|
حوار مع الفنان صلاح حسن عبد الله
احتفاءً بكتابه "مساهمات في الأدب التشكيلي"
أجراه معه أسامة عباس
يمثل
هذا الكتاب (مساهمات في الأدب التشكيلي)
لمؤلفه صلاح حسن عبد الله
وثيقة مهمة للتشكيل، باعتباره أول كتاب ينشر
في اللغة العربية حول التشكيل
الحديث في السودان. وقد توزعت أبوابه على
النحو التالي: هذه المساهمة، كلية
الفنون الجميلة والتطبيقية، مدرسة الخرطوم
وقضايا التراث، الصراعات الفكرية
والنظرية الأساسية، الإتحاد العام للفنانين
التشكيليين السودانيين، الملاحق
ثم غاليري ضم مجموعة من الأعمال التشكيلية
للمؤلف وفنانين آخرين.
وقد صدر هذا الكتاب عن مؤسسة أروقة للثقافة
والعلوم بالخرطوم ضمن منشورات
الخرطوم عاصمة للثقافة العربية في العام 2005.
وهنا ولأجل الحوار، قدمت بعض الأسئلة للمؤلف
على ضوء ما قرأت في الكتاب الذي
اتبع أصلاً طريقة حوارية كان المؤلف يناقش
عبرها أفكاراً وأشخاصاً
ـ أفكاراً ما تزال ساخنة وأشخاصاً ما يزالون
أحياءاً. وأيضاً، ولاعتباره صاحب
كتاب في شأن التشكيل، يكون صلاح حسن عبد الله
أحد الجديرين الذين يحق لي
التوجه نحوهم بالسؤال، وقد سألته:
هذا الكتاب (مساهمات في الأدب التشكيلي) هو
الأول من نوعه، رغم العلم،
بواسطته أو قبله، بوجود نشاط تشكيلي،
ونقاش وتداول حوله خلال الفترة
التي حددها الكتاب أو في طيلة فتراته. سؤالي
هو: لماذا هذا الكتاب هو الأول
عن التشكيل في السودان؟
قبل أن نقر بأنَّ الكتاب هو الأول من نوعه في
السودان، يلزمنا بعض
من الدقة. فهنالك كتاب الدكتور راشد دياب،
والذي اعترضته بعض الإشكالات
القانونية فلم يتم نشره. وقد اضطلعت على نسخة
منه بين يدي الدكتور راشد. ولاحظت انَّه يتكون
من مجموعة من المواضيع المتفرقة. بعضها عبارة
عن سيرة
ذاتية لبعض التشكيليين السودانيين، وبعضها
عبارة عن أراء لبعض التشكيليين
حول بعض قضايا التشكيل والجزء الآخر هو بعض من
أراء الدكتور راشد حول بعض قضايا
التشكيل، وجزء آخر هو مادة تاريخية توثيقية،
وهكذا. باختصار يمكن القول أنَّ
محاولة الدكتور راشد دياب تنقصها فكرة وحدة
الموضوع. رغم أنَّ منظمتي اليونسكو
والأليكسو قدمتا دعماً مالياً بما قيمته
30.000 (ثلاثون ألف) دولار لإعداد
كتاب الدكتور راشد دياب. وهنا فلنا أن نتساءل
عن الأسس التي تقدم بها كل من
اليونسكو والأليكسو دعمهما للإصدارات الثقافية
الخاصة بهما. إضافة إلى أنَّ
عنوان كعنوان "الفن التشكيلى في السودان" هو
أشبه بما يصادفنا أحياناً من
عبارات كعبارة "الفن الأفريقي أو الفن
البدائي" بدون تحديد لأي فترة زمنية أو
بيئة جغرافية يشملها موضوع البحث، وبدون تحديد
لأي جانب من جوانب ما يسمى بـ
"الفن الأفريقي أو البدائي" في موضوع
البحث.
إذا رغبنا في الحديث عن الفن التشكيلي في
السودان فلنا أن ننظر في المدى
الجغرافي الواسع الذي يمثله السودان، وعلينا
أيضاَ أن ننظر إلى واقع الحال في
ندرة المراجع أو غيابها في أحيان كثيرة. ولنا
أيضاً أن ننظر في أن أجزاء حاسمة
مما هو متوفر من المراجع تمت كتابته عن طريق
كتاب غير سودانيين. بنا حاجة للتحقيق والتدقيق
في تاريخ السودان بمستوى لا يقل في أهميته عن
مستوى اهتمامنا
بمحاولة رصد الظواهر. من المستحيل لكتاب واحد
أن يفي موضوع كموضوع "الفن
التشكيلي في السودان" حقه في البحث.
كتاب "مساهمات في الأدب التشكيلى"، الذي لم
يجد الدعم من أى جهة كانت
لإعداده، حاول ضبط موضوعاته. وهو محاولة
لمنهجة المناقشة على جبهة التشكيل
باختيار فترة محددة تاريخياً بما توفر من
الإحاطة بموضوعاتها في جانب محدد هو
جانب أدبيات التشكيل خلال الفترة موضوع
الكتاب. بهذا الأفق فيمكن القول أنَّ
كتاب "مساهمات في الأدب التشكيلي" هو الأول من
نوعه في السودان.
أشير أيضاً إلى كتاب الدكتور محمد عبد الرحمن
أبوسبيب "الفن، السياسة
والهوية الثقافية في السودان" الذي صدر باللغة
الإنجليزية عن جامعة أبسالا
بالسويد في العام 2004. وكتاب الدكتور صلاح
حسن الجرق "سبعة حكايات من
أفريقيا" والذي صدر هو الآخر أيضاً باللغة
الإنجليزية عن أحد مراكز البحث
بالولايات المتحدة الأمريكية في العام 1997،
وقد خصص الدكتور صلاح الجرق
جزءً أساسياً منه للحديث عن التشكيل في
السودان. والكتابين ( كتاب أبوسبيب
وكتاب صلاح الجرق) لم يتم توزيعهما داخل
السودان. ترى ألا يوجد حل سوى أن نشد
الرحال إلى أقاصي الدنيا كي ننشر كتاب عن
التشكيل في السودان؟ أضيف إلى ذلك
أنَّ الدكتور مصطفي عبده قد سبق له أن أصدر
عشرة كتب تتعلق بفلسفة الجمال
وفلسفة الفن، صدرت كلها وتم توزيعها خارج
السودان أيضاً، عن طريق دار مدبولي للطباعة
والنشر بالقاهرة، بعد أن تمَّ شراء النصوص من
الدكتور مصطفي عبده.
وذلك يشير إلى إشكالية أخرى، لأنّ دور النشر
تعمل وفقاً لشروط مجحفة تجاه
الكتاب فضلاً عن شح هذه الدور داخل السودان.
وهنا فلا يسعني إلا أن أتوجه
بشكري لدار أروقة للثقافة والعلوم لتبنيها
طباعة المخطوطة التي أصبح من الممكن
أن توصف بكونها أول كتاب من نوعه في السودان،
وبشروط كانت أفضل من شروط
المؤسسات الأخرى العاملة في مجال نشر الكتاب.
وشكري موصول أيضاً لمركز
عبدالكريم ميرغنى ولمركز الدراسات السودانية
اللذين احتفيا بالمخطوطة احتفاءً
كبيراً وحاولا طباعتها، ولكنهما لم يوفقا نسبة
لكثافة برنامج النشر الذي كان
أمامهما أولاً، ثمَّ ارتفاع نفقات طباعة كتاب
"مساهمات في الأدب التشكيلي" مقارنة
بالمخطوطات الأخرى. ثانياً، لأنَّ المخطوطة
احتوت على نماذج كثيرة من
الأعمال الملونة التي كان ضبط جودتها في
الطباعة ضرورياً.
إذا تجاوزنا إشكالات النشر (كصناعة) في
السودان، فمن الممكن أن يكون
لدينا الكثير من الإصدارات عن التشكيل في
السودان. مثلاً كتاب الأستاذ عبد
الله محيي الدين الجنيد وهو سابق لكل
المخطوطات التي سبق الحديث عنها بما في ذلك
كتاب "مساهمات في الأدب التشكيلي". فلو كانت
شروط الطباعة والنشر في السودان
ميسرة، لتمت طباعة ونشر كتاب الأستاذ عبد الله
محيي الدين قبل طباعة كتاب
"ساهمات في الأدب التشكيلي". النشر في
السودان يعمل في ظل شروط سيئة للغاية
كسوء شروط الصناعة في السودان. أو فلنقل، بشكل
أدق، كسوء شروط الوجود
الحياتى في السودان.
اتفقتم أنت ود. موسى الخليفة في مقدمتك
وتقديمه لكتابك أنَّ الفترة
المحددة في الكتاب (74 ـ 1986) كانت من
أخصب فترات التشكيل في السودان.
وهنالك بالمقابل وجهتا نظر إبراهيم الصلحي
وعبد الله بولا، حيث يقول الأول
بضرورة الالتقاء لطرح حوار فكري وأنَّه
كان دائماً في إنتظار مثل هذا التجاوب، ويتحدث
عبد الله بولا رافضاً المديح والإطراء المستمر
ومطالباً بالحوار النقدي
.كيف تنظر لهذه المقابلة بين رأيكم أنت وموسى
الخليفة من جهة ورأي أو وجهة
نظر
الصلحي وبولا من الجهة الأخرى؟
حديث الأستاذ الصلحي كان في العام 1974، وهذا
التاريخ هو تاريخ بدايات
الفترة موضوع الدراسة. أعقب دعوة الصلحي طرح
كثير من القضايا على بساط البحث
التشكيلي. ولن أقول إنَّ ما طرح كان كافياً.
لأنَّ ما طرح من قضايا كان أكبر
من حيز المدى الزمني الذي طرح فيه. ولكن لم
يكن لما قبله أو لما بعده
ما يوازيه من ناحية الكم أو النوع أو القدر
العالي من الحيوية الذي تمتع به. وهنا فلنحفظ
للصلحي حقه في مبادرته، والتي لا أحسبها إلا
مبادرة طليعية، في
طرح فكرة ضرورة الالتقاء بغرض المحاورة
والمفاكرة. اعتقد أنَّ ما تمَّ من رصد
داخل الكتاب يتسق تماماً، وبشكل مبدئي، مع ما
طرحه الصلحي. صحيح أنَّ
التحليل ربما يختلف من شخص لآخر حسب منهج
التحليل الذي يتبعه كل شخص، إلا أنَّ
توفير المادة الخام لموضوع البحث، على نحوٍ ما
تمَّ في الكتاب، يضع دعوة الصلحي
في محكها العملي، وليس ضدها.
أما وجهة نظر عبد الله بولا فقد جاءت في سياق
حواره مع محمد عبد الرحمن
أبو سبيب والذي كان لديه من وجهات النظر ما هو
مخالف لوجهة نظر عبد الله بولا، والذي أكد
بدوره في طرحه الذي أشرت إليه، رغبة عميقة
لتطوير المناقشة وتجذير
مستوى الطرح في سبيل استجلاء المساحات التي
لازالت معتمة من مساحات التناول.
وعليه فإنَّ وجهات النظر التي أشرت إليها هي
ليست وجهات نظر متناقضة بل إنها
تنحو كلها نحو تجذير مستوى الطرح والتوفر على
مادة البحث. لقد سبق أن حاورت
الأستاذ الصلحي في وقت لاحق (عقب معرضه
بغاليري دارا 2001) حول وجهة نظره
أعلاه فوجدته مازال عند نفس وجهة النظر (مرحلة
الحصر والمعرفة والدراسة أولاً).
ثمَّ تواصل الحوار مرة أخرى مع الأستاذ الصلحي
على صفحات جريدة جهنم التي
يصدرها حسن موسى بباريس، وذلك بإضافة عنصر
جديد في المناقشة وهو انعقاد سمنار
النشر والتوثيق التشكيلي الذي أقامه الإتحاد
العام للفنانين التشكيليين السودانيين خلال
دورته الماضية، والذي تصدرت مشروعه نفس
العبارة الجهنمية التي
أطلقها إبراهيم الصلحي عام 1974. وعلى كل حال
فإنَّ الحوارين مع الصلحى قد
تماَّ قبل صدور الكتاب نفسه. وقد سعيت في وقت
لاحق أيضاً مع الأستاذ الصلحي
سعياً حثيثاً، ومن داخل الإتحاد العام
للفنانين التشكيليين السودانيين، لإنجاز مشروع
الموسوعة التشكيلية. ولكنا لم نوفق، إلا أنَّ
الجهد لا محالة
سيتجدد بحثاً عن وسائل أخرى لإنجاز هذه المهمة
الضرورية. وكل هذه الجهود بما
في ذلك مطالبة عبد الله بولا بالموقف النقدي،
كلها محاولات تصب في اتجاه
مبادرة الصلحي، في اتجاه الرصد والبحث والتقصي
في أضابير الحركة التشكيلية.
وهو بحث لم ولن ينتهي في أي يوم من الأيام.
ولكن ذلك لا ينفي أنَّ هنالك فترات
أكثر خصوبة من غيرها. وأود أن أضيف هنا أنَّ
الحديث عن خصوبة الفترة موضوع
الكتاب قد جاءت معقباً عليها بالعبارة
التالية: "وبالتأكيد فإنَّ فترة
السبعينيات والثمانينيات ليست أخصب فترات
الحركة التشكيلية على نحو مطلق. فهنالك
فترات أكثر خصوبة قادمة. ونراها بعيون مفتوحة
تماماً، بل ونؤسس لها بنقدنا
للتجارب السابقة لتطويرها وإثرائها وتنقيتها،
ولسنا في حاجة لمجاملة أحد" (الكتاب ص 26).
ليس هناك فصلاً قاطعاً حول نشوء مدرسة
الخرطوم. فأنت تورد في الكتاب قول
محمد حسين الفكي الذي يستند بدوره على
ما قاله شبرين حول ظهور التسمية. كيف
نشأت مدرسة الخرطوم ؟
نعم ليس هنالك فصلاً قاطعاً، حول نشأة مدرسة
الخرطوم. وليس لي سوى أن
أشير إلى ما سبق أن طرحه الأخ محمد حسين الفكي
مستنداً إلى حديث الأستاذ شبرين
في هذا الخصوص، والذي أفاد فيه بأنَّ السيد
دينيس وليامز، الجامايكى
الجنسية، أخذ معه بعضاً من أعمال الصلحى
وشبرين لعرضها في نيجريا في العام 1964.
ودينيس وليامز هو الذي استحدث اسم مدرسة
الخرطوم. وهو اسم يبدو أنَّه قد
ارتبط بالتصنيف الجغرافي لمدينة الخرطوم وسط
أعمال أخرى لتشكيليين آخرين
غير سودانيين. ولكن أعتقد أنَّ الإفادات
الأكثر وزناً هي بطرف السيد أولي
بايير، الفرنسى الجنسية، والذي لا نعرف عنه
أكثر من ذلك. وتلك مسألة تستحق
التوقف عندها. فالرجل الذي أنيطت به مهمة رسم
مستقبل الحركة التشكيلية في
السودان، نجد أنَّ التشكيليين السودانيين،
ووسط الأغلبية الساحقة منهم، لا
يعرفون عنه شيئاً. إنَّ السيد أولي بايير
يستحق هو الآخر أن يكون موضوعاً
للبحث الكامل والمفصل. فيا ترى من هو أولى
بايير؟ هل هو فنان تشكيلي؟ هل
هو ناقد؟ أم هو تاجر لوحات، أم ماذا؟
على كل حال أتفق معك أنَّ البحث حول مدرسة
الخرطوم لم ينته بعد، وعليه، فليتواصل هذا
البحث حتى تتسنى لنا معرفة التاريخ بشكل
مثابر. وإلا فإنَّ كثير
من جهدنا سيظل ناقصاً ومبتوراً.
كيف اكتسبت مدرسة الخرطوم هذه السطوة؟ هل
لبراعتها في التشكيل أم لشيء
آخر؟
أعمال رواد مدرسة الخرطوم لا تخلو من البراعة
والمهارة التشكيلية العالية
في جزء منها كما في أعمال الصلحى، يليه أحمد
عبد العال على سبيل المثال والذي
لم يسعفنا هو كي نصنفه ضمن مدرسة الخرطوم أو
لا نصنفه. وعلى كل حال، فإنَّ
الحكم لصالح براعة مدرسة الخرطوم لا يمكن أن
نطلقه على كل الأعمال التي أعلنت
انتمائها إليها. أما السطوة التي تتكلم عنها
فهي مسألة لا علاقة لها ببراعة أو
مهارة مدرسة الخرطوم في الرسم أو التلوين.
السطوة التي حازتها مدرسة الخرطوم، نجد
التفسير لها في أنَّها قد توفرت على مروِّج
بارع وماهر هو المستر أولي بايير. بالطبع، لا
أعنى أنَّ مدرسة الخرطوم قد سعت إلى المستر
أولي بايير. ولكن
أولي بايير هو الذي تبنى الترويج لمدرسة
الخرطوم وفقاً لما يراه هو. هنالك
الآن الكثيرون جداً من التشكيليين السودانيين
البارعين والماهرين جداً ممن لم
ينتموا لمدرسة الخرطوم ولم يجدوا ما وجدته
مدرسة الخرطوم على يد المستر أولي
بايير، كالمرحوم عمر خيرى، حسن محمد موسى، عبد
الله بولا، محمد عبد الله
عتيبي والذي كانت تجرى محاولات كثيرة لجره
قسراً إلى معسكر مدرسة الخرطوم بينما
أعماله لا علاقة لها بما عرف عن مدرسة
الخرطوم. وفي نفس الوقت، فهو لم يجد من
هذه "السطوة" على الساحة التشكيلية ما يوازى
قدراته التشكيلية... إلخ
.على كل حال، مسألة " السطوة" هذه لا
علاقة لها بالقدرات والمهارات
التشكيلية. فكم من التشكيليين وغير التشكيليين
ممن يملأون الساحات هذه الأيام، بمستويات
مختلفة، ولكن بغير وجه حق!!
لماذا لم يجد أشخاص مثل عمر خيري، حسن موسى،
عبد الله بولا، محمد عبد
الله عتيبى الرواج الذي وجده بعض
منسوبي مدرسة الخرطوم؟
إذا تسنى للعالم أن يتطور وفقاً للرغبات
الخيرة وحدها فلا شك أنَّ العالم
سيتحول في هذه الحالة إلى جنة في الأرض. وعلى
كل حال، فلست حالماً إلى هذا الحد. ولكن ما
أفهمه هو أنَّنا نعمل داخل حركة اجتماعية. وهى
حركة لها قوانينها
التي تحكمها. ومعطيات هذه الحركة لا تتم وفقاً
لأمزجة الناس مهما كانت خيِّرة.
الصراع الاجتماعي هو واقع ماثل
أمامنا اليوم بكل آلامه وآثامه وشروره
وسوءاته. وهو صراع كان وما يزال له أطرافه
وممثلوه وأدواته على مدى التاريخ.
أنا لا أتحدث عن أربعة تشكيليين فقط ممن لم
يروج لهم. كان أولئك هم مجرد نموذج
فقط. إذا عدت بالذاكرة إلى شهر سبتمبر 2005،
فستجد أنَّ الإتحاد العام
للفنانين التشكيليين السودانيين قد احتفي
بتسعة تشكيليين سودانيين ممن فازوا
بجائزة نوما العالمية لرسومات الأطفال التي
تنظم باليابان. وقد جاء فوز التشكيليين
السودانيين بهذه الجائزة بداية على يد عبد
الله محمد الطيب في العام
1978، أي مع بداية الدورة الأولى
لأعمال المسابقة. أعقبه حسين جمعان، أحمد
عامر جابر، حسان على أحمد، سيف الدين اللعوته،
محمود جاه الله و طارق نصر.
ثمَّ كان في آخر دورة كل من صلاح إبراهيم
والأخ صباحى خلال العام 2004.
فأين كانت الأجهزة، المناط بها مهمة الترويج،
طيلة هذه الفترة ؟ وأين هي
الأجهزة الرسمية المعنية بالأمر ؟ نأخذ مثالاً
آخر على نحو موسع. فكلية الفنون
تخرج اليوم متوسط أكثر من مائة تشكيلي سنوياً.
ألا يوجد من بينهم من يستحق
الالتفات إليه؟ ترى ما الذي تروج له أجهزة
الإعلام وأغلب الصحف الصادرة اليوم
؟إنها لا تفعل سوى أن تكرس لأسماء
محددة ومحدودة. أسماء أصبحت كطابعة البريد
أو العملة، يمكن أن تجدها في أى مكان ولكن
تداول غيرها محظور.
أضف إلى ذلك أنَّ هنالك مؤسسات مضادة لا
يعجبها ما نحاول أن نتحاور عليه
الآن. وهى مؤسسات جاهزة ومجهزة لحياكة
المؤامرات ضد من يخالفها الرأي.
أفيدك أنَّ عبد الله بولا الذي ورد اسمه كطرف
في النموذج أعلاه، هو أحد
الأساتذة المفصولين من كلية الفنون، لا لسبب
إلا لأنَّه قد خالف العقلية
التحكمية داخل كلية الفنون، وبالطبع فإنَّ
واقعة فصله لا تتسق مع الدعوة
للترويج له. وهنالك كثيرون آخرون، لعلَّ آخرهم
لن يكون هو الأستاذ عبد الله
حسن بشير(جلٌّي) والذي شرب من كأس شبيه آخر،
يوم أن تعرض لما لا يليق به
بسبب عضويته في اللجنة التي قامت بحجب جائزة
اللواء الزبير محمد صالح الإبداعية
عن السيد عميد كلية الفنون. راجع في ذلك جريدة
الصحافة ( عدد 6 وعدد 13 أبريل
2004).
نحن في حاجة إلى مؤسسات وإستراتيجيات أعلى
كفاءة حتى نتمكن من النظر في
المسألة ككل، فالعمل الفردي لا يكفينا.
ما هي السمات والأساليب المشتركة أو المتقاربة
التي جعلت أولي بايير
يدرج لوحات أفراد عديدين تحت ما أسماه
"مدرسة الخرطوم" وراج من بعده ذلك
الاسم وتلك الأساليب؟
السمات المشتركة هى: وحدات من المرئيات في
التشكيل التقليدي في السودان
كالبرش، الطبق، اللوح، الشرافة، الحروف
العربية، مباني مدينة حلفا القديمة، مباني
مدينة سواكن، الآيات القرآنية المكتوبة،
الأقنعة الأفريقية... إلخ
(الكتاب ص 72
).
يلاحظ من خلال الكتاب أنَّ مدرسة الخرطوم تكون
مرة تياراً موجوداً ومرة
تياراً غير موجود. وهذا التأرجح بين
وجودها وعدمه يشترك فيه كلٌ من روادها
وخصومها. وأنت باعتبارك أحد خصومها تقول أنَّّ
مدرسة الخرطوم أكدت نفسها
كموروث ضمن موروثنا الثقافي، وفي مكان
آخر تقول أنَّ مدرسة الخرطوم لم تكن
تجربة جديدة ولا رائدة، وأنَّ تجاربهم في
تجريد الحرف العربي كانت معروفة
وكانت سائدة منذ أواسط الأربعينات لدى
جماعة بغداد، وكذلك دعاوى إستلهام
التراث كانت معروفة لدى تشكيليي دول العالم
الثالث. وبالنسبة لأحمد عبد العال
ـ أحد منسوبي مدرسة الخرطوم ـ ينفي وجودها
باعتبارها "باطل وغي"، وأنَّها اسم يراد له
المد والجزر بغية تكريس لأسماء وأفراد ، وفي
عام
1983، عاد عبد العال يدافع عن خيارات مدرسة
الخرطوم الإسلامية في ندوة قضايا
التشكيل. ويقول عنها محمد حسين الفكى "إنَّ
هذا الاتجاه لم يصدر بياناً أو
مانيفستو يتفق فيه أصحابه على صيغة
إبداع وأسلوب عمل في حدود ذلك الإطار
ومفهومه، إلا أنَّ ذلك أقر ضمناً في الأعمال
والأقوال الخاصة بهم، ثمَّ أتت
الجماعات المعارضة حديثاً لتساعد في
إبراز ذلك وترسيخه في أذهان المشتغلين
بالثقافة"، فما هي جلية الأمر؟
ما تسميه بالتأرجح في مدرسة الخرطوم هو في أصل
المنهج الانتقائي الذي نهجته
مدرسة الخرطوم. هو نموذج ساطع للمنهج الذي
ينتقي مواقفه ويستعيرها حسب "الطلب"، أو حسب
مقتضيات الحال. فأحمد عبد العال الذي شن
هجوماً حاداً وعنيفاً ضد
مدرسة الخرطوم واستخدم في حقها من العبارات ما
لم يسبقه أو يعقبه عليه أحد حتى
من قبل خصومها، هو نفسه الذي ساق من الدفاعات
عن مدرسة الخرطوم ما لم يسبقه أو
يعقبه عليه أي من منظريها. وهو نفسه الذي عاد
مرة أخرى ليتخلى عنها وينشئ
مدرسة الواحد بديلة عنها. ليس من السهل القول
بأنَّه قد عاد مرة أخرى ليعيد
اكتشاف أنَّ مدرسة الخرطوم "باطل وغي" حتى
يتخلى عنها. ولكن تلك هي طبيعة
المنهج الانتقائي. كما لنا أيضاً أن ننظر إلى
الخطاب المتبادل اليوم بين
الأستاذ شبرين (أحد رواد مدرسة الخرطوم) وبين
الدكتور أحمد عبد العال. وهو ما
لا يؤكد إلا عدم مبدئيتهما.
مدرسة الخرطوم ، على العكس مما ذهب إليه
المروجون لها، لم تكن تجربة
جديدة ولا رائدة كما هو مثبت بمراجعه. إلا
أنَّ ذلك لن ينفي مساهماتها. هي إرث
لنا ولكل الحركة التشكيلية في السودان بما
فيها من "السمح" و"الشين".
ولتبقى مساهمتها كما هي، بلا انتقاص منها وبلا
زيادات أيضاً.
في حوارنا (علاء الدين الجزولي وشخصي) مع
الصلحي سألناه عن غياب ملامح
مدرسة الخرطوم في معرضه الأخير بغاليري دارا،
في عام 2001. ولما كان المعرض هو معرض
"إستعادي"، فقد كنا نتوقع أن يشمل جميع
تجارب الصلحي عبر مختلف السنوات
والتي يأتي على رأسها تجربته في مدرسة
الخرطوم. وكان رد الصلحي هو أنَّ اختيار
الأعمال أملته بعض إشكالات "الترحيل". كما
أنَّه قد ترك اختيار الأعمال
للجهة المنظمة (غاليري دارا). وذلك يعني أنَّ
الجهة المنظمة للعرض تملك
القرار الحاسم في تقديم ما يعرض وما لا يعرض.
وأرجو ألا يفهم ذلك من باب
محاولة النيل من غاليري دارا، فلها الشكر
كونها قدمت لنا أعمال الصلحي بعد
غياب عن الساحة دام لأكثر من ثلاثين عاماً.
ولكن أقول ذلك وأنا أنظر من طرف
آخر إلى المستر أولي بايير، مايسترو الترويج
لمدرسة الخرطوم . فهو الذي نسف كل
أعمال الصلحي في فترة ما قبل مدرسة الخرطوم
وذلك في عبارته عن الصلحي حتى بعد
التحاقه بكلية الإسليد بالمملكة المتحدة "إنَّ
الفنان لم يكن قد وجد بعد."
وهي
عبارة تمت صياغتها ضمن سياق كامل رتبه السيد
أولي بايير. ثمَّ قدم
مدرسة الخرطوم بعد ذلك داخل السياق الذي قام
بترتيبه.
لقد أتاح لنا الصلحي في زيارته الأخيرة
للخرطوم (2005) فرصة نادرة جداً
لمشاهدة أعماله قبل التحاقه بكلية الإسليد
بلندن وهى ما لا يشبه مدرسة الخرطوم
من قريب أو بعيد. فبأي وجه حق يسقط السيد أولي
بايير كل هذه التجربة
الزاخرة والغنية جداً من حياة الصلحي؟ إنَّ
ذلك لا يؤكد إلا شيئاً واحداً، وهو أنّنا في
حاجة لإعادة القراءة في أعمال إبراهيم الصلحي
بعيون هي ليست عيون
المستر أولي بايير بأي حال من الأحوال. أو
بعبارة أدق، فنحن في حاجة لمؤسسات
من نوع جديد. مؤسسات ننشئُها ونؤسسها بأنفسنا،
ونرعاها ونحرسها بأنفسنا بدلاً
عن أن يؤسسها لنا الآخرون نيابة عنا. صحيح
أنَّ الطريق في ذلك صعب وشاق ووعر
وطويل، ولكنه أقصر الطرق.
هل يمكن القول أنَّه في الكثير مما وجه من نقد
لمدرسة الخرطوم كان يستبطن
الرفض لارتباط منسوبيها من الموهوبين
بالسلطة، أو في قلة ذكائهم، أو هروبهم
من منافحة الظلم في منابعه النظرية، بعدم
تدبرهم للنظر مثلاً في أنَّ العدل
والمساواة يجيئان قبل العروبة والإسلام
أو أي عرق ودين آخرين، وأنَّ في
استخدامهم، وهم الموهوبون، لتلك الوحدات
المرئية الدالة على العربي والمسلم
إصباغ ـ يعززه ما للفن من قوة ونفاذية
ـ لهوية عربية واحدة في السودان الكبير
المتعدد الأعراق والثقافات ؟ أم للنقد ـ نقد
مدرسة الخرطوم ـ أبعاد أخرى؟
أولاً لا يمكن وصف رواد مدرسة الخرطوم بـ "قلة
الذكاء" إذ لديهم من
الذكاء ما يكفي. أما الهروب من منافحة الظلم
فهو يعنى الموافقة على استمرار
الظلم. فليس هنالك هروب محايد بل ولا يوجد
أصلاً موقف محايد. ومشكلة مدرسة
الخرطوم هي مشكلة منهج. وما طرحته مدرسة
الخرطوم من قضايا كان أكبر من سعة
المنهج "الانتقائي" الذي نهجته. كما أنَّ
السعي في اتجاه إرضاء السلطة السياسية فضح
الكثير عن بعض منتسبي مدرسة الخرطوم.
نعم، للنقد الذي وجه لمدرسة الخرطوم أبعاد
أخرى وذلك في بحثه عن الرؤى
الأكثر شمولاً لواقع الحركة التشكيلية. هو نقد
ينطلق من مناهج التغيير
الاجتماعي الشامل والكامل، في الفلسفة، في
الاقتصاد، في التعليم، في الأدب
...إلخ، بدلاً عن اللهث خلف مركز
الثقافة الغرب أوربية أو
السلطة أياً كان شكلها.
في رأيك كيف ساهم هذا التطلب الناقد لمدرسة
الخرطوم، والمنطلق من مناهج
التغيير الاجتماعي الشامل والكامل في
الفلسفة، الاقتصاد، التعليم، الأدب... إلخ،
والباحث عن الرؤى الأكثر شمولاً لواقع الحركة
التشكيلية، كيف ساهم هذا التطلب الناقد
لمنسوبي مدرسة الخرطوم أو غيرهم ـ وهم
المشتغلون في
الرسم والتشكيل ـ في الاهتمام أكثر بالأفكار
والرؤى والمواقف الفكرية أو
السياسية وتاركاً للتشكيل واللوحة ؟
إذا راجعت أطروحات عبد الله بولا فقد قدم
توضيحاً مهماً في هذا الخصوص ضمن
عبارته: "لا يتم التغيير بتغيير المفاهيم
وحدها. والمفاهيم التي تهتم
بتغيير المفاهيم فقط هي مفاهيم مختلة ومخادعة.
وفي نفس الوقت لا يتم التغيير، تغيير الواقع،
إلا بتغيير المفاهيم التي تقف عقبة دون
التغيير." (الكتاب ص 171).
وليس من الحصافة في شيء أن نقلل من قيمة هذه
المهمة، أعنى مهمة تغيير
الأفكار التي تقف عقبة دون التغيير، وإلا
تحولنا إلى المعسكر الآخر الذي يقف
ضد التغيير، أي معسكر المؤسسة السائدة.
المهمة التي اضطلع بها النقد المنطلق من مناهج
التغيير الشامل كانت ومازالت
مهمة ليست سهلة في أي مستوى من مستوياتها وهى
مهمة لم ولن تنته على هذا النحو
من العجل. وحتى لا نذهب بعيداً عن موضوع السؤال،
فإنَّ ما طرحته في هذا السؤال سبق
للأخ محمد عبد الرحمن حسن، بقدرته العالية على
المثابرة، سبق له أن قطع فيه
شوطاً ما ضمن ورقة "دراسة في المنشور الصحفي"،
والتي ساهم بها في سمنار النشر
والتوثيق التشكيلي الذي عقده الإتحاد العام
للفنانين التشكيليين السودانيين في
العام 2003 بقاعة الشارقة. وأرى أنَّ هذه
المحاولة الخيرة والجريئة التي أقدم
عليها الأخ محمد عبد الرحمن حسن، والتي لا
أحسبها إلا محاولة في اتجاه تجذير
مستوى الطرح والصعود به ، هي محاولة تنطوي على
ما ليس بالقليل من المخاطر.
وهو ما يتمثل في كيفية تحويل الأثر التشكيلي
(المرئي) إلى أثر كتابي، أدبي
أو صوتي (منطوق). وهذه المخاطر لا تنفي أنَّ
محمد عبد الرحمن حسن هو
تشكيلي وباحث متوفر على مادة بحثه ويقدم
كتاباته بشكل علمي وممنهج، ويملك
القدرة على تقديم كثير من الإفادات الضرورية
مما لا تزال الحركة التشكيلية في
حاجة إليه. لاحظ مثلاً ما أورده في ملاحظاته
الختامية حول مسار الخطاب النقدي في الورقة
المشار إليها (تمَّ التغاضي عن المساهمات التي
لم تصنف ضمن
الجماعات المدرسية ـ مدرسة الخرطوم،
الكريستالية، الجمالية ـ بينما هنالك
عدد كبير ممن تركزت جهودهم حول بحوث تشكيلية
هامة استغرقت وقتاً وجهداً كبيرين
ـ على سبيل المثال المرحوم عمر خيري،
مدثر قطبي، حسين جمعان وغيرهم ـ وقد أسهم
بعض هذه الجهود في التأثير على كثير من أجيال
التشكيليين). إلا أنَّ الحكم
الذي أصدره الأخ محمد عبد الرحمن، هنا، ليس
دقيقاً إلى هذا الحد. ولك في ذلك
أن تراجع مقال "لغة أوقات المساء" التي كتبها
حسن موسى عن أعمال عمر خيري على
سبيل المثال. وحسن موسى تناول خلال الفترة موضوع
الدراسة 15 معرضاً من بين 38 معرضاً تمت
الإشارة إليها (الكتاب ص 28).
ومن ناحية أخرى أكثر شمولاً، فإنَّ الإشكالية
قد كانت هي ما تم تجسيده داخل
الكتاب على نفس الصفحة (الملاحظ أنَّ ضعف
الإعلان للمعارض كان دائماً هو
المدخل للإخفاقات التالية في عدم تناول
المعارض التي أقيمت). طرف آخر من
الإشكالية هو "إنَّ ما كتب عن المعارض، خلال
الفترة موضوع الدراسة، لم
يكن يوازي حجم الجهد التشكيلي الذي بذل داخل
وخارج صالات العرض مما لم يعلن عنه، خاصة
وأنَّ الأسماء التي عرفت بممارسة الكتابة حول
قضايا التشكيل كانت شحيحة
للغاية (الكتاب ص 29). وهنا، فلنضع خطين تحت
كلمة "شحيحة" بما تشير إليه في
فداحة الإشكالية.
صحيح أنَّ ما أسميته بالتطلب الناقد قد إهتم
بالأفكار والرؤى والمواقف
السياسية. ولكني لا أتفق معك في أنَّه قد ترك
التشكيل واللوحة. وإذا راجعنا، على سبيل
المثال، ما طرحه الأخ هاشم محمد صالح
(وبالمناسبة فهو احد الطلاب
المفصولين من كلية الفنون) نجد أنَّ الأخ هاشم
محمد صالح قد لخص هذه النقطة
بالذات بشكل جيد في حديثه عن الاتجاه المعارض
لمدرسة الخرطوم: "إنَّ هذا
الاتجاه ركز تركيزاً شديداً على تناول الأعمال
الفنية لهذه المدرسة بالنقد.
وكشف بأنَّ من ينتمون لهذه المدرسة كانوا
يستغلون وحدات من الأعمال التراثية
كالشرافة وزخارف البيوت... إلخ، ليركبوا منها
لوحاتهم بدلاً عن
جعل هذه اللوحات مختبراً لابتداع تراكيب
وأشكال وألوان جديدة. فهذا الاتجاه
كان يعارض التعامل مع اللوحة باعتبار أنَّ لها
معنى يمكن التعبير عنه بالكلمات
وكان يعتبرها تجربة جمالية لها وسائل تعبيرها
المختلفة (الكتاب ص 77). لقد
فصل هاشم محمد صالح، ومعه آخرون، من كلية
الفنون لمخالفتهم للعقلية السائدة.
فهل رأيت كيف أنَّ المهمة لم تكن سهلة؟!!
في رأيك، هل تمَّ التغاضي فعلاً عن تلك الجهود
التشكيلية التي ذكرها محمد
عبد الرحمن (بوب)؟
إذا تعدلت العبارة قليلاً بحيث يشير السؤال
إلى أنَّ هذه الجهود لم يتم
تناولها كتابة، فإن المناقشة حول المسألة تكون
في هذه الحالة ممكنة. أما
بالنسبة لمسألة التغاضي عن هذه الجهود فإنَّ
ذلك لم يكن وارداً. محمد حسين
الفكي سبق له أن طرح وجهة نظر شبيهة بما يمكن
أن نسميه بـ "التغاضي" عن بعض
المساهمات، وذلك في كتابته عن معرض محمد إدريس
يوسف (جريدة الأيام 15 فبراير 1977).
وهو ما نفاه عبد الله بولا في العدد التالي من
صفحة ألوان الفن والأدب: "إنَّ محمد إدريس
شأنه شأن كثير من الشبان الذين عرضوا أعمالهم
خلال العامين
الماضيين في المراكز الثقافية، تعرض لإهمال
شديد في ما يخص الإعلان والدعوة
ومجمل النواحي الإعلامية. وهو سلوك درجت عليه
في المدة التي ذكرناها جميع
المراكز الثقافية (جريدة الأيام 22
فبراير1977) (الكتاب ص 28). وإضافة إلى
ما ورد في الإجابة السابقة أحيلك أيضاً إلى ما
ورد في الكتاب حول التداول
الشفهي الكثيف الذي تمَّ خلال الفترة المعنية
(الوعاء الأساسي لحركة النقد
التشكيلي تمَّ شفاهةً. وهنالك كثير جداً من
الأسماء التي أسهمت في تناول
الظاهرة التشكيلية وفي استجلائها بقدرٍ كامل
من المسئولية، إلا أنَّ إسهامات
هذه الأسماء ظلت غالباً إسهامات شفهية (الكتاب
ص 187). وعلى كل حال، وحتى
لا نختزل دعوة الأخ محمد عبد الرحمن، فإنَّ
المشروع الذي يطرحه هو مشروع متقدم.
وهو مشروع في مستوى المناقشة ويستحق أن يفرد
له حيزاً خاصاً من المناقشة. لقد
سبق أن قدم محمد عبد الرحمن معرضاً لأعماله
بفندق الهيلتون في أوائل التسعينات
وحوى المعرض من الأعمال ما لا يقل في ثرائه عن
مستوى ما يقدمه من طرح نظري.
ولكن المعرض لم يتم تناوله كتابة، شأنه في ذلك
شأن معارض عبد الله بولا وحسن
موسى وصلاح حسن عبد الله...إلخ. وبالنظر إلى
مواعين
الحركة التشكيلية التي تفيض، كل يوم، على
مواعين الكتابة، فمن هو المسئول عن
كل ذلك. أكون متأكد جداً أنَّه لم تكن هنالك
وسط أدبيات "التطلب الناقد" أي
أفكار مسبقة حول ما يمكن أن نسميه بالتغاضي،
لأنَّه لم تكن لتوجد أصلاً وسط
ممثليه مثل هذه الفكرة. وإذا كنا بصدد الحديث
عن التغاضي فلنكن أكثر دقة ونحدد
"مَنْ تغاضى عن مَنْ ؟". لقد ظهر ذلك
التغاضي المتعمد في أبهى صوره في معرض
الفنان والأفكار (مهرجان الثقافة الرابع، قاعة
الصداقة، ديسمبر 1980 (الكتاب ص 30 ) يوم أن
تغاضى مقرر لجنة الفنون بالمهرجان (أحمد عبد
العال) عن
كافة ممثلي "التطلب الناقد" ولم يسمح لهم، دون
الآخرين، بالعرض. ولكن
الناس سكتوا على ذلك. ومن ناحية أخرى، فقد تم تزييل كتاب
"مساهمات في الأدب التشكيلي" بمجموعة
كبيرة من الأعمال التشكيلية لتشكيليين
مختلفين، ولكنك لم تجعلها موضوعاً
للمناقشة داخل هذا الحوار. ولا أحسب أنَّك
تترصد هذه الأعمال و تتغاضى عنها.
المسألة وما فيها أنَّك مهموم في اللحظة
بالذات بأشياء أخرى. وهذا هو ما حدث
بالضبط داخل خطاب التطلب الناقد وضمن تناول ما
تمَّ تناوله.
كل حدود قدرتي عند النظر إلى لوحة أن تتناوشني
الأحاسيس، وقد لا يحدث ذلك.
وعن أعمال التشكيل التي في كتابك كان ذلك هو
الحال، ولم استطع أن أتقدم
كثيراً لتخطي درجة الإحساس والتوجه
إليك بالسؤال. ولكنني أستطيع أن أسأل: هل
كان نتيجة عدم الكتابة كثيراً في التشكيل
واللوحة، إضافة إلى الاهتمام كثيراً
بالأفكار والمواقف السياسية والفكرية،
ثمَّ الشفاهية التي صبغت كثيراً محاولات
استجلاء الظاهرة التشكيلية، هل كانت النتيجة
لكل ذلك، هي ضعف العلاقة بيننا
وبين اللوحة والتشكيل
؟
لقد اخترت لنفسك أن تحجِّم قدرتك عند حدود
"مناوشة الأحاسيس" في حالة
النظر إلى اللوحة. وقد كان ولازال في
وسعك أن تمدد هذه القدرة إلى ما هو أكثر
من ذلك. وعلى كل حال فمن الممكن أن نبسط
المسألة إلى أكثر مما تتخيله كأن تقول
إنَّ هذا العمل يعجبني أو لا يعجبني.
فذلك من حقك. بالطبع وفي ظل حالة الغموض
والكهنوت التي تكتنف لوحة الحامل فربما يسألك
سائل ويطالبك بتقديم ما لا طاقة
لك به من التحليل الكامل الشامل لوجهة
نظرك او بتقديم التبرير الكافي لها، إلا
أنَّ ذلك ليس ملزماً إلى هذا الحد. وإبداء
وجهة النظر سواء سميناه نقداً أو أي
شيء آخر فهو يتأسس فقط على مجموعة من
المعارف تظل أبداً هي معارف قابل لتطويرها
وإثرائها بشكل مستمر وبلا أي نهايات. كما أرجو
أن تلاحظ أنَّه من الممكن أن
يستمع أي شخص إلى أغنية زاد الشجون
مثلاً، أو مصر المؤمن، أو بوب مارلى...
إلخ. ومن حقه أن يقول ما إذا كانت هذه الأعمال
تعجبه أو لا، ولن
يكون في ذلك ملزماً بتقديم التحليل الكامل،
الشامل... إلخ لوجهة
نظره، ولن يكون في حاجة إلى هذه الوصاية
الحاسمة من النقاد من أي شاكلة فيهم
لإفادته عن الأعمال الجديرة بالسماع
وغير الجديرة بالسماع، وإلا فإنَ المسألة
يكون بها كثير من العسف. وإذا تنازلنا قليلاً
عن المصطلحات الفلسفية المعقدة
والعبارات القوية من نوع "الما وراء،
فضاء اللوحة، التركيب التحتي والتركيب
الفوقي، الميتافيزيقيا"... إلخ، أو حتى
المصطلحات المتداولة
وسط المثقفين بشكل عادى كـ "النقد أو التحليل
العلمي الرصين"... إلخ، فقد كان من الممكن لك
أيضاً أن تبدى وجهة نظر عامة حول الأعمال داخل
الكتاب مثلاً، أو تسأل عن الأسس التي
تمَّ اختيار نماذج الأعمال بناءً عليها.
أو عن الفكرة وراء شمولها لنماذج تمتد من
التصميم الإيضاحي، إلى التلوين، إلى
النحت إلى الرسم... إلخ.
إنَّ سؤالك يدفعني للحديث عن الأفكار أكثر من
الحديث عن الأعمال. وعلى كل
حال فأنت تسأل في مؤخرة السؤال عن اللوحة
والتشكيل. ولكن الحديث عن اللوحة
ليس مطابقاً للحديث عن التشكيل، لأنَّ التشكيل
أوسع مدىً من اللوحة. فالناس
يتعاملون يومياً، وبشكل عفوي جداً، مع التشكيل
في مجالاته التطبيقية. ولكن
إشكالية التذوق أو الكلام عن ضعف علاقتنا
بالتشكيل، على النحو الذي أفصحت عنه، لا
يظهران على السطح إلا أمام لوحة الحامل
والمنحوتة. ولكي نكون أكثر دقة،
فهما يظهران على السطح بشكل خاص أمام الأعمال
التجريدية دون غيرها. ففي أعمال
الرسم الواقعي (التمثيلي) لم نسمع بهذه
الإشكالية. ومشكلة التجريد هي أنَّه
يشكل أحد تمثلات نمط مركز الحداثة الغربية
الوافدة بقوة السلاح وقوة رأس المال. ومفهوم
التجريد كما ورد في مركز نشأته لم يكن موجوداً
في إرثنا. لقد أخذنا
عنهم ذلك المفهوم بدون أن نقوم بفحصه. ثمَّ
أحكمت الدائرة علينا عندما تمثلنا
تقاليد ونماذج مراكز النقد الغربي في شكله
الحداثوي. وهو نقد له إستراتجياته
وله أهدافه التي لم نكن طرفاً في صياغتها. لقد
سمحنا للسيد أولي بايير أن يعبر
فضاء حركتنا التشكيلية بأريحية كاملة دون أن
نسأله. وأسلمنا قيادنا له. نحن
في حاجة إلى إعادات نظر أكثر جذرية في كثير من
الأمور، بما في ذلك قناعتنا
بضعف العلاقة بيننا وبين التشكيل. واعتقد أنَّ
الكتاب هو خطوة في هذا الاتجاه
.
أنت صحفي ومتوفر على موضوع التحقيق الذي
تقيمه، وتسأل بشكل موضوعي وبلا
محاباة أو مجاملة. وتلك هي خطوة صحيحة في
اتجاه فض الغموض والكهنوت حول
الظاهرة التشكيلية والنزول بها من سماء الجن
والشياطين إلى أرض الناس. ففي زمن
ليس بعيداً كان التشكيلي هو كائن غريب،
شيطاني، ساحر، أو ذات لا تشبه
ذوات الناس العاديين. وكان التشكيل هو مجموعة
من الطلاسم الكهنوتية غير
القابلة للسؤال أو التداول حولها، والحديث عنه
كان محتكراً لنوع خاص من
(الكجور) اسمه (النقاد). وطالما أنَّ
الموضوع قد طرح في بساط البحث العام
بلا عقد وبلا ابتذال فأعتقد أنَّنا قد خطونا
بذلك خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح.
سلسلة (بداية مشهد مصرع
الإنسان الممتاز) التي أنتجها عبد الله بولا
فتحت
الباب واسعاً في هذا الاتجاه (الصحيح). ولكن
السلسلة لم تجد بعد حظها الكافي
من المناقشة. وأظنك قد لاحظت أنَّ عبد الله
بولا كان حريصاً فيها على كلمة
(بداية... إلخ) حسب توضيحه (...ولعلني قد
اخترت عنوان مقالاتي
توافقاً مع هذا الفهم "بداية مشهد مصرع
الإنسان الممتاز". ذلك أنَّ الإنسان
الممتاز يحتضر الآن ولن يقع مصرعه نهائياً إلا
بتحول المجتمع البشري بأكمله إلى
|