|
َنحْو خِبْرة جَمَّالية جَدِيدة
اتكاءً، على ذاكرة "الأَخْيـِّـلة
المُتَهالكة"
راشد مصطفي بخيت
قدم المخرج ربيع يوسف الحسن عرضاً مسرحياً ضمن منافسات
مهرجان البقعة المسرحية في دورته السابعة تحت عنوان
"الأخيلة المتهالكة". والعرض من تأليف الممثل والمخرج
المعروف سيد عبد الله صوصل. وتمثيل كل من أمنية فتحي،
حمد النيل خليفة وإيهاب بلاش.
وقد أثار العرض حفيظة عدد مقدر من المهتمين بالشأن
المسرحي في السودان، فعده البعض عرضاً معقد البناء
والتركيب، بحيث لا يسمح للجمهور العادي من تَمكُّن
المواصلة والاتصال. وعده البعض الآخر عرضاً أفلح في
تقفي مسيرة العبث بحرفية تامة، كما افادت بذلك الورقة
النقدية التي قدمت عنه ضمن أنشطة الأوراق النقدية
المصاحبة للعروض. واندهش له من لم يتمركز حول واحد من
هذين المعسكرين. ونعته بعض المشتطين نقدياً بأنه عرض
يحتفي بالطلاسم وتكثيف الاستعارات الرمزية دون أن يكون
لهذه الطلسمية من معنيً تقود إليه.
وربما لا يجانب الصواب العديد من هذه الآراء سابقة
الذكر في الكثير من النواحي. لكن، ما أعده ليس بصحيح
علي الإطلاق على كل هذه الآراء مجتمعةً، هو إغفالها
التام لجسد العرض نفسه، والذي عُلّقت علي يَاقَتُه كل
هذه الديباجات اللافتية، والتي لم تخرج حسب تقديرنا من
دائرة الاحتباس الانطباعي المؤقت، بحيث أنها كما
أسلفنا القول بَنَت وجهات نظرها علي إحداثيات أخرى
تتحرك بكاملها خارج نطاق صورة ومقولات العرض المذكور،
وتعمل علي تشييد صرح مقولاتها استناداً على افتراضات
ذاتوية الطابع لا يصح تعميمها مطلقاً،كما لا يصح
اتخاذها موجهاً لكتابة نقدية علي شاكلة ما حدث.
ومن بين هذه الافتراضات الجزافية علي سبيل المثال وليس
الحصر، الافتراض الذي يذهب للقول بعدم صلاحية مثل هذه
العروض لجمهور المتفرجين العاديين. ولا أعلم "من أين
أتي هؤلاء" بمثل هذه التصنيفات التي تُقْدِم علي تقسيم
الجمهور إلي شريحتين تسمي إحداهما بالجمهور العادي،
والأخرى بالسوبر جمهور! وهيهات لهم أصلاً بمثل هذه
المرجعيات التي يستندون عليها بهذا الخصوص، ونحن أدرى
الناس بأن خارطة المشهد النقدي في السودان لم تقدم هي
الأخرى بعد على دراسة اتجاهات التلقي أو أي دراسات
أخري متعلقة بجانب الجمهور.
الشيء الذي يقودنا في نهاية المطاف إلي ما سبق ذكره
حول انبناء هذه التصورات علي قاعدة لا تنبني علي أي
أسس معرفية ما سوى مرجعية صاحب القول نفسه. وهذا هو
بالضبط ما يقذف بها إلى حيز التهلكة والوقوع في مغبة
التعميم المخل والانطباعية. وإلي حين أن يضطلع النقد
بدوره في هذا الاتجاه على مستوى خارطة المشهد الإبداعي
في السودان، لا يصح مطلقاً أن نستخدم "الجَمْهُورومِيْتَّر"
خاصتنا ونسقطه على من لا علم لنا باتجاهات تذوقهم
الفني.
وبناءً على كل ما تقدم ذكره، وخصوصاً ملاحظتنا حول
المعسكرات التي أنشأها النقاش حول هذا العرض والتي
اتفقت جميعها في ظاهرة القفز المتعمد على متن العرض
والتوارب حول افتراضات من مثل ما سبق الإشارة إليه،
رأينا أن نقدم قراءة أخرى مختلفة لما تم تجاوزه في هذا
الخصوص وفى رأينا أنه هنالك الكثير من ما لم يطله
هؤلاء بالتماس معه، واستكناه خباياه
من مجهودات قدمها المخرج، وإشارات عمل على تكثيفها
العرض وقضايا حيوية بثها محموله الفكري؛ والمفاهيم
تستحق الكثير من الوقفات المتأنية والتأمل العميق
للخروج في نهاية الأمر بالكثير من النتائج خبيئة
التمظهرات الحسية لدي البعض. بالإضافة إلي أمرٍ ثانٍ
ربما تعود كل هذه الاختلافات الناشبة في آخر الأمر
إليه، وهو ما يحمد للعرض حسب اعتقادنا وليس مما يحسب
عليه. بحيث أنه عصف كلياً بذاكرة خربة وخبرة جمالية
هشة وزائقة ركيكة لدى المثقف المسرحي الذي اعتاد على
تناول جرعات مخففة من الصورة المشهدية، أبعدته كليا عن
تصور الاختلاف عن السائد في صورة العرض المسرحي
السوداني فقيرة الأُطر والإطار. لذا، فقد اخترنا عنوان
كتابتنا لهذا المقال تحت مسمى "الخبرة الجمالية
الجديدة"، والتي نحسب أن العرض رمى صخرة وجودها الحي
في بركة المسرح السودانى الراكدة بعد أمد طال من غبش
السينوغرافيا المعتادة وبهاتة الديكورات القميئة التي
اعتدنا على مشاهدتها طوال هذه الفترات السابقة الشيء
الذي جعلنا نشعر بعمق الصدمة المشهدية التي وجهها
العرض قبالة خبرتنا الجمالية العتيقة هذه. هذا من جانب
ومن جانب آخر أكد لنا العرض عن مقولة ظللنا نرددها
باستمرار طيلة كتاباتنا السابقة، وهى ضرورة انفتاح
الحقل المسرحي على مجالات أخرى يستطيع بواسطتها أن
يعمل على إغناء شكله ومضمونه مثلما حدث في هذا العرض
الذي جاء اختلافه الكبير عن السائد في أنه انفتح على
خبرة التشكيل السوداني متمثلة في إيكال مهمة تصميم
السينوغرافيا لفنان تشكيلي شاب وموهوب هو خالد حامد،
الذي أحال ركام الخشبة المسرحية الميتة إلي بؤرة مكثفة
من الجمال، عملت على خلق متتالية من التأثير البصرى
المريح في عين المشاهد وإرغامه بشكل متعمد على
الاستغراق الكلى في خصوبة ما يرى من صور وأشكال
وتعابير، ودفعه كذلك للتنازل عن خاصية الكسل الذهني
لديه والمشاركة في تنشيط توربينات التفكير لديه. في
محاولة لفهم ما يرى. إذن، العرض يدعو للتفكير المتصل
بجمالية ما، وهذه هي أولى الخبرات التي أكسبنا إياها
مخرج العرض اللئيم ومنفذ سينوغرافيته المبدع. فإلى
أولى محاور الدراسة.
الأخيلة المتهالكة ما بين نص المؤلف ونص المخرج
:
نص المخرج يعرف في أدبيات النقد المسرحي بنص العرض،
والذي يقدم المخرج رؤيته الفنية والفكرية عبره، بعد
اشتغال دؤوب على توليد صورة من حروفه الميتة. لكننا في
هذا المقال لا نعنى بما تواتر إلينا من هذه الأدبيات
بقدر ما نستخدمه لتوصيف المحاولة التي بدأ بها المخرج
أعماله في هذا العرض، بحيث أنه بدأ أولاً على خلق نص
مختلف عن نص المؤلف نوعاً ما، اختلافاً برز على مستوى
إعادة البناء الترتيبى للصور والمشاهد وخامات اللغة مع
بعض الحذف والإضافة الجديدة. الشيء الذي لا نعتبره
إعداداً لنص المؤلف حسب المفهوم المتعارف عليه عن
احتياجات الإعداد المسرحي، بقدر ما هو شراكة ناقصة
التطور في التأليف نفسه، يمكن اعتبارها شراكة في طور
الشرنقة. لذا، فقد قصدنا أن لا نطلق عليها صفة الإعداد
وفي نفس الوقت هي ليست بدراماتورجية مكتملة العناصر،
لأنها رغماً عن إبدالها للغة النص الأصلية، إلا أنها
لم تتجاوزه في كثير من الأحيان وظلت في غالب الأمر،
مرتهنة له مع بعض الإزاحات. فربيع يوسف عمل أولاً علي
إبدال لغة النص المقتربة من الفصاحة إلي "لغة ثالثة"
كان قد تحدث بها عبد الله علي إبراهيم أيام احتدام
الصراع حول الكتابة باللغة الفصحى أم باللغة العامية،
بحسب أنها وسيط فعال لتلاقح 114 لغة متواجدة في
جغرافيا المجتمع السوداني. وهذه اللغة الثالثة تقوم
علي مبدأ عدم الفصل بين هذين المكونين واستخدامهما في
أن واحد معاً مع إبدال أسلوبي في بنية النص تمكنه من
الاحتفاظ بإيقاعيته وتسمو به عن اللغة اليومية. وهذا
ما عرف حديثاً في مناهج النقد الأدبي ب" أسلوبية
الانحراف" مع قدر قليل من الاختلاف.
وقد قام المخرج بهذه المهمة علي "نص المخرج " كما
أسميناه ويمكن الاستدلال علي ذلك بهذا المقطع من
النصين
:
نص المؤلف:
يتفحص. يخرج من خالة الذعر. ثم يدق الصندوق وهو يحمل
كرت واحد في يده يفتح الصندوق ببطء ويتساءل
:
اـ ماذا هناك؟ ما الذي جاء بك في مثل هذا الوقت؟ ألم
أخبرك أنه لا لقاء ولا اتصال بيننا حتى في هذه الأمور؟
2ـ لم يكن هذا تفكيري. ولكن، هناك من كان موجوداً
1ـ أين؟
2ـ
في
مكان الحادث
1ـ ماذا تقول؟
2ـ اقرأ بعينيك وصدق
ينظر للكارت وهو في يد(2) وينكر في الحال. أنا لا أفهم
ما يعنى
3ـ بل تفهم
1ـ صدقني
2ـ أنت تعرف أن الصدق بيننا قد انتهى
1ـ لا أستطيع
نص المخرج:
1ـ في شنو؟ الجابك شنو فى وكت زى دا؟ انا ما كلمتك انو
لا لقاء ولا اتصال حتى في الأمور دي.
2ـ دة ما كان تفكيرى لكن هناك من كان موجود [لاحظ أن
هذه الجملة لو كان القصد ترجمتها إلى العامية، لكانت
يمكن أن تكون "لكن كان في زول شافنا"، أو، "لكن كان في
زول قاعد".
1ـ وين؟
2ـ في مكان الحادث
بتقول شنو؟
1ـ أقرا بى عينيك وصدق
1ـ أنا ما فاهم بيعني شنو؟
2ـ بل بتفهم
1ـ صدقنى
2ـ انت عارف إنو بينا انتهى الصدق وعليك برهنة دة
أمامى [لاحظ أيضا صياغة هذه الجملة في العامية
السودانية: "أمامي – قدامى" والآنٍ].
هذا الاستدلال السابق قصدنا به الإشارة إلى أولى
مجهودات عمل المخرج ربيع يوسف السابقة لعرض النص والتي
أنصبت في محاولات إيجاد بديل معنوي للنص يتحرك من فضاء
فكر النص نفسه، محولا لقالبه اللغوي بهذه الكيفيات.
وهى إشارة قادتنا للكثير من التساؤلات المشرعة حول
دلالات هذا العمل بدأت بالسؤال عن علاقة اللغة بالفكر
وانتهت لعلاقة الفكر نفسه بالتجسيد، وذاك مبحث وعر لا
يخوضه عادة إلا ذهن مُتّقِد البصيرة وغارق إلى نجواه
في السلالات الفلسفية التي خلفت هذا المولود على خارطة
العلوم الإنسانية. ولمن أراد الاستزادة في ذلك، فله
دوننا مباحث فلسفة التأويل ابتداءاً من مارتن هيدجر
وانتهاءً بر يكوربول ريكور، ومشاكسات عالمي النفس
الشهيرين إريك فروم وكارل جوستاف، مع قليل من الانفتاح
على لسانيات القرن العشرين. وقد كان الغرض الواعي من
هذه التحولات البسيطة على مستوى اللغة، أنها تحاول أن
تستغرق في تجسيد الحمولات الفكرية للعرض التي بدا
واضحا للجميع أنها تعمل على تشخيص نتائج حركة الواقع
المعاصرة ورصد ترسباتها الدفينة في لا وعى البشر خصوصا
وان العرض قدم نماذج من الشخوص تحمل مركبات مشاكل
بالغة التعقيد، محاولاً بذلك القيام بعمليات استكشاف
دقيق لمكونات اللا شعور الإنساني وتمظهراتها البالغة
على مستوى اللغة أولاً، ثم مستويات أخرى برع الممثلان
إيهاب بلاش وحمد النيل خليفة في تجسيدها حركياً،
بتمثلهم لها على مستوى حركة الجسد وتعابير الوجه
وساعدتهما أيضا خشبة مسرح البقعة نفسها ذات المناخ
الاستوائي في تنشيط الغدد المسئولة عن إفراز العرق في
أجسادهم وعملت بذلك على إضفاء طابع الخوف والصراع
المحتشد بدواخلهما على سحنات الوجوه.
فالعرض يعمل بدقة على محاور قضايا منفصلة عن بعضها إلى
حد ما، مثل السؤال عن فلسفة الموت وتجليات الذات
البشرية السابحة في فلك التوحد المرير وسؤالات التنشئة
الاجتماعية التي تبدأ من الأسرة الصغيرة وتتضخم حيناً
بعد حين لتعمل بعد ذلك في نطاق أكثر اتساعاً يندمج
بكامله ضمن منظومات المفاهيم والقيم الاجتماعية
السائدة واللا معقولة في آن، والتي تصل حد الجريمة
ومسبباتها الأساسية. ولا تفلت
عين المستبصر الفاحص لبعض الحوارات عن مثل هذه القضايا
فى ثنايا العرض والتى يمكن الاستدلال ببعضها للتأكيد
على صحة ما نقول:
السياط التي مزقت ثدي فرس النهر؛ عربة الموتى التي تمر
من هنا دون أن تحدث صوتا...الخ
كيف يشعر الغزال بالألم وهو مفترس بين أنياب
الوحوش...الخ
إنها المأساة تتنفس الأسماك المرمية خارج حدود النهر
أنفاسها الأخيرة لا عن طريق خياشيمها بل عن طريق
فجيعة. ألا ترى إنها تحاول بكل قواها زعانفها هيكلها
أن ترقص رقصتها الأخيرة وقصتها التي تعبر عن قسوة
الحياة والموت؟ والكثير من الحوارات الأخرى ذات الطابع
الوجودي النابض بأسئلة مزمنة عن جدوى الحياة. وهي
أسئلة لا تغرق في استجداء وجوديه سارتر وعبثية بيكيت
وبنتر وغيرهم، بل تكتسب مشروعيتها الفكرية والفلسفية
في اتصالها المباشر بواقع المجتمع السوداني المعاش،حيث
ينجح العرض لمرات عديدة فى إحالتنا إلى ذاكرة قريبة
المدى، نعيشها ونتفسها يومياً عبر واقعية فجه مليئة
بالحروب والدماء والفوارق الاجتماعية البائنة وتشوه
المرجعيات القيمية لدولة لا زالت، وبعض مضي أكثر من
نصف قرن، رازحةً تحت وطأة مهام ما بعد الاستقلال! فأي
عبثٍ سوداني أكثر من هذا، وأي عبث وأي عبث ذاكر، أكثر
من أن يكون ضحايا النزاعات الأهلية في هذه الدولة،
أكثر من 2مليون فرد، مع ملاحظة أن هذا الرقم هو أعلى
رقم وصل إليه النزاع الأهلي في أي مكان ما من العالم
منذ الحرب العالمية الثانية بحيث يتجاوز هذا العدد
أربعة أضعاف ضحايا قنبلة هيروشيما النووية!
ويتكاثر عدد النازحين يومياً من هذه الحروب، بينما
تنهمك قطاعات هذه الدولة في عقد مؤتمري قمة في أقل من
شهرين بتكلفةٍ تكفي لإنفاذ مشاريع إعادة التوطين وبناء
ما دمرته الحرب. فقد كان نصيب "الإعلام" منها فقط 150
مليون جنيه سوداني، فبالله عليكم أين من المفترض، أن
ينشأ تيار العبث وسارتر وبيكيت وخلافهم؟!
الرؤية الإخراجية:
لن أتحدث عن الرؤية الإخراجية بتفصيل، في مستوياتها
المتعلقة بالديكور والإضاءة والإكسسوار فحسب، رغماً عن
أن الديكور الذي شاهدناه في هذا العرض يغري بالتحدث
عنه بشيء من الدقة والتفصيل، وذلك لما اكتنف نسيجه من
مستويات جمالية ورسالية عالية. لكن يكفي في ذلك أن
نقول أن كل ما كتبناه في الفقرات السابقة من تعليق هو
جزء أساسي من هذه الرؤية الإخراجية ذات العناصر
المختلفة. ويكفي أيضاً أن نقول بأن عنواننا الذي
اعتزمنا الكتابة تحته، تأسس بكامله علي معطيات الصورة
المسرحية التي رسمها هذا العرض بما فيها من جدةٍ
وإدهاش عاليين. وسبق أن أشرنا إلي ذلك مع أننا نسينا
أمراً يمكن أن نتداركه هنا، بسبب أننا لا نستطيع
الفصل، ولو إجرائياً، بين كل ما سبق من حديث وبين
الرؤية الإخراجية للعرض التي كانت خلف كل ذاك الجهد
وتمظهراتها الإخراجية علي مستوى صورة
العرض المسرحي المقترن فيها بعد التعبير الحركي باللفظ
وتعبيرات الممثلان إيهاب وحمد النيل، بالديكور وكل
عناصر الصورة المسرحية.
فالألوان المرسومة في عناصر ذلك الديكور تتطابق كلياً
مع الحالات النفسية لشخوص العرض. والصناديق المتخذة
كتابوت ترقد بداخله هذه الشخوص يتطابق مع حالة التوحد
المرير التي يقاسيانها. وصورة اللعب المتواصل في أوقات
متباعدة يتطابق هو الآخر مع انشطار هذه الذوات إلي
أكثر من مرجعية تكتظ بالألم والبؤس. والنافذة المعلقة
أعلى فضاء الخشبة تتطابق أيضاً مع فكرة العزلة النفسية
التي تطاردهم وتحد كذلك من علاقتهم بالعالم الخارجي،
منشأ أزمة الثقة لكليهما. وكذا الأمر مع المكونات
الأخرى من صور وتعابير صكها بشراسة عقل المخرج ربيع
يوسف وفريق العمل. فقد شاهدت في هذا العرض أكثر من
استدعاء عبَّرت عنه الصورة المسرحية لرمزيات ثابتة في
مسار المسرح العالمي تحيل جميعها إلي مثل هذه المعاني
سابقة الذكر. فلقد شاهدت بأم عيني "تريزياس" وهو يمشي
في إحداث العرض بلحمه ودمه كما شاهدت في نفس الوقت
شخوص بيكيت ذات البناء المأساوي المختلف.
وقد أضاف المخرج ضمن مجهوداته السابقة عملاً آخر وهو
ذلك التبديل العام لبنية النص غير ذاك المرتبط ببنية
اللغة. بكون أنه ولد من تناسل هذه الصراعات المحتدمة،
شخصيةً ثالثة هي من بنات أفكاره الخاصة ورؤيته
الإخراجية، لم يكن لها من وجود في النص الأصلي. وهي
شخصية "أُمنية" التي تلعب دور الراوي المصاحب للحدث
وتطور الشخوص، في تقنية أشبه بتقنيات الكتابة للسينما
والرواية لكنها تخدم دلالات أخرى في هذا العرض يتجلى
أهمها في نمو الفكرة الكلية للعرض وتطورها مع الشراكة
في تغذية الحدث وفتح الصراعات النفسية علي أكثر من
تساؤل. مثل قصة الدببة وحميمية تلك العلاقة الماضية مع
أنثى تراوح الحركة من موقع الحبيبة إلي موقع الأمومة.
وهي دلالات ترتبط من وجهة نظرنا بالأرضية الإشكالية
ذات البعد النفسي لهاتين الشخصيتين ـ لاحظ مخلفات غياب
الأنثى بمعناه المزدوج من حياة الرجل وما يستتبع ذلك
من أمراض في علم النفس التحليلي ـ وارتباطهما
بالجريمة.
أمنية ظلمها صوتها كثيراً في هذا العرض. رغماً عن
كونها أجادت تعبيرات الوجه بشكل به الكثير من الدفء
والحميمية، وكذا الحال مع المؤثر الصوتي العام للعرض.
فقد كان ممتعاً واختير بعناية للإيفاء بمتطلبات
التوازي النفسي والشعوري، لكنه لم يفلت هو الآخر من
مشكلة ابتعاد الصوت نفسها، وتلك مشكلة أوجدتها "شلاقة"
ربيع في استخدام اللاب توب لهذا الغرض، وهو معروف عنه
محدودية صوته بحيث لا تتناسب مع هذا الغرض. وهي شلاقة
تشابه "شلاقة بت العطا" كما في المثل السوداني.
وأخيراً، وجب علينا أن نشير إلي أن كل هذه الجمالية
السابقة خلف صورة العرض المشهدية الغير مألوفة في
خارطة المسرح السوداني تستحق منا أكثر من مجرد المرور
عليها للحظة ووصمها بالطلاسم وما شابهه من نعوت أخرى.
وتدعونا إلي أن نطرح علي أنفسنا بعض الأسئلة من شاكلة
لماذا لا نخلق مثل هذه الصور التي تعمل على إمتاع
البصر والبصيرة في نفس الوقت والارتقاء بذوق المشاهد
المغلوب علي أمره بديلاً عن بهاتة الديكورات المألوفة،
والصور التي تشبه بعضها في الكثير من الأحيان والمؤثر
الصوتي المستهلك والغير مرتبط مع الحالات الشعورية
للشخوص، لنكمل بذلك مسيرةً بدأها ربيع بعد انقطاع طال
أمده، اتكاءً علي ذاكرة الأخيلة المتهالكة وما دشنته
من جميل.
|