|
هذا هو نص الكلمة التي
شارك بها د. عبد الله بولا في احتفالية "حسين
شريف، ذكرى حيّة" التي أقيمت بلندن يوم الأحد 10
يوليو 2005. وكان من المفترض أن يرسل كلمته
مسجلة في شريط فيديو، إلا أن مصاعب فنية حالت
دون ذلك، لذلك بعث بنصٍ مكتوب للمشاركة في
الاحتفال. وسنقوم بإنزال الشريط بمجرد زوال هذه
الصعوبات الفنية الطارئة.
السلام عليكم جميعاً، نساءً ورجالا،
أود
أن أعبر هنا عن جزيل شكري وامتناني لأسرة أستاذي
العظيم وصديقي، الحميم أيضاً، الراحل الباقي،
حسين شريف، بتشريفها لي بالدعوة للمشاركة في هذه
المناسبة الجليلة. وأرجو أن تتكرم أسرة أستاذي
وصديقي، بقبول اعتذاري الحار، عن عدم قدرتي على
حضور هذه المناسبة، وتقدير العوارض والمشاق
القاسية المريرة التي حالت دون حضوري، والتي
ظللتُ أصارعها حتى آخر لحظة.
وأود
ثانياً أن أصارحكم بالصعوبة الشديدة التي
واجهتني في كتابة هذه الكلمة. إن هذه الصعوبة،
التي لا شك في أن آخرين وأخريات كُثرٌ غيري قد
واجهوها وواجهنها، هي عندي نابعةٌ من علو هذا
الصرح الإبداعي والإنساني الشامخ، أستاذنا حسين
شريف، ومن فرادة مساهمته التي لا تحيط بها
العبارة مهما دقَّت وسَمَقت وأُحكِمت صياغتها.
فأرجو أن تعذروني وتعذرنني إن جاءت كلمتي هذه
قاصرةً عن مقام أستاذي الجليل. وهيهات.
وأستميحكم العذر أيضاً في أن أحصر كلمتي في ثلاث
نقاطٍ تصورت أنها أساسية في سيرة مساهمة هذا
الإنسان السامق والمبدع المتفرد والأستاذ الذي
قل من يضاهيه في الجدارة بهذه الصفة.
النقطة الأولي هي فرادة حسين شريف المبدع،
والثانية فرادة حسين شريف في حركة الحداثة
السودانية والعالمية، والثالثة فرادة حسين شريف
الأستاذ.
في
اعتقادي إن أهم عنصر في فرادة مساهمة أستاذنا
حسين هو اختياره للإبداع الفني بكل صنوفه
وأنواعه مشروعاً لحياته. وتوحده المطلق مع هذا
الخيار وتجسيده الفذ له. ففي سيرة حسين شريف كما
عرفتها ورصدتُها عن قربٍ، كناقدٍ ومشتغلٍ بعلم
الجمال وعلم الاجتماع الثقافي، ليس هناك مطلقاً
من علامة فاصلةٍ من أي نوعٍ، وأية درجةٍ، بين
الفنان و"الإنسان اليومي".
إلا
أن شاهد "الفرادة الفريدة" في سيرة حسين
ومساهمته واختياره، يلتمس، في تقديري، في المجال
الحيوي والاجتماعي المباشر الذي أحاط بحسين.
فحسين شريف هو كما تعلمون جميعاً، ابن المؤسسة
الرمزية التاريخية الكبرى، وأعني الحركة المهدية،
وابن الطائفة الكبرى، وابن المؤسسة السياسية
الكبرى، مؤسسة السلطة والحظوة والجاه. في قلب
هذا السياق الذي تصعب مقاومة إغراءاته العنيدة،
اختار حسين شريف مشروع المبدع. وكانت مجالات
خياره الإبداعي الأساسية، التشكيل أولاً، ثم
السينما، هي أقل الخيارات حظوةً في فضائنا
الثقافي/القيمي الرسمي والسائد، وانعكاساته في
مجالات التعليم، والإعلام، والإدارة. لم يتردد
حسين لحظةً في هذا الخيار، ولم يساوم، بل ولم
ترد حتى في خواطره الدفينة، نأمةٌ من التردد في
اختيار مشروعه. وبهذا فهو يمثل حالةً نادرةً في
مجالنا الإبداعي، الذي تتمزق فيه جمهرة غالبة من
المبدعين بين المشروع الإبداعي، وإغراءات الحظوة
الأفندوية في مرافق الدولة العليا، والمؤسسات
السياسية والاجتماعية المسيطرة. مع أن فرص حسين،
في الخيارات الأخرى كانت أوسع بما لا يقاس.
في
خصوص النقطة الثانية، دور حسين ومساهمته في حركة
الحداثة الإبداعية، نلتقي بنفس فرادة الرؤية
والخيار. فإذا اتفقنا على أن العنصر الأساسي في
تعريف الحداثة هو الحضور في العصر، "البقاء في
العصر بين طلوله المتناوحة"، على حد تعبير
الصديق الشاعر محمد المكي إبراهيم. و"طلول العصر
المتناوحة" هي في تقديري قضاياه، وعلى رأسها في
المجال الإبداعي، حرية التعبير، والبحث والتجريب.
في هذا المضمار، كانت المقولة السائدة في مجال
الإبداع الفني، في كل منطقة حركة التحرر الوطني،
ومن ضمنها السودان، هي مقولة "التراث والمعاصرة".
وهي تعني في القراءة الباطنية التفكيكية "المزاوجة
بين منجزات الحداثة الأوروبية، ومنجزات السلف
التاريخي المحلي"، في معنى أنه ليس من حداثةٍ،
أو معاصرةٍ، أخرى ممكنة سوى الحداثة والمعاصرة
الأوروبيتين، وأن إنجازنا التاريخي، والمحلي لا
سبيل له إلى إنتاج المعاصرة والحداثة من حر
أحشائه، وبعبارةٍ أدق من موقعه الذاتي بين "طلول
العصر المتناوحة". وهذه رؤية تجعل منا تُبَّعاً
"بالأصالة" في نهاية التحليل.
في
المقابل كان هناك ما أسميه بـ"حركة
الحداثة الطليقة"، التي يمكن تعريفها باختصارٍ
في هذا الحيز الضيق، بأنها الصدور من موقع
الندية والحضور الذاتي في العصر. وجوهرها ثقتنا
بقدرتنا وحقنا في الاختراع والإبداع الطليق
المستهلم من حقائق وجودنا المتجذر في قضايا
عصرنا كمشاركين أساسيين فاعلين في "حوار
الحداثات" النقدي، وليس مجرد منفعلين بؤساء.
وأكتفي من هذا الموضوع الطويل المعقد، نزولاً
على مقتضيات الوقت، بالقول بأن أستاذنا حسن شريف،
كان أحد الرواد الأشاوس في هذا المضمار، مضمار
حركة الحداثة الطليقة، حداثة الندية، التي هي
الحداثة الحقيقية "الوحيدة"، في تقديري.
النقطة الثالثة، عن فرادة حسين شريف الأستاذ،
وهي النقطة التي أزعم أنني أتحرك فيها من تجربةٍ
شخصيةٍ، وأمتلك فيها حقائق تجريبية مؤكدة. إلا
أن ضيق الوقت لن يسمح لي بالتفصيل. فأكتفي
بالقول بأن أستاذنا الجليل، الذي حظيتُ بأن أكون
أحد تلاميذه في السنة الأولي بكلية الفنون
الجميلة والتطبيقية، لم يصدر، في "نقل خبرته"
إلينا، من موقع السلطة شأن الغالبية العظمى من
أساتذة الكلية، (فيما عدا أساتذتنا الأجلاء،
إبراهيم الصلحي، وتاج السر أحمد، ومحمد عمر خليل)،
وإنما كان يصدر من موقعٍ متفرد للرفقة والتضامن
والحوار. وقد كان احترامه لخيارات طلابه على
درجةٍ رحيبةٍ من السعة، واليقين بأن رؤيته
وتجربته لا تلزمان طلابه بأي حالٍ من الأحوال،
ولا تمثلان معياراً مطلقاً يحاكم به الآخرين،
سواءً أكانوا من طلابه أو غيرهم. وهذه هي رؤية
الأستاذ الجدير باسمه بالفعل، وهي الرؤية
الحداثية الطليقة بحق.
جزيل
شكري على صبركم على هذه الكلمة المرتبكة من فرط
جلال حضور أستاذنا المهيب في ذهني وأنا أكتبها.
وإلى لقاءٍ قريب نستنشق فيه عطر ذكراه الباقية
أبداً.
المخلص/ عبد الله بولا |