header
قصة، شعر، كتابات نثرية، مسرح
Nouvelle, Poésie, Œuvres en prose, Théâtre
Fiction, Poetry, Prose writings, Drama
 
Théâtre Drama مسرح Œuvres en prose Prose writings كتابات نثرية Nouvelles Fiction قصة Poésie poetry شعر
  Nouvelles Fiction قصة
 

 

الفصل السابع من رواية "أهل البلاد الشاهقة"*

 

الحسن بكري

 

 

قطعا تلك بركات العاشقين، أحفاد براق الغابة البنفسجية.  رأت دار السلام الحياة تدب فى شهواتها التى شاخت، وكل يوم تطالع وجهها فترى الغضون تنمحى أمام عينيها،  وتمشط شعرها فيتساقط الشيب وتنمو خصلات الشعر الزاهى.   وقليلا قليلا تلبستها الظنون.  فقالت تسائل المرآة:

ـ أأنت من شهدت عهود الخروج وبشائر الميعاد؟

ثم مضت مستنكرة:

ـ مستحيل.

وأضافت وهى لا تزال تنظر فى المرآة:

ـ أنا من فاضت أعماقها بالهوى واللذات.

جاءها شيخ الدين كظيما، خائرا، يستشيرها فى أمر آمنة.  قال لها:

ـ آمنة أنتنت فى حبسها.

ـ آمنة؟....آمنة من؟

ـ الأميرة آمنة يا امرأة.

ـ آ..آ الأميرة.  لماذا لا تقول الأميرة وتختصر الحديث.

ثم قالت:

ـ أطلق سراحها.  لماذا أنت بليد الأحاسيس هكذا؟ 

ورمقته بنظرة مزدرية وهى تؤكد رأيها:

ـ أطلقها ياشيخ،  أطلقها ياشيخ الدين.

 

ليلة قدومها إلى أزانديا نظرت فى عينى شيخ الدين فدهشت للرهبة ونذر البطش التى تلوح منهما.  ظنت أن  تلك هى ثارات تهجة.  هى ثاراتها بلا ريب.

 

وكل يوم تتخللها إنتشاءات لا تدرى ماكنهها ولا ما يوحيها.  هذا رجل حرم النعمة وأورث الغم والهواجس. يجلس فوق عرش أزانديا الموشى بحرير الصين وألماظ الهند والفرس والرومان، وتتأبى عليه مسرات السلطنة وينكره خدرها اللطيف.

ـ أطلقها، أطلقها......

زمجر شيخ الدين مثل نمر عجوز:

ـ اللعنة.  ماذا حل بالوجود ياترى؟  من يعيد للكون إتزانه؟

ـ أيها الفرعون الخاسر....من يحيا سيشهدك مجاهدا فى فرق الشيخ!

        ـ  نطلقها ويفوز السيد بكل شئ!  لن يهدأ له بال قبل أن يحول أزانديا إلى حريم كبير.

ـ يا للشيخ الغيور!  إن غار الشيوخ حلت الكوارث.

 

بعد شهر من حلول البركة، غدت تتمشى فى الحدائق الملكية كل يوم بوجه جديد، ثم غدت تحادث المرآة أكثر، وفى نفسها استيقنت أنها هى سيدة جميلات أزانديا على الإطلاق. وتساءلت:  متى يأتى عيد البنفسج حتى ترى أزانديا كمال محاسنى وفوران أنوثتى؟  وعاد لها بالها القديم؛ الهادئ، الصافى، الروى- تنام متى راق لها، وتغنى وتنظم الأشعار ويهيج خواطرها إنبلاج الشمس، نضار السفوح، سنا النهيرات، أغاريد اليمام. 

 

ثم لما طال انتظارها، رأت أن تخرج خلسة ترى أزانديا قبل أن يأتيها عيد البنفسج. فخرجت.  فجرا خرجت.  رأها شيخ الدين فى عربة الأميرة آمنة تختلس رحلتها الفجرية.  قال:

ـ مالى أنا؟  كيف لى أن أقاتل الشياطين؟

ثم هتف يبارك رحلتها:

ـ أنت آمنة.  أليس كذلك؟  كيف تأمنين الطريق يارجيمة؟!

وقبل أن تجيب أطلت فى مرآتها فتملكتها الدهشة فرددت بصوت خفيض:

ـ آمنة الخالق الناطق!

ثم أجابت شيخ الدين:

ـ متى خشى الأبالسة الطرقات؟

 

الحرب المستعرة ظلت حافز شيخ الدين للبقاء والرجاء.  دار السلام مابرحت تستنكر شغفه بالمعارك. تراه إذا خفت حدة القتال، أسيفا مغتما، يثرثر عن سالف الأيام حين بلغ "أهل الحق" بالروح الحلقوم ودارت مبارزات المقاتلين فى ضواحى أزانديا. هو طلاّع الثنايا، صنيع المذابح، مافى ذلك شك. تتذكره ذلك الخريف: لبس درعه، إعتمر قلنسوته، درع بندقيته على السرج، تأبط سيفه، إعتلى فرسه - فعل ذلك محتفيا، سعيدا يدندن ويصفر، كما لو كان ماضيا إلى موعد غرام. كانت أزانديا كلها تنتظر فى ساحة المبنى العظيم لتشهده  يتقدم عسكره عازما تحرير الولاية الغربية.  وحين وخز الفرس بالمهماز وانطلقت صاهلة تسابق الريح ضجّ القصر بصراخ الأطفال الذين أطلوا من شرفات القصر يشاهدون الفارس الرهيب.  فقدت آمنة صوابها ذلك النهار؛ قالت:  رأيت الدماء تضرج الآفاق؛ تهطل من السماء وتتفجر من الأرض:دم دم دم.  كدت أتقيأ أحشائى من فرط الغثيان.

 

أورمت ذكرى الأزمان البغيضة قلبها فاتكأت على أريكة العربة تنفض عنه المرارات.  لن يفسد عليها الشيخ المحارب طلاوة الليلة ودفأها، غبش الظلمة القمرية والربيع الضاحك والوعود الساحرة المنتظرة. فاضت بالحب ثم تدفقت بالشبق حتى أن حلمتيها برزتا وثدييها نهضا وغشى الخدر سافلها ففاضت، وغدت أسيرة الإشتهاء.  أطلت من النافذة فاستنشقت خصوبة الغابة وبكارتها، وراق لها الجواد الراكض بقوامه المتوحش وأنفاسه البدائية، فهفت اليه، وفى حالها ذاك إستعذبت ملوحة دموعها فلعقتها واستلقت تستمع بجمال روحها وقشعريرة بدنها.

 

إنسرب الجواد من البوابة متزن الخطا مشبوب الغرائز، قائما مندفعا.  تتوالى أنفاسه وتهش له الغابة فيصهل. يستطيب إمتلاء أطرافه واتساع صدره وتلون نزواته فيشق عنان الليلة صهيله ويدير رأسه يتجنب مضاء الرياح ثم يغمض عينيه ويدع قلبه يهدى إيقاع حركته المتسقة.  إبتل، وطوق الدفء جلده حين صعد ذروة التل مشحونا بالتوترات والإرتعاش.  حمحم فى الذروة فواتى دار السلام الهياج البهيج وتأوهت تحادث جموح نشوتها:  ويلى آه، ويلى آه، ويلى آه...آه، آه، آه.  ثم أخذتها سنة فعانقتها الأحلام.

 

قيل أن شيخ الدين خفّ إلى آمنة الحبيسة.  رآها غارقة فى الأسى، سألها:

ـ أتكونين آمنة بالفعل؟

لم تغادر أساها، لم تفارقها الفجائع.

ـ أقول....أتكونين آمنة؟

 

تساءل شيخ الدين ثانية.  شرع المليك فى جدال لا يعلم مقدار مايحيطه من هراء.

ـ قلت...ياآمنة.

هتف مناديا. 

تطلّعت إلى عينيه،  رأته يتلفع بروده ولعنته فشرعت تعزيه:

ـ إى ياأبتاه.

ولكنه مضى يكذّب عينيه.  قال:

ـ أنت؟...أنت آمنة؟

ـ إى أبتاه.

 

ترك الباب مفتوحا على مصراعيه.  أسرع الخطا تجاه الديوان الملكى ليحرر فرمان ضياع آمنة فقد كانت الحبيسة إمرأة كهلا،  ذهب نضارها وانطفأ بريق عينيها.  قال لها الملك وهى تخب فى أثره:

ـ ماأنت إلا دار السلام.

ثم هتف:

ـ يا للاجدوى، ياللشيطان المريد!

 

لن تدعه يحتكم إلى الجنون، فهى آمنة الرهينة.  تفرد ذراعيها السقيمين، لتستيقن أنها الأميرة.  وتشبك راحتيها تختبر أصابعها تضيئها الشمس فتلفيها قد ذهب نضارها.  تقرّحت جفناها، تشعّث شعرها وبهت، إنتحل جسدها وترهّل صدرها.  لم يدم لها العيش الطيّب فاخشوشنت.  تطارد شيخ الدين.  تلهث من وجع الطراد فتصرخ:

ـ أبتاه...أنا آمنة ياأبتاه....أنا آمنة!

ورغم إمتلاء جثته،  يهرول إلى القصر الملكى لا يلوى على شئ.  فى القصر يملى فرمان ضياعها.  أصبحت من يومها آمنة الضالة. 

الأميرة توقفت تلتقط أنفاسها وترثى لحالها.  قالت تكلم نفسها:

- أزانديا ستهبنى الفرح والمحبة، وسأعود جميلة نضيرة إن أشرقت علىّ الشمس يوما أو يومين.

مادرت أنها صارت آمنة الضالة. 

 

مالت برأسها جهة المشرق وتركت جسدها يستقبل الشعاع الشفقى الواهن.  لكن بحار الظلمات اجتاحتها. وحين اكمل شيخ الدين فرمان ضياعها ووقف فى شرفة الديوان ينظر جهتها بدت له شفافة كالطيف وضائعة، وحزينة.

 

***

ذلك ماكان من أمر ضياع الأميرة. تتعدد روايات ود طه لحديث الضياع وحادثة العربة.  يمكن الإدعاء، لكن ليس بقليل من الحذر، أن ذاك التعدد كان أمراً مقصوداً.  أحيانا يورد ود طه  إسم دار السلام مقترنا بالحادثة بابتسار وتردد ولكنه فى معظم الأحوال يروى أن آمنة هى التى وقعت أسيرة هوى السيد، وهى التى أغواها، وهى التى بذرت بذور الفتنة التى تلت.  هل غادرت الأميرة القصر ذلك الفجر الصاخب، أم من غادرته هى دار السلام بشبابها الذى آب؟  أتلك  عدوى مغامرة الغابة البنفسجية لا تزال تنتابها كوخز جرح قديم؟

 

رأى السيد فيما يرى النائم فرسا يقرع جرس الباب. بفمه يجر الفرس حبل الجرس فيصلصل.  هب  مذعورا يتلو الأدعية والصلوات، وحين أطل من الشرفة عاريا، رأى العربة الأميرية تنتظر.  مغتتبطا، حمل الأنثى النائمة على كتفه وهو ما انفك يردد الصلوات.  دهش لما ألفاها نائمة ثائرة الجسد، ناضحة الرغائب.  وتبسمّ ثم قهقه فأفاقتها القهقهة الحميمة.  وبين اليقظة والمنام ضحكت حين ميزّت شعره الأكرت وملامحه الجذابة، وحين لامست صدره الأشعث وذراعيه القويين.

 

مذ ذاك الفجر إزداد السيد إشراقا وأضاء وجهه الحبور.  نسى سنوات الملل والتثاؤب وضجت روحه بالجمال. وانتقل الفيض فغمر العسس،  فهجروا التقطيب والصرامة وصفت عيونهم فذهب كدرها، ورقّ زعيقهم فغدا كالهمس أو كالنجوى.  ثم أصبح السيد يفرط فى التأنق والتزيّن حتى أن عبق عطره لفّ المدينة بأسرها وصار الناس يعرفون أوقات صحوه ومنامه بإنتشار الشذى وعموم الطيب. ما أن يغادر غرفته حتى ينطلق أريجه كما لو أنه زهرة صندل تفتحت، ثم يندلق فيغمر الفرقان والأسواق.  

 

أمسى مفتونا بالغناء والطبول فأنشأ فرقة موسيقية خاصة بالمبنى وسمع الأزانديون لحن "هل عاد الكروان" ذلك الذى يضحك ويبكى، ويميت ويحى وتطرب له الخلائق أجمعين.  سنة إنطلق اللحن من المبنى العظيم تركت طيور أزانديا هجرتها وأزهرت الورود صيفا وشتاء وهطل الغيث فى المواسم الأربعة.

 

لكن صيف العام التالى شهد ماعرف فى تاريخ أزانديا بأحداث "صيف الحصارين".  إذ زادت الحروب والوحدة شراسة شيخ الدين وعزلته، فأرسل البعثات تجوب الآفاق بحثا عن الملكة والأميرة.  ولما عادت البعثات بالخيبة قال: 

ـ لابد أنه السيد من سبى نسائى.

استدعى نرجسة.  سألها:

ـ من قال للسيد أن يعطّر أزانديا؟

كانت نرجسة غارقة فى الغواية والمحبة.  وسوس قلبها ينبيها أن شيخ الدين هو الذئب التليد، فنفضت رأسها تستعيد رشدها وبصيرتها.

ـ أزانديا هى من عطّرت السيد يامولاى. 

ـ سكبت نسائى فى السيد الرحيق!  ويله العجوز النذل، من سيغدو فى الباكر طعاما للعقبان.

ـ لتشملنا عناية السماوات.

 

كانت نرجسة تضوع بالعطر الذى هبط على أزانديا وكانت  منتشية، محتفية، صفية.  إمتزج الأمير بادى حينها  بكيانها وعناصرها جميعا؛ ترى الوجود فخما، خلابا ويبرق مثل سرب من يراع.   نظرت إلى شيخ الدين فلم تر إلا طيفا أو جثة فخشيت أن يتلف عليها جمال حالها وسمو خاطرها.  ردت عليه بلسانها وقلبها معلق فى نواميس الفتنة وفراديس اللذة. 

 

لكن جاءه بعدها من زف إليه الخبر اليقين. وفى  اليوم الذى تلى إستدعى الجنود من كافة الجبهات والثغور.  صحب العائلة المالكة وموظفى القصر وحاصر المبنى العظيم.  

 

تسارعت الأحداث بشكل مذهل.  إنتهز أهل الحق انشغال الملك بحصار المبنى، فدخلوا  المدينة من شرقيها وحاصروا القصر الملكى وحولوا أزانديا ميدانا لمعارك طاحنة.  غدا شيخ الدين يحارب فى جبهتين.  يشدد الحصار على المبنى ويحاول فك الحصار عن القصر الملكى. شوهد تلك الأيام يأتى بالخوارق.  قاتل قتال الوحوش، فبدا ضاريا، فاتكا واستغرقته المعارك وسعد بها كما يسعد طفل بمرجيحة جديدة. صار يلتهم خروفا فى الغداء وآخر فى العشاء فازداد بسطة فى الجسم وأمسى هائل الجثة؛ بارز الصدر، طويل العنق قويها.  تكوّر ساعداه وعرض كتفاه وتضخمت فخذاه وعجيزته.  وأصبح يجرب مضاء السيوف بقبضته.  يدوس على الرديئة الصنعة، الرخيصة المعدن بكفه فيفلها ويثلم حدها كما لو أنها نجرت من فلين.

 

لكن أمد الحصارين طال. إنسحب أهل الحق بعد شهرين كاملين.  تسللوا إلى القصر فسلبوا النفائس  ودخلوا المدينة فأثاروا الرعب فيها ثم تقهقروا. أما المبنى العظيم المحصّن فقد حاصرته جيوش شيخ الدين تسعا وتسعين يوما.  فى فجر اليوم المائة أحس الجنود وهنا فى عزيمة المدافعين فهاجموا المبنى من نقاط ضعيفة غربيه.  إقتحموه  مثل إعصار ثم ولجوا الغرف يبحثون عن السيد وعن نساء شيخ الدين. 

 

روت السرة بت صبير قالت حدثنى عدلان الأعرج ود مصطفى ودسيد القوم، قال حدثنى والدى، قال:  أتوا بجدك بعد الشروق بقليل.  طبول تدوى، ونساء تزغرد - محبات قدامى بذر فى أعماقهن الهوى المقيم، وحسان ما برحت أحاجى فحولته تهيج نوازع الوله والشوق فيهن منذ الصبا -  وعسكر يطلقون الأعيرة النارية فى الهواء، ومغنون يرددون المناحات والأناشيد،  وأزانديا كلها مصطفة تحيى العاشق الذى رحل.  جاءوا به يرفعه عشرون فارسا على أسنة الحراب، يرفعونه عاليا حتى لكأنهم ودوا لو يلامسوا به السماوات.  كان مضرجا بالدماء، ممزق الثياب، أشعثا، مسبل العينين، إلا أنه بدا قويا، وجذابا وتلوح بقايا إبتسامة على وجهه الساكن.  كانت الرايات الحريرية الملونة تحفه من كل صوب والخيول البيضاء الرافلة فى الزينة بسروجها السوداء اللامعة ولجاماتها الحمر ترقص على وقع الطبول وتصهل وتتبختر وهو فىعليائه تلك يلوح جميلا كما لو أنه ملاك.  كان الصائحون يتنادون بالنبأ العظيم دون توقف:

- أوروروووك!   ياجماعة الله سيد القوم هلك.  أوروروووك!  ياجماعة الله سيد القوم هلك.

 

لم يكن أحد ليصدق أنه مات، لذلك مضى الصائحون يرددون الجملة البائسة بحماس وإصرار. ورغم تردادها وإرتفاع العقائر بها، بدت الجملة فى كل مرة مفاجئة ومحزنة كما لو أنها تنطلق للمرة الأولى.  طاف الموكب به طرقات أزانديا ثم دخل القصر الملكى.

 

كان ذلك آخر العهد بالسيد.  لم يقيموا له جنازة أو صلاة.  بعد أسبوع من مقتله ذهب مصطفى يسأل شيخ الدين عن جثمان أبيه. 

ـ لا علم لى.  أسأل رئيس التشريفات.

سأل رئيس التشريفات. 

ـ لا أعلم سعادتك.  أسال قائد الجيش.

ـ لا أعلم.  مهمتنا إنتهت بإحتلال المبنى.  إسأل قائد الحرس الملكى.

رد عليه قائد الجيش.

ـ نحن أسجيناه فى غرفة موتى القصر.

قال قائد الحرس.

عاد مصطفى إلى شيخ الدين.  جن جنون شيخ الدين.  قال لمصطفى:

ـ إن سألتنى ثانية فلا تلومنّ إلا نفسك!

قيل أن الجند حين أخذوا جثة السيد إلى القصر ورآه شيخ الدين قال:

ـ ليس هذا وجه رجل مات.  أدخلوه غرفة الموتى.

 

دخل الملك خلفهم بكامل زيه الحربى. أمر أن يترك وحده مع جثة السيد. فترك.  أغلق الغرفة ساعة ثم فتحها. مدّ رأسه وزأر:

ـ آتونى بمعول ومجراف.

آتوه بهما صامتين.

 

خرج بعد ساعة أخرى ملطخا بالدم. سيفه يقطر دما.  يداه مضرجتان.  فمه، أنفه وخديه ملوثة.  كان متسربلا بالدم القانى حتى أخمص قدميه.  عندما وقف الحراس قبالته واقتربوا منه تملكهم الفزع وامتلأوا رعبا واشمئزازا. فاحت رائحة الدم من شيخ الدين مثلما تفوح من كبد طازج.

 

***

غارت الينابيع، غيض ماء النهيرات، تبخرت البحيرات. ثم رحلت الطيور الملونة وتكاثرت أسراب الغربان وعلا نعيقها.  غاب الربيع  والورد وجف البنفسج والتين ويبست الأعناب وهوت أشجار البرتقال واقتلعت الرياح  النخل بعد أن أتى الجراد على أكمامها وطلوعها ونخر السوس جذوعها وسيقانها.  طالت نهارات الصيف فقد إقتربت الشمس من القمم واستبدلت نضارها بلمع كبريق الصفيح. 

 

ثم مات الأمير بادى. أصابت الحمى ذات القشعريرة الأمير ومصطفى ود سيد القوم فى ساعة واحدة.  جلب النطاسيون لهما أوراق الحلفا من أعالى نهر النيل وأعشاب المحريب من سهول الستيت ولحاء الكينا من غابات الأنواك فما أفلحوا فى مداواتهما.  قال لهم بادى:

ـ لا فائدة.  لا دواء يجدى إذا أزف الرحيل. 

 

إحتضر مصطفى أولا ثم مالبث الأمير أن إحتضر. لكن الأمير سبقه إلى الموت.  فى اللحظة التى شهق فيها شهقة الموت  دبت الحياة فى أوصال مصطفى، كأنه انتظر موته ليفيق.  وحين أعدوا جثمان الأمير للدفن كان مصطفى قد شفى تماما حتى أنه مشى فى مقدمة المشيعين.

 

وعرف الأزانديون أعراض الشيخوخة بغتة.  رأوا شيخ الدين يتوكأ على منسأة.  إنحنت قامته وتراجعت عجيزته وقصرت خطاه.  أمست دار السلام هرمة، مثقلة بالأحزان.  إختلف الناس فى أمرها.  من قائل أحزنها قتل السيد، فقد علاه العسكر بالسيوف وهو يحتويها بين ذراعيه.  ومن قائل حاشا.  مافعلت ذلك. تلك كانت آمنة ، هى من عرف عنها جموح الهوى وإحتدام الشهوة.

 

هكذا بين عشية وضحاها بلى نضار أزانديا. السفوح بائرة، خراب.  السهول يباب يباس.  وأزانديا كلها حائرة تأسى ضياع مجدها.  لم تذهب الحيرة إلا النبؤة التى خرجت بها نرجسة.

 

"لن ينفعكم إلا طلوع جديد." قالت تخاطب أزانديا التى إجتمعت عن بكرة أبيها تستمع.  بدأت آثار الموت تغمر وجوهم.  جف اللعاب، ونشفت الدموع. تشققت شفاههم.  تيبسوا، تغضنوا .  ضمرت سواعدهم والتوت سيقانهم.  زاغ منهم البصر وخفت السمع وغلظ الجلد وهمدت الغرائز.

 

ـ من سيطلع هذى الهضاب مجددا لم يولد بعد.  لن يولد، سيدتنا.

ـ أنظروا كيف غيض النهر الجوفى يامن حنث بوعد الحياة الشهية، من إستطعم غير فاكهة الشجرة المعتّقة.  هجرتم النعيم المقيم واللذائذ السرمد للبطلان الباقى والخواء المتوالى، فانظروا ماأنتم فيه من خيبات وماأنتم مقبلين عليه من حسرات وعبرات.

 

قالت لهم أن نبوءتها هى "آخر المعجزات أيها القوم الضالون. لن أقيم بينكم إلا بقدر مايكفى لغسل أحزانى وإذكاء همتى.  فمن  المشارق صعدت يزيننى وهج الوجد وندى الشباب. وللمشارق أهبط عساها تهبنى سكينة تنير مسالك شيخوختى." 

 

ما أن أكملت نبوءتها حتى ضجّ الأزانديون بالشكوى.  تفرقوا أولا جموعا صغيرة يتشاورون ماذا هم فاعلون.  ثم اجتمعوا فإذا الألسن غير الألسن وإذا الأحاديث غير الأحاديث. عادوا أقواما وشعوبا مثلما جاءوا أزانديا أول مرة.

 

أخذت نرجسة قومها وهبطت بهم خلف الجبال الشرقية.  دعت مصطفى يوم الهبوط.  قالت له:

ـ يابنى إهبط معنا.

قال:

ـ سآوى إلى أوطان والدى السيد.  إنى أجد نفسى معلقة بها كأن سرة ميلادى دفنت فيها.  أنا وسوميتا لن يطيب لنا عيش إلا حيث طاب لأسلافنا،  عند السفح أو فوق مراعى النهرين الخصيبة.

- إذن فلتيمم وجهك شطر الربوع الساطعة، تصفع خديك الشموس، وترمّد عينيك العواصف.  إجعل نجم أبيك إبراهيم فى مؤخرة رأسك وانطلق.  لكن أعلم أن ليس من سبيل لهبوط المعجزات، لاسبيل.   

أخذته إلى صدرها فقبلته على خديه ومضت على عجل إلى قومها المتأهبين للرحيل.

 

ثم عاد مجاهدون إلى أزانديا.  قال بعضهم أن شيخ حمدان قد تخنث عياناً بيانا، وقالوا أن صوته رقّ وأن شاربه ولحيته  تساقطا، وأنه أصبح يكتحل كالعذارى ويميس كالحسان وأنه ما فعل ذلك إلا لإدراكه أن دولته قد دالت وأن غرائزه قد خارت.  وقال آخرون أن تلك كانت حاله منذ أن حلت عليه الصبية ذات العينين السوداوين.  وقال أزانديون عرفوا الشيخ من قبل حادثة الصعود بل أنه كان كذلك منذ صباه وشبابه الباكر، وأن مثل حالته معروفة فى سلفه الأول وهى لابد مدركة عقبه وعقبهم إلى يوم  يتحدث الناس بالخيوط ويسافرون على صهوات البيوت والى أن يتطاولوا فىالبنيان ويلهيهم التكاثر فى المطايا الفارهات عن فعل الخير وإسداء الجميل.

 

توالى فرار المجاهدين، وحداناً هائمين وزرافات قذف الرعب فى قلوبها وكتائب منهزمة وألوية ممزقة.  أتى القادمون الجدد بأساطير جديدة.  أطاحت الرياح الغابات على المقاتلين، لم تسقط شجرة شجرة بل غابة غابة، هكذا دفعة واحدة.  إبتلعت أفاعى أصلة جائعة  ذوى القامات القصيرة.  بعدها إنتشرت قطعان الوحوش الهائمة فى البرية. تدفقت الذئاب الفضية على جموع أهل الحق.  أكلت ذكور الذئاب الفضية النساء وأكلت إناثها الرجال وسرت إشاعة تقول أن شيخ حمدان ود الزاكى قد تبادل ذئب وذئبة إلتهامه.

 

 

 

 

* الحسن بكري، أهل البلاد الشاهقة، رواية، دار الأهالي، دمشق،1997.

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco