header
قصة، شعر، كتابات نثرية، مسرح
Nouvelle, Poésie, Œuvres en prose, Théâtre
Fiction, Poetry, Prose writings, Drama
 
Théâtre Drama مسرح Œuvres en prose Prose writings كتابات نثرية Nouvelles Fiction قصة Poésie poetry شعر
  Nouvelles Fiction قصة
 

النيــــل الأزرق

 

عبد الغني كرم الله

 

صبيحة الغد، امتحان الجغرافيا...

 

أمرت أمي، أخواتي الصغار بالخروج من الغرفة، والغناء في حوش الدار، لعرس وهمي، وعلى طبل من جالون شل، والعروس سارة، والعريس هبة، بمقدور أخواتي أن تتزوج البنت بنتا، وتلد بعد دقائق من العرس فارساً، لا يشق له غبار...

 

غرفتي بعيدة عن سعال حبوبتي، وقريبة من أوضة أختي الكبرى (حديثة الولادة)، والتي اختزل وليدها كل اللغات في البكاء فقط، سوى كان جائعا، أم عطش، أو يريد الغطاء، أو حتى فرحاً وعلى أمومة أختي ترجمتها كما ينبغي، وبسرعة البرق، فهو لم يتعلم الصبر بعد، كأمي، وكالإله في السماء!

 

خرست الدار بأوامر أمي، أمي تحلم بدكتور بهي الطلعة، ولكن لم يخرس نباح الكلاب ونهيق الحمير، وطيف آمنة، وهو أخطرهم جميعاً، ونقاط الزير، والذي يثير كنه الوقت، بإيقاعه الموزون، مستغلاً عتمة الليل، وسكونه.

 

وضعت أمي فانوس الزيت وسط الغرفة، ألسنة اللهب تتراقص مع النسيم الواهن، والذي يدخل من النافذة، وكأنه يتكاسل من الذهاب لباب الحوش البعيد، مثلي، رغم جبروتها، وقدرتها على التهام حقل قمح كامل، كما فعلت في عامٍ تعيسٍ لمخزن خالي دفع الله، تستسلم للنسيم رغم حرارتها القبيحة، ومع هذا لم ينفر منها النسيم، كما تنفر أناملي حين تحرقني على غرة، ويظل مهيمناً عليها، لا يريد أن يقتلها، يتلاعب بها كغزال ولبؤة، وهي راضية، ويظهر هذا في رقصها المستسلم، ومعهما يرقص ظلي على الحائط الطيني الخشن، تمتد أنفي حتى الركن، بل تنحني مع الركن، وكأنها تريد أن تشم أي تمرة مخفية، أو طحنية، ومع هذا لم أحس بألم، من تمطط أنفي على حائطنا الطنيني، ولم تفارقني أرنبة أنفي، ولكن فانوسنا الزيتي مهجساً بهذه الرسومات السريالية...

 

تتموج الظلال على صفحة كتاب الجغرافيا، كنت راقداً في السرير، هذه عادتي في القراءة، أمواج من ضوء تتموج على صفحة الكتاب، وبين السطور، نار ونور، كما يلد عصب الحيوانات الموسيقى، ضوء شاحب، يحاكي ضوء القمر، جعل غرفتي كمعابد الهنود، مناخ ديني عميق، خلقه نور الفانوس الزيتي، خوف لذيذ، أشبه بخوف الراهب من غرائزه النائمة والظلال التي تختبئ من لهب الفانوس، تتراقص الظلال، في لعبة الاختباء، بسرعة وذكاء، كي لا يراها اللهب، وللحق لم ير اللهب الظلال على الإطلاق، كما لم نر العدم في حياتنا، رغم جري خيالي خلفه طوال الليالي، كل الأشياء تلعب لعبة الاختباء، في ظلالها على حائط الأوضة، وعلى أرضيتها الترابية، ظلال علبة السكر، وبرطمانية الدلكة، والراديو، وترسم أشكالاً غريبة، لم تحلم مخيلة بيكاسو العذبة. وعيون اللهب لم تر الظلال الذكية، الماكرة، حتى الآن!

 

الصفحة 63 من كتاب الجغرافيا، بلا غلاف، متآكل الأطراف، مزخرفة صفحاته ببقايا طعام، وزيت وطحنية، وشعيرية جافة، علقت كالدودة، الصفحة الأخرى مطوية، وممسك الكتاب بيدي اليسرى، واليمنى تحت رأسي، يبدأ الكتاب من الصفحة (17)، وينتهي في الصفحة (113)، الصفحة 17 تتخذ شكل المثلث، كل سطورها ناقصة، ماعدا الأخير، أما الأول فيبدأ بحرف واحد، (ك)، والسطر قبل الأخير ينقصه حرف واحد، أطراف الكتاب منفوشة، حين أضعه على المخدة يبدو كهرم مقلوب، ولكني دائما ما أضعه تحت المخدة، خوف أن تلتهم معزتنا الجائعة، القلوب والأسهم التي تخترقها، تملأ اغلب صفحاته، وأسماء ثلث فتيات الحلة مدونة عليه، لست أنا المجرم، وإن أضفت اسم "آمنة"، في وسط القلب، والسهم يخترقه، وثلاث دمعات حارة، ورب الكعبة، خفت أن تثقب صفحات الكتاب كلها، ولكني خير خلف لخير سلف، بل هناك أسماء فتيات مكتوبة بصورة طفولية، وفيهن من تزوجن، وأنجبن، وتطلقن.

 

(خريطة نهر النيل، المنبع إلى المصب)، نهر النيل، قريتي تنام وتصحو وتلعب وتبكي وتفرح على ضفافه، يبدو كخيط رهيف، يتعرج من أسفل الصحفة حتى أعلاها، حسب حبه للوهاد، وخوفه من الجبال والتلال، ليس بمقدوره أن يتسلق الجبال كالقرود، ولا أن يطير كالصقور، ولكنه يحبو مثل سعد ابن أختي الصغير، المزعج، والمدن الكبيرة تبدو عبارة عن نقاط سوداء (جوبا، ملكال، كوستي، الخرطوم، عطبرة، دنقلا، مدني...)، لا أثر لقريتي، أحسست باضطهاد ما، وبغرور يحتضر، وبخوف من السماء، أهي أيضاً.

 

حين خرج النيل من يوغندا، هل كان يعرف جهته، قاصدا أهله مثلاً؟، أما كان يتسكع كمتشرد، جاعلاً من المشي وسيلة وغاية، كالشعراء، هل كان يعلم؟ أو يحس بحدسه المرهف، بأنه سوف يلتقي بشقيقه النيل الأزرق في مقرن الخرطوم، أم كانت مفاجأة سعيدة، جعلتهما يلتحمان في حضن سرمدي، يجري يسارا، ثم يعود، يمنا ثم يعود، يبحث عن شيء نفيس ضائع، ذهب أم قبر، ولي أم شجرة سماوية، كي يقيل فيها، ويروي جذورها السعيدة، هل كان يدرك بأن الخرطوم ومروي ستشيد على ضفافه، وحقل خالي دفع الله يروى منه، وعباس ابن خالي، سوف يغرق فيه، وإدريس يتوضأ منه، نعمة ونقمة، حين يثور، يبدو كثور، لم يقتل، كملاك الموت، عاقلا، بل مبشراً بالجنة، بل يعيش فيها، من الذي قتل عباس، النهر أم ملاك الموت، أم هما شيئاً واحد، هل خرج ملاك الموت، الساكن في الجنة إلى الأرض كي يغرق عباس، وجاء للأرض، فارق جنته، أم الجنة بداخله، تبدو لي، أن الجنة بداخله، لأنه خالد فيها أبدا، نعم ملاك الموت عاقل، وحكيم، ورحيم، ولهذا يسكن الجنة...حتى تلك التي بداخله، إنه رحيم، رغم تلوثه بالدماء، وإلا لما سكن الجنة، خالداً فيها أبدا.

 

*****

 

النيل يخرجني عن مذاكرتي، ويجعلني أحب الشعر، أكثر من كل الأشياء، أمي حريصة علي، وأنا حريص على غريزتي، أود أن أطير، وأحلق، وأدخل المقابر، وأتكلم مع العصافير، وأنام مع جذور الأشجار، وأمي تريدني مجرد دكتور، محاط بمرضى، ويملأ أذنيّ العطاس والأنين والسعال.

 

صوت الجالون، بل الطبل، يخرجني من عالمي الداخلي، كعادته كل مساء، يعلو صوت الجالون، الطبل الحديدي، فقد خرج الفارس، من خيال أخواتي، كي يلعب معهن، ولهذا خلقنه، الخيال مغرض، يتصارعن في الزواج به، سارة وهبة ورشا، يخرج صوت الفارس من فم رشا:

 

أريد الزواج من سارة!

 

تغضب هبة، وتضرب وجه الفارس، وجه رشا، فيبدأ العراك والصراخ، حقيقة لا مجاز، فتصرخ أمي، من وراء الحجرات:

 

اسكتوا يا بنات، مدثر بذاكر!

 

ويبدأ العرس الوهمي مرة أخرى، ويعلو صوت الجالون الحديدي، وهذه المرة الغناء من أجل الغناء، أنهن أعضاء بارزات في مدرسة "الفن للفن".

 

تصرخ أمي، وتعصى أخواتي، بل لا يسمعن صراخها مع ضجة وهرج العرس اليومي، وللحق، لا أحد يخاف من أمي، وخاصة أخواتي، وأنا.

 

اسكتو يا بنات...

 

أمي لا تعرف، أن طيف آمنة بداخلي، أعلى وأغلى وأحلى، من أصوات أخواتي، العاريات، الجائعات أغلب الأوقات، النائحات، في فرحهن، حياة متمسكة بقشة القوت، كي لا تنقرض كالديناصورات، كثقافة شفوية عظمى، ابتلعها فم الزمن، ذلك الماحي العظيم...

 

فجأة، يخرس المكان، تنتهي اليقظة ويبدأ النوم عند أخواتي، بلا نزاع، كحائط كبير، أبيض وأسود، وخط مستقيم يفصل بينها، بين اليقظة والنوم، وكأن اليقظة أخذت حقها كاملاً، وآن للجسد أن ينام، كما يطفأ النور، هكذا تتلاشى اليقظة، كالنور، ويعم ظلام النوم، بل ضياء النوم، فتغرق أخواتي في نوم هنيء، في فسحة الحوش، على أديم الأرض، وظل الجالون واقفا، بعد أن فقد روحه، كان طبلاً، يوزع وينفخ الموسيقى في جسد الدار الفاترة، تصل إيقاعاته إلى الفئران والدجاج والماعز، فتحس بأنس، ويقشعر جلدها له.

 

لم يعد سوى جالون، مطفق، متهرئ، بردت أطرافه، من فراق أيدي أخواتي الغضة، والتي تنفخ فيه الروح كالمسيح، بل أنضر، وأخضر.

 

بيوتنا، نبتت كالنيم من الأرض!

 

النهر يجري من أسفل الصفحة إلى أعلاها، حفر مجرى طويل، بلا طورية أو كوريك، كم قوية رقة الماء، ألم تقتل رقة عبلة عضلات عنتر، لا أثر للتراب على ضفافه، هل ألتهم التراب؟ أم جرى به في بطنه، كحامل، وألقى به في البحر القصي، هل زحف نحو الخرطوم كي يطوقها، الخرطوم لم تكن، حين كان، (أين كانت)، اقشعر جلدي، حين محا الخرطوم وقريتي من الذاكرة، وتخيل مكانها غابات كثيفة، وكان النيل يجري لوحده بينها، يا له من زمن، يمحو ويثبت، منذ بدء الزمان، كالأرقام، لا نهاية له، ولا بداية، وبينهم يمد نهر الزمن قامته.

 

****

 

توقظنا الشمس، بعد أن أيقظ الديك أمي في عتمة الليل، إن كانت حقا قد نامت. وللحق، لم أر أمي نائمة، كنت أنام وهي صاحية، وأصحو وهي صاحية، بل كثيراً ما كنت أصحو، في منتصف الليل، كي أتبول، فاسمع صوتها "أولع ليك الفانوس"، فأرفض، لأني أعرف طريقي بضوء بالذاكرة، وخلال عتمة الليل، تبدأ وردية البول، فتصحو أختاي، رشا، ثم سارة، حتى صياح الديك، كنت أتمنى أن اسبق أمي في اليقظة، أصحو قبلها، ولكن هل "يسبق الغزال قرنيه"؟

 

****

 

تخرج أختي رشا من الدولاب، وأخرج أنا من تحت العنقريب، والنسيم المحمل برائحة الجرجير من النافذة، حين نسمع صوت أمي:

 

"الفطور جاهز"...

 

ويخرج صوت مونتي كارلو من باب البرندة، حيث خالي، خالفا كرعيه، وتهتز سبحته، كما أرها كل يوم، وأنا ألعب تحت العنقريب، ذو السقف المنسوج من الحبال المتداخلة كشبك جميل.


 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco