header
قصة، شعر، كتابات نثرية، مسرح
Nouvelle, Poésie, Œuvres en prose, Théâtre
Fiction, Poetry, Prose writings, Drama
 
Théâtre Drama مسرح Œuvres en prose Prose writings كتابات نثرية Nouvelles Fiction قصة Poésie poetry شعر
  Poésie poetry شعر

 

وتريات إسماعيل صاحب الربابة1

 

معتصم الإزيرق


(1)
 

(السُرّاي .. السُرّاي .. الجافوا النوم وعقدوا الرأي ...الليم متين يامولاي )
 

في أوج الجذبةِ كان ينامُ ويصحو

يتوسدُ أنغامَ ربابته

يبكي .... ويطيرُ على أجنحة الأوتارْ

كان يعانق إمرأةً ليس يراها أحدٌ إلاهْ

تُخلّق من أمشاجِ الضوءِ المجهولةِ في عينيه

وبين يديْ مولاهْ

 

في أوجِ الجذبةِ كان يغني

(السُرّايْ .. السُرّايْ )

قذفت بي الأقدارُ إلى هذي الأرضِ وتاهت بي عينايْ

فماذا أصنعُ يا مولايَ على هذي الأرضِ بعينيّ وقيثارةِ حبي

ماذا يصنعُ بي منفايْ

وماذا أصنعُ في منفايَ بما يجهلُ قلبي

وبما تقترفُ يدايْ ؟ !

(السُرّايْ .. السُرّايْ)

ياربَ المشرقِ والمغربْ

في ولهِ التوقِ إليكَ تخطٌفني الإشراقُ وعذٌبني نزقي

ورمت بيِ الأشواقُ على أبوابِ المشرقِ والمغربْ

فرنوت لوجهكَ من شرفاتِ الغربةِ والأحزانْ

هل تشرقُ في المغربْ

أم تغربُ في المشرقْ

أم تتوحدُ بالضدينِ وما فوق الضدينْ

وتتكاثرُ في الأكوانْ

هل تشرقُ في أحشاءِ الغيبْ

وتتنكرُ في حيواتِ الإنسانْ ؟!



 

(2)
 

في أوجِ الجذبةِ كان يناجي الأقدارْ

كان يناجيه طائرُ غربتِهِ الْمسجونِ على أوتارِ ربابتِهِ

يا إسماعيلُ فداكَ اللهْ

تشتعلُ كأنكَ موجُ النارْ

وتشعُ كأنكَ أنوارُ القنديلْ

في ظلمةِ ليلِكَ أشعلْ نيرانَ القرآنْ

وأترعْ أقداحَ الإنجيلْ

يا إسماعيلُ تزوجْ مطرَ الليلْ !

يا إسماعيلُ تعهدْ لخطاكَ النيلْ

توسمْ لخطاكَ النجمَ رؤىً

والحبٌَ دليلْ

يا إسماعيلُْ ... يا إسماعيلُْ

يا إسماعيلُ تعوّدْ عشقَ نساءِ الزنجِ الغنِيجاتْ

وعشقَ صبايا العُرْبانْ

وواعدهنٌَ إلى دخلةِ ليلٍ قادمْ

وانزحْ معَ كلِ طيورِ الفرحِ النازحةِ على كلِ دروبِ الحزنِ

وأوديةِ النسيانْ

فليسَ سواكَ يفُضُ الخاتَمْ

ليسَ سواكَ يمُدٌُ القُربانْ

يا إسماعيلُ لقد صدقتَ الرٌؤْيَا

أيقظتَ عيونَ القلبْ

وأضرمتَ جنونَ القيثارِ النائمْ

أفَمَا تفتأُ ظمآنَ .. وسهوآنُ .. وهائمْ

أفَمَا زلتَ تهاجرُ في هجرةِ هاجرَ

مابينَ صفاكَ ومرواكَ ... وما ترْوَى

أفَمِنْ ذاكَ الوقتْ

فقدتَ الوطنَ

فقدَت الإغفاءَةَ .. والمأْوَى

وسريتَ الليلَ مع السُرّايِ عليلا

ولبستَ الإكليلْ !

وإنهالَ عليكَ الليلْ

إنهالَ عليكَ النحلْ

على زنديكْ

على عينيكْ

على شفتيكَ

جراحاً

تقبيلا ؟!

سكتَ العصفورُ قليلا

وتنهدَ قربَ شرارِ ربابتهِ

وتنهدَ أيضاً .. إسماعيلْ

أمعنَ في إستجلاءِ الجذبِ .. وأذعنَ

وهو يفتشُ عن مسبحةٍ من حباتِ النورْ

تركتها إمرأة ضالعة في الهجرة

كانت تأتيه بلا سببٍ

قربَ شجونِ الخيطِ الأسودِ

عندَ حنينِ الخيطِ الأبيضِ

عندَ النهرْ!

تركتها في شفتيهِ

وما بينَ سرابِ أصابِعِهِ

يبحثُ عنْ ورقٍ

يجمعُ فيهِ باقايا القُبَلِ اْلمنسيةِ في جفنيهِ

وفي ذاكرةِ الطيرْ!



(3)

في عالمِ خلوتهِ

ما بينَ جناحَيْ طائرِ غربتهِ

وجراحِ ربابتِهِ

أقبلَ يتوهجُ في ذاكرةِ الجذبةِ .. إسماعيلْ

يسوحُ على أروقةِ الهذيانْ

ويتقمٌصُ أحوالَ فراشاتِ النورْ

يهاجرُ ما بينَ حرائقِ نارِ العشقِ

وما بينَ حدائقِ أسرارِ الأكوانْ

فتبينَ حواءَ وآدمَ

مضطٌَجعانِ على أغصانِ الشجرةْ

يرتشفانِ حلاوةَ كمثراةِ السرِّ المحظورْ

فيكتشفانِ مرايا العريِ الخالدْ

وثمارَ العريِ العربيدْ !

ويصيرُ أوآنُ العشقِ سُدىً

وأوآنُ المنفى غيرَ بعيدْ

آهٍ .. .. .. .. آهٍ

ياطائرَ غربتيَّ الغرّيدْ

ماذا كنتَ تقولْ ؟

أراكَ تُحدثُنِي

فأنا .. بعيونِ جمالكَ حتماً

يا طائرُ مقتولْ

وبسحرِ الحرفِ على لثغةِ منقاركَ

بالٌلذةِ سكرانْ!

لكنٌيِ .. عن منطقِ أقوالكَ مشغولْ

فكلانا في الغربةِ سيانْ

وأخالُكَ تعرفُ أني

أبحثُ في دوّامةِ هذي الجذبةِ

عنكَ .. ... ... وعنٌِي

أبحثُ عن دنيايَ .. وعن وطنِي

فدعني أرتاحُ على غيمِ جناحيكَ قليلا

وأنا أتجولُ بين سماواتِ المجهولْ

وأدوزنُ بالدهشةِ أوتارَ ربابتيَ المذهولةْ !

فلديّ إلى إستشفافِ علومِ وأسرارِ الجذبِ

فضولٌ .. أيُّ فضولْ !

ولديّ إلى استخفافِ الأوتارِ .. حنينْ

ماذا ؟

أفتسألنيِ عنيٌِ ؟

عن وطنِي ؟

وطني يا طائرُ دنيايٌَ

ودنيايَ امرأةٌ تسكننِي

تسكنَ في أوتارِ حنايايَ

وتتقمٌصُنيِ !

تظهرُ حين أجاهرُ بالعشقِ

أحاورها في الحلمِ

وحين أحدقُ في المرآةِ تغيبْ !

وطني سفرٌ

وسؤالٌ

ونحيبْ !

وطني محضُ حضورٍ .. ومغيبْ !

وأنا عربيٌ .. لكنٌِي زنجِي

زنجيٌ .. لكني عربيْ

في هذا البرزخِ يا طائرُ قدري

ولا أدري لماذا أوءججُ ما بيني وما بين الحربَ

لماذا أحترف التغريبْ

أنشدّ سعاراً .. وصليبْ

أنشدّ على أوتارِ ربابتيَ الأنثى

مطراً عربيداً .. وأنينْ

وأنا لست (يتوبياً)

أو (عدمياً)

ولست على المابينْ

أني شئٌ آخرَ يا طائرُ

شئٌ آخرَ

شئٌ آخرْ

شئٌ من جدلِ الغربةِ والتبشيرْ

فطوبى للغرباءْ .. طوبى للغرباءْ !

شئ ذوقيٌ

من ولعِ الأنهرِ يتفجرُ

من شرفِ الوعدِ

ويمتنعُ على التفسيرْ

خلاسيُ الأبوينِ

وحدسيٌ

مثلكَ .. بذكاءِ القلبِ

بدمعِ العينِ يطيرْ

وطني لا يشبهُ وطني

بدني لا يشبهُ بدني

وأنا لا أشبهُنِي !

أني أبدٌ يا طائرُ

في أبدِ التغييرْ

نفسي أغمِسُها حيناً في الطينْ

وحيناً في جلبابِ الوردِ الأحمرْ

في أعتابِ الفقراءْ

أو في طرقاتِ المنفيينَ

وحاناتِ الوجدِ

وفي سرِ الأسرارْ

في الوجهِ الآخرَ للأشياءْ !

مجذوبٌ أبداً نحو النورِ أنا

ونحو تراتيلِ الشهداءْ

شهداءِ الحقِ على ساحاتِ القلبْ

على ساحةِ نمرودْ

وأنا ملكُ ملوكِ الجذبْ

صريعُ القيثارْ !

بالخبزِ .. وبالجذبِ يموتُ ويحيا الإنسانُ العاشقْ

ويكونُ الحبْ

وتكونْ الكلمةُ في البدءْ

وفي الفردوسِ المنشودْ
 


لندن  مارس 2001

 

 

 



1 هو أحد مشائخ الصوفية في مملكة سنار، أشار إليه ود ضيف الله في طبقاته إشارة عابرة، وذكر أنه لقب بهذا الإسم لأنه كانت له ربابة يعزف عليها في أوقات شطحه الصوفي ويدعو نساءه للرقص على أنغامها كما قد يبيح لنفسه أحياناً هو على تلك الحال (شرب الخمر).

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco