|
التريــــــــاق
إلى الفنان حسين شريف
عباس علي عـبود
■
تيم ترا را رم... خافتا يتواتر إيقاع الطبول. أبقار ترعى
العشب الأخضر فوق الجبل. معز قصيرة الآذان، تتقافز فوق
الكتل الصخرية. صبيان يغتسلون في بركة، ينساب إليها الماء
من الأعالي، ثم يسيل إلى السفوح. ضب نحيل، قلق، مستطلع؛
متوثب. سحلية بذيل أزرق، تتأود فوق الحصى. فراشة ترفرف.
عصفورتان تغردان، تتلاحقان على الأغصان بين الشجيرات. سرب
طائر عائد إلى أوكاره. قبيل الغروب انطلقت أبواق عدة، في
مناطق متفرقة من الجبل، في رتم واحد، متصاعد. إنها إشارة
الخطر، وميقات اللجوء إلى المغارات. تقدمت مع مضيفي حتى
باب المغارة، فأشار عليَّ بالتوقف قائلا:
ـ إنه تاريخ مرير من المطاردة. والقهر، والاستعباد.
ـ وهل يعرف مطاردوكم مداخل المغارات؟
ـ بعضهم يعرفها، لكنهم لا يجرأون على اقتحامها، فهلاكهم
حتمي.
ـ ولكن! لما لا تقيمون لهم الشراك خارج المغارات؟ فأنتم
أهل الجبل وأدرى بشعابه؟
تلفت حوله ثم أشار إلى صخرة، وطلب مني انتظاره عندها. عاد
دليلي يتبعه عدد من الرجال والشبان، وسطهم عجوز نحيل،
معتدل القامة، صافحني بحرارة، فتبعه الآخرون. دعاني العجوز
للجلوس على صخرة، بقربه. كرر ترحيبه بكلمات طيبة، ثم تابع
بصوته المبحوح:
ـ لعلك استرحت قليلا من مشقة السفر. أعرف إنك انتظرت
موافقتنا، قبل أن يقودك الدليل إلينا. ولعلك خشيت أن نرفض
استقبالك. لا يا ابني. ولكنا نحتاج لبعض الوقت، لتأمين
الدروب والمعابر، فهؤلاء المجرمون لا يرحمون حتى بني
جلدتهم. فمن يحاول معاملتنا كبشر، لا يتورعون عن إيذائه.
لقد شهدت قتل أحدهم بأم عيني، لأنه قال لهم: إني أصغر من
احتمال ما أمروني بحمله، وحين اشتد الخلاف بينهم، أرداه
قائدهم قتيلا. ثم تصاعد اللغط، وكنت منتظرا أحمل إبريقاً،
كي أصب لهم الماء، ليغسلوا أيديهم بعد العشاء، فقفزت إلى
صهوة حصان تحت ستار الظلام.
صمت، فقدموا لي حليباً دافئاً في قرعة. شربت قليلاً، فأشار
إلي. وتمهل، ريثما أكمل شرابي. لبرهة انصرف ذهني إلى نيران
الحطب، إلى خروف ذبح وسلخ. وقبل أن ينداح خيالي بعيدا،
أعادني صوت العجوز:
ـ لقد ساد اعتقاد، ولزمن طويل، بأن هؤلاء المجرمين يملكون
أنواعاً من السحر
والكواديك، فما أستطاع أحد أن ينجو من قبضتهم سالما. شاب
بتروا ساقيه، وامرأة شابة قاومت إغراءهم، فامتهنوا
أنوثتها. أحرقوا ثدييها بقضيبين حاميين. كان وصولي سالمـاً
إلى أهلي ورواية ما حدث لي، مناسبة لنشوب الخلاف التقليدي
بين الكبار، الذين يملكون القرار النهائي، والشباب الذين
يؤكدون إن الدفاع والهروب لن يجلب سوى مزيداً من الهزائم،
بيد أن عدة محاولات ناجحة لقتل الغزاة، زادتهم عدداً
وتسليحاً. في مرات قليلة خرج الجميع إلى معارك ضارية، دحر
فيها الأعداء، وأقيمت الولائم والأعراس. لكنهم عادوا كل
مرة، أكثر عدداً وقسوة. يخطفون الرجال فرادى، النساء
والصبيان.
خيم السكون لحظات، تابعت لهيباً هيناً، يتلوى فوق الجمر.
عادت الأبواق ترنُّ في خاطري، عميقةً، حزينة.
ـ لعلك تساءلت. لم آثرنا الهروب إلى المغارات بدل المصاولة
في الخارج؟ حسناً؛ إنها وصية الحكيم القديمة، منقوشة على
جدران مغارة في جبل على النيل. يوماً ما اندحر مجدنا،
تدحرجنا من الريادة إلى قاع الذل، والمهانة. هكذا تنبأ
الحكيم. وقال: إن دورتنا انتهت، وسنتقهقر إلى القيعان،
والظلام. لكن دورتنا ستعود من جديد؛ بعد شقاء طويل. ومن
يومها بدأت المهادنة، والمراوغة، والهروب، والقتال
عند الضرورة. وفي الجبال النائية، سارت حياتنا بعيداً عن
النور، والعراك. كان الهم الأكبر وما زال هو النسل،
المحافظة عليه، وتبسيط القوانين حتى نزداد عدداً وقوة.
إنَّ كموننا في الجبال، والمغارات، أعطانا فرصة الانتصار
النهائي، فسيأتي يوم، وهذا حتمي، حيث نجوب كل الربوع، أكثر
عدداً، وأوفر صحة، وأقدر على صناعة الحياة الجميلة، هكذا
فعل أسلافنا في زمان غابر.
وبينما رائحة الشواء عابقة حولنا. تنحنح العجوز وأشار إلى
قرعة كبيرة على يميني وقال:
ـ أنه عسل النحل، خير هدية نقدمها للضيف. أحملها إلى أهلك
وحدثهم عنا خيراً.
قبل الوداع أشار إلى صدره وقال:
ـ نقاء القلب... نقاء القلب
دخل الجميع المغارة وتركوني مع الدليل. ارتخت عضلات جسمي
للنوم، بعد ليلة مثيرة. كان دليلي جواري على عنقريب قصير
القوائم. همس مراراً فأجبته كمن أفاق من حلم، لكنه لم
يمهلني، وبدأ يروي حكاية جوهرة بحجم بيضة الدجاجة، من
الوهج الأبيض، الباهر. عجز كل من حاول سرقتها من الأفعى.
ولم ينج أحد حاول الوصول إليها. ظلت الأفعى مرصادًا
للهلاك.. حتى أسرع فتيان القبيلة، الذي تحدى رفاقه، ووعد
حبيبته بالظفر بها، وإهدائها إياها، واستطاع فعلا أن يضعها
بين كفيه، فتحولتا إلى كتلة من الوهج الأبيض، وسرعان ما
أدخلها في سعن من جلد الماعز، حمله لهذه المهمة، إلا أن
الوهج غمر السعن. لكنه لم يبال، وضع السعن على كتفه وركض
كالريح. قفزت الأفعى عالياً مع حركة الجوهرة الأولى بين
كفي الفتى، ثم هبطت فى مكان المفقودة، دارت في مسار لولبي،
الذيل إلى أعلى، وفي مجرى الدوران المحموم، عاد الذيل إلى
أسفل، وارتفع الرأس عمودياً. والفتى يركض، ويركض، خياله
يخاطب القبيلة بانتصاره الأسطوري الكاسح، والوهج الأبيض
يغمر ظهره المعطون في العرق. وحين ظن أنه نجا؛ قفزت الأفعى
للمرة الثانية واستقرت على عنقه. صمت الدليل يمتص عمق
الليل، وسكونه، ونسماته الندية، والنجوم لامعة في ظلام
حالك. ومرةً أخرى تسلل النعاس إلى جفوني، فهمس الدليل:
الأعرج استطاع الفوز بها. كانت زوجته جميلة، سخية اليد،
زرعت في صدره أمل الانتصار، بينما سخرية أترابه أيام
الطفولة لا تفتأ تعكر حياته الهادئة. ورغم قناعته وتوفيقه
في العمل، والزواج من فتاة طيبة، لكنه اشتاق دومًا لبطولة
ما، تمحو مرارات الماضي، وتحوِّل عرجه إلى فضيلة، يتحدث
بها الناس. جيلاً بعد جيل.
الجوهرة. هي الوحيدة القادرة على منحك ما تريد، همست
الزوجة الوفية. وبعد زيارات متعددة إلى عجائز المغارة،
ووعود صادقة بالهدايا، استطاعت أن تجمع معلومات مكنتها من
تدبير خطتها: أحضرت ثمرة دوم، وطين أسود لزج، وخيط متين،
وسعن من جلد الماعز.
غطت الدومة بالطين حتى تكونت طبقة سميكة، ملساء، ثم ربطت
حولها الخيط، شدَّت طرفيه حتى انشطرت كرة الطين المجوفة
إلى نصفين. أخرجت الدومة ثم أعادت الكرة المجوفة إلى وضعها
السابق، وضعتها بعناية داخل السعن. بينما الزوج يتابع
العملية صامتا.
بدأ الأعرج مراقبة الأفعى حين تضع الجوهرة، ثم تتجول تحت
الضياء الباهر؛ بحثا عن غذاء. ظل مكان الجوهرة يتبدل
مراراً. الأعرج يترصد والأفعى تبدل المكان. الأيام تمر،
والآمال تخبو، تفتر العزيمة، ويتسلل القنوط إلي الصدر،
المتأجج بأشواق الانتصار. وعاد ذات مساء مهمومًا، كاد
اليأس أن يبدد آماله. طيبت الزوجة خاطره، وطلبت منه أن
يرتاح قليلا. في اليوم السابع قالت له، إن الأفعى تبدل
مكان الجوهرة، لكنها تعود إلى أماكنها القديمة مرة أخرى.
واستمرت المحاولات، يصعد الأعرج إلى الجبل بعد غروب الشمس،
ويضع كرة الطين المجوَّفة والسعن، ثم يعود إلى السفح،
مترقبًا، فقد لا تأتي الأفعى في ذلك اليوم، أو تضع الجوهرة
في مكان آخر. وتكررت المحاولات الفاشلة، واليأس يترصد
الخطوات. الزوجة ما انقطع خيط رجائها. كل يوم تدوِّر
بأناملها كرة جديدة، وتقطعها بالخيط إلى نصفين. عملت بهمة
عالية. وبلا كلل، حتى أعلن الزوج أنه لا يصلح لهذه المهمة.
ورغم توسلات الزوجة، ووعودها، إلا انه رفض تماماً مواصلة
المهمة. وبعد أيام من الجفاء العابر، وافقت الزوجة على
قراره بشرط أن يحاول وبصدق، لمرة أخيرة. قبل الزوج دون
تردد، وعند الغروب صعد الجبل، وضع كرة الطين والسعن في أحد
الأماكن القديمة. ثم عاد إلى مكمنه، خفيفاً، متقافزاً بين
الصخور، مدندناً وبصدره الخوف من أهل القبيلة، إذ لو علموا
بمحاولاته الفاشلة، لصار بينهم أضحوكة بقية حياته. تابع
جحافل الليل تتلبد في الآفاق. كانت شدة لمعان النجوم، تبشر
بظلام دامس. هبت نسمات شحيحة، بارق من أمل عابر رفَّ
بوجدانه. واصل المراقبة هادئا وأمله يتصاعد في الخلاص من
مهمة كادت أن تصير كابوسا. خيِّل إليه أنه لمح وهجاً ما،
طرد الخاطر. مرة أخري طاف الوهج أمام عينيه، تطلع لأعلى،
الوهج الباهر يغمر السعن. فرك عينيه، قرأ بعض الأدعية.
الجوهرة وكرة الطين في مكان واحد.
قفز رشيقا. الخطى تعرف الدروب، إنها الجوهرة. انحنى، مرتعد
الخاطر والأعضاء، فتح كرة الطين، التقط الجوهرة، وضعها في
نصف وأغلقه بالثاني، أدخل كرة الجوهرة في السعن ثم وضعه
على كتفه، وتسلل بهدوء. طارت الأفعى إلى مكان الجوهرة
المفقودة. وهي تدور كلولب مقلوب، بدأ الذيل عاليا ثم ارتفع
الرأس حين انحدر الذيل لأسفل. دارت الأفعى حول نفسها
مراراً، دون أن تستطيع تحديد الهدف، لقفزتها الثانية. ظلت
تدور بسرعة متزايدة، وتوتر حارق. حتى انهارت كومة من
الفتات، فوق أثر الجوهرة المفقودة.
لم تنته مهمة الأعرج بعد الانتصار الباهر السريع. شاهدت
الزوجة الجوهرة عند منتصف تلك الليلة، بهرها الوهج الأبيض،
أغلقت كرة الطين وتعهدت بعمل كرة لينة كل يوم، حتى لا
يتسلل الوهج من بين مسام الطين اليابس. وتعاهدا على كتمان
السر.
سلك الأعرج الدروب الآمنة حتى وصل إلى قبيلة من رعاة
البقر، ترتبط مع قبيلته بعلاقات مصاهرة، وعهود قديمة. بعد
جهدِ وصبر، انفرد بتاجر كبير، وحين نطق بالجوهرة تبدل
الحال. استجوبوه، حاوروه وراوغوه. أغروه وهددوه، حتى
تأكدوا من صدق روايته. لم يحدثهم عن كيفية اصطيادها كما
أوصته الزوجة، لكنه ظل يؤكد لهم مراراً، بأنه وزوجته
يمتلكان الجوهرة. أحسنوا ضيافته، بدلوا مكان إقامته ونوع
طعامه، حتى اجتمع مع الكبار. رجل أزرق العينين، جلس صامتا
يدخن غليونه. باشبزق أعاد الاستجواب، والشكوك. وقال:
"في
بحثي عنها، أكد الجميع وجودها، واستحالة الحصول عليها، لأن
من يمسها لا محالة هالك، فالأفعى لا تخطئ". لم يفصح الأعرج
عن كيفية الحصول عليها، لكنه أكد وجودها عند زوجته. التاجر
قال:
"طوال حياتي أحلم بالحصول عليها، ولأول
مرة أعثر على خيط ربما يقودنا إليها، لن نخسر كثيراً حتى
نتأكد من صدق روايته". اتفقوا على مئة رأس من البقر،
واستعدوا للسفر. حملوا المؤن على ظهور الثيران، وامتطوا
صهوات الخيول، يتبعهم ثلاثة رعاة يقودون قطيع الأبقار. بعد
ثلاثة أيام، وعلى بعد مسيرة ليلة إلى المغارة، أوقفهم.
نصبوا خيمتهم. قاد الرعاة الأبقار لتشرب من سيول الجبل،
بينما واصل الأعرج رحلته إلى المغارة. عند الصباح استقبلته
الزوجة بلهفة. وبعدما استمعت إليه، قالت:
ـ أحسست عميقا بقدومك.. لكن قلبي يحدثني
ـ بماذا؟
ـ لست أدري
ـ هل الصفقة ضعيفة؟
ـ لا أقصد هذا
ـ ألا تريدين بيع الجوهرة؟
ـ بلى، ولكني أخاف الخديعة
ـ وما العمل؟
ـ عليهم أن يسلمونا الأبقار أولاً
ـ هذا ما سيحدث
ـ أقصد أن تصل الأبقار إلى المغارة أولاً
ـ من يصدقني حينها! لقد جاءوا بأنفسهم وأبقارهم ورعاتهم،
وتوقفوا حيث أمرتهم حتى لا يقتربوا من ديارنا.
وافقت الزوجة وبصدرها الوساوس. مع حلول الظلام، حمل الأعرج
وزوجته السعن، وبداخله الجوهرة يغلفها طين لين. تسللا بين
الدروب. قريباً من مكان اللقاء. اختبأ الزوجان خلف صخرة،
وعند شروق الشمس، ترك الأعرج زوجته كي تراقب الموقف من
بعيد، وأسرع الخطى ليتم الصفقة وحده. كانوا بانتظاره كما
وعدهم. أخبرهم عن ضرورة تغليف الجوهرة بالطين كل صباح، حتى
لا يتسلل ضياؤها، وينكشف أمرها. وتمت الصفقة. ودعهم
مبتسمًا، متمنيًا لهم التوفيق.
استمتع الأعرج بقيادة أبقاره حتى مكان زوجته. تعانقا
طويلاً حتى طفرت الدموع، والنشيج؛ اعترتهما نشوة طاغية. ثم
لحق به الرجال والرعاة. صوبوا بندقية إلى دماغه. قالوا له:
"إن حياتك وحريتك ثمنا للجوهرة".
وقادوا معهم الزوجة والأبقار. نشب بوجدانه غبن ماحق. ما
لبث أن تسلل إلى حلقه، فتبعهم من بعيد. مشى وراءهم خطوات،
ومنحنيات. صعد ونزل، وكأنما نتيجة لعجز مفاجئ، توقف في خضم
الحيرة. ثم انقلب إلى أهله حسيرا.
بعد حين تواترت الأنباء إلى القبائل. تبادلوا تفاصيل
الحكاية بين الشفقة، والحسرة، والشماتة. قالت عجوز: إن روح
الأفعى ستطارد من يحمل الجوهرة. للانتقام. وقيل بعد حين أن
التاجر ضربته الحمى حتى خرج البخار من رأسه، ومات تحت
مطرقة الحمى والهذيان. وتواتر أن رعاة البقر قتلوا
الباشبزق، لأنه أغوى إحدى فتياتهم. وقيل أن صاحب العيون
الزرقاء، استطاع الوصول إلى سواكن، باع زوجة الأعرج، وأبحر
بالغنيمة. في عرض البحر يبس الطين؛ فتسلل الضياء الباهر،
تجمع الركاب والطاقم البحري، وسط الدهشة والانبهار؛ غرقت
المركب وجميع ركابها، وغاصت الجوهرة إلى أعماق البحر.
■
تدب الصيرورة في القيعان السحيقة، تمور الأعماق المجهولة
بالإيقاع، ويحمل الموج الأملاح البلورية، والأصداف، إلى
رمال السواحل. المراكب تمخر العباب. والميناء المزدهر يربط
قلب القارة البكر، بالحجاز والبحر الوسيط، بحضرموت والمحيط
الهندي. توافد إليه التجار من الشام ومالطة، أتراك وإغريق.
يقصده الحجيج من كانو وتمبكتو، يعبرون مفازة الشوق. يلفحهم
صهد الشقاء، ثم تحملهم المراكب، تلبية لنداء انبعث من شعاب
مكة، إلى الناس أجمعين.
في جزيرة صغيرة، شيدت قصور الحاكم والأثرياء، وكبار قادة
العسكر والإدارة. بعض البنايات يرتفع إلى ثلاث طوابق، وتطل
الشرفات الخشبية على البحر. الأزقة بين الجدران الحجرية
العالية. وغبائن أرتال المسحوقين، كامنة تحت الحيطان؛
ميقات دمار قادم. المراكب تفرد أشرعتها للريح، وموجات
اصطياد البشر تعربد في الأدغال، والجبال. القوافل تجلب
الذرة، والسمسم، وسن الفيل، وريش النعام، وتعود بالملح،
والثياب والعطور.
زوجة الأعرج اشتراها تاجر عجوز، واهن العظم. وقال لزملائه
الشوام، واليهود، والأرمن إنها هدية العمر ساقتها إليه
الأقدار. ولما قضى وطره منها؛ نسيها. عاشت أيامها وسط
زميلاتها، بين مطرقة الأسى، وسندان الذكريات. أنجبت طفلة
عند الضحى، فعادت إلى روحها الحيوية، وإلى جسدها النضارة.
عملت بنشاط وهي تغني شوقاً وحنينا، للزوج، لأهل المغارة،
للأبقار ورقصات الحصاد..
نشأت الطفلة ذكية العينين. شبت صبية فارعة. بشرتها جدل
الأبنوس والكاكاو. تقتنص حريتها وتتسلل إلى البحر. تراقب
المياه الزرقاء، والأمواج. الأشرعة والبحارة. وكلما حذروها
أو عاقبوها أو أوصدوا دونها الأبواب؛ ازداد شغفها بالبحر.
تسرج خيالها مع الموج إلى مدارات الدهشة، وتحلم بالإبحار
إلى عوالم رحيمة.
على الساحل ترددت خطواتها الهائمة تنشد خلاصًا ما. يحدثها
قلبها بأن ثمة احتمال لنجاة، ولمكان آخر، أقل تعاسة. وذات
مساء، وخطواتها وئيدة على الساحل، تحت القمر، سمعت ترتيلاً
شجيا:
يا زهرة ً
فاجأها الضباب في الدجى
فأينعت
قبيل أن
تطل شمس ذلك اللقاح
يا زهرة
غازلها الندى
فأثمرت سماح
ترددت حولها أصداء النشيد مراراً، قبل النوم وفي الأحلام.
وبينما هي على الساحل، كان الغيم يظلل التلال، وبصدرها
الأشواق تستعر، يغازل خيالها موج الارتحال. وحينما داهمها
القلق والتوتر، نهضت، جسدها فارع كنخلة، سارت فوق التراب
اللين، على حافة التوقع: الحذر وأطياف من الخوف المبهم.
انتشر العطر، وأصداء النشيد الصادح؛ ثم هبط تحت قدميها
جنيُّ شاب. اختلج جسدها كأنها تدوزن إيقاع النجاة. همـَّت
بالفرار، لو لا أن رأت صفاء عينيه. قال لها:
"جئتك
أطلب سماحا؛ لأنني اقتحمت خلوتك. ولأهبك فضة وماء؛ رمز
الخصوبة والنماء".
وقال لها:
"أهلي طيبون، يحترمون الضيف ويكرمونه".
أسبلت جفنيها ودندنت خواطرها بالأسئلة. قدم لها زهرة لوتس
ندية، قائلا:
"جلبتها من ضفاف النيل رمزا للحب
والوفاء.
هيا لنعشْ معا؛ أحرارً، طلقاء".
عادت إلى أمها في ذلك المساء، صريعة الفكر والحروف. تعللت
بالمرض واندست تحت الأغطية، يتواتر بخيالها طيف الجني
الساحر. انقطعت عن الساحل لأيام، قابعة في فراشها؛ على
صهوة القلق والشرود. لكن أشواقا تمور بصدرها؛ دفعت أقدامها
إلى البحر، مساءاً. وتكررت لحظات الوجد والشجن.
وبينما الأم تعمل بلا كلل، استعداداً لزواج أصغر أبناء
التاجر، قالوا لها: اخترنا ابنتك لتقديمها كأجمل هدية
لوالد العروس. بعد ظهور الهلال ستقلع المراكب إلى الحجاز،
تحمل الهدايا وجهاز الزفاف. وحين علمت البنت باختيارها
هدية لرجل عجوز، أسرَّت إلى أمها بأخبارها، ولقاءاتها مع
الجني الشاب. ذعرت الأم، وبعد لحظات من الذهول. لطمت
خديها، ولولت متسائلة عن صدق الرواية، رنَّ صوتها حزينا:
هل يمكنني أن أراه؟ ومضت أيام وهي لا تريد التصديق. وفي
ليلة ماطرة، تواصل حوار شائك، ولما ارتفع آذان الفجر،
توسلت إلى أمها كي تسمح لها بالرحيل، فهمس الصوت الحنون:
ـ وحدك، ترحلين إلى المجهول!!
ـ انه معي. سأعيش معه حرة، كريمة
ـ ومن هو؟
- انه طيب، وأهله يكرمون الضيف
ـ ولن أراك ثانية!؟
ـ من يدري
مضت لحظات عصية. فقالت البنت:
ـ وإذا حملتني المراكب إلى شيخ الصحراء، فهل سنلتقي مرة
ثانية؟
ـ لست أدري.
ظلت
الأم وسط دوامة الحيرة والأرق، تقلـِّب
خياراتها، بحثاً عن خلاص. تردد سراً، همهمةً وجهرا:
"العبودية
أم المجهول".
وعندما ظهر الهلال في سماء المدينة،
تسللت الأم وابنتها من الدار، خلسةً. وسط الأزقة، سارت
الخطوات المرتابة على أسنة الفزع، والصمت. عند الساحل
توقفتا. رفَّ الوجدان ثم تعانقتا. انفلت نشيج محموم. وسالت
دموع حارقة. وحيدةٌ واصلت الابنة سيرها؛ يسترها الظلام
وعلام الغيوب. وانتصبت شرايينها صوب السماء؛ توسلا،
وتضرعًا، ودموع. غازلتها نسمات الرجاء، ترنو للهجوع، على
أريكة من سندس الحبور. عند ظل وغدير، وكأنما داعبتها نسمات
السرور. الجني أمامها، وحولهما رفرفت سبع جنيات. قال لها:
"ستحملك
الفتيات إلى عيون موسى؛ وسأمضي لانتظارك في قصر الأحلام".
اختفى، وتركها زائغة البصر. كسيحة الخيال، وحولها الفتيات
يتمايلن مترنمات:
أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم
كخيام قيدار. كشقق سليمان
ها أنت جميلة يا حبيبتي. عيناك حمامتان
ها أنت جميل يا حبيبي وحلو وسريرنا أخضر
كالسوسنة بين الشوك كذلك حبيبتي بين البنات
رفيف الأجنحة ينضح عطراً. طرن بها. سابحات في الهواء إلى
صحراء التيه. هبطن على الرمال عند السفح، حيث ينبثق الماء
من الجبل. قلن لها:
"سنغسلك
من أدران الماضي، ونمضي بك إلى قصر الأحلام، ناصعة الخاطر
والوجدان". الأنامل اللطيفة دلكت جسدها بالماء المنساب من
عيون الصخر. الترانيم توشوش صدرها. وبينما هي على قوس
الرجاء؛ في خضم ارتعاش التوقع، انداحت رؤاها إلى سواحل
المدينة:
قبس تلظى عند الأفق، ثم تناثر على حافة العتمة. شعلة خفقت
والليل ساج، رفرف اللهيب يخضب الآفاق. آلاف المشاعل على
السواعد. إنهم قادمون، فوق الموج. قادمون. تحت أستار
الظلام يشتعل الضياء، وشوق دفاق. الأقدام ساعية فوق
الرمال. انداح اللهيب المتصاعد أنصاف دوائر. قبس ينبض في
الأحداق. وجوه سوداء. أسنان بيضاء، عيون لامعة كسؤال صريع.
المشاعل ترتفع عالياً، الأقدام تجوب الأمواج إلى الساحل،
المزدحم بالعناق. قبس خفاق. والمدينة أطلال، حجارة فتات.
وحول الركام تنعق الغربان. تهـوِّم القطط، الحكايات
والمحن. توهج حولها الساحل: مراكب شراعية مكدسة، العيون
لامعة، الخرز على الرقاب. كتل من الأرواح البشرية ترسف في
الشقاء.
اختلجت جوانحها تحت وطأة المشهد المهيب. وعلى شفير
الانهيار. تناهى إليها ترتيل الجنيات، أعادها العطر من
التوهان. رفرفت الجنيات وطرن بها.
أمام القصر تفرقن من حولها، ثم اختفين. وحيدة أمام باب
عتيق من الصندل، حيطان من الرخام المصقول، صمت. وتوقع.
وسمعت صوتا نقياً، شجيا. نبرات صادحة، لسان عربي مبين: "قل
أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا
عجبا
● يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن
نشرك بربنا أحدا". أنسرب ضوء شفيف من تحت قدميها. انفرج
الباب قليلا. مشت خطوة، صدتها العتمة، صوت غامض يدعوها
للتقدم. نداء ينبجس من بين طيات النفس المتوجسة. مشت
خطوات. ترددت؛ حائرة الفؤاد. مشت خطوة أخرى، ثم سكنت قليلا
تستجمع أنفاسها. انبعث العطر والموسيقى. راودتها أطياف
الأمان؛ اتسق إيقاعها وخواطرها.. سمعت صوتاً خافتاً، اشتعل
ما حولها ضياءاً. ذاهلة تلفتت حولها: المناضد والكؤوس،
المقاعد والأرائك. ولا أحد. سيمفونية الضوء تنساب مدوزنة
مع الموسيقى والعطر والدخان. أقواس قزح. نسق باهر فريد،
نسق بسيط. رنَّ بصدرها هاتف، فقالت:
ـ السلام عليكم
ـ وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته
صوت ناعم رحب بها ودعاها للجلوس، قرب نافورة ذهبية يترقرق
ماؤها، جلست على أريكة جوار الزعيم، وحولها أطياف الفتيات
اللائي حملنها إلى هنا. وضع أمامها اللبن والعسل. الأجساد
حولها تتموج مع الموسيقى الحالمة، والضوء الشفيف. تطلعت
حولها وخيالها ما انفك يطارد فتاها. قرأ الزعيم أفكارها
وقال بصوت ودود:
ـ إنه قريب وأكثر شوقاً لرؤيتك. سنزفك إليه مع شروق الشمس.
لقد انتظرناك جميعاً، ودعونا الله أن ينجيك من مسالك
الشقاء. كلمة الله لا تنفد. فافعلي خيراً بكل العزم
والحيوية. كلمة الله هي عروة الخلاص.
ظل يحدثها كزورق طليق، حيث الدلالة مفصل الرنين. تداعى
بصره إليها، فأدرك تفاصيل حياتها منضدة فوق عينيها
اللامعتين، وأسراب دموع البراءة ترفُّ في غور الأحداق. صمت
كأنه أشفق عليها من كلماته. كانت الأجساد تتموج في نسق
فريد: رجال في سمت الرزانة، والوقار. نساء على قوس
الإخصاب. غلمان في بهاء صاعق، وصبايا يانعات. وهي في
انتظار فتاها، فارس الأمل الوحيد. وترقرق النشيد:
ـ لا أحد
لا بحر
لا حضور
لا جسد
أحد.. أحد
حيُّ قيوم، صمد
اعترتها نشوة عابرة، ثم انسربت إلى أغوارها؛ لإدراك نبض
ما. هسهسـة أو حضور. حاولت التوغل في سراديب النفس.. حيث
مكمن السؤال والرجاء.. وسط حيرتها، نهض الزعيم للوداع
قائلاً:
- هيا شاركي الجميع. فكلهم تأنقوا وتعطروا لاستقبالك.
ستساعدك أنفاسهم على الاتساق
نظرت إليه تستجلي الموقف. ابتسم وقال:
ـ نحن أهل الموج والأسحار
في خضم الاحتمال، تتواتر المعاني بدماغها. كأنها غسلت في
نبع المعرفة واليقين. وعندما تسلل الفجر من بين ظلمات
السحر. تململت تحت جلدها نبضات الخوف، والسؤال: شهدت مدينة
الجمال والعطور، الميناء المتحرك بالمراكب، بالدراهم
وعذابات الإنسان. درة البحر المالح تخبو. يصفعها الخراب،
ثم تضرب في تيه الهمود، وكأنها مصلوبة فوق الخطى المحايدة
على صراط الأمل. تعرَّت من رماد الوقت، غشيتها السكينة.
وسمعت: شهقات الرعب، يوم اقتادوا أمهاتها سبايا، ينبض
بصدرها وقع حوافر الخيول.
الخرطوم، فبراير 2005
|