|
فصل من رواية
مرافئ السراب
عباس علي عبود
هل تبدلَّ
طقسُ
الأشياء؟
موجُ
النهرِ
نخلةُ
الديارِ
والطيرُ
في السماء؟
هل تبدلَّ
الأصيلُ
والرمالُ
والضياء!؟
مريم بدر الدين سارت حياتها
العملية
هادئة،
بيد أنها تبحثُ
عن طعمٍ
ما.
نغمٌ
حائرٌ
غوَّر بصدرها،
يستكينُ
حتى تخال
إنه
تبدَّد
مع الأيام،
وما يلبث أنْ
يغرد ذات صباح،
أو عند الظهيرة، في المنزل أو عند
ذروة
العمل. نغمٌ
يغرد ثم يتواتر الصدى؛ ومع الأيام يختفي ليظهر مرةً
أخرى في دورةٍ
جديدة.
وقالت في نفسها:
((
هل ظروفي
خاصة والآخرون يعيشون هكذا ببساطة؟! دوماً هنالك ما ينقص،
معنى، شخصٌ
ما، فكرةٌ
أو حتى القابلية
)).
تطلعتْ
من نافذة الحافلة المنطلقة في الطريق إلى البلدة.
كأنَّ
الأشجار قد تعرت من حفيفها وشوقها للدعاش.
داعبت ذاكرتها أشجان بواكير الصِّبا،
توهَّج
بوجدانها شفقٌ
أخضر،
تسلل
من سديم الألحان.
سالت المياه في طرقات البلدة وأزقتها،
والمطر ينهمر غزيراً. مريم بدر الدين في المنزل وسط أمها
وأبيها،
تراقب الفقاعات فوق المياه التي تراكمت
وسط الحوش.
صدحت ذاكرتها بألحان الطفولة،
وبناء البيوت من الرمال المبلولة بالمطر. داهمها خاطرٌ
حامض،
وقالت في نفسها:
((
يا لتلك الأيام النضيرة؛ مضت كالأحلام العابرة!!
))..
كان
المطر ينهمر وأفكارها تدور حول الأحداث الأخيرة التي هزت
وجدانها.
وما تزال،
تهسهس
بصدرها
الوساوس والظنون.. وقالت في نفسها:
((
ندى الحاج سعيد صديقتي وزميلتي منذ الطفولة، ولكن دروبنا
افترقت. عرضت عليَّ
السفر للدراسة في انجلترا،
أو إكمال الدراسة هنا،
أو اختيار أي بلدٍ
آخر. وعرضت عليَّ اختيار الطريقة المناسبة لقبول تكاليف
الدراسة، كهديةٍ
من صديقة تحبك كما قالت،
أو دين يمكن
سداده
وقتما أستطيع وكيفما أريد
))..
مراراً
هربت مريم
بدر الدين
من محاكمة صديقتها ذهنياً،
ورفضت
التشكيك في أموالها ومشروعيتها. تجاهلت الأسئلة الحرجة
ولكن الأمر وصل إليها،
وقالت في نفسها:
((
إذا
قبلتُ
أموالها
خسرتُ
نفسي؛ وإذا
رفضتها
جرحت مشاعر صديقةٍ
طيِّبة
))..
أشواطٌ
من التردّد
جابت
وجدانها
ثم أضافت:
((
من الواجب الوفاء للذكرى على
الأقل
))..
تمنَّت
لو لم تطلب منها ندى شيئاً.
مَنْ
يستطيع محو الماضي!؟ لقد عاشت حياتها حذرةً
حتى لا تجرح مشاعر أحد. وكأنها سمعت سعف النخلة يوشوش في
البعيد،
والمطر ينهمر.
فأبحرت
على زوارق الحيرة إلى تخوم الشقاء..
بعد أيامٍ
من المكابدة،
انحدرت
إلى النهر.
مضت أعوامٌ
كثيرة ولا تذكر آخر مرةٍ
وقفت فيها على الرصيف.
كان الموج يلطم الحجارة
فانداح
خيالها إلى حلة فلاتة.
تذكرت مريم هارون..
وكأنَّ
منزل الودَّاعيَّة قد هبط فجأةً
من سديم المجهول:
حيطانٌ
شاحبةٌ
وسطها أشجارٌ
كثيفة، وحشيةُ
الغصونِ
والثمار
. وقالت في نفسها:
((
هل تكمن بعض الأسرار في هذا المنزل
المهجور؟!))..
تذكَّرتْ
الحبوبة فاطمة بت أحمد وخيالها يرتل الأسئلة: هل نخطو على
دربٍ
مرسوم، أم أننا نختار الإيقاع والجهات؟ وهل ثمَّة
نجاة؟!
مع غروب الشمس حلَّ الظلام سريعاً، ونشط هواءٌ رطب. في
ليلةٍ حالكة السواد، توارت النجوم خلف السحب المتراكمة،
فهرع الجميع إلى بيوتهم وأغلقوا نوافذهم. مريم بدر الدين
اندست في فراشها وتدثرت بالغطاء. حاولت أنْ ترتب أفكارها
وبخيالها يتلوج ذلك النهار الحزين، يوم اشتعلت البروق،
وقصفت الرعود، وانهمر المطر. لمع بخاطرها لبرهةٍ جارحة،
بريقُ النصلِ الساطع، في كف القابلة الشعبية، وقطرات الدم
تسيل على فخذيها المرتعدين. وكأنَّما تبددت أحلامها في
الخلاص، أو تكاد. وحين تسلل النعاس إلى جفنيها، كانت أنفاس
الصباح تهفهف وهناً. نامت عميقاً وحلمت بحجرة الحبوبة:
وسط أشباح الأحلام سمعت نبرات الصوت المبحوح. نهضت من
مرقدها، مشت خطواتٍ مرتبكة، تسللت إلى داخل الحجرة
المتهدمة. كانت الشِعْبة تسند السقف المتهالك، بينما
الحبوبة على فروتها تهمهم بالأدعية. وقفت مريم الصبية جوار
السحارة، لامست بأصابعها الشِعْبة. استدارت، أنصتت لبرهةٍ
ثم اندست بالحضن اليابس. هدهدت ظهرها الأصابع النحيلة،
والحبوبة تروي حكايتها بصوتٍ هادئٍ عميق، كأنها تقرأ في
كتاب الأيام. تتراقص الحروف، ثم تلتئم الكلمات وتنبثق
المعاني. نهضت من حِجر الحبوبة، لملمت قصاصات من القماش.
وبينما الحبوبة تفتح السحارة، لمع بين يديها سوارٌ منقوش.
صدحت بوجدان الصبية أناشيد الطفولة، عذبةً، شجية.. سمعت
إيقاعاً وأبصرت عروساً في حليّها ترقص.
استيقظت من أحلامها. فركت عينيها ثم نهضت. اغتسلت ثم توضأت
وعادت إلى حجرتها. فرشت مصلاتها وجلست عليها في انتظار
صباحٍ جديد. وسط الظلام، خيل إليها أنَّ السحارة تحلِّق
فوق حجرة الحبوبة، التي نخرها المطر والسنوات. تحولت
السحارة إلى غيمةٍ تناسلت غيوماً سوداء. أخترق شعاعٌ متقطع
الغيوم السوداء، بينما مريم بدر الدين قابعةٌ فوق مصلاتها،
يطارد خيالها أطيافاً سابحةً وسط الغمام.
وسمعت ترتيلاً
هل سمعت!؟
لبرهةٍ، لمحت الوجه العجوز والشعر المضفَّر، ثم اكتست
التجاعيد بالنضارة. وبين الشك واليقين لمحت صورتها وسط
الغمام. تجلى الوجه وتراقص سابحاً وسط الغمام، بينما شعاعٌ
متقطع ينسكب من أعالي السموات، يضئُ وجهها ثم تظلله
العتمة. أفقٌ يدنو، وضوءٌ شفيف يتسلل من بين سحاباتٍ رابضة
على الأفق الشرقي. أرجوانٌ شاحبٌ يسربل المدى. تكاثف
الغمام ومريم بدر الدين مشدوهةٌ على مصلاتها، تعصف بها
الحيرة، والترقب..
وسط الغمام تجلى وجه الحبوبة. بريقٌ هين شعَّ من عينيها
والشفتان اليابستان ترتلان الآيات. سرى صوتٌ ناعمٌ مع
قبسات الصباح:
((
وَإِذَا اَلْمَوءُودَةُ سُئِلَتْ بأيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ
))..
مريم بدر الدين حلَّقت بخيالها فوق غيوم الدهشة، تراود
بصيرتها الأطياف.. ومن بين ركام الأحلام، والرؤى،
والاحتمال. خرجت صبيةٌ نضيرة، تدلت على جيدها ضفيرتان.
سارت وسط الدروب القديمة، تُنْصِتُ للحكايات والمحن، ترنو
إلى ظلمات التاريخ، وتنبش في مرايا الأيام بحثاً عن ميسم
الجمال، عن برعمٍ صريح. أرسلت نظراتها إلى أبيها المنهمك
في الحفر. وقفت على كومةٍ من التراب تتطلع إلى آفاق
الصحراء الشاسعة، حيث يلمع السراب، وتحلَّق الصقور حول
بعيرٍ نافق. أخذت نفساً عميقاً مشفقةً على أبيها المنهمك
في الحفر. كان العرق يسيل على رقبته، والغبار يغطى شعره،
وبدماغه تمور أحزان الصَّبايا، اللائي وئدن، وحسرة آبائهن
الكظيمة، ورمال الصحراء تختزن عويلهن المكبوت. جلس الأب
على التراب ليستريح قليلاً، والشمس تلهب الرمال بأشعتها
الحارقة. تقدمت إليه ابنته الصبية، مسحت عن جبينه العرق
فتنهد حسرةً وأسى. تناسلت بخياله أشباحٌ سوداء، ودماغه
يعمل بلا كللٍ بحثاً عن خلاص. مطحون الوجدان بين الشفقة
على ابنته التي يحفر لحدها وهي لا تدري، وبين سطوة
القبيلة، وسيف العار المصلت على رقاب الجميع. مخرت صدره
أشواكٌ من الشقاء الرهيب، لحظاتٌ قاسيةٌ تفتت كبد
الاحتمال. تراقصت أمام عينيه السمادير، وحداءٌ حزينٌ
يدندنُ في البعيد. وكأنه سمع خطوات تعبر المجهول. نهض
ليتابع الحفر تنهش صدره مخالب القهر والهزيمة، وبحلقه
اعتملت عبرةٌ مريرة. مسحت الابنة عن شعره الغبار فاجتاحته
دوامةٌ من الأسى، والخوف، والتردّد. بينما ابنته الصبية
بقربه ناهضةٌ على حافة الهلاك.
دفن ابنته خوفاً من العار! كان أربعةٌ من أبناء عمومتها قد
ماتوا تباعاً في حربٍ ضروس، استمرت لأربعين عاماً. قيل
إنَّ سبب اشتعالها ناقةٌ كانت ترعى فدخلت إلى أرض قبيلةٍ
مجاورة. قُتِلَتْ الناقة وبدأت الحرب. وقيل إنَّ عجوزاً
أوقدت الفتنة فاندلعت حرب استنزاف طوت أجيالاً من
القبيلتين المتناحرتين. ظلت الحروب ديدن القبائل البدوية،
فهي وسيلة العيش في أوقات الجدب وشح المطر. وهي مصدر الفخر
والكرامة. وكانوا يقولون: مَنْ غلب سلب.
بعد سنواتٍ من مراوغة الأسى الأحزان، غادر الأب دياره
قاصداً الكعبة. كانت النجومُ لامعةً في سوادٍ حالك. ظعن
بخياله في ليلٍ بهيم، ثم عاد يتأمل نسق النجيمات الباهرة،
متسائلاً عن مغزى الوجود، وعن جدوى الحياة، والأعراف التي
تبيح، بل وتطالب بوأد البنت إذا لم يكن لها ابن عم ليحميها
من عار السبي. زفر صدره آهةً عميقة، ثم سالت دمعةٌ حارقة
على خديه المعفرين بذرات التراب. طاف حول الكعبة مجرجراً
خطواته على شفير الانهيار النفسي. غابت شمس ذلك النهار وهو
سادرٌ في أودية الأحزان والمحن. وحين خيَّم الظلام فوق
شعاب مكة، سُمِع صوت رجلٍ من اليهود، يطوف وسط الدروب،
معلناً عن ميلاد نبيٍ جديد. يقرع طبلاً وينادي: لقد ظهر
نجم أحمد.
قرر الأب أنْ يغادر ديار العرب إلى بلاد فارس. سار في
مسالك الصحراء نهاراً كاملاً، ومع مغيب الشمس أناخ ناقته.
أكل قليلاً من التمر وشرب جرعة ماء، ثم اضطجع على الرمال
يتأمل النجوم وينشد شعراً. وحينما توغل في الرحيل، قابله
شيخٌ فارسي، ترك دياره قاصداً صحراء العرب، ومضاربها. سأله
الأب:
((
لماذا تسافر وحيداً، بعيداً عن ديارك وأهلك؟
))..
أجاب الشيخ الفارسي:
((
انطفأت النار المقدسة العظيمة، والظلم في كل مكان. وإذا لم
تنبثق النار من جديد فإنَّ مجدهم سيزول، وستذهب ريحهم
))..
صمت الشيخ لبرهةٍ بينما ذاكرته تجوب أودية فارس ومدنها
المزدهرة.
في ذلك النهار ناوشه شعورٌ مريب، فارتبكت خطواته في طريقه
لزيارة النار العظيمة. كانت ألسنة اللهب تتوهج عالياً. جلس
الشيخ وسط الجموع. بدأ شكواه للنار المقدسة طالباً القصاص
لابنه الذي قُتِلَ بسبب وشايةٍ قالت إنه يحرَّض العبيد على
التمرد والعصيان. كابد الشيخ مرارة الأحزان حتى كبر حفيده
والتحق بالجيش. وبعد ثلاثة أسابيع في معسكرات التدريب
اختفى. قالوا للشيخ: حفيدك هرب من الخدمة العسكرية، وإذا
لم يرجع طواعية للمثول أمام المحكمة، فسنقبض عليه لا
محالة، وسيكون مصيره أسود.. سأل الشيخ عن حفيده، توسل،
حاول زملاءه في معسكر التدريب ولكن بلا جدوى. لا أحد يعلم
عن الأمر شيئاً، ربما كانوا خائفين من الحديث في الموضوع.
امرأةٌ عجوز قالت له:
((
إنَّ حفيدك قتله أعوان السلطان خوفاً من الثأر لأبيه".
وسط الحشود حدث الشيخ نفسه عن قصاصٍ لا بدَّ أنْ ينزل
بالظالم ولو بعد حين. كانت النيران تشتعل في مساحةٍ كبيرة
وحولها خلقٌ كثير. كلّ يحمل همومه وشكواه، طالباً عدلاً
ورحمةً من النار المقدسة العظيمة. وبينما المساء ينشر
أرديته فوق الجميع، وضوء النار يخفق عالياً، بدأتْ ألسنة
اللهب تخفت قليلاً. وحين تواتر تقلص اللهب العملاق، انتبه
قليلٌ منهم، وربما ظنَّ بعضهم الآخر أنَّ ريحاً قويةً تعبث
باللهب الخالد. تلاطمت أمواج اللهيب فتصاعد الدعاء، وضجَّت
الحناجر بالعويل، والرجاء. خفقت النيران كأمواجٍ كاسحة،
تلاطمت وسط هديرٍ عظيم. توهَّجت ألسنة اللهب، صخبٌ وهولٌ
اجتاح الحشود، خفقانٌ مهيب، ثم انطفأت نار المجوس.
عتمةٌ غطت المكان، وتحشرجت الصدور. خوفٌ جامحٌ زلزل
اللحظات. أُخْرِِستْ الألسن وجفت الصدور. وكأنَّ النار
بألسنتها العملاقة، واشتعالها عبر القرون، قد كانت حلماً
عابراً، لم يلبث أنْ مضى، وخلَّف حيرةً عاصفة، وأطيافاً من
الفجيعة، والذهول. قبعوا في أماكنهم يخيِّم فوقهم ليلٌ
ثقيل. أشرقت الشمس وهم في حيرةٍ يتساءلون: هل كان وهماً؟
أم أن النار ستعود عملاقةً، شامخةً فوق الجميع؟!
دبَّ الوهن في مفاصل المجتمع، واهتزَّ عرش كسرى الراسخ منذ
قرون. سادرون في ظلامٍ دامس، تئن الصدور تحت وطأة السؤال
الحائر الرهيب: كيف انطفأت النار؟ وما المصير!؟ سنواتٌ من
الحيرة والشك نخرت تماسك المجتمع، الخاضع لزمانٍ طويل تحت
قبضة الحكام. كانت النار هي المركز الروحي والمادي الذي
شيدوا من حوله ولأجله حضارتهم ومجدهم. وها هم يضربون في
مسالك الحيرة والارتباك. انطفأت النار وبدأ انحسار مجدٍ
تليد. بينما جزيرة العرب تلملم أشلاءها. أهلكت الحروب
فتيانهم ورجالهم. ثكلت أراملهم وتيتم أطفالهم، وما فتئوا
يبحثون عن صباحٍ جديد، يعقب ليل الشتات الدموي الطويل.
بدأت فكرة الخلاص غريبةً على الجميع ومرفوضةً من سادة
المجتمع. انضمَّ إليها المستضعفون والعبيد وبعض النساء.
وفي خضم قتالٍ شرس، كرٍ وفر، آمنتْ قبائل العرب بإلهٍ
واحد، وتوحدتْ خلف رجلٍ واحد. نال العبيد بعض حقوقهم،
وتحرر بعضهم الآخر. وقفزتْ المرأة من حفرة الهلاك إلى
جدرانٍ أربعة، تحفظ كرامتها، وترعى بعض حقوقها، في مجتمعٍ
جاهلٍ متخلف.
في القادسية دارتْ إحدى معارك التحول الكبير، بين جيشٍ
انطفأتْ ناره، وبدأت تنهار أركان مجدة، ويعتمل الشك في
صدور محاربيه وفرسانه، وجيشٍ يحدوه الأمل بنصرٍ في الدنيا
أو فوزٍ في الآخرة. خرجت بعض نساء المسلمين على موجة الوعي
الجديد، وشاركن مع الجيوش الزاحفة في تضميد الجراح، وشد
عزم المحاربين. خرجت المرأة البدوية من حفرة الهلاك إلى
فكرٍ متفوق، مكَّن المجتمع الوليد، من قيادة الركب
الإنساني في دورةٍ حضاريةٍ جديدة.
|