|
أزقـــــــــة
(2)
زقـاق
عبـث
عبد
المنعم الجزولي
هذه
حكاية عبث الدنيا الذي لا أول له ولا آخر.
عندما قتلت نعمات بنت أم عفنة كانت أمها في السجن. ولم
تسمع الخبر إلا ضحى اليوم الثالث للجريمة.
هي
نعمات بنت رقية السمحة. أو رقية أم عَجَنَة، بفتح العين
والجيم والميم أيضاً، كما كانوا ينادونها في ذلك الزمان
البعيد. كثيرون كانوا يظنون أن نعمات إنما جاءت إلى الدنيا
في بيت الناير. ولكن الثابت أن أمها وضعتها في السبعة بيوت
والناير لم يسكن السبع بيوت على الإطلاق بل، وكان دائما،
يرى أن سكان السبعة بيوت إنما هم ليسوا سوى حثالة البشر.
شأنهم شأن سكان أبو صليب و زقاق الحبش.
نعم.
كانت رقية تقيم أول ابتدائها في بيت الناير في العمارات.
عثر عليها طه السفيه في محطة السكة الحديد. لم تكن تعرف
إلى أين تذهب، أو أين تقضى ليلتها الأولى في تلك المدينة،
التي جاءتها هاربة من السافل بعد افتضاح أمرها مع ميرغني
ولد زين العابدين الخضرجى، فجاء بها إلى بيت الناير. وبقيت
هنالك عدة سنوات. ثم عندما اتهمتها بنت الصول بسرقة
غوائشها، انتقلت إلى بيت جمعة الرتينة في السبعة بيوت.
كان
الناس يأتونها خصيصاً، بل وفى ليلة الخميس كان البعض يأتي
من ود مدنى والحصاحيصا. وكان البعض يأتي من القضارف،
وآخرون من كوستي وسنار. بل أن بعضهم قد جاء من الفاشر. فان
كانت مع زبون بالداخل لا يأخذون غيرها كما هي العادة بل
كانوا ينتظرون في الحوش الخلفي حتى تفرغ لهم واحداً واحدا.
وقد قيل أن النذير أبو كساوي، تاجر الجمال المشهور في سوق
الأبيض، قد قضى ليلة الخميس كلها وبعضاً من نهار الجمعة
منتظراً في الحوش الخلفي. وقد قيل أيضاً أن الحاج عبد
الغفار أبو شلوخ الحتيربابى قصدها مباشرةً من المطار وهو
عائد من الحجاز بعد أداء فريضة الحج. وقد ظلت عربة التاكسي
تنتظر ليلة كاملة خارج بيت الناير وهى محملة بحقائب الحاج
وحاجياته حتى فرغ الرجل من وطره ومن ثم سافر إلى أهله في
قرية الحتيرباب جنوب المدينة.
عندما قتلت نعمات كانت صفية بنت الصول هي أكثر النائحات
تأثراً لموتها، وحزناً عليها. رغماً أن نعمات هي بنت رقية
أم عفنة.
صفية
بنت الصول هي من سمتها أم عفنة بدلاً عن أم عَجنَة، غيرةً
وحسداً. فقد استولت رقية على كل زبائن بيت الناير والبيوت
المجاورة. وقد قيل أنها استولت على جيوب كافة تجار
المدينة. الناير لم تكن تسعه الدنيا من الفرحة بهذا الخير
العميم الذي جاءت به أم عَجَنَة.
كان
الناس يجيئون. يأتون بالطيبات جملة. لحمة الضأن وكبد
الإبل. وأنواع الفواكه الطازجة، والخمور من كافة الأصناف.
وكانوا يحملون لها الهدايا القيمات. الأقمشة، والملابس
المزركشة الفاخرة الواردة من الهند، والعطور المستجلبة من
فرنسا. والحلي من كل نوع وصنف. وفوق كل ذلك كانوا يبذلون
ما في جزالينهم راضين بالقليل الذي تجود به عليهم.
كانت
تتمنع، وتتغنج، وتتعجن عليهم فسموها أم عجنة. وأثار ذلك
حفيظة بنت الصول وهى ترى مجدها يزوى وزبائنها يتسللون من
فوق أحضانها زبوناً زبونا. وبضاعاتهم تتسلل هاربة من بين
مشفريها بضاعةً بضاعة. حتى غدت ساحة سوقها الكبير مثل صباح
العيد، خاوية مهجورة إلا من بعض هوامل الناس وحيواناتهم
الضالة. فراحت صفية تنسج لها المكائد، مكيدة تلو مكيدة.
ابتداءً، راحت تدعى عليها الأباطيل، وتتقول عليها
الأقاويل، ومن ضمن ما تقولته عنها أنها ـ أى رقية ـ حينما
أخطأت تقدير فحولة ولد سلمان الأطرش واستهانت بضآلة جسده
المهزول، ويده المقطوعة ورجله المعلولة، فأدخلته الى
غرفتها كأي زبونٍ عادي غير عابئة بتحذيرات أم حقين. وفي
ظلام تلك الغرفة، لم تكن لتتبين حجم آلة الرجل حتى ولجها.
فجحظت عيناها وانكتمت أنفاسها وكاد قلبها أن يتوقف عن
الخفقان. فضرطت ضرطةً كبيرة أعقبها سيل من الخراء اللزج.
قالت أن المرأة قد فقدت عجنتها واكتسبت مكانها عفنة أبدية.
وأطلقت عليها لقب أم عفنة. ورغما عن أنه لم يسمع هذه
الضرطة سوى صفية وحدها، ولم يشاهد الخراء سوى صفية وحدها،
إلا أن بعض الناس قد صدقوها لحاجة في نفس يعقوب.
ثم
فيما بعد كادت لها مكيدة، دبرتها بدهاء شمعيّ المخبر، حتى
أثبتت عليها فعل سرقة غوائشها. كانت فضيحة داوية اضطرت
بعدها رقية إلى الانتقال إلى بيت جمعة الرتينة في السبعة
بيوت.
عندما قتلت نعمات، ناح عليها الرتينة كما تنوح الحريم،
وجلس أمام باب المشرحة يهيل التراب على رأسه مع النسوة
الهايلات، ويصرخ مع النسوة الصارخات، ويلطم مع النسوة
اللاطمات، كأنه واحدة منهن بل أكثر.
جمعة
كان يلقب بالرتينة، لأنه كان يشع ضياءً وبهاءً وحسنا، بفعل
المساحيق وماجاورها من كحل وطيب. جاء إلى المدينة وهو طفل
لم يبلغ الحلم بعد. وعمل خادماً في بيت المستر زولفون مدير
المديرية آنذاك. وهناك تعلم شغل الشذوذ وماتبعه من أمور
حادثات. وكان قد تعلم شغل الطباخة على يد الدونقلاوى، طباخ
المستر زولفون، فأتقنه وأبدع فيه، حتى صار من أشهر، وأغلى
طباخي المدينة. ولم يكن ليقبل أن يطبخ إلا في مناسبات
البيوت الكبيرة. وعندما رحل الانجليز، منحه المستر زولفون
بضعة بيوت متفرقات، هنا وهناك، ومن بينها منطقة السبعة
بيوت بكاملها. وتسجلت في المجلس البلدي باسمه. وهى تبدأ من
عند طاحونة فرعون الإغريقي، على شارع الزعيم. وتمتد في
استقامة عجيبة، حتى تنحني إلى اليسار عند طرف المدرسة، ثم
تبدأ في الالتواء يمينا ويسارا حتى تنتهي عند المسجد.
عندما حزت السكين عنق نعمات، كان أحمد المبروك قد شرع للتو
في الاستفاقة من آثار خمرة الليلة الفائتة. كان ينام
كعادته أمام دكان التوم المكوجي. وكانت أول بوادر استفاقته
قد بدأت تحت تأثير ما عدّه جزءً من الكابوس الذي جثم على
ليلته، بدءً من مشاجرته مع آمنه حكومة بسبب أن العرقي لم
يكن جيداً، أو على الأقل لم يكن ليتساوى مع المبلغ الذي
دفعه فيه. فسبته وعيرته برجولته الناقصة وقضيبه الرخو
وجيبه الخاوي مثل حياته البائسة. وليس انتهاءً بذلك الحلم
العجيب والذي وجد نفسه فيه يجلس يتغوط تحت الجسر المتهالك
فوق الخور عندما اصطدمت به هرة عمياء وسألته عن أقصر السبل
إلى الجحيم. ففزع من نومته تلك لتقع عيناه أول ما وقعت على
سكين ضخم يجز عنقاً أنثوياً، على بعد خطوتين فقط من مرقده
ذاك، فلعن الخمر والخمارات، وخص باللعنة آمنة حكومة
والجودلية وآمنة الطويلة. واعتدل في مرقده بعد أن دس سفة
من الصعوط كورها بعناية تحت شفته السفلى. ثم انقلب على
جانبه الآخر والصرخات تملأ إذنيه وهو لا يزال يسب الخمر
وصانعها وبائعها وحاملها. ثم سكت عن لعن شاربها. وراح
يحاول النوم من جديد دون جدوى.
عندما ذبحت نعمات، كانت ليلى عثمان أول من سمع بالخبر داخل
السجن. أخبرتها أم عيسى الناير الجاويش المسؤولة عن قسم
النساء. كان ذلك عندما دخلت عليها أم عيسى بثيرموس الشاي
وصحن اللقيمات صباحاً، كما هي العادة. أم عيسى تهتم
اهتماماً خاصاً بليلى عثمان. فمنذ أن شرفت السجن بمقدمها
الجميل. تنافس عليها المتنافسون، رجالاً ونساء. وفازت بها
الجاويش أم عيسى، أو أم عيسى الضكرية كما كانوا يلقبونها
سراً. وليلى كانت محكومة بخمس سنوات في قضية تزوير
استمارات الأراضي الشهيرة. كانت هي المرأة الوحيدة بين
المتهمين، والذين تراوحت عقوباتهم بين عشر سنوات في
أعلاها، وستة أشهر في أدناها. ووفقاً لمعادلات الغابة
الصعبة، خاصة في القضايا الجنائية. فإنك أما آكل أو مأكول.
ليلى
آثرت الصمت ابتغاء السلامة. وصمتت أم عيسى تجنبا
للمسؤولية. ولم يهمس أحد بكلمة، ورغم أن غالبية النزيلات
كن قد علمن بالخبر قبل انتصاف نهار يوم الجريمة، إلا أن
رقية لم تسمع بالأمر إلا حين استدعاها المأمور ضحى يوم
السبت وأجلسها على الكرسي الكبير بجانب مكتبه وراح يقطر
لها الخبر في أذنها قطرةً قطرة. وكان السجن قد استحال إلى
كون فسيح من الصمت اللئيم المتآمر، في انتظار الصرخة
الأولى، والتي جاءت كعواء ذئب جرحته رصاصة للتو. لينطلق
بعدها عويل وصراخ مفجوع، من مئات المسجونات والحارسات وحتى
العاملات في مكاتب الإدارة قرب البوابة الرئيسية.
كان
الجميع يعرفون نعمات الذبيحة. كانت تأتى إلى السجن يوم
الأربعاء الأولى من كل شهر لتزور أمها. وكانت حلوة ولطيفة
وغاية في التهذيب كأنها لم تنشأ في السبعة بيوت. وكانت
دائما تحمل السكر والشاي والبن والسجائر والأدوية، بل
والملابس. وكانت أيضا تحمل السلام والتحية، وتنشر الضحكة
الصافية الرقراقة، على كل من يقابلها. كانت تعطى الجميع،
خاصةً اللاتي لم يكن يزورهن أحد. وكانت تقضى حوائج شتى،
ليس للمسجونات فحسب، بل وحتى للحراس والحارسات، بل وبعض
الضباط أيضا.
في
ذلك الصباح الخريفي الباكر، والذي كان لا يزال لم يبلغ
الحلم بعد، وقد تغطى ببعض مما تبقى من ظلام ليلة الأمس،
كانت نعمات قد عادت لتوها من عمل طارئ، كثير الصراخ
والأوجاع والدم فظلت مستيقظة طوال الليل، خاصة وان زبونتها
الجديدة كانت صغيرة السن والحجم ولم يمض على زواجها سوى
سبعة أشهر. لهذا كان وضعها لأول مولود لها أمرً في غاية
العسر.
عربة
الأجرة أنزلتها في أول الزقاق، بعد أن تغطى بمياه الأمطار،
إلا درباً ضيقاً لم يكن يسمح بمرور العربة. وكانت شبه
نائمة، تحلم بحمام دافئ، وكوب شاي ساخن، وسيجارة وسرير.
ولم تنتبه لتلك اليد التي امتدت بغتة، تجذب رأسها للخلف،
وسكينا كبيرا يشق الجلد، ويتخذ طريقه بقوة وسرعة ومهارة،
من الأغشية البرانية مروراً باللحم والحلقوم والعضلات،
ليلتحم بعظام الرقبة. وكانت قد ألقت نظرها المفزوع، ولآخر
مرة، على وجه جزارها، قبل أن تخر إلى الأرض، المغطاة بمياه
الأمطار، والأوساخ، وروث الأغنام. والكلاب، ترفس بيديها
ورجليها، والدم يشخر من حلقومها، وقد جحظت عيناها، وتدلى
لسانها خارج فمها المفتوح، يتسول الهواء، والرجل يبتعد
مهرولاً، وحقيبتها بين يديه. وطرف جلبابه المتسخ بين
أسنانه.
|