|
الفن أفريقانيــــــــة. كوم
حسن موسى
من اخترع الأفارقـــــــة؟
الحلقة السـابعة
الغـرب الممسـوخ
المتأمل في مشهد العلاقة المتوتّرة بين "جان
كلير" و"جان هيبير مارتان" لا يجد صعوبة في فهم
القاسم المشترك الأعظم بين موقفيهما المتناقضين
في الظاهر. فبين "كلير" الذي يسعى لانقاذ الغرب
بقفل أبواب مؤسسات العرض أمام الفنانين غير
الأوروبيين، و"مارتان" الذي يسعى لانقاذ الغرب
بحقن دم جديد غير أوروبي في شرايين مؤسسات العرض
الأوروبية، يتفق "كلير" و"مارتان" على حقيقة
مريعة: الغرب في خطر ويجب انقاذه بأي ثمن.بيد أن
هذه" الحقيقة المريعة" التي يلتقي عندها الأخوة
الأعداء انما تنبني عند كليهما على مفارقة
مفهومية،(وقيل على"أكذوبة")، تاريخية واقتصادية
وسوسيولوجية غليظة فحواها: أن المجتمع الأوروبي
هو الغرب مثلما أن الغرب هو أوروبا. والتطابق
بين مفهومي الغرب وأوروبا ينتهي إلى تمليك ظاهرة
الحداثة للأوروبيين دون غيرهم من عباد الله
المستبعدين – كسر رقبة- لـ "رزيرف" التقليد.
وهكذا يتوجّب على الفنانين المعاصرين غير
الأوروبيين الذين يبحثون عن فرصة لعرض أعمالهم
في مؤسسات العرض الأوروبية، الوقوف عند نقاط
التفتيش على الحدود بين الثقافات، وذلك حتى
يتمكن ضباط الجمارك ومسؤولي الأمن الحضاري من
التحقق من أصالة هوياتهم أولا، ثم تصنيفهم حسب
الأمكنة المعدة لاستقبال "الاجانب" ضمن هرم
التراتب الثقافي الأوروبي. وقد أصابني كثير من
هذا أول عهدي بالقائمين على مؤسسات العرض
بأوروبا، والحق أقول: في البداية فاجأني
الامتحان وأحبطني وأحزنني أيما حزن، سيّما وإنني
وفدت لشمالي المتوسط متفائلا بفرصة وضع حد لغبن
الدياسبورا الأفريقية التي خبرتها في ذلك الوطن
المحزون الجاف المتلاف. لكن المثل الصيني يقول
(ودي ما ينفع فيها الا مثل صيني): السم الذي لا
يقتلك يزيدك مناعة، والحمد لله الذي لا يحمد على
مكروه سواه. فقد نفعتني سنوات الاستبعاد من
مؤسسات العرض الأوروبية في التفرغ لمراقبتها من
مسافة نقدية ساعدتني على فهم ما يجري وراء
الكواليس. وحقيقة فأنت لا تحتاج لذكاء خارق
لتفهم أن ما يجري في كواليس الفنأفريقانية
الأوروبية ما هو الا انعكاس مباشر لواقع العلاقة
السياسية بين أوروبا و أفريقيا. وان كان لـ"كلير"
فضيلة على "مارتان" فهي في صراحته التي تلخص
العلاقة مع غير الأوروبيين، وضمنهم الأفارقة، في
عبارة الاستبعاد الفظ الغليظ وبضيق شنيع في
الأفق السياسي والانساني. وربما وجد ذلك الأمر
تفسيره بقرب "كلير" من دوائر اليمين السياسي
المحافظ التي لم تهضم بعد نهاية الاستعمار في
أفريقيا. وعلى الطرف النقيض يقف مارتان، المحسوب
على اليسار الاشتراكي الفرنسي، كنموذج ناجح
للبهلوان الذي يلعب على كل الحبال. ولا جناح،
فالفنأفريقانية التي يرفع رايتها "مارتان" هي في
الحقيقة تعبير ثقافي عن السياسة الأفريقانية
النيوكولونيالية التي صانتها حكومات اليسار
الاشتراكي على تعاقب الأنظمة في
فرنسا(وللاستزادة من معرفة سياسات الاشتراكيين
الفرنسيين في أفريقيا يمكن الرجوع لكتابات ف.
اكس. فيرشاف وبالذات كتابه "لافرانسأفريك"(ويمكن
ترجمتها بـ" فرنسا أفريقيا" ـ على نحو المضاف
اليه ـ اذا تجاوزنا عن التسطيح الذي يخيم على
العبارة العربية)، (F.X. Verschave, La France
Afrique, Paris ,Stock,1999). و"مارتان" يلعب
دور الجمركي الذكي الذي يصنف الفنانين الوافدين
من الخارج ـ من خارج أوروبا ومن خارج الغرب و ن
خارج الحداثةـ وينتقي منهم من ينفع في تدعيم
النسخة الأوروبية لما يعتبره صرح الفن الغربي.
وقد كان هذا، على الأقل، حالي حين رمت بي
الأقدار في طريق "مارتان" الذي اتصل بي مرة، في
مارس 1999، بوصفي فنان أفريقي(؟) معاصر، وعرض
علي الاشتراك في معرض "قسمة الاكزوتية". في
رسالته(المؤرخة بتاريخ 8 مارس 99) لم ينس "مارتان"
أن يضيف التحذير المعهود الذي تعود المنظمون
الاوروبيون لمعارض الفن غير الاوروبي أن يوجهونه
للفنانين غير الاوروبيين حول مخاطر فقدان
العذرية الثقافية من جراء الانجراف وراء اغراءات
الحداثة الغربية الخ. وهاكم عينة من هذا الادب
الابوي الرفيع:"ان تبني الحداثة يمكن أن يعتبر
موقفا تقدميا ضد الظلامية السلفية القديمة مثلما
يمكن أن يعتبر فقدانا للهوية وخضوعا للهيمنات
الثقافية والسياسية والاقتصادية للغرب". حين
قرأت كلمات "مارتان" لم أصدق عيني. وتقاطرت
الأسئلة في خاطري:
عن أي هوية يتكلم؟ عن أي حداثة؟ وعن أي غرب؟ وهل
يمكن للشخص أن يفقد هويته كما يفقد طاقيته أو
خاتمه مثلا؟ وما مصير من فقد هويته؟ هل يموت
غمّا أم يبقى سابحا في الفضاء كما شخوص لوحات "شاغال"
الشهيرة أم أنه يرسى على هوية غيره و"يكفّنها"
كما الميتة في بلاغة الأهالي. ثم كيف يمكن الهرب
من قدر الحداثة؟ وفي النهاية ما أصل هذا الشيطان
الاكبرالمسمى بـ "الغرب" والذي يحرص الجميع على
تذكيري بمخاطره حتى أون نفسي عن غواياته المهلكة؟
كل هذه التساؤلات حفّزتني على الكتابة لهذا
الساحر الأكبر الذي يهيمن على مشهد
الفنأفريقانية، لأشرح له كم الاشتباهات المركبة
المقيمة في موقفي كفنان غربي غير أوروبي لا تسعه
التصانيف الجمالية والسياسية المبذولة للمنتفعين
بالفن المعاصر.
وقد كانت حيلتي في شرح الأمر لـ "مارتان" غاية
في البساطة. يعني بالعربي كده: يا زول انت آلتك
دي، بتاعة الحوار بين الثقافات، آلة مريبة في
أصلها. ثم أن صفتك الوظيفية كممثل لسلطات
المؤسسة الثقافية الرسمية لا تؤهلك لتمثيل
الحضارة الغربية. ناهيك عن كوني شخصيا زاهد
تماما في تمثيل أي حضارة كانت، مثلما أنا زاهد
في تمثيل أي "آخر" غربي كان أو شرقي. باختصار،
أنت وأنا وآخرين، لسنا سوى شركاء في نفس الـ "اسكوات"(
ترجموا: "سكن غير قانوني" وقيل "عشوائي") Squat الذي بذلته لنا حضارة السوق المتعولم. لكن ان
كنت أنت تستنكف حضوري بجانبك تحت سقف نفس
الـ"اسكوات" فما ذلك إلا لأنك ترى في حضوري خطر
"المساواة في الحقوق" التي أطالب بها. ومطالبتي
بـ "المساواة في الحقوق" يمكن أن تجر عليك وعلى
أمثالك فقدان أغلب الامتيازات المادية والرمزية
التي راكمتموها منذ فجر عهد السيطرة الاستعمارية.
وسواء كنت أنا أفريقيا أو أسيويا أو هندأمريكي
أو كنت من آبوريجين أستراليا، فان الهوية
الوحيدة التي تتيحها لي شروط ثقافة السوق
الرأسمالي هي هوية المستبعد الغربي غير الأوروبي.
وهذه الوضعية تعني أنه ان كان ثمة مشروع لتأسيس
هوية ثقافية لشخص مثلي، فان هذه هذه الهوية
الثقافية لا يمكن أن تتأسس إلا على معطيات واقع
الاستبعاد الذي كتب علي أن أكابده في موطني
الأصلي كما في أوروبا في آن واحد. ومعطيات واقع
الاستبعاد هي بلا شك قاعدة أكثر ثباتا من كل
ركام الفولكلور العرقي البائد، الذي يلبّك خواطر
المتكلمين في الهويولوجيا بالوكالة الجائرة عن
جموع المستبعدين. لقد فقد الغرب حدوده الأوروبية
منذ أن انتشر واستشرى على الأرض كلها. وبفضل
الشبكة الواسعة لمراكز نفوذ مؤسسات السوق
الرأسمالي العالمي والمتعولم، فإن الغرب كمفهوم
غادر حدوده الأوروبية وتمدد على مجمل مساحة
المعمورة. صار الغرب اليوم بلا حدود. انه كل
مكان طالته آلة السوق. هذا الواقع الجديد نسبيا
الذي كشفته تطورات العولمة الليبيرالية بشكل
حاسم يلغي فكرة الغرب كمرادف لفكرة أوروبا ويطرح
مفهوم الغرب بصيغة الجمع. يعني "كلنا في الهم
غرب"، بس المسألة بقت خشوم بيوت، ولكم غربكم
ولنا غرب مثلما لكم حداثتكم ولنا حداثة،
و"الحسّاس" يملا شبكته. هذا الغرب الجديد
الممسوخ صار يروّع الأوروبيين ويزعزعهم كلما
اكتشفوا أنه صار يستعصي على قدرة الأدوات
الرمزية والسياسية والتقنية التي كانوا يتحكمون
بها على مصائر العباد في زمن الغرب الاستعماري
السالف. الغرب الجديد "لحمة راس" الأوروبيون فيه
لا يمثلون إلا جزءً من كل يشمل الآسيويين مثلما
يشمل الجنوب أمريكيين لغاية الأفارقة (كراع
الفروة). هذا الغرب الممسوخ صار يفسد على
الأوروبيين بهجة الثقافة منذ أن اكتشفوا أن
قوانين"منظمة التجارة العالمية" تفتح سوق
الثقافة أمام رأس المال المتعولم. والفرنسيون
مثلا، لم يكفوا عن حرب الـ "قاتس"(الاتفاقيةالعامة
لتجارة الخدمات)،
General Agreement on Trade in Service (GATS) من أجل معاملة استثنائية تحمي سوق الثقافة
القومي من تغول التجارة الثقافية الكبيرة (ترجم
"التجارة الثقافيةالأمريكية"). فعلى مبادئ الـ "قاتس"
سيصبح من المتعذر على فرنسا مثلا دعم الانتاج
السينمائي الفرنسي أو دعم دور النشر الفرنسي دون
أن تقع تحت طائلة قانون منظمة التجارة الدولية
بدعوى تزييف التنافس التجاري الحر. ان الغرب
الممسوخ الجديد لا يبالي بالاستثناءات الثقافية
لهذا البلد أو ذاك إلا بالقدر الذي تؤثر فيه هذه
الاستثناءات على سّلم القيم في بورصة المال.
و اذا رجعنا للخواجة "مارتان"في "اسكوات" السوق
الغربي أقول:
شوف يا خواجة، بقبولي المشاركة في معرضك، رغم
تحفظاتي على نواياه الاكزوتية المكشوفة، فأنا
انما أراهن على ذكاء الجمهور المستنير، الذي أثق
في قدرته على الوصول لمعاني تصاويري، ولو خاض في
دروب هذه المتاهة الطويلة، الممتدة لأربعة
كيلومترات من الفخاخ الاكزوتية. وحقيقة فقد
راهنت، من طرف خفي، على ذكاء هذا الساحر الأكبر
الذي كان قد كتب لي في رسالته: "إن عملك الفني
يهمني بقوة". هذه العبارة السحرية عشّمتني في
قدرة الرجل على تهريب عملي الفني من وراء ظهر
ضباط جمارك الجمالية العرقية وحرس الحدود بين
الثقافات الذين سهروا على تنفيذ القسمة
الاكزوتية. لكن المهرّباتي المنتظَر لم يفهم
مرامي رهاني.
بعدها بسنة اتصل بي "تيري راسباي" بصفته "قوميسير"
المعرض وكشف لي أنهم في لجنة المعرض، و"بعد
مناقشة مستفيضة"، توصلوا لقرار أن لا يعرضوا
أعمالي الفنية في "قسمة الاكزوتية"، ولكنهم في
نفس الوقت يرغبون في نشر رسالتي لـ "مارتان" في
مقدمة كتالوغ المعرض، وذلك" لأنها تلمس إشكالية
الاكزوتية مثلما تؤشّر لحدود مشروع مبذول كمبحث
سوسيو انثروبولوجي (أنظر مقدمة كتالوغ "قسمة
الاكزوتية"، ص 15). حين شرح لي "تيري راسباي"
ذلك فهمت أنني كسبت رهانا لم يخطر على بالي قط.
ذلك هو رهان المداهنة الدبلوماسية، رهان الـ "بوليتيكلي
كوريكت" الذي هو روح الشاغل المعارضي لدى معظم
القائمين على أمر الفن غير الأوروبي.
مناورتي البسيطة لم تعط أُكُلُها ولم تؤثر على "مارتان"
الذي أشاح عن تصاويري ولم ينس رسالتي. وقد بدا
لي تفسير الأمر في كون هذا الخبير المحترف
المختص بالفن غير الأوروبي كان قد قرر، وعن سبق
القصد، أن يتجاهل تصاويري التي لا تطاق، كونها
على صورة حداثتي كفنان غربي من أفريقيا. لكنه في
نفس الوقت لا يستطيع تجاهل ملاحظاتي النقدية في
صدد اشكالية المشروع الفنأفريقاني. ومغزى هذه
الحكاية يتلخص في ان الفن المعاصر غير الاوروبي
كما يفهمه الاوروبيون هو فن لا يطيق النقد.
وفيما وراء تجربتي الشخصية فان معرض "قسمة
الاكزوتية" يتكشّف، وبمنهجية ميوزيوغرافية بريئة
في ظاهرها، عن جملة من الالتباسات المفهومية
المقصودة التي لم يعد يستغني عنها أي منظم معارض
يعمل في منطقة الفن غير الأوروبي.
فمعرض الفن غير الأوروبي ينطرح اليوم، تحت
ادّعاء اعتباطي، بكونه نوع معارضي جديد مستقل
بذاته، وقيل فتح ميوزيوغرافي بحاله. وبسبيل
تدعيم هذا الـ"نوع" على المسرح الثقافي، فإن
أصحاب معرض الفن غير الأوروبي يراكمون جملة من
التحديدات والأعراف واللوائح عند تقاطع الفن
والاثنولوجيا. وضمن منظور ومرجع معرض "سحرة
الأرض" فان معرض "قسمة الاكزوتية" ينطرح كـ "محطة
تقوية" للقيم والمعايير التي سبق أن بثّتها محطة
الإرسال الأولى: "سحرة الارض".
وأول الأعراض تظهر على شخص قوميسير المعرض نفسه.
فصاحبنا يتقمّص "الدور" الذي عهدوا به اليه بدون
تردد. وأنا استخدم عبارة "الدور" في معنى اللعب
المسرحي الكلاسيكي. فمعظم القوميسيريين
الأوروبيين من منظمي معارض الفن غير الأوروبي
ينتهون الى قبول دور "ممثل الغرب" أو الناطق
الرسمي باسم الثقافة الغربية. ومن موقع الحظوة
الثقافية الغربية ينعمون على من يرغب في
المشاركة في "حوار الثقافات" بلقب ممثل الثقافات
"الأخرى".
وبعد استقراره في موضع المشرف على علاقات الحوار
والتبادل الثقافي بين الغرب والآخرين فان
قوميسير المعرض يفصح عن نيته في استيعاب ودمج
كافة الثقافات الأخرى ضمن منظور ثقافة انسانية
كونية. ثقافة جامعة تتأسس على قاسم مشترك أعظم
قوامه مفهوم غامض اسمه "الروح الانساني". هذا "الروح
الانساني" يفترض أن البشر يلتقون عند مثل
انسانية سابقة على مصالحهم الطبقية، وهو بلا شك
مفهوم جميل زهيد الثمن لا يرغب أحد في التشكيك
في مصداقيته، بالذات في مثل هذا الموقف المتفائل
الذي يبشّر بيوتوبيا السلام والوفاق التام بين
الأعراق والثقافات. بيد أن مشروع اندماج كافة
الثقافات في ثقافة كونية انسانية الذي يبذله
الأوروبيون في محافل الوئام العرقي والثقافي
يقتضي من القوم التخفيف من غلواء الأنانية
المركزية التي طبعت تاريخ الثقافة الأوروبية في
علاقتها مع ثقافات غير الأوروبيين. فلكي تتمكن
ثقافة الأوروبيين من انجاز مشروعها الانساني فهي
مضطرة لأن تفسح مكانا لثقافات الآخرين. وقد يبلغ
الأمر بالمحتفلين بالثقافات غير الأوروبية أن
يطلبوا من التقليد الثقافي الأوروبي أن يعتّم من
ألقه أو أن يتظاهر بالموت بسبيل استدراج
المتشككين والـ "أرأيتيين" والذين لُدغوا من جحر
اليوتوبيا الأوروبية أكثر من مرتين. وحين لا
يرغب الغرب الأوروبي في لعب لعبة المتماوت،
فهناك أشخاص مثل "تيري ايهرمان" قمينون باعلان "موت
الغرب" حتة واحدة. وحذارى لمن لا يعرفون "تيري
ايهرمان"، رجل الأعمال الناجح الذي يدير شركة "آرت
برايس". وهي شركة خاصة تنشط في بيع وشراء
الأعمال الفنية وتفاخر بكونها "في طليعة
المؤسسات التجارية العاملة في بورصة سوق الآثار
الفنية على مليوني صفقة بيع تخص 172000 أثرا
فنيا لفنانين يتوزعون في الفترة التاريخية
الممتدة من القرن الخامس حتى
اليوم"(آرتبرايس.كوم) <artprice.com>.
وبالنسبة لـ "ايهرمان" الذي يعتبر من الشركاء
الذين يقدمون الدعم المالي لـ "بينالي ليون للفن
المعاصر" فان معرض "قسمة الاكزوتية" يؤشر لنهاية
الجمالية الغربية ويفتح الباب واسعا للجمالية
العالمية" (تقرأ: العولمية). والفرنسيون قوم
مولعون بفكرة "نهاية" العالم. وهي ظاهرة لا بد
أن لها علاقة بتكوينهم النفسي والرمزي المطبوع
بالتراث الكاثوليكي الذي لا يستغني عن فكرة "قيامة"
العالم. فقبلها بعام انتهز "باكو رابان"، مصمم
الأزياء الفرنسي الشهير الفرصة ليعلن نهاية
العالم في سنة ألفين. وقد شغلت نبوءة باكو رابان"
الاعلام الشعبي لفترة و نفعته في عمل دعاية
تجارية مجزية لم تكلفه أي شيء. لكن ان كان "رابان"
لا يتورع عن إعلان "نهاية العالم" لكي يتمكن من
بيع بعض تصميماته ـ الرائعة في مشهد النحت رغم
كل شيء ـ ، فان "ايهرمان" يبدو أكثر تواضعا، انه
يكتفي باعلان "نهاية" الجمالية الغربية لا غير.
كون الفن غير الأوروبي لا يصبح موضوعا للمشاهدة
الا تحت شرط العرقنة، فذلك الواقع يحفز
المسؤولين من "قسمة الاكزوتية" على عرقنة الفن
الأوروبي حتى يتم تأسيس المساواة بين الثقافات.
لكن هذه المساواة الفادحة لا تمنع حراس الجمالية
العرقية من أن يحفظوا للفن الأوروبي المعرقن
حظوة المرجع المركزي بالنسبة لفنون الثقافات
الأخرى. والاعتراف بمركزية المرجع الفني
الأوروبي وتعاليه يتم دائما بصوت خفيض تحت صدى
التصريحات الرنانة حول المساواة بين الثقافات،
أو كما قال "مارتان" في تصريحه لمحرر "لوموند"(25
يونيو 2000):
"إن معرض "قسمة الاكزوتية" يقتضي قسمة نتمناها
عادلة بشكل مثالي. وفي الواقع فنحن كلنا نعرف في
أي جانب تكمن السلطة وأين تكون الهيمنة. في جانب
الغرب طبعا". ويتابع حواريو "مارتان" أفكاره وقع
الحافر على الحافر حين يقرون بفساد القسمة
الاكزوتية. ففي مقدمتهما لكتالوغ معرض "قسمة
الاكزوتية" يكتب " تيري راسباي" و "تيري برات" ـ
على نهج "جان كلير"ـ وبصفاتهم كـ "ذكور بيض
ومسيحيين" (كذا) بأن "القسمة الاكزوتية غير
عادلة لأنها تندرج ضمن سياق فني تأسس وتطور منذ
البداية على يد الغرب".
ان طموح ارضاء الجمهور العريض يدفع القائمين على
عرض أعمال الفنانين غير الأوروبيين الى تبسيط
وطمس الاشكالية المركبة لهذا الفن المعاصر الذي
يتم انتاجه خارج أوروبا. وهو موقف يتم تارة لأن
الرعاة الاوروبيون يجهلون الجسور والأنفاق
السرية والعلنية التي تربط فن غير الاوروبيين
بفن الأوروبيين، مثلما هو يتم طورا لأن الرعاة
الاوروبيون يتجاهلون، وعن سبق القصد والترصّد،
طبيعة العلاقات القوية المركبة بين فنون غير
الاوروبيين وفنون الأوروبيين. وليس غرضي هنا
تصنيف "مارتان" وحوارييه في فئة الجاهلين أو في
فئة المتجاهلين. غرضي هو اثبات هذه الصفة
العجيبة من صفات مناهجية(ميتودولوجيا) الصناعة
المعارضية المعنية بعرض فنون غير الاوروبيين
للجمهور الاوروبي. وهي الصفة التي تتلخص في
استبدال المقاربة النقدية للظاهرة الفنية غير
الاوروبية بما يمكن أن نسميه بـ "المقاربة
السحرية" العزيزة على "مارتان". فما كان "مارتان"
يسميه "سحر الاشياء" يكتسب، عند حوارييه "برات"
و"راسباي"، اسما جديدا هو "الفكر البصري". يشرح
الرجلان كيفية الانتفاع بمفهوم "الفكر البصري"
حسب تجربتهما في معرض " بينالي ليون الثاني للفن
المعاصر"، 1993 :
"حين تستعصي التصانيف الشكلية على توقعات النظرة
التاريخانية النقدية" يستخدم العارضان مفهوم
"الفكر البصري".."الذي يعتمد على قيمة التناظر
الشكلي( ايزوتوبي)Isotopie المتفرّد للأعمال الفنية. وهو مفهوم لا
علاقة له بالجمالية الخطابية المقعّدة." (مقدمة
كاتالوغ" قسمة الاكزوتية" ص 8). و"الجمالية
الخطابية المقعّدة" التي يعنيها "برات" و"راسباي"
تتحدد ـ بعد عبارة "بشكل عام" المريبة بقدر ما
هي ايجازية وتبسيطيةـ كجمالية "الفلاسفة ومؤرخي
الفن ومن لف لفهم من التراجمة"(نفسه ص9). ولا
أحد يعرف ما اذا كان الاثنولوجيون، الذين يمثلون
القوة الضاربة للقوميساريا النظرية لمعرض "قسمة
الاكزوتية"، ضالعين في فئة "التراجمة" اياها،
لكن "برات" و"راسباي" ومن وراءهما "مارتان"
قرروا الاستغناء عن الفلسفة وعن تاريخ الفن
لتأسيس البنية النظرية للمعرض على مساهمات عدد
معتبر من نجوم الدراسات الاثنولوجية في فرنسا.
ولكن، اذا وضعنا في الاعتبار تصريح "برات"
و"راسباي" بكون" البينالي في فرنسا، بحكم أن
تمويله يأتي من المال العام، فهو أيضا خدمة عامة
للمواطنين"، فإن جمهور المواطنين الفرنسيين
سيجدون صعوبة كبيرة في قبول جمالية يعرّفها
موظفو الخدمة المدنية الذين يستبعدون، باسم "الفكرالبصري"،
مجمل ميراث الفلسفة وتاريخ الفن. ورغم كل دعاوى
الاستقلالية بالنسبة لميراث الفلسفة الجمالية
ومراجع تاريخ الفن فان "برات" و"راسباي" يظلان
وفيّان لضميرهما المهني كموظفي خدمة عامة،
لأنهما لا يقدمان معرضهما على مرجع "الفكر
البصري" وحده، بل يدعمانه بمرجع تاريخي مهم هو "معرض
سحرة الارض" الذي يثمّنانه كمرجع فني ناجح
و"مضمون"، بل و"مبرّأ "ميّة في الميّة" من شبهات
المداهنة السياسية و الروحية والتقنية"(ص9).
وهكذا، حين يصير التنكر للمداهنة السياسية همّا
يرعاه أفندية الخدمة العامة الذين عهدت اليهم
الدولة برعاية مؤسسات الثقافة، فمعنى ذلك
أن"الرماد" قد "كال حمّاد" قبلها بزمن طويل. وفي
تحليل نهائي ما، فان الصراحة ـ وقيل الوقاحة ـ
المبرمجة لموظفي الخدمة العامة تملك أن تصبح
بضاعة مطلوبة بقدر ما يلبي موقف الزهد في
المداهنة طلب الجمهور العريض.
ولو عدنا لمفهوم "لفكر البصري" الذي يتأسس عليه
الفهم المعارضي لكل من "برات" و"راسباي"، فثمة
مثال طيب عن حالة من حالات التناظر الشكلي
الفريد (ايزوتوبي) يبذله لنا عمل الفنان
السويسري المعاصر المعروف "توماس هيرشهورن"
Thomas Hirschhorn وهو تناظر شكلي كما توارد
الخواطر بين موقف "هيرشهورن" وموقف رعاته من
الواقع الجيوسياسي المعاصر. وعمل "هيرشهورن"
المعني يستحق الاهتمام كونه يطرح اشكالية
الطريقة التي ينظر بها بعض الفنانين الأوروبيين
ورعاتهم لما يحدث في المجتمعات غير الأوروبية.
ففي عمله المعنون: "الامم المتحدة، نموذج مصغّر"،
الذي يعتمد أسلوب التأثيث (انستاليشان)
(Installation) وهو عمل صمم خصيصا لمعرض "قسمة
الاكزوتية"، يقدم "هيرشهورن" للزوار مسارا
مسهّما داخل ماكيت من الأطلال المصغّرة لحاضرة
ضخمة مكونة من عدّة مدن معروفة دمّرتها الحروب
التي تدخلت فيها قوات الامم المتحدة. ونص كتالوغ
البينالي الذي يقدم لعمل "هيرشهورن" يدعم النبرة
النقدية لعمل الفنان تجاه مواقف منظمة الأمم
المتحدة بقوله: "إن تدخل الامم المتحدة يتم
تمثيله هنا بحضورعدد كبير من الدبابات وطائرات
الهيليكوبتر البيضاء على طول مسارح العمليات
الحربية. وذلك بأسلوب تكراري دون أن نعرف على
وجه التحديد ما اذا كان غرض حضور قوات الأمم
المتحدة هو اطفاء نار النزاعات أم تأجيجها. وعند
كل منعطف من منعطفات مسرح العمليات يبذل الفنان
للزائر مجموعة من الوثائق المطبوعة التي توثق
للنزاعات التي جرت أو تجري في البلدان التالية:
لبنان، سيراليون، فلسطين، رواندا، الكنغو زائير
سابقا، الشيشان، البوسنه، تيمور، شياباس، كوسوفو...
أثناء المعرض لفت بعض الزوار نظر المنظمين الى
أن قوات الامم المتحدة لم تتدخل أبدا في اقليم "شياباس"
أبدا. لكن المنظمون الكرام لم يحركوا ساكنا
لتصحيح المعلومة المغلوطة بعد افتتاح المعرض.
فقد رفعت الأقلام وجفت الصحف. ويبدو ان تدخل
قوات الامم المتحدة أو عدم تدخلها في اقليم"
شياباس" لم يكن يهم القوم كثيرا، فقد كانت
أولويتهم القصوى تتلخص في دعم قضية الهنود
العادلة ولو أدى بهم الامر لتزييف وقائع التاريخ
المعاصر. ويبدو أن بعد نزاع اقليم "شياباس" من
دائرة اهتمام الجمهور العريض في أوروبا، بجانب
الرغبة المسيحية المشروعة في التضامن مع قضية
الهنود العادلة ضد سياسات الحكومة المكسيكية، قد
لعبا دورا في تسويغ المسلك غير المسؤول لمنظمي
معرض "قسمة الاكزوتية". وربما كانت المسألة في
جملتها، في خاطر الفنان كما في خاطر منظمي
المعرض، لا تخرج عن نطاق التناظر الشكلي (ايزوتوبي)
الذي يُفترض أن كل مسارح النزاعات الـ "عرقية"
في العالم تتقاسمه بما يجعل تدخل قوات الامم
المتحدة أمرا محتوما. وفي تحليل القوم النهائي
خلاصة سياسية عرقية تقول بأنه في ظلام القارات
غير الأوروبية فكل القطط بالضرورة سوداء.
وبما أن خبراء الفن الاكزوتي عموما ـ والفن
الأفريقاني على وجه الخصوص ـ هؤلاء القوم الذين
يوصفون ذواتهم طوعا بكونهم "ذكور" و"بيض"، بما
أنهم يتمركزون، عمدا في الزاوية العمياء للفكر
البصري الايزوتوبي (وترجمتها:"الفكر الاعتباطي")،
فهم ينتهون بالضرورة إلى حالة عمى البصيرة التي
لا ينفع معها أي بصر وإن حدّ.
والبصيرة التي تعمى عن رؤية الطبيعة التناحرية
لعلاقات القوى الاجتماعية ذات المصالح الطبقية
المتناقضة، هي بالضرورة بصيرة طبقية، وعماها
المزعوم هو حيلة أصيلة من حيل مدبّري الصراع
المستفيدين من شرط العمى، عمى المقهورين
والمستبعدين. وخلاصة الأمر، أمر القائمين على
عرض فنون غير الاوروبيين، يمكن أن توجز في كون
هؤلاء القوم زاهدون، ظاهر وباطن، في أي رؤية
اجتماعية للمسألة الفنية. بل أن الرؤية
الاجتماعية للمسألة الفنية صارت أمرا يصنّف في
باب عدم اللياقة والـ "بوليتيكلي انكوريكت" في
أوساط العاملين في مؤسسات الفن المعاصر. وفي هذا
المشهد تصبح الرؤية الاجتماعية لأمور الفن
الافريقي المعاصر وزرا في جسامة التابو السياسي
المريع الذي يفسد بهجة الفنأفريقانية السعيدة
على كافة الضالعين في مهرجان الاستبعاد
الاجتماعي المتذرّع بذرائع الابداع. إن قدَر
أدنى محاولة لطرح رؤية اجتماعية طبقية لواقع
حركة الخلق في البلدان الافريقية ـ مثلا ـ هو أن
تزلزل نظام المسلّمات الرمزية والسياسية الذي
تأسس عليه تقليد فن الاستبعاد ضمن التقليد
الأوروبي. ففي المرآة الاجتماعية لواقع حركة
الخلق الأفريقية يخاطر الاوروبيون ـ والفرنسيون
على وجه الخصوص ـ يخاطرون برؤية صورة مخجلة
لوجههم النيوكولونيالي المظلم في مركزالبؤس
المادي والرمزي المطبق على واقع حركة الخلق في
أفريقيا. هذه الصورة التابو المنصوبة في مركز
تناقضات النسخة النصرانية لثقافة رأس المال
المتعولم، والتي لا يدركها بصر بغير بصيرة النقد
الاجتماعي، أقول: هذه الصورة العجيبة مهمّة
لأنها تقيم في قلب النسخة المعاصرة لأقدم شقاقات
التقليد الثقافي اليهودي النصراني: شقاق
التصاوير، شقاق التناقض التراجيدي بين صورة
الحقيقة و حقيقة الصورة.
أن صورة بؤس العالم الثالث مبذولة اليوم عبر
وسائط تكنولوجيا الاعلام، ولكن مجرد بذل الصورة
أمام العيان لا يعني أن الناظر اليها يشاهدها.
فالمشاهدة تعليم، وأنا أستخدم عبارة الـ "تعليم"
في معناها المزدوج: التعليم في معنى التأشير
المادي على الصورة بوضع علامة تميزها بين فوضى
التصاوير التي تزحم حقل البصر، والتعليم في معنى
تأسيس منهج نقدي في تربية البصيرة. يعني بدون
تعليم لا يكون بصر ولا بصيرة. فهل يعني ذلك أن
الاوروبيين ينقصهم التعليم حتى يتمكنوا من احسان
مشاهدة الوجود الذي نقاسمهم اياه؟ لا، ثم لا
وألف لا، الاوروبيون على بصر حديد وبصيرة أحد
لكنهم يشيحون بناظرهم عن صورتنا التي لا تطاق:
صورة سوء التنمية الافريقي المزمن الذي يمثل
الوجه المظلم القبيح لتنمية السوق الرأسمالي
التي تحفظ للقوم مواقع الحظوة والرفاه وتنفي
الأفارقة لهاوية الافقار والتخلف. فعلا صورتنا
لا تطاق، بل أن من يتجاسر بالنظر ناحيتها يخاطر
بأن ينمسخ تمثالا من الملح لأبد الآبدين كما
تقول اسطورة افريقية (من اختراعي طبعا). لهذا
يتفنن خبراء التصاوير الأفريقانية من ساكني
اليوتوبيا الاوروبية في اختراع صورة أخرى
لأفريقيا، صورة يمكن مشاهدتها بغير مخاطرة، صورة
لأفريقيا خارج التاريخ ومنزّهة عن دنس السياسة
والمال و غير ذلك من تناقضات حضارة السوق. بيد أن
تناقضات حضارة السوق ليست قدرا أفريقيا يمتنع
على غيرهم. فـ "التسوّي كريت في القرض .." لا بد
و أن تجده في جلدها، وسيأتي اليوم الذي تبدأ فيه
آلة الجمالية العرقية في اختراع فرنسيين يمكن
مشاهدتهم بلا مخاطرة لو اقتضت ضرورات السوق
المتعولم. ومن يدري فقد يتاح للأفارقة في حينها
أن يسدوا النصح للفرنسيين من واقع خبرتهم
التاريخية، وأهلنا يقولون: أسأل مجرّب ولا تسأل
حكيم. يومئذ يتحقق حوار الحضارة الحقيقي بين
ضحايا حضارة رأس المال. |