header
قصة، شعر، كتابات نثرية، مسرح
Nouvelle, Poésie, Œuvres en prose, Théâtre
Fiction, Poetry, Prose writings, Drama
 
Théâtre Drama مسرح Œuvres en prose Prose writings كتابات نثرية Nouvelles Fiction قصة Poésie poetry شعر
  Nouvelles Fiction قصة
 

 

يوم تشيب الغربان

 آرثر غابرييل ياك

 

 

أرهف أذنيه المهبرتين، أنها الثالثة صباحاً، وقع خطوات ثقيلة لشخصين يترنحان مزق سكون الليل. كانا يتغنيان بصوت أجش، وكصرخة استغاثة غريقٍ يصارع ضربات موجٍ ناجخ جاءت ضحكاتهم فاضحة، عارية، كانت هناك لغتان: انجليزية بلكنة افريقية، وإنجليزية هوليودية تخللت الضحكات. نعم هي عقيلته، مائة وخمسون بقرة كانت مهرها. غاصت درجات السلم في صمت عقيم، همسات، لمسات، خشخشة عراك شفتيهما، عواء كلب ضال يشق ضباب لندن الكثيف، أحس برأسه كمرجل يغلي فيه الدم، صداع، ارتعاد الغضب، بلغت ظنونه ذروات شاهقة، لاحقته الشائعات وهو في أرض الوطن، داسها، وكذبها جميعا، إنها زوجه التي دأبت على السهر في ملاهي عاصمة الضباب ولا تعود إلا في الهزيع الأخير من حُلكة الليل، صرير مفتاح على الباب، فتحته بعد مشقة، وصفقته خلفها بعنف، كانت متأبطة ذراع أحدهم أشقر الشعر، أبيضه كالجليد، عطّر مجيئهما هواء الشقة المتقلب بأفكاره، إنها رائحة الشراب الإفرنجي، انتفخت رئتاه بأكسجين الحنق فأخرج زفرة غضنفرية أطلقها في الهواء، تفادى مساءلتها ومن معها، تظاهر بعدم الاكتراث، ترنحت، تعثرت، كادت أن تهوى على الأرض، طوقها الآخر بيديه الملساء تين، أرسلت سباب غنج ودلال: "Oh my love" قالت ذلك دون أن تهتم بوجود زوجها، الآن فقط تأكد عن كل ما قيل عنها، لملم شيئا من فتيت شجاعته وسألها.

 

كان ذلك في الأسبوع الفائت عندما لطمها، فعاش يوماً قمطريراً مشئوماً لقنته فيه الشرطة الإنجليزية درساً قاسياً عن معنى احترام الزوج. " أي انت راجل لكن وينو إيجار وينو أكل. مش كان أحسن تقعد في السودان!"

فضحته أمام الجميع، جيوبه احتلتها الخيّم العنكبوتية، فكيف يملك القرار؟ صمت، انعقد لسانه، أحسّ بأن جزءاً كبيراً من سقف رجولته انشرخ بفعل ضباب لندن وهوى على كرامته، رجولتي، نعم رجولتي! قال في نفسه، ضحكت ابنته ذات الأحد عشر ربيــJــعاً، انضمت إلى حزب أمها، أنكرته، إستريش جينز ميني جيب.  

He is useless mom!""

كانت أيام، قال في نفسه التي حطمتها حرية المنفى، أنشد بيتين من الشعر دون أن يتذكر صاحبها:

"نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى 

ما الحب إلا للحبيب الأول

كم من منزل في الأرض يألفها الفتى

وحنينه أبدا لأول منزل"

 

لعن الحرب، لعن الجبهة، بصق في عقل الديمقراطية، وفاق، ائتلاف، اختلاف... بحفنة من العربات المُجّنزرة باعوا عذرية طفلة مفطومة لذاك الرجل، جوّعها، صفّدها، اعتدى عليها على قارعة الطريق، أما هم فتبعثروا في أديم الأرض يطيرون ويتغنون خارج السرب: "سنعود في الصيف القادم بإذن الله يوم تشيب الغربان". "زفت في زفت في زفت" صاح عالياً، وهل بصياح الغراب يجيء المطر؟ بلغم أسود بصقه على الموكيت، رأى نفسه في مرآة نفسه، أجرب قمئ نبذه الأهل والصحاب، يسد رمقه بقروش المواخير التي تجلبها الزوجة: "آه يا دنيا يا بت أم قدود!" قالها باشمئزاز، استرجع وعيه، رآها تغير ملابسها، نسى نفسه برهة، ونسى أنها زوجه، ظن أنه أمام مشهد سينمائي مثير، تلاهثت أنفاسه، كان الأبيض جاثيا على ركبتيه، أنتفض فجأةً، تذكر أنها عقيلته، "كرامتي!" قالها بصوتٍ عالِ كأنه يحدث سكان لندن، رعدة عنيفة هزت سويداء قلبه، هاج كثور المتادور، هب، قفز قفزتين، امتشق مدية تومض كالبرق، أحكم قبضته على عنق الرجل:

"What do you want?"-  نطق الأشقر كفرا...

-"كان إت ولد هتلر ولا موسوليني ولا يانكي، أنا حا أوريك يا عواليق..."

 

 بسرعة حالت زوجه بينهما ولاطفته، طبعت على خده قبلة متكّلفة وأهدته قنينة أفرغها في جوفه سريعاً، ارتخت قبضته، رمى بالمدية بعيدا، تركته وغاصا في عتمة الغرفة، بقى وحيداً يجتر مرارة اللجوء في صمت: أنا زوج ولا ضيف؟ سؤال اختمر في رأسه، خال نفسه في ميدان أبو جنزير بالخرطوم ملتفاً بجمهرة من النساء يهتفن: " ات ما سوداني؟ ات ما سوداني؟" أقلقه هذا الهتاف، أخذ المدية مرة ثانية، هرع صوب الغرفة المعتمة، وقبل أن يدخلها تعثر ووقع على الأرض، ثم راح في سبات عميق، عندما أستيقظ في اليوم الثاني، وراجع شريط الأمس القريب، أختلط عليه الأمر، فأعتقد أنه كان في حلم مرعب، انفرجت أساريره لأنه حلم وليس حقيقة، ضحك مجلجلاً، صمت.

 

ـ Hi good morning!

من يكون؟ التفت، رأي اليانكي الذي كاد أن يفتك به في يقظة حلمه آتياً من الحمام، نصف عارٍ، وقد غطى وسطه بمنشفة صغيرة كتبت عليها بالإنجليزيــــة Life is sharing.

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco