header

فنون تشكيلية
Plastic Arts |
Arts plastiques

 
معارض تشكيلية
Exhibitions, Expositions
مقالات، دراسات، بحوث
Articles, Etudes et Recherches | Essays, Research

 "حسين شريف، السحر والتجريب.."
 



طلال عفيفي

النظر إلى لوحة من اللوحات التي رسمها حسين شريف (1934- 2005)، يمكن أن نعتبره واحده من أندر المُتع والمشاهدات التي قد يمر بها الإنسان على المستوى البصري. فهو يأخذك عبر رحله من الألوان، وينسحب بك، إلى عوالم فريده، ربما تشبه الحلم (ذلك الشيء الذي نعرف جيداً جداً أننا شاهدناه، لكننا، وللأبد لن نعرف من أين بدأ ..).

يعتمد حسين شريف على التجريد في لوحاته الأقرب للنبوءة أو السحر .. إذ لا نجد أثراً لشكل محدد أو معروف .. إنما يعتمد في تأثيره على مجموعه قويه من الألوان، وهي غالباً ما تكون ألواناً لم نبصرها من قبل، عرف هو كيف يخرجها من مجال خياله إلى السطح ... وهنا مكمن السحر!

الألوان عند حسين حُره، ولا ترتبط مع بعضها بعلاقات الهارموني المعروفه، ولكن يربط بينها ذلك الحزن الداخلي والصفاء الروحي ... وهي حرة كذلك، من حيث كونها مفكوكة العُقال لا تحد حركتها حدود، فلا تعرف من أين بدأ اللون وأين إنتهى ..

سطح اللوحه عنده أقرب إلى سطح البحر: واضحه، ولكنها غير محددة التفاصيل.

إنها السيره الذاتية للألوان ..

فتتعرف إلى تاريخ ميلاد الأبيض .. وتتابع نمو اللون ونضوجه، منذ أن كان أزرقاً.

رحلة من التقصي والمتابعه ..

إن حسين شريف يفصص عن اللون قشوره، يعيده إلى أصله، ثم يرممه من جديد ويعقد له الصداقات مع الالوان الأخرى .. فتتعرف ألوانه إلى بعضها البعض ويحكي كل منها حكايته بصراحه ..

ثمة إشراق تلمحه في لوحاته ..

التجريد في الرسم من أصعب الأشياء على الإطلاق ..

فبجانب إعتماده الدقيق على الموهبه والتجريب والإستناره، فإن الفن التجريدي لا يتكيء أو يراهن على أي علاقه مشتركه من قِبل الفنان مع المتلقي .. أي أن الفنان يبدأ من الصفر، وعليه أن يصل إلى الذروة.

وهو ما يجعل عملية التجريد عمليه في غاية الإرهاق والعنت .. فهو حين يبدأ بالتلوين ينسى كل ما رآه في العالم، ويرمي بذاكرته البصريه وراء ظهره .. يبدأ في الإنصات لهسهسة الألوان والإنصياع لرغباتها.

يدخل معها في حوار داخلي، تنتج عنه، في الغالب، تلك المعادلات اللونيه.

لكن حسين شريف كان أكثر تغولاً وسطوة على الألوان، فكان يسمعها ويحس به لكنه، هو، وحده الذي يقرر كيف تعبر هي عن لونيتها.

وهو أمر يشبه في حذافيره ما يصنعه حسين شريف المخرج السينمائي، إذ هو على مقربة وصلة حميمة بالممثلين ومشاعرهم طوال الوقت، لكن ما أن تحين لحظة التصوير، يتحول هو إلى اللاعب الرئيسي والممسك بخيوط المشاعر بين أصابعه، يوجهها شمالاً أو جنوباً.

يذكرني الأمر حين جاء بعض المثقفين إلى الرئيس "أنور السادات" وقالوا له أن الشعب له بعض الآراء، فرد عليهم بقولته العجيبه: "أنا الشعب " .. (!!).

حسين شريف يقول: أنا الألوان.
 

في اللوحة الواحدة عند حسين شريف، لا تستطيع أن تحصي عدد الألوان، أو كميتها، أو حتى معرفة درجات خلطاتها.
 

من متابعتي له في أعماله، ومراقبتي له في تنفيذها، حين كنت مجاوراً له منذ العام 1998، لاحظت أن اللون عنده، حتى يخرج إلى حيزه الأخير، قد يستغرق سنوات.

كان يطبخ الألوان .. يأخذ اللون من الأنبوب المعدني ويسرح به على السطح، يضيف عليه بعض الزيت، ثم يغادر .. ليعود بعدها، ربما بأيام، ليضيف على اللون القديم لوناً آخر، أو ملحاً، أو بعض الزيت مرةً أخرى.

بين مغادرته للوحته وعودته إليها، ينهمك حسين في أعمال أخرى: يرتب أوراق فيلمه الجديد، يقرأ في ملحقه الثقافي المفضل "ABC"، أو يعد وجبة للعشاء لا تقل في عجائبيتها عن أعماله الفنيه ..

كان يستمع إلى الموسيقى ويحبها بشكلٍ نهم .. وربما كان هذا ما صبغ على سطوح ألوانه تلك الحاله

الراقصه .

كان حسين شريف " مُلَوِناً " وليس رساماً.

كان يقول لي

"I am a PAINTER"!!

كان ينطقها بقوه، وبطريقة ملوكية.

ولا أعتقد ان الرجل كان غليظاً في هذا الإصرار ... فالمسافة بين الرسم والتلوين كبيرة ...

والأكثر من ذلك أن هناك إختلاف في نوع كل واحد منهما عن الآخر.

الرسم شكل نهائي ومحدد .. مهما شابه من غموض وصعوبه.

الرسم يشبه الغناء: كلمات معينه وبلغة معينه على خلفيتها لحن.

بينما أن التلوين يشبه الموسيقى أو تلك السيمفونيات: مجموعة من الموجات الصوتيه التي لا نفهمها. ولكننا نحسها.


الكثير من عابري ومشاهدي معارض التلوين يقولون تلك الجملة الشهيرة: نحن لا نفهم شيئاً .. (!!)

ليس ضرورياً، على الإطلاق، أن نفهم .. الضروري أن نشعر ..

إنه الوقت الذي يسيطر فيه المزاج على الوعي.

وتنتصر الروح على العقل.

خمس وأربعون عاماً مرت منذ أن عرض حسين شريف، ولأول مرة، لوحاته في معرض ببريطانيا.

كان ذلك في "Gallery one" وكان عمره أيامها سته وعشرون عاماً، في لندن.

ومن ليلتها، وحسين شريف يمارس التلوين ويعرض لوحاته في مختلف البلاد والأنحاء، سوى أنه لم يكرر لوناً واحداً مرتين.

كان يعرف سر الألوان، ولديه القدره في جعلها أن تحكي، في كل مرة، الجديد والمزيد.

حين أشاهد أعمال حسين شريف، أشعر بشيء غريب ..

أشعر أن الألوان تتنفس .. وتتحرك حركة خفيفة .. تبتعد عن بعضها قليلاً وترجع .. وكأنها ترتعش، أو كأن اللوحه ترمش.

وبعض ألوانه شهيه لدرجة أني أشعر بكوني لو مددت لساني سأتذوق طعم الحلوى..

يلعب بالأصفر وكأنه يرمي بالنرد على طاوله.

ويدور باللون الأزرق حتى يدوخ، فيقول "أنا أبيض"!

يعرف خطورة الأحمر .. فيسايسه برفق، يأخذ عنه إشراقه ومجونه الخفيف، ثم يتركه ليذوب.

لا يسمح لأي لون أياً كانت درجة حرارته، أن يخرج عن إطاره الخاص. (حتى لو كان الأحمر بجلالة قدره ..).

يسيطر على اللوحه بخبرة عمر طويل ومحبة طفل صغير.

والألوان لا تأبى أو ترفض .. تنصاع له عن درايه.

فكل لون في الدنيا يعرف أن حسين شريف سيخرج به من صمته ومكمنه ..

يحك فانوس اللون السحري ويخرج اللون من قمقمه.

كان حسين يعرف سر ألوانه .. وجمالياتها ..

وكان يعرف كيف يبرز أناقة اللون، ليس فقط بإستحضاره في اللوحة، بل بتلميعه، وإظهار مفاتنه الخاصه.

فتجد أن ألواناً (أو تكوينات لونية، بمعنى أدق) بارزه بشكل مادي، وهو ما يعرف بال " Relief " .. أي أنها ملموسه فيما يشبه النحت ..

هناك شخصيتان رئيسيتان في أعمال حسين شريف:

الأزرق والمربع ..

فمن ناحيةٍ لونية (وهي أساس قراءتنا لحسين) نجد أن اللون الأزرق هو الحاضر في أكبر عدد من لوحاته. اللون الأزرق بكل تجلياته السمراء والشقراء.

الأزرق عنده لون أساسي .. تراه قوياً ينادي الحياة، أو خفيفاً يشبه الإكتئاب.

أما المربع، فهو دائماً هناك .. على الخلفية، أو في مكان ما .. يختبيء في وضوح طفل بريء ..

وفي هذا المربع الخفي/الواضح، ترقص لوحة حسين ..

فإذا كانت لوحة حسين وألوانها تتحرك بعفوية، فإن المربع هو تلك المنطقة التي لا تتحرك فيها الألوان إلا بإرادة الفنان حسين ..

المربع في لوحة حسين، هو المعرض الرسمي والحقيقي.

المربع لوحته الحقيقية .. وهو ما يود قوله في خضم الهامش: هامش حرية الألوان.
 

هو المربع الذي إستدرجه أن يكون، بجانب كونه من التلوينيين المهمين، مخرجاً سينمائياً، مختلفاً ومدهشاً.

فانطلق خلف الشاشة، ليرًوِّض خيلها ..

وقال: "لا نملك إلا الإعتراف بالرؤى الإبداعية الأخرى التي أضفاها فن التشكيل الحديث بمدارسه الجنونية العظيمة إلى فن تركيب الفيلم ... "

إلى اليوم، لا أعرف من الذي ترك أثره على الآخر.

هل سكنته السينما؟

فكانت لألوانه تلك القدرة على الحركة والتأثير؟

أم أن الألوان سرقته فكانت أفلامه مجرد معبر لخيالاته.

لكني متأكد، وبشكل نهائي، أن حسين شريف كان من الملوك: ملوك الرؤيه.

كان يعرف بحق، ما عليك أن تراه حتى تفكر وتحس.
 

....

طلال


 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco