|
بعض حوار مع المؤلف والكاتب المسرحي
يوسف عايدابي
أجراه راشد مصطفى بخيت
الدكتور يوسف عايدابي بما أن تاريخ الحركة المسرحية في السودان لا
زال في معظمه، تاريخاً غير مكتوب، أو تاريخ تحتفظ به
ذاكرة رواد هذه الحركة، وأنت منهم، فلابد إذن أن
تفيدنا ببعض المعلومات عن الفترة التي عاصرتموها.
نحن
عاصرنا فترة الخمسينات والستينات وبعدها انقطعنا عن
السودان إلا قليلاً، وبالتالي رأينا بعض العروض
الباكرة التي كانت بالمدارس الابتدائية والإعدادية
والثانوية والجامعية، حتى في فترات مختلفة ومسرحيات
تاريخية تقليدية أنجزت في بخت الرضا والجامعات
والمدارس كما ذكرت، مثل حنتوب. وكانت دائرة في فلك
متنوع، بحيث كان جزءاً منها خاضعاً للمناهج، وجزء آخر
خاضع لتوجهات أساتذة اللغة العربية والتربية وخلافه،
مثل مسرحية "العباسة" و"سعاد"، ومسرحيات عامية تستلهم
التراث، بالإضافة إلي أُخري شعرية لمؤلفين مصريين،
وأخرى إسلامية بالشكل التقليدي كانت موجودة في الجزيرة
ورفاعة. وكانت لدينا صلات قوية بحنتوب والمدارس الوسطى
في منطقة الجزيرة ورفاعة، وقد كانت الحركة المسرحية
كبيرة في تلك الفترات، بحيث أن رفاعة مدينة لها تعليم
عالي وبها كثير من الأسماء اللامعة في هذا المجال،
وبها كثير من الطلاب الذين يأتون من حنتوب إلى رفاعة
وكانوا يؤدون المسرحيات بشكل جيد وتواصل هذا حتى
الستينيات والسبعينيات. وبعد التعرف على بعض المبدعين
في حنتوب وعطبرة الثانوية وكذا، كنا نتدارس فنون
المسرح وننجز بعض المسرحيات. أيضاً، لم نخرج كثيراً عن
الأطر التي كنا نتمنى أن نخرج عليها، إلى أن وصلنا في
السنوات التي صار نضجنا المسرحي أكبر وصرنا نقرأ
الكثير من المحدث من أنواع المسرحيات.
الإشارات التي ذكرتها تدل على أن حركة المسرح كانت تقوم على تمثيل
عروض تقوم بها جماعات متفرقة حتى ظهرت محاولات الكتابة
النقدية الجادة المتابعة لهذه الحركة !هل يعني هذا أن
النشاط النقدي في تلك الفترات كان ضعيفاً؟
يبدو
أن الكلام على عجالة في هذه الأمور يعد صعباً إلى حد
ما، لأننا يجب أن نتذكر أن هنالك أشياء كثيرة قد حدثت
من آخرين غيرنا في هذا المجال فنحن حاولنا تقديم بعض
النصوص في الجامعة على شاكلة مختلفة، مثلاً محمد عبد
الحي وأنا وأبو ذكرى وعلي عبد القيوم، كنا نناقش ونقرأ
للوركا وماياكوفسكي وبعض الأدباء، وكنا نكتب مطولات
بسيطة، بها نفس ملحمي مسرحي، وكان ثمة كتاب آخرون مثل
عبد الحليم مدني، صلاح أحمد إبراهيم، علي المك، أبو
ساق، والشوش، وبعض الناس أيضاً من الذين كانوا يهتمون
بالشعر والمسرح والرواية مثل البشير الطيب، محمد
الأمين البشير، عبد الله علي إبراهيم، خالد المبارك،
فكانت أسماء تهتم اهتماماً شاملاً بأكثر من محور. أنا
مثلاً، كنت أهتم بالتشكيل والغناء والموسيقى والمسارح
والشعر والسينما، وفي وقت باكر ترجمت بعض المشاهد
المسرحية، وكنا نحاول أن نكتب بعض المسرحيات التي تتكئ
على الأساطير والتراث الشعبي، ولدينا العديد من
التجارب التي لم تنشر، لكن محمد عبد الحي نشر تجاربه
مثل رؤيا الملك التي تتكئ على التراث الإغريقي، وكانت
هنالك محاولات لصاحب الربابة ومقتل المك نمر ومقتل
غردون، يعني ثمة محاولات تأخذ جانب الكتابة الملحمية
واللوحات التي تخالف بشكل أو بآخر المسرح الأرسطي،
نقترب من صلاح عبد الصبور أو الشرقاوي أو يوسف إدريس
حتى، ونختلف مع توفيق الحكيم، فكان هنالك نفس جديد
وأُطروحات مختلفة، وكانت هنالك مراكز وصحافة ثقافية
مما يعني أن هنالك بعض التجارب الناقصة أو غير
المكتملة هنا وهناك في فترة محدودة.
بمناسبة الحديث عن التجارب، من المعروف عنك أنك صاحب اتجاه أو تيار
في المسرح السوداني يخوض في مسألة الهوية التي تخص
المسرح السوداني، وهو جزء من تيار ساد الوسط الثقافي
في السودان لفترة تاريخية معينة، وأقصد بذلك الدعوة
الشهيرة لمسرح "عموم أهل السودان"، هل هي وجه آخر
لمدرسة الغابة والصحراء، أم ماذا؟
نحن
كان لدينا تصور أو سؤال مطروح بشكل رومانسي لم نستطع
الإجابة عليه والتنظير له وإحكام مقولاته، فلقد كنا
مجموعة من الأصدقاء منذ المرحلة الثانوية لدينا أهداف
وقضايا مشتركة، وبدأنا نتلمس هذا الشيء، فلم تكن
المسألة أكثر من بحث دائب عن ذواتنا، فبدأنا نبحث في
"الفجر" و"النهضة" و"الحضارة" وأشعار التجاني علي
الأمين وجماع ومحمود مدني ومحمد محمد علي، فلاحت لنا
مسألة الغابة والصحراء هذه، وكان معنا بعض إخوتنا
الجنوبيين في الجامعة، بثقافاتهم المختلفة ولغاتهم
المختلفة، نَنْظُر إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، وكنا
نبحث عن شيء مختلف، فتواصلنا لهذه الصيغة "الغابة
والصحراء"، وقد يكون مصدرها من زنوجة سنغور أو من
أمريكا اللاتينية، وقد تكون من فرانز فانون أو أطروحات
كثير من الناس. ونتيجة لكل ذلك، طرحنا هذا اللقاء بين
"الغابة والصحراء"، وتعاملنا مع هذا الشيء، كنا نبحث،
فمحمد عبد الحي كان يبحث ويميل إلى التراث الأوروبي
وأنا كنت أميل إلى التراث الشعبي، كتب هو "العودة إلى
سنار" وكتبت أنا "أبو دليق" ومطولة شعرية عن مقتل المك
نمر، هذا في أول مطالع الستينات، وكنا نتداول هذا الهم
باستمرار، فأنا مثلاً والنصيري ويوسف خليل كان همنا أن
نذهب إلى هذا الشيء ونعالجه معالجة فنية في المقام
الأول، وكان همنا كيف نصوغ، بشكل فني هذه الأشياء؟ ومن
ثم ننمى هذه الخبرة بالمناقشات والحوار ونناقش بشكل
سليط اللسان كل هذه التجارب فكان هنالك جمال عبد الملك
ابن خلدون، وكان هنالك عبد العزيز صفوت، والشوش، وعبد
الله علي إبراهيم، وكانوا أكبر منا فهماً وعلماً
ويتناقشون معنا، وكان خالد في ذاك الوقت غير موجود،
ومحمد المكي أيضاً غير موجود والنور عثمان أبكر كذلك،
غير موجود، حيث كانوا في أوربا ثم عادوا فيما بعد. وفي
نفس الوقت كنا نعتقد أن جزءً من تجارب الغناء والقصة
والرواية والمسرح يمكن أن تذهب إلى هذا المذهب، حتى كل
المنابر التي أقمناها، كنا علي الدوام، ننشر فيها
دعوتنا إلى أدب جديد وثقافة جديدة تتراوح بين الثقافة
العربية الإسلامية والثقافة الإفريقية، وكان لابد لنا
أن نجد هوية سودانية نتكئ عليها، ولم يكن لدينا ذلك
الوعي الذي لدينا الآن، ومن ثم انقطعنا عن هذا
المشروع، أنا سافرت إلى خارج السودان بحيث أننا لم نجد
إمكانات جيدة لمواصلة مشروعنا، وكان لدي بعض الأشياء
المكتملة مثل "عيذاب" و"كوش"، وكلها تصب في هذا
الاتجاه: كيف ننشئ شكلاً للهوية، يكون ديناميكياً
تفاعلياً؟ وكان هنالك الكثير من التنظير حول المشروع،
لكن كنت أنا بعيداً عنه واقرأه من حين لآخر في كتابات
حسن موسى وعبد الله بولا وعبد الله علي إبراهيم
باعتبارهم شيوخ التنظير .
كل هؤلاء الذين ذكرتهم الآن، جزء أساسي من نقدهم لاتجاه الغابة
والصحراء كان يرتكز على فرضية أن هذا الاتجاه نفسه،
يضمر في داخله نزوعاً إقصائياً لبعض الثقافات الأخرى،
ويرتكزون في هذه الرؤية على أن الغابة والصحراء في
الدعوة التي وجهتها بالعودة إلى التراث، اتخذت نقطة
انتقائية من تاريخ السودان الطويل، وبها حمولة
أيديولوجية معينة، باعتبار أن سنار، تعرف في التاريخ
السوداني بأنها أول مملكة إسلامية في هذا التاريخ.
هذا
غير صحيح، وأنا شخصياً أرد على هذا الكلام، لأننا
انطلقنا من موقع مختلف، فأنا كتبت أشياءً عن "كوش"
كأول مملكة في السودان القديم، فلماذا أعود إلى هذا
التاريخ إذا كنت أرغب في مملكة عربية إسلامية فقط؟ أنا
لا أنفي التراث العربي الإسلامي أو التراث الشرقي أو
الإفريقي، فأنا مثلاً بجاوي الأصل، ومن عيذاب ذلك
الميناء القديم، فلا أتصور أن الدعوة كانت تسير في
هذا الاتجاه إطلاقاً، يمكن أن يكون المصطلح قد
تَسيَّس فيما بعد ذلك، ويمكن أن تكون سنار عربية
إفريقية زنجية إلى آخره، وأيضاً كانت بها تركيبة عرقية
ومجتمع طبقي فيه انسحاقات، وإذا نظرت له من المنظور
السياسي، هو وصف لمملكة عربية إسلامية مختلفة تماماً،
وإسلامها يختلف عن إسلام الجزيرة العربية مثلاً
.
إذن، كيف يمكن لنا أن نستلهم موروثاتنا كما وجدت في
مخطوطاتنا القديمة مثل مخطوطة "كاتب الشونة" التي نقول
بذلك النمط من التدين الشعبي الذي تذكره؟ وهل هذا ممكن
فنياً؟
بالتأكيد، فسنار في فهم عبد الحي، لم تخرج عن هذا،
رغماً عن أن هنالك من نظر لهذا الحديث، إلا أنني لا
أذهب هذا المذهب، ولا أعتقد أن المسألة بهذه البساطة
السياسية، أو بهذا المعنى السياسي، هي لا تزال باباً
مفتوحاً، وهى تجربة تعني بالإبداع في المقام الأول،
كيف نستثمر ما لدينا من موروثات شرقية وغربية، وكيف
نستخرج آلية فنية بها ديناميكية عالية جداً لتوظيف هذه
المخزونات في تعبير شعري، لفظي، بصري قيمي، أو سَمِّهُ
كما شئت دون تمييز، لأنني إذا ميزت، أكون بهذا قد وقعت
في فخ الانتقاء والإقصاء والتحيز الذي وصفته، فيمكن أن
نستثمر موسيقى زنجية مع موسيقى بجاوية أو فوراوية أو
دينكاوية أو....إلخ، لتحول من شكلها التقليدي في
الموروث المتخفي إلي أي شكل جمالي مُصاغ وفق مخيلة
ووجدان المتلقي أو المتفرج، وتستطيع أن تجذبه إلى
أُطروحاتها الفكرية والسياسية وخلافه، فنحن مثلاً
عندما نتناول الخلوة، لا نقصد بذلك بعدها العربي
الإسلامي فقط، لكن نقصد تراثاً ثقافياً في بيئة معينة،
لأننا مثلاً قد تناولنا الإنداية في موضع آخر، ونحن
لسنا قصيري النظر، بل نميل إلى المثالية في أحيان
كثيرة. لكن، صحيحٌ أن هنالك بعض الظروف الاجتماعية
والسياسية تفرض لوناً من التخطيط الأُحادي، وهذا هو
الشيء المؤثر، فحتى الذين ناقشوا قضايا الثقافة
السودانية في تقديري كان همهم الأول سياسياً، وربما
كان هذا صحيحاً في بعض الأحيان، لكن السياسة بعد
الثقافة أعمق وأفضل وأقرب إلى الإبداع. وكلٌ يتعامل
معها وفق منظوره، فأنا مثلاً عندما كتبت "حصان البياحة"
لم أقل لمحمد شريف علي، ولا أي احد، أن لا ينفذها داخل
علبه إيطالية مثلاً، فهو الذي يفكر في أن هذا العمل
ينتج في ظروف معينة، فلذلك بنى علاقة بصرية فيها
موسيقية فذة، وبها فايس ومايرهولد والبايوميكانيك،
تعتمد بالأساس على عديد من التقنيات الأخرى من التمثيل
والإخراج وغيره .
ودعوتنا لمسرح عموم أهل السودان تنهض بالأساس على
الاستفادة من هذه التقنيات الموجودة ضمن الموروث
الثقافي، في عملية تطوير مختبريه لبعض الموروثات، وهنا
يجئ الحديث عن التداخل بين الثقافات التي بينها قواسم
مشتركة، فيجب أن نعلم أن هنالك تداخلاً وهنالك أيضاً
خصوصيات، فمثلاً لو طلب مني الآن أن أُقدم "نبتة"
بأجوائها الطقوسية وذلك القمر والنجم، فيجب أن أسأل
نفسي عدة أسئلة، منها : ما و التمثيل المناسب لهذه
الطقوسية؟ كيف يجب أن يكون سودانياً ومتناسباً مع هذا
الأداء؟ هذا الأمر، هو ما كان همنا. فمثلاً، كنا نقدم
بعض الأشياء في الإذاعة السودانية مثل مسرح اللولي،
رقصة الصقرية عند البني عامر، رقصة الشاي؛ لأن هذه
الأشياء يمكن أن يكون لديها قوالب توصلك إلى الناس،
وإذا كانت لديك مجموعة عمل مختبرية وجادة، يمكن أن
تحقق مثل هذه المشاريع، فأنا أعتقد أن المسرح بطبعه فن
جماعي، ويحتاج إلى مجموعات عمل مُسيَّسه، فأنا مع
السياسة لكن بقدرٍ واعٍ، ويجب أن تكون هذه السياسة
سياسة مثقفة ومفكرة بالأساس.
إذن، نفهم من هذا الكلام، أن أطروحة مسرح لعموم أهل السودان هي
أطروحة لا تقتصر على التنظير وحده، لكنها أيضاً تحتاج
إلى تقنيات أداء مختلفة ومصاحبة لهذا التنظير، ورؤية
إخراجية مختلفة أيضاً. أليس كذلك؟
نعم هذا هو الشيء الذي يقود إلى نتائج تخص هذا
الطرح، وخصوصاً جانب الأداء التمثيلي، لأنه هو الذي
يوصل الرسالة، ويمكن أن يجذب ذلك الكتابة الدرامية
تدريجياً، ومع الفريق أيضاً. فالآن، وفي العالم كله،
حتى شيوخ الطرق الصوفية لديهم مجموعات من الناس تعمل
معهم وتشارك في بناء المشهدية والنص، وهذا هو الذي
نريده بالضبط.
فعندما تريد إخراج "حصان البياحة"، مثلاً، من منظور
صوفي، يجب أن تكون لديك مجموعة راقصين يدركون نوع هذا
الأداء، فأنا مثلاً شاهدت مؤخراً في الشارقة، نصاً
مبنياً على الزار به نقد حاد لمجتمع ما بعد النفط وقدر
عالٍ من الصراع، وكانوا يؤدون بنفس طريقة أداء الزار،
ومثل هذا النوع من الإخراج، يحتم دراسة الزار بكل
تفاصيله مثلاً، ويمكن أن تشرك الجمهور في بناء هذا
العرض. هذا أسلوب مثلاً، ويمكن أن يكون هنالك أسلوب
آخر. فلا وجود لقالب ثابت مثلما فعل يوسف إدريس أو
توفيق الحكيم مثلاً. وهذا يحتاج بالضرورة إلى هذا
المختبر المعملي. لذلك، فأنا عندما أدرُس نظريات
التمثيل، لا يجب أن أتناول هذه النظريات المعروفة
فحسب، وإنما أربطها بهذا الواقع الذي تتحرك فيه،
فثيسبس يمكن أن يكون نموذجاً لأي بائع آيس كريم متجول،
وأي شخص في حلقات الزار يمكن أن يكون ثيسبس أيضاً وفق
هذا المفهوم. فقط يجئ الابتكار مرهوناً بمعطيات البيئة
التي يوجد بها هذا الأداء وذاك الدور.
لذلك، فالجماعة المسرحية هي المطلوبة لتحقيق مسرح
لعموم أهل السودان سواءً كان في الجنوب أو الشرق أو
الغرب، تبعاً لما تريد هي تحقيقه، ويمكن أن تضع خطتها
وإستراتيجيتها في العمل حتى بين الثقافات المتضادة.
يمكن أن يؤدي هذا العمل إلى إخراج صيغة ثالثة متميزة
بوجود شرط حواري وجماعي جاد، والغابة والصحراء أيضاً
هي جماع هذه النقائض. وهذا الصراع والاختلاف، هو ما
يميز هذه الغابة والصحراء، فحتى الإنجليز والمستشرقين
عندما درسوا ثقافاتنا قالوا بأن حتى إسلامنا مختلف عن
ما سواه، لكن يبدو أن السياسة لدينا، رغماً عن كل هذه
السنين، لم تضع إستراتيجية ثقافية توفر هذا المناخ
المطلوب وهذه هي المعضلة الحقيقية بالأساس، وليس شيئاً
آخر .
عندما وضعت فكرتك عن مسرح لعموم أهل السودان وكما قال د. خالد
المبارك أنك بدأت أولاً بالتنظير ثم أعقبته بعد ذلك
بالممارسة، هل تعتقد أن هذه الدعوة وبعد كل هذا الزمن
الذي مضى، لا تزال قائمة حتى الآن، بمعني، هل
الاحتياج الفني لها مازال قائماً؟
نعم أظن ذلك، فسؤالك عن كيف تصنع إبداعاً لصيقاً
بالبيئة ومعبر عنها، ويطرح أفكاره بكيفيات مختلفة،
سؤال لا زال قائماً. وإذا فعلت هذا يمكن أن تكون قد
نجحت في الوصول إلى وجدان الجماعة، والمسرح كائن عضوي
في هذا التوصيل، وإذا كانت المواعين المسرحية الغربية
لا تكفي لهذا ولا يستمتع بها جمهورنا، الذي لا زالت
ثقافته شفاهيه في معظمها، فكيف يمكن أن تصل إليهم؟ هذا
هو السؤال الذي يحدد بقاء هذا المشروع أو عدمه
.
ومسرح العلبة الإيطالية، أيضاً، غير موجود في كل
الأماكن السودانية، ففي القرى مثلاً والجبال وما إلى
ذلك، من أماكن مختلفة. لكن، تتوفر باحة في مسجد، في
مدرسة، في ضوء قمر، تمكنك من أن تلعب معهم ألعابهم
التي تكوِّن حلقة أو دائرة أو جلسة سمر، أو أي أشكال
شعبية أخرى، وكل ما ينقص هذه الأشكال، حسب اعتقادي، هو
التوظيف الخلاق، حتى يمكن كتابة النصوص أثناء العرض،
وبمشاركة من هذا الجمهور المعني، ووفق نقاط إرتكاز
أساسية لديه. وتبقى القضية الأساسية هي: أي الإشكال
الفنية، تتناسب مع هذه البيئة أو تلك، وتتيح ساحات
مشاركة أوسع بين الناس؟
إذن نفهم من هذا الحديث والذي سبقه، أن مسرح عموم أهل السودان ليس
مسرحاً واحداً إنما هو مجموعة مسارح متعددة، ومحاولة
جادة لدراسة وتجميع الموروث الثقافي وفق رؤية منظمة
تتيح لكل ثقافة الاستفادة من أشكالها الثقافية
المتوفرة لديها بشكل منظم ومدروس ومعمل؟
بالتأكيد هذا هو مسرح عموم أهل السودان.
كلمة أخيرة نرجو عبرها عقد مقارنة بين المسرح السوداني في الفترة
التي عاصرتموها وفترته الحالية، وأنتم ضيوف على مهرجان
البقعة في دورته السادسة؟
أنا
لا أُميز بين المبدعين باعتبار أفضلية أحدهم على
الآخر، ورغماً عن أن التاريخ يتيح مساحات لتنمية قدرات
الأجيال اللاحقة عبر تراكم الخبرات، إلا أن المجتمع
السوداني تعرض للكثير من الكبوات التي تجعل من هذه
المقارنة ليست في محلها، مثل عدم الاهتمام بالمثقفين
والمبدعين وما إلى ذلك، فقد تجد في بعض الفترات
مستويات أعلى، في فترة تاريخية سابقة والعكس، ولكن
جذوة الإبداع في كل ذلك تظل قائمة، ويكفي أن صلاح أحمد
إبراهيم قد قال يوماً: النيل هنا، وخيرات الأرض هنالك،
ومع ذلك، ومع ذلك .
|