header
قصة، شعر، كتابات نثرية، مسرح
Nouvelle, Poésie, Œuvres en prose, Théâtre
Fiction, Poetry, Prose writings, Drama
 
Théâtre Drama مسرح Œuvres en prose Prose writings كتابات نثرية Nouvelles Fiction قصة Poésie poetry شعر
  Nouvelles Fiction قصة
 

 

عباس علي عــبود

فصل من رواية

 

طقوس الرحيل

 

 

 

في البدء كان الصهيل. العشق والرحيل، ومنجم المياه. وكانت الحقول.. النهر والأصيل، وزورق الصلاة. ورحيقٌ مجلوبٌ من مغارات الجبال وشقوق الوديان إلى الضفاف المرويّة بالشموس، حيث دبَّت الحياة علقةً؛ من صلصالٍ، من حمإ مسنون، ثم تناسلت في رحم المياه، بين الخوف والرجاء.

 

  في مجاهل الأدغال تمترسوا بالصعاب، افسدوا، وسفكوا الدماء، فضجَّت السماء.. وانتصب الإنسان سوياً على صراط مستقيم، بعدما أمضى ردحاً من الزمان مكباً على وجهه، يناجز الحياة بالمخالب والأنياب. وسالت الدماء.. فرَّ بعضهم مع تيار الأنهار والخيران، يناجزون بالأغصان حتَّى "تفتَّق الذكاء من كمون" ¹ وسارت الحياة في دربٍ آخر.

 

وكانت المحاولة، ثم همهموا.. فتمتموا، قرعوا طبولهم وأنشدوا في معابد الطبيعة الفسيحة، في الوطن القديم. بنوا مساكنهم بأعالي الأشجار، أوقدوا النيران والحرابة؛ وسالت الدماء. احترفوا تربية الأنعام.. وتقاتلوا، ثم واصلوا النزوح على حواف الضفاف. يشكِّلون الطين وينقشونه ثم يحرقونه، تحيطهم الأرواح والأشباح، البروق والرعود.

 

شمسٌ عند الأفول، ضوءٌ شحيحٌ، نهرٌ وشجيرات، وأميرة على الصخر. كانت آخر قطرات الضياء تداعب وجنتيها، وبصرها يتمدَّد مع اكتمال الظلال، يتابع مخاض الحنين، قبيل انبلاج طقوس الرحيل. نهرٌ.. جزر ثلاث، ومنحنى، حيث يتمهل التيار. رعبٌ وأمل.. ربما أتوا هاربين من متاهة الغابات والمعارك الرهيبة. رحيق الضفاف شدَّهم إلى جزر كثيفة الأشجار، حيث الأمان والألفة. استنشقوا عبير التمترس وأبجديات الحضارة، قبسات النار الأولى، واللهيب الذي اشتعل ذات برقٍ عابر، وحجارة قدحوها. الوهج الرائع على وجنتيها، أميرة الشموس جالسة على الصخر وأقدامها على الضفاف الندية؛ يطارد خيالها آفاق الخلاص، حيث بدأ قومها مداعبة الطين ومواسم الصلاة، الفخار، وزورق النجاة. قاماتهم منتصبة يرتادون الآفاق. ثقـَّفوا أغصانهم، غرزوها؛ حفروا الأرض اللينة؛ بذروا، ومن ثمَّ تعلموا الانتظار. تأملوا أسراب الطيور العائدة إلى أوكارها عند الغروب، والأشعة الذهبية على سطح المياه الصافية. حاوروا أوتارهم؛ انسابت ألحانهم إلى الضفاف، إلى أعالي الأشجار والزفاف.

 

     الغروب

     والرحيل إلى الأبدية

     البروق والرعود؛ والعواصف العصيَّة

     الرعب الكامن في صلب الأشياء

     والقوة المجهولة الصمَّاء

     تحيطهم؛

     تحصي أنفاسهم

     تزلفوا إليها؛

     قدموا القربان والوفاء

     والقوة المجهولة الصمَّاء

     تنبت من باطن الأرض

     ومن غياهب السماء.

 

     مليكة الشموس على الصخر

     قبائل مغيرة من الجبال والأحراش

     تهدمُ

     ثم تستقر

     يتململ بين جوانحها نداء الرحيل

     يبنون ويهدمون

     عشيرة ترث أخرى

     المليكة على الصخر

     الضياء على وجنتيها

     وموجات ترحال تنتهي؛ لتبدأ أخرى

     هدمٌ وبناء

     يأسٌ ورجاء،

     ومليكة تقودهم عبر دروب النهر.

 

تكونت البلدة من ثلاث جزر عند منحنى النهر. التيار هادئ؛ والآمال رباح. الأسماك وفيرة حول الجزر التي تحيطها الأشجار والحشائش، في الزمن القديم.

 

خور دورة: الفراشات الملونة أيام الخريف، أشجار السنط، الزرزور، طير الرهو، الوزين والحباري. القوز الشمالي حيث الفخار المنقوش، وحكايات أبو القنعان عن أقوام عاشوا في جوف التاريخ، امتلكوا الأنعام والذهب. هنا قُتِل الشيخ إسماعيل صاحب الربابة؛ وربما عادت نغماته إلى نبضاتها الأولى في أعماق النهر. جنوب الخور يتناثر الخرز ورميم العظام حيث ازدهرت ممالك الشلك.

 

ظلت البلدة حلقة وصل بين ممالك كردفان ودارفور والحواضر على النيل الأزرق، وبربر في الشمال وسواكن على البحر الأحمر. وقيل أن أحد ملوك سنار زار البلدة، استقبلوه بالطبول، والنحاس، والخيول، والزغاريد. وبعد أيام من الترحاب والكرم، والمواثيق والعهود؛ سار موكب الوداع يتقدمه العشرات من فرسانهم حتَّى جبل الماطوري، فوهبهم الملك الأرض التي ترويها سيول الجبل وتسمى ود بطة.

 

كانت البيوت طينية، نوافذها صغيرة، وحولها زرائب الأغنام، والمعيز، والأبقار. تمترست كل عشيرة على نفسها داخل نطاق قبيلتها. نزحوا من الشمال: من قوز المطرق والمتمة، من جبل البركل، من تخوم معبد كوة، موطن تهارقا، عظيم النوبيين. قطعوا الأخشاب لصناعة المراكب التجارية وقوارب صيد الأسماك. ظلت قوافلهم النهرية تعبر إلى الشمال؛ لجلب التمور، والملح، والقماش.

 

عند الضحى كان عجوز البلدة واقفاً على شاطئ النهر، منصتاً لترانيم الموج، يكاد يسمع وقع خطى الهائمين على الدروب، منذ فجر الرحيل. وبينما العجوز غارقٌ في تأملاته، عبر بجواره دينق ديد، الرجل النحيل الذي ارتحل من أعماق الجنوب على ظهر باخرة نيلية. دينق ديد كان شاباً حين وصل إلى البلدة بعد بناء المصرف الكبير، ورصف الشاطئ بالحجارة والتراب.

 

دورات من البناء، والخراب...

 

□□□

 

 

 

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco