|
أزمنة
القناص
مـأمون التلب
(سيرة ناقصة تدور بذاكرة
الطيور)
عليك إذاً
أن تخطو.. كمن يصوّب مسدسه..وهو يعلم أنه لا يملك سوى
رصاصة واحدة
سركون
بولص (إذا كنت نائماً في مركب نوح)
[لا بد أن
تصبح وحوشكم نموراً.. وعقاربكم تماسيح... فيجد القناص في
الغاب ما يرضيه]
فريدريك
نيتشة (هكذا تكلم زرادشت)
هنيئاً
للذي يلهو.. بهِ يأسٌ.. ويحرسه رمادٌ غادرٌ.. ويقول
للموتى: صباح الليل
قاسم حداد
(الوجوه)
وكأنّ
العالم طائرٌ
قُدِّر له
دائماً
أن يموت
برصاصةٍٍ طائشة!!
مأمون
التلب
2004-2005م
الخرطوم –
مدني
سقوط:
مثل زخّ
المطر
تتفتت
روحي إذا قابلتها الرياح
وهي تسقط
في ليلها
.....
مثل وقع
الخطر
في النفوس
تتمزّق
أجنحتي فوق سقف المدينةِ
(أجنحتي
الواهية)
والتي
كنتُ في ما أظن أغني لها
أرى ريشها
يتفحّم في أعين المارة المتعبين
وتحت
الحجارة
بين دموعٍ
تفرّ كلصٍّ جبانٍ لتسكن خدي كنقشْ
هذي
النفايات:
ريشي
وروحي
(كزخّ المطر)
من سوف
يحملها في يديه
معتبراً
أنها قبلةً من حياتي التي تتخللني لحظةً لحظةً ثم تخبو
و وردةً
خلقتها سنيني؟؟!!
أدرك كم
هي باردة ..
ولا تشبه
القبلة الدافئة
أدركُ أن
لها صفة الماء
لا تسبه
الوردَ في عطره
لا .. ولا
لونه
.................................
................................
ولكنها ما
تبقى
فماذا
سأفعل؟؟!!
جلسة
أولى:
الصباح
دموع الليالي
والفجر
غصّتها...........
......
.....
فمن قال
أني ضعيف
عندما
شاهدتني الجموع أصلي وأبكي على جبلٍ
قد تصدّع
من رجفتي
وتفتت من
همسات النزيف؟؟؟
...
ومن قال
أني وحيد
عندما
احتضنتني الشوارع ظلاً جديداً لجدرانها
والشتاء
مضى دون أن يكترث ..
للجحيم
الذي يتصاعد من خطوتي دون أن ينطفئ ....؟؟؟
.....
ومن قال
أني حزين
عندما كنت
بعض خشب.. عند منطقةِ الكسرِ
في جذعِ
نايٍ ؟؟؟؟
...
ومن قال
من قال:
أني
(أنا)؟؟؟؟
جلسة
ثانية:
جلست قرب
النهر
رملٌ
ناعسٌ يجتاح أنفي
الريح
تعبث بالفراغ
بجانبي
شجرٌ وفاكهةٌ قديمة
العاصفة
في الأفق تعزف ما تبقى من جحيم الوقت كي تصل المكان
صوتٌ
لروحٍ لم تزل تحبو يسمي نفسهُ قلباً ويرقد بين رئتيّ..
يصلي أو يغني .. لست أذكر
كان وقتاً
مبهماً:
( -
ليلاً؟!
- ولكني
أرى الشمس
-
نهاراً؟!
- هذه بعض
النجوم السافرة)
ربما كانت
فصولاً لا تُميَّز
ربما مرّت
سنينٌ بينما كنت سعيداً بالجلوس
ربما كنت
وحيداً !!
كنت أهمس:
أين
أنفاسي التي قطعت
وأحلامي
التي حرقت
وصوتي قبل
إلفتهِ لأزمنة الجفاف
كانت
الكلمات تلمسني فتصبح جثةً من دون أوصالٍ
وطيرٌ
متعب التحليق يلمحني فيُجرح صوتهُ
نغماته
تهوي دماً في الأرض
تسقي
الأرض
ينمو
حاضراً شُلَّت إرادته
أراه
فتصبح نظرتي طيراً يحلّق متعباً
وقرب نهرٍ
قرب رملٍ
قرب ريحٍ
قربٍ
أشجارٍ وفاكهةٍ قديمة ...
قرب
عاصفةٍ تلملم لحنها بعد الخراب
وقرب صوتٍ
قرب وقتٍ
مبهمٍ
بعض
الفصول التائهة .. وبقربها السنوات
وقفت
وفي يدي
خوفٌ أعلّمه النجاة / جمرٌ أعلمه رماد الروح/رئةٌ أعلمها
اختناق الأرض/
أو ألمٌ
أعلّمه الحياة................
طُرِدت:
دُهشت من
السماء لأنني أخشى السقوط ولا أفكر (عندما أحدّق فيها) في
أحدٍ سواه... وطردت من الأرض لأنني عشقت التحليق وتمنيت أن
أكون ريشةً في جناح طائرٍ (هذا من زاوية متشائمة) وتمنيت
أن أصبح طائراً وحدي (هذا من زاوية متفائلة جدا وتفضي إلى
الهاوية).. كما أنني طردت من البلاد لأنني تورطت في
الانتماء إليها.. وطردت من المدن لأنني أزعج الضجيج الذي
يتنزه دون رقيبٍ ولا حسيب في شوارعها.. وطردت من الناس
لأنني قلت أنني أريد أن أشبه نفسي وربما أيضاً لأنني قلت
بأن الحكومات والتاريخ من صنعنا جميعاً... وطردت من جلسات
المثقفين لأنني قلت بأنني أبحث عن (الكمال) ذو الأبعاد
الأسطورية ... وطردت من قلوب النساء لأنني أراهم كما خلقهم
الله وليس كما خلقناهم نحن الرجال... وطردت من ثرثرة
الأصدقاء لأنني أباغتهم بالسؤال عن الموت..
وهو ما
يؤخر مسيرتهم ويعطل العقل (هذا ما يقال)...
قلت: لا
بأس......
هذا كله
هين.. ولكن أن أطرد من قبلي أنا بلا سببٍ واحدٍ مفهوم..
فهذا لا يطاق....
حملت
السلاح هذه المرة .. وصوبته باتجاه القلب مباشرة .. ولكنني
.. للأسف ... طردت.....
نزهة:
حاملاً كل
الذخيرة في يدي
على كتفي
السلاح.....
....
أمشي
يمرّ
بجانبي:
عطرٌ
نسائيٌّ يخبئ خنجراً
طفلٌ
ولعبته مهشمةٌ وفي فمه ابتسامة مشرقٍ
وثيابه
تهذي بحزن المغربِ
شيخٌ يدس
بجيبه العلوي قلبٌ نازفٌ
وبجيبه
السفلي نبضٌ جامدٌ
حلمٌ
بعينيه .. وشيبٌ في النَفَس...
بيتٌ بلا
جدران.. لكن النوافذ في أماكنها معلقة على صدر الهواء
أبواب تعلّمك المسير من الفراغ إلى الفراغ
لكنني
أمضي
يمرّ
بجانبي:
جبلٌ
تصدَّع حين شاهد ما يدور بخاطر الأيام
نهرٌ دون
قاعٍ
دون
سطحٍ.. ضفتيه جنون هذا الكون
وبين
مياهه حلمٌ .. ونايٌ .. أنبياءٌ ميتين
صحراء
تحمل هذه الشمس الوحيدة فوق كفيها ودون تزمرٍ
شجرٌ
سافرٌ .. وجذوره مشويةٌ .. أوراقه مسلوخةٌ
ليريك كيف
يمرّ عامٌ فوق هذي الأرض عامٌ لا يعود
لكنني
أبكي
تمرّ
بجانبي
ريحٌ
تجرّح صدرها بصدى صراخ الحرب
حمى تكسر
الرؤيا شظايا كي تخبئ قبحها عن أنبياء القلب
مقبرةٌ
تبعثر ساكنيها فوق أجواء المدن.... وتنوح
غنيةٌ
تزين صدرها بسلاسل العبرات.....
وماذا بعد
هذا؟؟
كل من مرّ
يمرّ
لكنني
أهذي: ((لماذا لا أرى إلا أنا))
أجري وكل
ذخيرة الدنيا بكفي
عند كتفي
يستكين سلاحي المخصيّ
لماذا
أسمع الطلقات تدوي دون أن تَلقى أحد؟؟
رسالة
أمي
مددت يدي
ليد الآخرين
أتعلّم
نبض أصابعهم
أتعلّم
تقود دروب الجسد .. كلّها لمكانٍ يسمونه القلب
لكنه _حين
تدركه بالتعلّم_
تعرف كيف
ترى قلبك المتّسخ
كيف أصبحت
كهلاً
ورحماً
أنيقاً لكمٍ كبيرٍ من المدن الشبحية
أمي
مددت يدي
للجميع
نيتي
واضحة.. مثل عاصفةٍ تنذر الناس في الأفق باللون والريح
لكنني ..
رأيت الخناجر تصطفّ في الخصر مثل الجنود
والحلم
مستسلماً للشتاء الذي تركته أياديهمُ.. في يدي
لهذا..
لم
أصافحكِ منذ سنينٍ مضت
لم أقل لك
عند المساء: (ليلة طيبة)
لم أقبّلك
عند الجبين ........... منذ سنين
لأن دمي
_مذ مددت يدي للجميع_
لم يعد
يتذوّق إلا الفتات الذي سَيَّروه بعِرقِي وهم يحقنوني أمام
الصباح
بما قد
يسموه بالذكريات
[ -
حكايات من؟!
- لست
أدري ولكنني استمع ...
- حوادث
من؟!
- حسناً..
لا توبخ فؤادي .. يقولون لي: (استمع .. هذي حوادثك القاتلة
.. وهذي حكاياتك التافهة .. فاستمع.....)
- من هم؟!
- لست
أدري...]
منذ سنين
لم أقبلكِ
فوق الجبين فجلدي الذي ورث الحرق لا يتحسس إلا قماش
الكفن....!!
أمي...
لماذا
تجاهلتني حين قلت لك: (علّميني الولادة)؟؟!!
إن
تعلمتها
سوف أسرق
تلك البراءة
التي
تتدفق عند خروج الجنين
ولكنت
سرقت الدموع التي تتساقط من مقلتيه
ولكنت
سرقت الصراخ الذي يتصاعد من ألم الانزلاق...
وسرقت
حبوب العرق .. التي تتكوم بين تجاعيد وجهي
وامزج كلّ
الذي قد سرقت
لأدرك أني
ولدت
وكيف مضيت
إلى أوّل العمر عارٍ بكل البراءةِ
وكيف وقفت
بمنتصف العمر مرتدياً كلّ شيءٍ :
(من شرورٍ
ووحشيةٍ
ونفاقٍ
بلادٍ
أشوّهها ثم أبكي عليها
وحريةٍ
زائفة)
وقفت
بمنتصف العمر مرتدياً كل شئ سوى أغنيات البراءة..
مددت يدي
لم أجد
غير هذا السلاح
لأعرف كيف
يكون الأبد ....
بينما
طلقتي
لا
تصيب
أحد..!!!!
وصف بسيط:
كأن يخبرك
شخصٌ ما.. أنهم قد أبدلوا المرضى في المستشفيات بطيورٍ
جريحة .. تستحق عناية أكبر لأنها على ما يبدو أصيبت
بخطورةٍ ووحشيةٍ بشرية في حربٍ لا تخص الطبيعة .. ولا حتى
الكائنات الأليفة.......يخبرك دفعةً واحدة .. وفجأة!!!
كأن تلتقي
شخصاً لأول مرة .. ويحكي لك ذكرياتك بالتفصيل الممل.. دون
أن يفوت شيئاً.. حتى الأفكار التي تراودك في الحمام.. حتى
الأحلام الصغيرة المجزّئة الغير متناسقة لا في الزمان ولا
المكان تلك التي تنساها أنت بمجرد الاستيقاظ صباحاً...
يذكرك بالاتهامات التي كنت تلقيها على الكبار عندما كنت
طفلاً مبرراً بها أخطاءك التي لا تزعجك أبداً بل تسليك
دائماً... يخبرك دفعةً واحدة.. وفجأة!!
كأن
تموت!!!
هكذا
دهشتي بالعالم ولدت... وكانت.. ولا تزال حية......
هكذا
دهشتي بكِ عندما تحاولين أن تتركينني وحيداً هكذا بلا
عالمٍ يدهشني....
هكذا
دهشتي بالوحدة والهزائم والانتصارات...
هكذا
أنا..... دهشةٌ كاملة عندما أُسلَبُ أسلحتي وزخيرتي..
أُسلَبُ الاتجاهات والمرشدين الحكماء.. أو عندما لا أجد
هدفاً أصوّب نحوه رصاصاتي التافهة
خلقٌ
يسير:
هاجمني
السحر في أعين العابرين
ففاض دمي
بالسنين
التي
تتدفأ من برد أيّامها بالحطب (والذي حزّه الحلم من غابة
الوقت)
أهلاً
سأبدو على
وحدة الضوء والأمنيات
_التي
غادرت من هتافي لتسجنها الريح_
أكثر
برقاً وحمى
إذاً..
لست أنظر أبعد من طلقتي الغاضبة
لجيوش
السراب
إنني لا
أحس التراب بجلدي صديقاً
ولكنني قد
أرى دمعةً من جليدٍ على رحم الغيب
تلتفّ
بالزمن المستدير
تكوّر
ذراتها
ثم تفتح
صدراً مليئاً بورد الربيع
أموت على
فرحي
وأنا
أنتنشق عمق الربيع وأحلم
أهلاً...
سأبدو
غبياً
وأدرك أني
أفسّر حريتي :
(القيد
حريتي)
........
حين ينمو
المطر
داخلي
ويكون
لأحفاده مدناً ..
سأقول
بأني وحيد !!!
ولكن إلى
أن أصدّق أن السحاب يكونه الماء
لن أتوانى
عن الغرق المستمر
وأعلن أني
بعيدٌ
ولا أستحق
الحديث عن الأسئلة!!
فالعيون
الحميمة أول مدرسةٍ للظلام
لهذا يغيب
الكلام على رعشة الليل
حين يحسّ
بنشوته تتفتت بين النجوم ...
كم أجيش
بحمى السهوم
وأُطرِقُ
خطوي إلى أن أعيد الحياة إلى الأجنحة ...
ربما
كان ريش
المنافي يعيث فساداً بقبضة طفلٍ يحبّ البلاد التي حاورته
بأنيابها..
كي أحنّ
لعذريتي ووداعة حلمي الذي فاض من شفتيه الزبد ..
إنها أوجه
المارة المتعبين
تذكرنا
كيف تزحف رائحة الحرق فوق جفون الأمل
ليرى ما
نراه ...
هكذا
قلت
للكائن الحرّ في حنكتي:
((لا
تخاطر بنسج المدينة في خاطري
لكي
أستطيع الهروب لعفو الإله وأدرك كيف أنا استحقّ إجتراح
الطريق لتنزف ذاكرتي منه
كي يتسنّى
لآلامه أن تخبئ ملمحها في جذوع الشجر
والحجارة
في جانبيه))
لا أستحق
الحديث عن الأسئلة....
لأني على
كفّ هذي البلاد
جلست
أحاول أن أقرأ الكف
بالسحر
والسرّ
أبصرت
مَهْدِي وقد غمرته المياه التي لست أعرفها
رغم هذا..
أحاول أن أتهجى الغريق
..
إنها
الساعة الفاسدة
كيف
أحببتها
وجلست
أراقب كيف تحرّك بالأمنيات عقاربها
بينما
سمّها يتحلل في داخلي
ويصير
بلاداً
وحباً
وطفلاً
.....
أرى الريح
تقبض خصر المدى
وتطوّقه
تصبح
الريح طيفاً لأنثى:
((أيتها
الخالدة
حُطي على
كتف الغيم
خُطي
بنومِ السماء خيالاً يوازي جمال الشفاه اليتيمة
حيث ستهمس
للأرض أن البذور عيونٌ
وتبصرُ
كيف نَمَت فجأةً مثل برقٍ
ثم تجلس
في حافة الوهج تبكي
[ألم
تدركي الآن أنك برقٌ كما قلت لك يا بذور]
...
أيتها
الشاردة
فلتمسكي
كتفي في الشوارع
ولتشبكي
الكفَّ بالكفِّ
ولتضحكي
ملأ ما فيك من غرقٍ ونجاة ..
قبّليني
أمام الجميع
لكي
تتحلّق فيهم جروحٌ
ويعوي
الخريف الذي شقّ صدر الشجر بين أجسادهم
علّهم
يبصرون
إنهم
فتنةٌ مثل (طين) الشواطئ
حين أراه:
حقيقة
معركةٍ بين ماء البحار ورمل الشموس))
المَمَر:
دائريٌ
كالعالم .. مجوّفٌ أيضاً .. وكل خطوة تُخطى عليه لها دوي
قنبلةٍ هائل، دويٌ لا تحده المسافات والجدران السميكة..
وعلى هذا يمكن أن تكون حالتك الدائمة هي عندما تكون واضعاً
أصابعك في أذنيك .. هكذا أنا لا أدري ما هو حال البقية..
فمنهم من يضع أصابعه ومنهم من هو لا يسمع أساساً أصوات
الخطوات الصاخب... استغرب تماماً من هذه الأوضاع.. أليست
حواسنا بنفس الحساسية والاستجابة.. ألا يرون ما يحدث
حولهم... الغريب جداً أن تجد أحدهم ينكر وجوده في ممر
ويدعي أنه يسير في مساحات غير محدودة وبدون سياج وبحرية
كاملة، مع أنني أراه يدور في نفس المكان.. يذهب إلى بداية
الممر ويعود إلى نهايته بالطول والعرض وبحركة نمطية
فجّة...
رأيت فيه
كل أنواع الكائنات والتصرفات والتجارب المريعة .. رأيت من
يذبح على مساطب مصنوعة من الذهب الخالص وهو مبتسم ومستسلم
لمصيره ويأتي رجالٌ ونساءٌ يحملون أقلاماً خالية من الحبر
ويغمسونها في دمه الطازج الحار ثم يهرعوا إلى إلى الأماكن
الأكثر ظلاماً ويبدؤون بالكتابة .. بجانب كل منهم ارتصت
آلاف الكتب الملوثة بالدماء على جانبيها .. ورأيت من يحاول
تقليد الجدران فلا يستطيع فيحاول تقليد الطبيعة المتناثرة
في ما حوله فيفشل بقوة، يحاول أن يقلّد الراحة والهدوء
فيدركه التعب والهم ويقلّد الماء في صفاته فيدركه اللون
والطعم يحاول أن يقلد النار في اشتعالها فيدركه الرماد،
يخفق في كل هذا فيحاول أن يقلد سكان الممر فينجح.. ولكنه
لا يطمئن للنتائج فيعيد المحاولات مع بعض التغييرات
الطفيفة..... رأيت العشاق ينتحرون واحداً واحداً دون أن
ينتبه لهم أحد.. ورأيت الشعراء يحملون مكانسهم الشعرية في
محاولة لكنس القبح الذي أصبح هواءاً يتنفسه الجميع وهم وهم
يعرفون فداحة الاستحالة فيغرقون في الظلام كالظلام... رأيت
الكهنة يجتمعون ليتآمروا على أنفسهم ليأتوا في آخر الليل
حاملين خناجرهم ويجتمعوا اجتماعاً آخراً ليكون العمل محل
القول، وعندما تنفذ الرقاب تبقى رقبة واحدة وتحاول أن
تجتمع مع البقية في محاولة لنشر الدين الصحيح.... رأيت
النساء في أقفاص الاتهام يتهمن القضبان ويتعاركن معها في
معركةٍ دون أن يفكروا في الذي يدور في ذهن القاضي الذي
يحاول بمطرقته الخفية أن يلفت الانتباه دون جدوى... رأيت
السيوف تجلس على العروش، والعقول تدور حول القصور في
محاولةٍ للكشف عن بداية الدائرة ونهايتها .. ورأيت القلوب
تبحث عن قبورها باستعجال وشراهة...
الحكيم
المصلوب على لوحةٍ في جدار الممر.. مرسومٌ بدقةٍ جارحة..
نصف جسده أبيض والنص الآخر أسود.. من اللون الأبيض يشعّ
ظلام كثيف .. ومن اللون الأسود كان الضوء يعلن عن دربِ
نجاةٍ مخيف... وللوهلة الأولى خيل لي أنه ينادي عليّ..
مشيت نحوه بخطى راجفة ولا زلت أضع أصابعي عند مداخل
الصوت.. قال: (أبعد أصابعك من مكانهما) .. قالها بنظراته..
أنزلتهما ببطأ.. وتحملت الضجيج الأول .....
بعد سنوات
من هذه الحادثة .. تعرّفت على المستقبل في آخر الممر..
وعلى الماضي في أوّل الممر.. وأدركت أن جميع الكائنات
تتكوّم في الأطراف.. وأن القليل .. القليل .. هو من يسكن
المنتصف.. قلت هذا مكاني..............
أصبحت
شخصاً يجلس في مكانٍ مظلم.. حاملاً سلاحي الصديق.. أحدّق
فيه هو .. ولا أهتم بالهدف.. لأنني معه هو .. الآن... وليس
غداً... ليس بالأمس... جالساً في هذا الفضاء الحائر في
محاولةٍ مستميتة للتعرّف (ولأول مرة) على هذا الكائن
المسمى سلاحا... بينما يقهقه الممر بصوت عالٍ... ودون أن
يسمعه أحد .. سوانا.. نحن الواقفون في منتصف الممر....
نحن الآن
في
منتصف
الممر
............................................................
عالمٌ
يتحرّك:
كنتُ
كمن
يتحرّك في عمق هذا المدار المسمى حياةً
حياةٌ
مسممةٌ بالأمل
ومسيّجةٌ
بالنجاة
وحريتي
الزائفة.. كالفراشة تلهو ببرد المطر
خلف ذاك
السياج السميك .....
بينما كنت
أحمل بين يدي كلّ أعضائيّ الخائفة
من عظامٍ
.. وقلبٍ .. وعقلٍ
وكنت أرى
رغم هذا .. وكنت أرى
عالمٌ
يتحرّك...
....................................
قطةٌ
قفزّت من مكبّ النفايات بين يديّ طفلةٍ غسلتها السماء
بأحلامها..
تربةٌ
فقدت صمتها لتجازف بالهذيان الذي يتصاعد منها زهوراً
تفسّره بروائحها الساطعة ..
جملةٌ
نسيتها فتاةٌ على شفتيّ ولم أتكلم لألا تضيع وأفقد ما كنت
أبحث عنه سنيناً بحزني الغبي..
(كيف أنتم
؟
بخير؟
هل رأيتم
معي: عالماً يتحرّك)
...................................
بعض
الليلي تلملم أطراف حيرتها وهي تنظر عبر النوافذ للنائمين
بكلّ هدوءٍ وراحة
وبعض
الليالي تداري ملامحها وهي تركض عبر مجاري المدينة ..
بعض
الليالي تعدّ نقود البنوك وتبكي
وبعض
الليالي تحسّ بغربتها في ثياب الزفاف عندما تلمح الأكل
يلفظ أنفاسه تحت أقدام من يرقصون
وبعض
الليالي تكوّم عزلتها وكآبتها في إناءٍ وتسقيه للشعراء لكي
يكتبوها نفاقاً
وبعض
الليالي تموت .....
((كيف حال
الكوابيس؟
هل لا
تزال بجرأتها لا تساوم ؟؟؟
هل كان
جرح الرياح يعذبكم ؟
هل تعانون
من مرض الذكريات؟؟؟؟؟
هل رأيتم
معي:
عالماً
يتحرّك؟؟))
...............................
كأني
تعلّمت ذبح الصغار..والبرود الذي يتخلل هذا الشعور المخيف!
كأني
تعلّمت نبش القبور لأني نسيت الطريق إلى البيت !!!!
كأني
تعلّمت كيف أضيّق قلبي لكي يتسّع للشرور المغطاة بالذهب
المحترق
وكأني
تعلّمت كيف تصير يدي عنصراً فاعلاً بين عورةِ حربٍ ومقتلِ
حلمٍ
كأني
تحرّكت في الدائرة .. دون أن أنتبه !!!!
(كيف
تاريخكم؟؟
هل رأيتم
براءتكم ؟؟
هل تعرت
مرايا الحروب فشاهدتم العقل يأكل من جثثٍ الأولين؟؟
وشاهدتم
القلب يستنفر السيف والقنبلة ؟؟
هل رأيتم
معي:
عالماً
ينتحر؟؟؟)
...
...
قبر
الطيور الأخير:
السلاح
الذي كساه الشيب ذرةً ذرة.. يترنح معي في آخر
المطاف..دائماً ما يكون هنالك نهاية للمطاف..هو شئ مؤسف
ولكنه مثير نوعاً ما... أتخيل شكل الباب الذي سألتقيه
هناك..هل سيكون اسمي منحوتاً عليه كما خبروني؟ على كل
حال...لا أزال أشتم رائحة جثتي تسبقني إلى النهاية..وبينما
أسير أحاول أن أطلب المغفرة من القتلى المبعثرين على ساحات
الذاكرة الهشة..أحاول أن أدرك الحكمة من وراء الهطول
الفجائي للأمطار على رأسي كلما تذكرت أنني أسير ولا استطيع
التوقف..أحاول أن أستعيد الأهداف التي أخطأتها وأتساءل:
(من منا يختار الآخر؟؟)...(وهل كنت أعرفها مسبقاً؟؟ أم
أنني أتخيل ذلك فقط لأثبت أن الإنسان في أصله نبيٌ طيب
القلب؟؟)...
وكل هذه
الكوارث..ماذا تعني بانبطاحها أمامي كلما ابتسمت أشباحي
الداخلية؟؟ يقولون أنني صانعها كلها.. أقول: أن هنالك من
هو مسئول...يفتح الصمت فمه أخيراً ولكنني لم أسمع
شيئاً..وبما أنني لا بد أن أعرف فيجب أن أخمن: ربما ضحك
حتى أصبح شاحباً هكذا.. أو ربما سقطت كلمة (موت) من فمه
بالخطأ...
وكأنّ
العالم طائرٌ قدّر له دائماً أن يموت برصاصة طائشة....
ربما خسرت
... لأنه (كان عليّ أن أخطو.. كمن يصوّب مسدسه وهو يعلم
أنه لا يملك سوى رصاصةٍ واحدة).......
وها هي
الطيور تتساقط
واحدة
..واحدة.....
إكتمل في 1 فبراير 2005م
|