحلامِهَا دَوماً
الطُيورُ الليليةُ
وَحدَها مَنْ تُشَاهِدُ المَوقِفْ باستِسلامٍ وَتأمُّلْ
إذْ تَرى سَطحَ
الأرضِ كَوجهٍ
كَبيرٍ لفقيرٍ فِي لحظاتِ الاستِجْداءِ
وتَرى الشُقوقَ تَجَاعيدَ
غائرة
هِيَ أَقرَبُ لِلغِنَاءِ
السَماويّ
هِيَ أَقرَبُ لِحَريقِ
الحَقِيقَةِ........................
لَكنْ..... أيَّهُما
يَتَألمَّ أَكثرْ:
الطُيور
أم
الأَرضْ ؟؟
مارس 2005م
غروب
كما لو أن المشهد يهزأ بي:
هذه السماء التي تتقطّر من
وجهكِ، تَنْزَعُني من انتباهي القوي تجاه عفوية العالم،
وتعقيده... لأتَوَقفَ كلَّما غربت شمسٌ عليها.. وأُحدِّق
دون توقف لأيامٍ وأيام... تصاب خلالها أعضائي بالحرية:
• أخمِّن أن الغروب يجعلك
حزينة في العادة كرمزٍ مشهور.....
• أُخمِّن أن الغروب يعني
أنك تنظرين إليّ كما تنظر الأم لطفلها كإحساسٍ مبهمٍ ليس
مشهوراً....
• أخمِّن أن الغروب نداءٌ
لأتبع خطوات الضوء الغارب لنغرق في الليل سوياً ولا
ننام...
......
حقيقتنا في الغروب أحياناً
......
[حقيقتنا أن نُدرِك
الفَرق بين الضوء والظلام، في وسط هذا الهدوء الذي
يَنْزَعُني من انتباهي، ويضعني فوق حدِّ السؤال....]
......
يالك من مشاغبة!!!
أنتِ تهزئين بي.......
(هنا اضحك
بتقطع كما يضحك سكران على حافة الفراش والليل يحزم
حقائبه للرحيل).... كأن المشهد يهزأ بي... كيف يريدون
مني أن أصدق أنك لا تعرفين من أين أتيت ؟؟!!، وكيف أنك
لا تحسين بالسماء وتقلّب الأحوال الجوية فيها ؟؟!! (إذ
أنك تدعين أنها غير موجودة أصلاً) إذا أردنا أن نسلم
بتكتمك على هذه الأسرار، دعيني أقول لك اختصاراً للنقاش:
مجنونٌ
بكِ... وربما شاركني المشهد وليمة الضياع....
فبراير 2005
ملوكٌ..
وأراضٍ وحيدة
لَم أَكُن سَيداً فِي أَي
زَمَنٍ مَضَى .. (رُبما؟)
ولَم تَكونِي .....
فَنادِنِي (سيدي) ..
سَأُنَادِيكِ بـ(سَيدَتِي)
هَل نُصبِحُ أعدائاً حينها؟
هَل نُصبِحُ مُلوكَاً بين
لَيلَةٍ وضُحَاهَا؟
التُربَةُ الّتي تمَلُكِينَها
تَعرِفُنِي
وتُثَرثِرُ أَشجَارُهَا بِمشاهِدَ تَلتَمِعُ فِي عَينيَّ
عادةً حِينَ أَرَاكِ...
التُربَةُ الَّتي أَملُكُها
تَنشَقُّ كاشِفَةً مَعادِنَهَا لِتَضُمَّكِ بِهَا
وتَمنَحُني ثِقَةَ المَقتُولَ بِمَوتِهِ ...
في آخِرِ الأمر
كِلانا يَبخَلُ بِتُرابِهِ..
وَاضِعَاً أَسوَارَهُ
المُضحكَة
(لأنها تَتَرُكُ عَنْ قَصدٍ
فُرصَةً للتَسَلُّلْ فِي كُلّ الأَوقَات)
لكِن.. مَنْ سَوفَ يَرضَى أَن
يَترُكَ أَحلامَهُ تَجتَازُ أَسوارَ البُخَلاء...؟؟!!
....
عَن نَفسي: لمَ أَكُنْ
وَلَداً صَالِحَاً لِهَذهِ الأَرض..
ظِلالُها انتَحَلتنِي فَفَاضَتْ بِالشُكوكِ وَالشُحوبْ..
وانتَحَلتُها فَكُنتُ ظِلَ الوُحوشِ وَالمَخَالِبْ ..
نَحنُ هَكَذا دَائِماً رُغمَ
مَا نَدَّعِيهِ
والآخَرين يُحِبُّونَ مَا
نَدَّعِيهِ .. وعِندَمَا يَمِلُّون...
يُدرِكُونَ الَّذِي تَخَفَّى
ثُمَ لا يَكُفّونَ عَنِ الثَرثَرةْ...!!!
هُمْ يَقُولُونَ كَثِيرَاً
وانا مُجرِمٌ بأكثر مِن مَا
يَقولُونَ ...
علّهم يُبصِرونَ.....
لَيتَنا نُدرِكُ مخالبنا
المُتَّسِخة بِقذاراتِ الأَزمنةْ
(علّنا نَحظَى بِبَعضِ الدُموع)
علّنا نَكُفّ مِن البخلْ...
فَالأرَاضِي تَجوعُ إذا
سَكَنَتهَا الرِيَاح فَقَط ...!!!
(رُغم أن صَوتها جَمِيل
ولَكِنهَا لا تَكسُو جُرحَاً كَشَفَتهُ بِأقدَامِهَا
المُسرِعَة
لا تَضَعُ قِنَاعاً مَكَانَ الذَي خَلَعتهُ بِلَمسَتِهَا
المُوحِشَةْ)
........
........
لم أَكُن قَلبَاً فِي
زَمانٍ مَضَى
ولَم تَكونِي...
فَعلِّمِينِي الإنقِبَاضْ
سَأُعَلِّمُكِ
الإرتِخَاء....
يناير 2005م
يتذوَّق
معنى العبور لوحده...
كهيبةِ
مَوكِبٍ
مِن
الجَنائزِ
يَعبُرُ قَلبي جُسوراً
مُعلَّقةً بين شَهْقاتِهِ
سيَرى عَدَدَاً طيباً مِن
وجوهٍ مَضَتْ
وهي تُحني رِقاباً مُزيَّنةً
بخناجرَ تغمُرها رَعْشةٌ جارحةْ....
لن يَتَذكَّرَ من كان منها
صَدِيقاً .. ومَنْ كان منها عَدوّاً
ولنْ يَنْتَبِهْ
لِلضحكْ
حينَ يُفلِتُ مِنْ أَحدِ الأَوجهِ الشامِتَهْ...
هُوَ
مَركَزُ
هذا
الفضاء
وهُوَ سيّدهُ ليُقَرّر:
[ثمَّةَ ما يَستَحيلُ
غِناءً أمامكَ
ثمَّةَ ما يَستَحيلُ
بكاء....]
لا أَحَدْ
سَوفَ يُصغِي لقَرقَعةٍ
تَتَفَلَّتُ من بَين أخشاب تِلكَ الجسور..
لا أَحَدْ
سَوفَ يَلمحُ رُعباً بِعينيهِ
يهذي كَشِعرٍ ردئ.. وهو يعبرها باهتزازاتها
لا أحَدْ
سَوفَ يَلمَحُ تلكَ الحبَال
التي رُبِطَتْ عِندَ أَطرافِها
(والحبال دمي المتبخّر
شَوكاً خِلال العروق
هشٌّ كأطرافِ طفلٍ رضيعٍ
ولا يتحمَّل أن تَتَكوَّم
في عينهِ كلَّ هذي المرايا)
:::::::::::::::::::::::
لهذا سَتَسقُطُ كلَّ الجسور
ولا يتبَقى سوى شَهَقاتٍ مُلطَّخةٍ بالوجوهِ
وهيبةُ تلك الجَنائزِ تَسطَعُ في مُقلَتيَّ كبَرقْ........
مارس 2005م
|