header
قصة، شعر، كتابات نثرية، مسرح
Nouvelle, Poésie, Œuvres en prose, Théâtre
Fiction, Poetry, Prose writings, Drama
 
Théâtre Drama مسرح Œuvres en prose Prose writings كتابات نثرية Nouvelles Fiction قصة Poésie poetry شعر
  Théâtre Drama مسرح
 

 

يوجين يونيسكو رسالة لليوم العالمي للمسرح

27 مارس 1976

ترجمة نجاة محمد علي

 

حينما شرفني وأسعدني المعهد العالمي للمسرح بدعوته لي للمشاركة في مؤتمره الذي انعقد في هيليسينكي، كنت أمثل في ذلك الوقت المسرح الجديد، والذي هو أقل حداثةً اليوم، وكان يطلق عليه اسم المسرح الطليعي. وقد اختتمت رسالتي تلك باستخلاص الآتي: الطليعة هي الحرية. اعتبرت غالبية ممثلي الدول، من الشرق والغرب، هذا التعريف أو هذا الإعلان مدمراً وخطيراً. ومنذ ذلك الوقت هناك أشياء كثيرة تغيرت. وكان أهل المسرح لا يزالون يحصرون أنفسهم في الواقعية البرجوازية أو في أشكالٍ من أشكال الواقعية الاشتراكية، متخوفين من الخيال. واصلت أنواع الواقعية استمراريتها في المسرح الشعبي أو في المسرح الأيديولوجي، إلا أن كل ما هو جديد، وممتع منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، كل ما هو حي، قد تجاوز كل أشكال الواقعية وكل القيود. لقد ظللنا نقف دائماً ضد الواقعية، لسبب بسيط هو أن الواقع ليس واقعياً وأن الواقعية مدرسة، أسلوب، اتفاق مثل اتفاقات كثيرة أخرى  وأنه أصبح أكاديموي، أي ميت. كما وقفنا أيضاً ضد المسرح الأيديولوجي لأن المسرح الأيديولوجي هو أيضاً نقيضٌ، سجنٌ، حبيس أطروحات، ومذاهب، ومسلمات لا يجد المؤلف المسرحي سبيلاً لأن يتخذ منها موقفاً ناقداً.

تكمن الحقيقة في التخيل. إن مسرح الخيال هو مسرح للحقيقة الأصيلة، الوثائقية بأصالة. والوثيقة لا يمكن لها مطلقاً أن تكون حرةً لسبب بسيط هو كونها موجهةٌ في أساسها. لا يمكن للخيال أن يكذب. فهو كاشف عن نفسانيتنا، عن قلقنا الدائم أو الراهن، عن اهتمامات الإنسان في كل زمان واهتمامات إنسان اليوم، عن كل ما في أعماق الروح. إن الإنسان الذي لا يحلم هو إنسان سقيم. وإن مهمة الحلم هي مهمة لا بد منها، ومهمة الخيال هي أيضاً مهمة لا بد منها. إن الفنان الذي يراد أن تنتزع منه الحرية القادرة على الخيال، أي حرية الذهن، هو إنسان مستلب. إن كبار الثوار والذين سبقوهم كانوا أناساً حالمين ـ أي واهمين. إلا أن اليوتوبيا حينما تصبح دولةً، إلزاماً، قانوناً، فإنها تكون كابوساً. إن الحلم، كما يقول أحد كبار علماء النفس، هو دراما نحن في الوقت نفسه مؤلفها، وممثلها ومن يشاهدها. إن المسرح هو بناء من الخيال الحر. وكل فرد يحتاج لأن يبتكر. أنا نفسي كتبت أعمالاً مسرحية من أجل متعة الابتكار. إن التخيل، والابتكار ليسا بعمل أرستقراطي. إننا جميعنا فنانون في كامل قدرتنا. إن المسرح الشعبي الملتزم، الموجّه، الذي يملي عليه دوره ممثلو الدولة، والسياسيون، ليس بمسرح شعبي، وإنما معتقل، ومسرح غير شعبي. إن المسرح الشعبي، هو مسرح الخيال، المسرح الحر الحقيقي. أراد أيديولوجيو السياسية أن يبسطوا سيطرتهم على المسرح وأن يستخدموه كأداة. إلا الفن ليس، أو لا ينبغي له أن يكون، شأناً من شئون الدولة. إن اعتراض انسياب الإبداع الخلاق لهو جرمٌ كبيرٌ ضد الروح. إن الدولة ليست سوى بناء كبير مصطنع للمجتمع. والدولة ليست هي المجتمع، إنما يريد السياسيون استخدام الإبداع الدرامي والسيطرة عليه لخدمة دعوتهم. وفي الواقع، إنه من الممكن للمسرح أن يكون أحد الوسائل التي تتوق إليها أية دعوة، ويتوق إليها ما يمكن أن يطلق عليه "التربية السياسية"، أي استلاب العقول وملأها بما لا يفيد. إن على رجال السياسة أن يكتفوا بأن يسخروا أنفسهم لخدمة الفن، خاصةً الفن الدرامي. وعليهم أن لا يتولوا مهمة الإشراف الإداري عليه، وأن لا يفرضوا عليه على وجه الخصوص رقابتهم. بل يجب أن يتركز عملهم في توفير الشروط التي تسمح بتطور الفنون تطوراً حراً، خاصةً الفنون المسرحية. إلا أن الخيال يخيفهم.

في بعض البلدان، نرى الرقابة التي تفرضها الحكومات تعيث في الأرض فساداً. يا لبؤس الحكومات التي تخاف من المعارضة. لأنها تفتقر إلى الثقة في نفسها. وفي بعض البلدان، لا سيما في الغرب، نجد بعض الحكومات أكثر تحرراً من المعارضة. وأن المعارضة هي التي تفرض رقابتها. إن ممثلي هذا النوع من أشكال المعارضة يتشهون الحكم، ويتشوقون لفرض دكتاتوريتهم، وبسط سيطرتهم. إنهم يمارسون ضغوطاً أخلاقية حقيقية، وابتزاز أيديولوجي وأخلاقي. ويتسم هؤلاء في الغالب بضيق الذهن، وبأنهم أقل تسامحاً من حكوماتهم، لذا، كثيراً  ما يلجأ فنانو هذه البلدان إلى فرض رقابة ذاتية على أعمالهم. يا لتعاسة المعارضة التي تتخوف من المعارضة المضادة، ويا لتعاسة الفنانين الذين باسم الأيديولوجيات الثورية أو التي تدعي الثورية يقفون في وجه الحرية الخلاقة، وفي وجه التطور الحر للخيال. لا شيء يمنع المواطن من أن يلتزم سياسياً وفق ما يريد. بيد انه كفنان له نظرة ناقدة تجاه أي شيء، لا بد أن يكون حراً. لهذا السبب يصبح العمل الملّح الذي يجب أن يقوم يقوم به الفنانون والمؤلفون المسرحيون من كل البلدان، هو إبعاد أي صفة سياسية من المسرح، أو بالأحرى أن لا يعيروا اهتماماً للدولة ولا لمفكريها الذين يسعون لجذبهم لصفوفهم. يقولون أنه ليس للفن حدود. كذلك، فإنه يجب أن لا يكون للمسرح حدود. ومن وراء الخلافات الأيديولوجية،  والطوائف، والأعراق، والنزعات القومية، والأوطان ذات الصفة الخاصة، يجب للمسرح أن يكون وطن كونِّي، مكان يلتقي فيه كل الأفراد الذين يجمع بينهم نفس القلق ونفس الآمال التي تنهض بالحلم، أن يكون المسرح كذلك ليس بصورة عشوائية، ولا واقعية، وإنما تعبيراً عن هويتنا، واستمرارنا، ووحدتنا.

لا لتوجيه للمبدعين! ولا تعليمات يتلقونها من الحكومات.

 

يوجين يونيسكو

 

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco