header
قصة، شعر، كتابات نثرية، مسرح
Nouvelle, Poésie, Œuvres en prose, Théâtre
Fiction, Poetry, Prose writings, Drama
 
Théâtre Drama مسرح Œuvres en prose Prose writings كتابات نثرية Nouvelles Fiction قصة Poésie poetry شعر
  Nouvelles Fiction قصة
 

 

أزقـــــــــة

(4) زقــــاق مستقيــــم
 

 عبد المنعم الجزولي
 

  

إلى الدكتورة نجاة محمود والدكتور إبراهيم محمد زين

 

 

لم أقع على أية تفاصيل مثمرة في كل الروايا التي رُويت، وكل الحكايات التي حُكيت، عن حياة علوية باشرى، أو علوية النجيضة كما ينادونها. ولها من الألقاب أيضاً علوية  الشاويش لصرامتها، وعلوية نسيج النقادة لدقة تقاطيعها وجمال هيئتها. أما ألقابها السرية فلا حصر لها، إلا أن أشهرها علوية الضكرية.

 

لا أكاد أعرف شيئاً عن حياتها قبل زواجها الأول، سوى بضعة أقاويل متفرقات، التقطتها من هنا أو هناك. كانت قد ذهبت إلى مدرسة بالواو الأولية للبنات وكانت ـ كما قيل ـ  لها صولات وجولات في شجاراتها مع أولاد مدرسة بالواو الأولية للبنين، طبعاً بعد أن فرغت من كل الشجارات الممكنة مع تلميذات ومعلمات وخفراء وفراشات مدرسة البنات. 

 

وقد سمعت حكايات أسطورية عنها في شبابها حين أمسكت بلص كان قد تسور الحائط الطيني في بيت سيد أحمد الشايقي أو كما ينادونه سيد أحمد الأعور، صاحب الكنتين، فصرخت  زوجة الأعور عندما رأت اللص يخرج عليها فجأة من خلف جوالات الفحم المردومة في الحوش الوراني.

 

إن هي إلا صرخة واحدة جمدت اللص في مكانه لحظات من أثر المفاجأة. لحظات فقط، كانت كافية لأن تصحو النجيضة من نومها مع انطلاقة الصرخة، ثم تقفز ثلاثة حوائط  متتالية تفصل بين بيتهم وبيت الأعور. وتجثم ـ كما القدر ـ على صدر اللص الذي راح يعافر محاولا فقط استنشاق بعض الهواء النقي.

 

قيل أنها ضرطت في أنفه مباشرة فأغمى عليه! والثابت أن البوليس حين جاء كان اللص في غيبوبة كاملة أفاق منها بعد عدة ساعات ليجد نفسه داخل زنزانة رطبة في مركز بوليس المدينة. ربما كان هذا واحداً من أهم الأسباب التي جعلت من الزقاق مكاناً آمنا من غشوات اللصوص. فلا يكاد يذكر أحد أن لصاً قد سرق بيتاً فيه. السرقة الوحيدة التي يتذكرونها كانت حين اختفت كراسي الجمعية التعاونية والتي اتهم فيها عبد الله ولد البيه. كان هذا منذ زمان لا يتذكره أحد بالضبط، قبل أن يتحول مبنى الجمعية إلى مسكن لمفتش الزراعة.

 

كان عندها شقيق واحد اشتغل في الجيش ومات في الجنوب. وأربع شقيقات تزوجن وتفرقن في أركان البلاد. وقد تزوجت على صغر من عبد الدايم جقود، وسكنت معه في الزقاق، وأنجبت منه زاكي الدين وموسى، ويقال له الأحمر لسرعة غضبه وقلة صبره، وبلال الملقب ب العجيل، لسمنته وقصر قامته. ولما توفي عنها جقود، تزوجها صديقه الحميم باب الله الدونقلاوي. قال ليتولى تربية أبناء صديق عمره، وقد فعل وأحسن الفعل في تنشئتهم تنشئة تتحدث بها المدينة إلى يوم الناس هذا. فصار زاكى الدين، أكبرهم، من أشهر أصحاب التجارة بين الحدود مع يوغندا وكينيا وأفريقيا الوسطى. كان ينقل كل شيء، الملح، وزيت السمسم، والحلويات، والدقيق، والصابون. وكان ينقل الدراجات، والأقمشة، والسكسك، والتمباك. ورحل عن الزقاق حيث ابتنى له قصراً في ضاحية الامتداد، حتى قبض عليه البوليس وفي مخازنه عشرة أطنان من البنقو، وحكم عليه بالسجن المؤبد الذي قضى فيه خمس سنوات ثم توفي في ظروف غامضة.

 

أما موسى الأحمر، فقد قتل بطعنة سكين في مشاجرة داخل بار الدرايسة ولم يُعرف قاتله حيث تفرق دمه بين قبائل السكارى.

 

الوحيد الذي خرج من تلك التشوهات، هو العجيل والذي استقام أول حياته فصار درويشاً ملازماً لفروة الخليفة عطا ولد الصادق خليفة الشيخ الدبيك في ضاحية الفنجرة ريفي العبابير شرق، ثم تزوج من ابنة الخليفة وعاش معها سنة كاملة قبل أن تضبطه ووالدها يلوطه، فأصرت على الطلاق، وارتحلت إلى حيث لا يعلم بها إلا الله. وعاد العجيل الى الزقاق وقد سبقته شهرته التي نشرتها الصحف، وعاش به فترة، ثم رحل إلى الجزيرة يقال. وأخيراً، سافر إلى السعودية ولم يعد قط.

 

ولما مات ولد جقود، قطعت جزءً من البيت وبنت فيه الطاحونة والتي كانت تشتغل فيها بنفسها. كانت قوية البنية وحادة المزاج. وقد قيل أنها في أكتوبر كانت تقلب كومر البوليس وحدها.

 

في أقوالها أمامي، أفادت النجيضة بأن الدونقلاوى كان يغيب عن المنزل فترات طويلة قد تصل إلى عدة شهور ثم ينتصب فجأة في وسط المنزل متنحنحاً ليعلن عن قدومه. لا تدري بالضبط أين يذهب ولا ماذا تفعل. قال لها مرة أنه يتاجر في الحبوب الزيتية. وهى بطبعها، كما قالت، لا تحب أن تطارد رجلا يهملها. ثم قالت والسخرية تطل من بين ثنايا كلماتها أن الدونقلاوى كان حضوره مثل غيابه ... سيان!

 

لم تكن لتعرف له أعداء. كما ولم تكن تعرف له أصدقاء سوى ولد جقود زوجها الأول. كان يأتي لزيارتهم يومياً ويجلسان تحت النيمة الكبيرة. كانا يلعبان الطاولة ويشربان الشاي ويهمسان دون أن تعرف ماذا يقولان. وعندما رحل زوجها، واظب الدونقلاوي على الحضور في نفس الموعد، وكان يجلس تحت نفس النيمة، وحده، ويشرب الشاي وحده. إلا انه لم يكن يلعب الطاولة وحده. كما وأنه لم يكن يهمس وحده. ومنذ أن تزوجها لم تر أي مخلوق يأتي ويطرق الباب ليسأل عنه.

 

ضحكت بفجور حين سألتها إن كانت تعلم بأن له علاقات أخرى خارج الزوجية. قالت أنها لم تكن تعلم أن له شيء داخل الزوجية أصلاً!

 

حدثني الدكتور علم الهدى بادي، حديثاً قيماً عن تاريخ الزقاق، منذ أن قدم إليه الشيخ عبد المرفوع بالواو المنحدر من أسرة بالواو الشهيرة في تونس الخضراء، وانشأ أول الأمر مدرسة بالواو الأولية للأولاد ثم أعقبها بمدرسة البنات. والتي تقوم مكانها الآن مكاتب مصلحة المساحة.

 

وكانت مدرسة الأولاد في الواقع هي أول ما أنشئ في هذا الزقاق، حتى قبل أن يكون هنالك زقاق أصلاً. وقد سكن السيد عبد المرفوع أول الأمر في جانب من المدرسة والتي بدأت كغرفة وحيدة ابتناها بنفسه من الطين اللبن والقش، يقيم فيها الدرس نهاراً ويسكن إليها ليلاً. ثم بنى المرحاض بمساعدة رجل من البرنو اسمه  بامَى  صار فيما بعد خفيراً للمدرسة بعد توسع بنايتها وضمها للفسحة المجاورة من ناحية الجنوب، ثم أضيف إليها السور الخارجي فيما بعد. ثم تتالت البنايات وتطاولت من جهتي الشمال والجنوب أولاً، ثم تلاصقت معها بنايات أخرى من جهة الشرق. وبنايات أخرى أقيمت في الصف الموازي لها من جهة الغرب، لتصير المساحة بينهما شارعاً وحيداً مستقيماً ينتصب من الشمال حيث يلاصق دكاكين العرب، والتي صارت فيما بعد سوق المدينة الرئيسي، ويمتد جنوباً حتى ميدان الجامع، حيث يلعب الأولاد الكرة عصراً، ويؤمه أصحاب الكيف ليلاً للتمتع بدخان سجائرهم التي يلفونها مخلوطة بالبنقو، أو بسوائلهم التي يشترونها من الأنادي الجاثمة على مبعدة من الزقاق، في المنطقة التي تعرف الآن ب ديم القزاز.

 

أول أطراف الخيط، تدلى أمامي وأنا أمسك بصحيفتي أقلبها عند المغرب، جالساً في قهوة صافي النية القائمة عند طرف الزقاق الجنوبي ليس بعيداً عن الجامع، وحولي فئات مختلفات من البشر بسحنات تتباين وتتطابق من شايقية وجعليين، هم أصحاب وسائقي اللواري الرابضة في الميدان، إلى فور ونوبة من عمال مصنع الثلج المجاور للديم، إلى خليط من الحلب والعرب الصنايعية، الذين يبرعون في صناعة الأسِرَّة الحديدية والكوانين وبعض منتجات الصفيح من أواني منزلية وغيرها.

 

كانوا يتسامرون، كعادتهم، عندما طرق أذني اسم النجيضة، وأحد الحلب يصفها باللبوة. انتبهت، دون أن ارفع عيني من الصحيفة. وواصل الرجل بأنها تكثر من زياراتها لبيت أبو نيران الفلاتى. وانه يستغرب أن تقيم امرأة في حسنها علاقة مع هذا القزم القميء! 

ـ عنده ماذا من بضاعات الرجولة!؟ والله لو رضيت بي لأريتها شيئاً لم تذقه من قبل. وعاتبه حلبى آخر:

ـ  أنت دائماً تكثر الكلام عن آلتك. والله أظنك ما عندك شيء.

وضحكوا عليه حيناً ثم جاءني صوت رحمة الحلبي:

ـ أنت تظن أنها على علاقة بالفلاتي؟ والله أنت لا تعرف شيئاً. قل يا ساتر.

 

وصمتوا حيناً، فواصل الرجل:

ـ علاقتها مع مريومة زوجته!

وخيم صمت كثيف عقب افتضاح السر الذي دلقه الحلبي غير مكثرث كثيراً. حتى أنا رفعت رأسي من الصحيفة ورمقته بنظرة سريعة، يبدو أنه لاحظها، فآثر الصمت، خاصةً وهم لم يكونوا  يعرفونني بعد.

 

في اليوم التالي أرسلت ولد البنقالي أمباشي المركز، لاستدعاء الرجل. ولما سألته عما يعرف، أنكر في بادئ الأمر، ثم لما أخبرته بخطورة إخفاء معلومات تتعلق بقضية قتل، صمت قليلاً، ثم قال بأن كل ما يعرفه هو أنه دخل حوش الفلاتي بغرض تصليح ماسورة الحمام في الحوش الورانى، وبدعوة من الفلاتى نفسه، وأن الرجل تركه يعمل وذهب إلى بعض شؤونه. وانه احتاج لبعض أدواته فذهب يطلبها، وعندما عاد شاهد علوية الضكرية تدخل البيت. قال بأنه لم يعر الأمر انتباهة، وانه واصل عمله. ويبدو أن أهل البيت لم ينتبهوا لوجوده خاصة وأن غيابه في طلب الأدوات قد أخذ وقتاً طويلاً. ثم أنه شاهد مريومة تقوم بإغلاق الباب الخارجي بالضبة! واستغرب الأمر، لكنه واصل عمله. وعند انتهاء العمل، أراد أن يفتح المحبس الرئيسي من عند حنفية المطبخ، وكان عليه أن يمر بالفراندا، حين سمع أصوات نسائية تهمس في إيقاع يعرفه جيداً! فاسترق النظر ورآهما معاً، شبه عاريتين فوق السرير.

 

قال بأنه انتظر فترة يراقبهما، ثم انتبه لنفسه فعاد إلى الحوش الورانى وأحدث بعض الجلبة، جاءت على أثرها زوجة صاحب البيت تستطلع الأمر، واندهشت لوجوده حيث قالت بأنها لم تكن تظن انه لا يزال موجوداً. ثم أخبرها بأنه يريد أن يفتح المحبس، فذهبت معه إلى المطبخ، وبعدها عاد ليتم عمله، ثم انصرف إلى حال سبيله. وعاد مساءً ليتسلم بقية حسابه من الفلاتى.

 

سألته عن معلوماته فيما يتعلق بقتل الدونقلاوى، فقال أنه لا يعرف شيئاً عن الموضوع وان كل معلوماته مما يتناقله الناس في المقهى.

 

عقب خروجه مباشرة، أرسلت في استدعاء أبو نيران الفلاتي، والذي جاء مستغرباً الأمر، فهو كما قال لم يدخل قسم الشرطة من قبل، لا شاكياً ولا مشكواً. وكانت دهشته تبدو صادقة. سألته عن واقعة القتل وعن علاقته بالقتيل وزوجته، فقال أنه لم تكن لديه علاقة بالرجل لا من بعيد ولا من قريب، وأن زوجته كانت ولا تزال صديقة للنجيضة، وأن الأخيرة هي التي تولت أمر تجهيزها للزواج! وأنها لا تزال تزورهم بين الحين والحين لمساعدة مريومة في التخلص من الشعر الزائد في جسمها، أو بغرض تزويقها كما تفعل النسوة عادة.

 

كنت في حيرة من أمري تجاه استدعاء مريومة. فالأمر لا يخلو من خطورة اجتماعية. كما وان معلوماتي عن الأمر الذي بينها وبين النجيضة لا تخرج عن كونها مستقاة من أقوال الحلبي، وأن الأخذ بها على اعتبار أنها حقيقة، قد يدخلني وإياهم في مشاكل لا حصر لها، كما وأن الموضوع برمته يبتعد قليلاً عن مجال القضية التي أعمل فيها، فآثرت الانتظار قليلاً للتأكد من معلوماتي من ناحية، ولاستيفاء بعض شروط التحري، من الناحية الثانية. وإن كنت في واقع الأمر قد بيت النية على تجاهل الموضوع برمته ما لم يستجد ما يفيد بعلاقته بموضوع الجريمة. خاصة وكنت قد استبعدت مبدئياً علاقة النجيضة بالأمر كله. حيث ثبت من كافة أقوال الشهود أنها باتت ليلة اكتشاف الجريمة في بيت ظار، في الحلة الفوق، وهو بيت حاجة قيمة، بل وأنها وخلال أربعة أيام قبل ذلك اليوم، لم يشاهدها أحد تغادر بيت الزار وحدها إلا لماما، وأن أغلب خروجاتها كانت بصحبة الدكتور ياسين زين العابدين، خبير تفكيك الآثار المشهور، وابن الحاجة قيمة الأكبر، وفي عربته التي سخرها لمشاوير السوق الكبير وتدبر توفير احتياجات حفلات الزار المتتابعة والتي قدر لها أن تكون سبعة أيام لولا حادث مقتل الدونقلاوى، في بيته وداخل غرفة نومه، حيث انتهت جميع الحفلات بعد ظهر الأربعاء، اليوم الخامس للزار. أي لحظة حضور البوليس إلى البيت لأخذ علوية الجاويش بغرض التعرف على الجثة، والتي يبدو أنها بقيت هنالك عدة أيام، ساعدت مع حرارة شهر مايو في تحليلها، حتى ارتاب الجيران في الأمر بعد أن انبعثت الروائح الكريهة من البيت.

 

في أقواله أمامي، قال حامد ضرار الخاساوى، الذي يمتهن الطباخة في بيوت المناسبات، أن النجيضة قضت ليلة الخميس، ونهار وليلة الجمعة في بيت عطانا بنت الباهى. وقال بأنها كانت كثيراً ما تقضى بضعة أيام مع عطانا في بيتها المطل على زريبة المواشي من ناحية الديم. وقد سألته عن عطانا وعلاقتها بالنجيضة على ضوء شكوكي في سلوك الأخيرة الجنسي، فأخبرني بأن عطانا بعد أن تنصرت، ابتعد عنها كثير من أحبابها القديمين، ولم تبق منهم على صلتها سوى علوية نسيج النقادة، كما كان يناديها.

 

سألته عن عطانا، فقال، وفي كلامه شبهة خنوثة، أن عطانا تنصرت. وأن أمها خدمت عند ناس عبجى لثلاثين سنة. ثم خدمت هي عندهم بعد موت أمها، بل وقبل ذلك، وكان أجرها طعاماً وشراباً وفراشاً ليناً، يعبث فيه ناصف ابن عبجي الوحيد وسط ثلاث بنات. وكان يدس في يدها بعض النقود ويغدق عليها من ثياب تيريزا الجميلة، فسألته عن أيهما يعنى بالجميلة، فضحك في فجور واضح وقال: الثياب وتيريزا معاً، وكانت أقرب بنات عبجى إلى سن عطانا. وأنها حين حبلت من ناصف أخذها عبجى ونسيج النقادة إلى داية في قرية أم شلوخ شمال المدينة، حيث أسقطت جنينها. ثم اشترى لها ناصف بيتها هذا في الديم، والذي كان يزوره بانتظام، بل وواظب على زيارته حتى بعد أن تزوج من بنت الأصْوَلِّى وأنجب منها أولاده الثلاثة. وأكد لي بأن عطانا كانت تداوم على الذهاب إلى الكنيسة مع ناس عبجى كل يوم أحد، وفي نفس الوقت كانت تذهب إلى المسجد يوم الجمعة من كل أسبوع، وهى وإن لم تكن تصلى غير الجمعة، إلا أنها كانت تصوم رمضان كله وتتطوع بالصيام يوم سبعة وعشرين رجب، بل وكانت تذهب إلى الكنيسة وهى صائمة في نهارات رمضان.

 

سألته عن سر علاقة عطانا بالنجيضة، فضحك قليلاً، ثم استغفر الله من سيرة الناس وقال بأنه لا يعرف شيئاً. ولما ألححت عليه قليلا قال بأن كل ما يعرفه هو أن ثلاثتهن كن يحببن الإنفراد ببعضهن بغرض الونسة النسوانية! فسألته عن ثالثتهن هذه، فقال أنها بثينة زوجة الناظر. ولما رأى الدهشة تكبر في عيني، قال بأنه يقصد حمدتو الذي كان ناظراً لمدرسة بالواو للبنين فترة طويلة، وابتنى لنفسه بيتاً في الزقاق، ثم ترك المدرسة واشتغل بتجارة العيوش والتمور مع شريكه مجوك الذي قدم إلى الزقاق في زمان مضى وعمل خفيراً في مدرسة البنات ثم تحول فجأة إلى خفارة مدرسة الأولاد. وكان بجانب خفارته للمدرسة يقوم بتلبية حاجات بيت الناظر، ثم ضحك ضحكة صغيرة ماجنة وقال بأن من بينها احتياجات زوجة الناظر وبنت عمه الفارعة الجمال. ولما استزدته، قال بأنه كان يعرف أن الناظر عنين لا ينتصب! وأن مجوك كان يقوم مقامه في تلبية حاجات زوجته. وأنها لم تتطلق منه لأنه في النهاية ابن عمها ومن الضروري أن تتستر عليه. خاصة وأنها كانت راضية تماماً مع مجوك. ولم يكن لينقصها من الزواج شيء!

 

المشكلة كانت في معرفة تحركات المجني عليه. خاصة في الأيام التي سبقت وقوع الجريمة. فلم يكن لدي أية معلومات عن نوع الأشغال التي يمارسها. ولا الجهات التي يذهب إليها عندما يتغيب عن بيته الأسابيع الطوال. ولم أقع له على أصدقاء ولا على أعداء. الرجل كان كأن لم يكن موجوداً في هذه الدنيا! وما هي حقيقة علاقته بولد جقود، وفيم كانا يتهامسان طوال تلك السنين!؟ بل وأين كان يقيم قبل زواجه من النجيضة؟ وأين هم أهله؟ فحسب علمي، لم يأت أحد لحضور ليالي المأتم سوى أهل الزقاق المعروفين والجيران.

 

تقرير الطبيب الشرعي زاد الأمر صعوبة علىَّ. فالرجل طعن بسكين كبيرة أكثر من عشرين طعنة كلها في الصدر والبطن! ثم أن قضيبه قد اقتطع من مكانه وحشر في فمه! مما يعنى أن للأمر علاقة بالشرف والأخلاق! شرف من؟! وأخلاق من؟! في هذا الزقاق العجيب؟!

 

لم أعثر على أحد شاهد الدونقلاوى وهو يعود من غيبته. ولا يوجد شاهد واحد يفيد أنه رأى أي شخص يدخل أو يخرج من بيت النجيضة! حتى الطاحونة كانت مغلقة لعدة أيام بسبب غياب المرأة وانشغالها بأمر الزار. خاصة وأنه لم يكن هنالك من يعمل فيها سوى النجيضة نفسها، بعد أن طردت كل العمال الذين تتالوا في العمل معها. وكان ذلك أمراً عادياً في الزقاق حيث تظل الطاحونة مغلقة عندما تغيب صاحبتها في واحدة من جولاتها الغريبة والتي تستمر عدة أيام. ولم تكن تفتحها بانتظام إلا في موسم تجهيز الحُـلو مُـر قبل رمضان حيث تظل تعمل فيها إلى وقت متأخر من الليل.

 

ولم أجد متطوعاً واحداً لا في الزقاق ولا في غيره يمد لي يد المساعدة أو ينير طريقي ولو بضوء من شعلة ثقاب. الكل تمنع وادعى عدم المعرفة. والكل أنكر. والكل ابتعد بنفسه وأهله وماله، ولم يبق أمامي سوى إغلاق القضية.

 

ما أنا سوى متحري بوليس عادى. ولست روائياً أروى جريمة وأتعسف في حلها بطريقة الرواة السحرية. حيث يظهر في آخر الرواية من يقود إلى الفاعل! لا.. لم يظهر أحد. ولهذا فان وكيل النائب العام وافق على تسجيل القضية ضد مجهول!

 

أكتوبر 2007

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco