|
مقدمــة كتاب
"مساهمات في الأدب التشكيلي"*
تأليف صلاح حسن عبد الله
مع بدايات النصف الثاني من ثلاثينيات القرن
العشرين بدأت في السودان
محاولات تعليم التشكيل الحديث (الأكاديمي،
المدرسي) ببخت الرضا بمدينـة
الدويم على يد المسـتر جان بيير غرينـلو
JAN
PIEER GREEN LAWوقد تدرج
المستر غرين لو في محاولاته بين معلمي المدارس
الأولية ثم الوسطى وصولاً إلى
كلية غردون التذكارية بالخرطوم حيث تمكن من
إنشاء مدرسة الخرطوم للتصميم التي
أصبحت نواة لمدرسة التصميم؛ كلية الفنون
الجميلة والتطبيقية بالخرطوم في ما
بعد.
وتخرج أول طالب في كلية الفنون الجميلة
والتطبيقية بالخرطوم عام 1945. وكان هو
الأستاذ عبد الله محيي الدين الجنيد. وفى عام
1957، تخرجت أول طالبـة
بالكليـة وهى الأسـتاذة مارغريت فانوس.
وخلال عمرها الذي أصبح طويلاً تنكبت كلية
الفنون مشاق الترحال من مباني كلية
غردون التذكارية إلى مباني وزارة الأشغال
(مؤقتاً) حتى استقر بها المقام
بمباني معهد الخرطوم الفني، سابقاً، جامعة
السودان للعلوم والتكنولوجيا
حالياً.
وقد كان ترحال كلية الفنون، وعلى مدى كل
سنواته، مصحوباً دائماً بالأمنيات
الطيبة، والوعود للكلية بمنحها مبانيها
المستقلة المنفصلة قطعة أرض بمزرعة
كافوري ثم الموقع الحالي لجامعة القرآن الكريم
ثم قطعة أرض أخرى بمدينة الرياض...إلخ). ولكن
الوعود ما قطعت أرضاً لكلية الفنون ولا ظهراً
لها
أبقت. وبقيت مبانيها على نفس حالها القديم.
ورغماً عن عدم الاستقرار إلا أنَّ كلية الفنون
أخذت تستقبل سنوياً أعداداً
متزايدة من الطلاب حتى بلغ متوسط عدد الطلاب
الملتحقين بالكلية خلال عقد
السبعينات أكثر من 30 ثلاثين طالباً سنوياً،
ثم ارتفع المتوسط خلال عقد
الثمانينات إلى أكثر من 40 أربعين طالباً
سـنوياً، حتى بلغ المتوسط أكثر
من مائة طالب سنوياً خلال عقد التسعينات.
ومع تطورات الحياة الاجتماعية والاقتصادية
والثقافية والسياسية تطورت كلية
الفنون تبعاً لتطورات احتياجات الحركة
الاجتماعية للكوادر المؤهلة من
التشكيليين. وأصبح للحركة التشكيلية تيارات
ومدارس وقضايا فكرية ونظرية
متشابكة ومتداخلة؛ يتفاقه التشكيليون حولها
كثيراً، ويتفقون أو يختلفون.
خلال فترة الستينات، وعندما كانت حركة التحرر
الوطني في أوج عنفوانها. وعقب
ثورة أكتوبر ومدها الجماهيري، اجتاح الساحة
التشكيلية ما اجتاح الساحة
الثقافية من الزخم الذي ساد مجالات الأدب،
الشعر، الموسيقى... إلخ. ولعلنا نذكر هنا بوجه
خاص مساهمة تنظيم الكتاب والفنانين التقدميين
(أبادماك) وأنشطته التي شملت تسيير القوافل
الثقافية التي وصلت إلى كثير من مختلف أنحاء
السودان. وقد كان التشكيل واحداً من صميم
أنشطة أبادماك. والطلاب الذين
التحقوا بكلية الفنون في بداية السبعينات،
كانوا هم أبناء الزخم الذي ساد خلال
فترة الستينات. وفى نهاية الستينات وبداية السبعينات
شهد السودان جملةً من الأحداث
الرئيسية في ما يخص حياة الناس. ولعل أبرزها
قد كان هو إعلان حل الحزب الشيوعي
السوداني، ثم انقلاب 25 مايو 1969، ثم حركة 19
يوليو وما أعقبها من سفك
للدماء.
لم تكن حركة المثقفين، وبالتالي الحركة
التشكيلية بمنأىً عما يدور من
حولها. ومن داخل هذا المناخ الذي اتسم بسمة
تنامي المد الجماهيري الديمقراطي
من جهة، وسمة الصراع الدموي على الساحة
السياسية من جهة أخرى، من داخل هذا
المناخ تشكلَّت الأرضية التي تأسست عليها
واحدة من أخصب فترات الحركة التشكيلية
وذلك خلال فترة السبعينات والثمانينات، وهى
الفترة التي تشكل موضوع هذه
الدراسة.
ورغماً عن ظلال حركة التحرر الوطني الكثيفة
على الساحة الثقافية إلا أنَّ أهمَّ
ما يلفت الانتباه هو انسلاخ التشكيليين
السودانيين بكامل جلدتهم عن مختلف
أدبيات تيارات الحركة الثقافية التي كانت
سائدةً آنذاك من أقصاها إلى أقصاها.
راجع في ذلك كتابات عبد الله بولا عن بابلو
بيكاسو الفنان العالمي؛
الأسطوري؛ الذائع الصيت (...لكن صورة بيكاسو
وما ترتب عليها وما سبقها من
تبهيم للرؤية وطمس للمفاهيم النقدية التشكيلية
كان أكثر بشاعة بما لا يقاس.
وهكذا كان بيكاسو سبباً ونتيجة لغياب الفهم
العلمي والموضوعي لظاهرة الفن
التشكيلي. ولسنا هنا بصدد الهجوم أو الدفاع عن
أو على بيكاسو أو اليسار
الفرنسي. بل بصدد توضيح كيف أنَّ الرؤية
العلمية في هذا المجال كانت غائبة لا
على اليسار الفرنسي بل على العالم أجمع، بحيث
تمكن رجل متوسط المواهب من أن
يحتل المركز الأول في تطور وتطوير الحركة
التشكيلية. ولو أنَّ بيكاسو لقي ما
لقيه من الإجلال والتأليه من النقاد
البرجوازيين لاعتبرنا ذلك شيئاً طبيعياً
ولازماً لتسويق أعماله ولتنشيط سوق الأعمال
الفنية التي تحولت مع مجيء المجتمع
البرجوازي إلى سلع، إلا أنَّ الذي يثير
اهتمامنا ويشكل عظم دوافعنا هو جواز
هذه الأكذوبة على اليسار الفرنسي بالذات والذي
يضم مجموع عظيم من المفكرين
والشعراء والأدباء لهم دور كبير في تكويننا
الثقافي ورؤيانا الجديدة. وقد
دفعنا إلى تناول بيكاسو بالذات كونه أقل
معاصريه خبرةً وأكثرهم صيتاً وأشدهم
قدرةً ومساهمةً فى التعمية (جريدة الأيام عدد
30 مايو 1975).
وحتى الواقعية الاشتراكية بكل بريقها الذي سلب
الباب الحركة الديمقراطية في
العالم، إلا أنَّ أطروحات التشكيليين
السودانيين لم يكن لها من نصيب في هذا
البريق في أدبياتهم، فتجاوزوه وأسسوا لحركتهم
بما اعتقدوا في صحته وفى سلامته. ورغماً عن
أنَّ كتابات الشاعر والمفكر النمسوي الماركسي
إرنست فيشر، وعلى
نحو خاص جداً، حازت قدراً كبيراً من الاحترام
لدى التشكيليين السودانيين، حتى
من قبل الذين عرفوا بعدائهم التقليدي للفكر
الديمقراطي وللفكر الماركسي، إلا
أنَّ إرنست فيشر نفسه رفض عبارة "الواقعية
الاشتراكية" في أساسها واستعاض
عنها بعبارة "الفن الاشتراكي". راجع في ذلك
كتاب ضرورة الفن (ص 140 إلى ص
149). اعتمدنا في هذه الدراسة على مجموعة من
المقالات والكتابات التي نشرت خلال
الفترة من 1974 إلى 1986. وقد بدأت إرهاصات
هذه المساهمات مع بداية السبعينات
كمناظرات داخل كلية الفنون وسط الطلاب. ومنذ
العام 1974 انتقلت المناقشات إلى
خارج جدران الكلية كمناقشـات على بعض الصحف
والمجلات. (جريدة الأيام، مجلة
الثقافة السودانية... إلخ). كان النشاط
الاجتماعي داخل كلية الفنون على درجة عالية
جداً من الثراء ومن
الحيوية. وهذه الحيوية كانت تجد التعبير عنها
في ما هيأته من مناخ للحوار.
بمعنى أنَّ مناخ الحياة، الذي كان يحمل فعلاً
معنى الحياة، كان هو المناخ
الذي تأسست عليه الحياة
النظرية والفكرية وسط التشكيليين خلال الفترة
التي نحن
بصددها الآن.
تشمل هذه الدراسة تحليلاً نقدياً لأدبيات
التشكيل في السودان خلال الفترة من
1974
إلى 1986.
وذلك بالرجوع، بشكل أساسي، إلى مصادر الكتابات
التي تمت على
مجموعة من الصحف والمجلات السودانية.
وتحتوى الدراسة على خمس أبواب
:
1 ـ الباب الأول، وهو حول الفترة
المعنية في عمومياتها ومدى ضرورات الاهتمام
بها.
2 ـ الباب الثاني، يستعرض تاريخ ونشأة
كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالخرطوم
ثم عرض وتحليل نقدي لما دار حولها من صراعات.
3ـ الباب الثالث، يتناول مدرسة الخرطوم
وما طرح حولها من مساجلات ومناظرات.
ثم تحليل نقدي لأطروحات التشكيليين السودانيين
حول قضايا التراث.
4ـ الباب الرابع، يتناول التيارات
التشكيلية الأساسية بكل صراعاتها
الأيديولوجية؛ الفكرية والنظرية حول قضايا
التشكيل.
5ـ الباب الأخير يختص بتقديم عرض موجز
لتاريخ الإتحاد العام للفنانين
التشكيليين السودانيين وعرض لإشكالاته
المختلفة.
ولما كانت هذه الدراسة تعجز عن الإيفاء
بمتطلبات التحليل الكامل لكل تفاصيل
موضوعاتها فقد ألحقنا بنهايتها مجموعةً من
الملاحق التي تصلح كمؤشرات للتدليل
على طبيعة اختلاف الرؤى والمفاهيم التي سادت
الساحة التشكيلية. علَّ ذلك يسهم
بما يمكن أن يضيء بعضاً من جوانب الفترة
المعنية.
* صدر هذا الكتاب عن مؤسسة أروقة للثقافة
والعلوم بالخرطوم ضمن منشورات
الخرطوم عاصمة للثقافة العربية في العام 2005.
|