|
الفن أفريقانيــــــــة. كوم
حسن موسى
النص الأول: من اخترع الأفارقـــــة؟
الحلقة الثانية
خُـفَـراء اليوتوبيـا
خُـفَـراء اليوتوبيا
أثناء التظاهرة الأفريقانية اللندنية المسماة "آفـــريــكا
1995" التي التقى عندها رهط من الباحثين
والفنانين الأفارقة الأفريقانيين وغير
الأفريقانيين، لم يكن هناك من يقوى على تجنب
الجدال حول موضوع تعريف الفن الأفريقي المعاصر،
وبالذات في "سمنارالفنانون الأفارقة، المدرسة
والاستوديو والمجتمع" الذي نظمته مدرسة الدراسات
الشرقية والآفريقية بجامعة لندن. وأذكر مناقشة
حامية انفتحت بين بعض المشاركين حول تصريح
للفرنسي "جان كلير" كانت قد نشرته "ذا آرت
نيوزبايبر" Jean Clair, in The Art News Paper,
Jun. 95. وجان كلير ناقد فرنسي معروف ومدير متحف
بيكاسو في باريس، وقد أجمع الحضور على فهم كلام
جان كلير كتعبير عن مقاومة أوروبية بعينها
لمشروعية مفهوم الفن الأفريقي المعاصر. وأصل
الحكاية أن جان كلير، أبان فترة رئاسته لبينالي
البندقية في ذلك العام، قال لمحررالصحيفة
المذكورة الذي سأله عن موقفه ـ كمدير للبينالي ـ
من اشتراك فنانين من العالم الثالث في معرض
بينالي البندقية." أجد هذا الأمر شاذا وبعيدا عن
العقل ففكرتنا نحن عن الفن أو عن النشاط الفني
فكرة لصيقة بالواقع الغربي وكل النوايا التي
تزعم الشهامة بفتح متاحفنا وصالاتنا الفنية
وبينالياتنا لـ "فناني" العالم الثالث انما تمثل
في اعتقادي اللمسة النهائية للضلال
النيوكولونيالي ".." وعليه فلن يشتمل البينالي
على فنانين من العالم الثالث. ذلك أن تشريك
فناني العالم الثالث في البينالي سيكون بمثابة
تجاوز مجحف لسلطة تنظيم البينالي مثلما هو تجاوز
مجحف لسعة اللغة، بل وسيوقعنا ذلك في الخلط بين
أمور متناقضة تماما.
ومن جهة أخرى فاستبعاد فناني العالم الثالث
سيمكننا من طرح المشكلة الرئيسية بين مشاكل
نهاية هذا القرن، مشكلة الثقافات الغريبة على
الثقافة الغربية، الثقافات التي تملك مفهوما
للصورة، لسلطان الصورة ولوضعياتها مختلف لحد
كبير عن مفهومنا نحن لها. وحاليا فان هذه
الثقافات تتنامى في حالة غزو للعالم بشكل يجعلنا
نشك في قدرة المتاحف الكبيرة التي نفتتحها اليوم
على البقاء خلال السنوات القليلةالقادمة. حين
نتبصر في ما يحدث الآن في الجزائر فان كل ما
نعتبره ثابتا اليوم بل ومجمل النظام الثقافي
القائم على اجلال الصورة يمكن أن يتقوّض خلال
عقدين أو ثلاثة. وليست هذه رؤية متشائمة للأمور.
فأنا أقول هذا الكلام بتمالك تام. أعتقد أن
الحضارات تتطور و تختفي."
ماذا نفعل بمثل هذا الكلام؟
إن أدنّاه باسم المساواة بين الثقافات أجحفنا في
حق رجل في حكمة وعلم جان كلير، سيّما وأن حديث
الرجل انطوى على بعد "تنبؤي" يكتسب مذاق الفجيعة
حين نقرأه بعد تدمير تماثيل بوذا باميان على يد
مهووسي نظام الطالبان في أفغانستان.
طبعا حديث جان كلير يستلهم قولة رودياردكيبلنغ
الشهيرة التي تعتبر من أكفأ الأيقونات الأدبية
لحرب الحضارات..
“Oh,East is East,and West is West,
And Never the twain shall meet,
Till Earth and Sky stand presently
At God's great Judgment Seat"
لكن ان كان كيبلنغ في "سياحته" بين الشرق
والغرب يعرض صلف الغازي الاستعماري، فإن جان
كلير في العبارة التي تشبه "السفروق" ـ والسفروق
كلمة كردفانية تدل على السلاح المقذوف الذي
يسافر ويلتف حول الطريدة أو يرتد الى صاحبه [كما
بومرانغ الآبوريجين الأستراليين] أو كما يرتد
الكيد الى صاحبه والله أعلم ـ أقول أن عبارة جان
كلير عامرة بأكثر من معانيها الظاهرة. فهي تعبّر
عن قلقه الأوروبي ـ قلق ركن القهوة السودانية في
ميريديان الخرطوم ـ والرجل قلق من تأثيرات
الضلال النيوكولونيالي علي أصالة ثقافات أهل
العالم الثالث. لكن اذا تمعّنّا في الموضع الذي
يتكلم منه حين يقول "نحن"، فإن حديثه يفتح باب
مشروع ثقافي طموح غايته مزدوجة من حيث كونه يريد
صيانة الأصالة الثقافية والنقاء الثقافي لثقافات
أهل العالم الثالث مثلما يريد صيانة الأصالة
والنقاء الثقافي لأهل الغرب الأوروبي. وهكذا
يبقى كل واحد في محله فلا يكون خلط ولا تعكير.
يعني على حد عبارة أمي "كل قرد يلزم شدرته"
والسلام. هذه الفكرة، فكرة "فرز المويات" ليست
مستحدثة في السياسة الثقافية لفرنسا، فبعض مؤرخي
السياسة الفرنسية يردونها للجنرال ديغول ويفسرون
بها موقفه من استقلال الجزائر في مطلع الستينات.
فمن المعروف أن الجنرال ديغول كان مع استقلال
الجزائر ضد رأي أغلبية الطبقة السياسية الفرنسية
التي لم يكن يداخلها الشك في كون الجزائر كانت
وستبقى فرنسية وأن الجزائريين فرنسيين مسلمين
ليس إلا.
ويحكي السياسي الفرنسي الديغولي "ألان بيرفيت"
في كتابه عن "الجنرال" أن الرجل قال مفسرا موقفه
من استقلال الجزائر ما معناه أن الجزائريون
بقابليتهم الديموغرافية العالية قمينون بأن
يصبحوا أغلبية في فرنسا وأردف أنا لا أرغب في أن
أرى قريتي "كولومبي ذات الكنيستين" تغير اسمها
ذات يوم لتصبح "كولومبي ذات المسجدين"، هذا
الخطاب الديغولي هو اليوم سلاح ذو كفاءة سياسية
عالية في يد اليمين المتطرف الفرنسي المتعنصر ضد
الجالية العربية. وقد نسمع خطابا مشابها في
بريطانيا ضد الباكستانيين أو في ألمانيا ضد
الأتراك. والخوف من النمو السكاني غير الأوروبي
كان ومازال لازمة ثابتة في السياسات الدفاعية
للمجموعات العرقية الأوروبية. وهو الموقف الذي
غذى مشاريع الابادة العرقية الجماعية للهنود
الحمر وللأبوريجين الأوستراليين بقدر ما يغذي
مشروع الـ "ترانسفير" أو "النقل الجماعي" الذي
يتوعد به اليمين الاسرائيلي عرب اسرائيل نحو
الأردن أو نحو الدولة الفلسطينية المحتملة حتى
تؤمّن اسرائيل نقاء المجتمع من كل شائبة عرقية
وثقافية غير يهودية. كل هذا يردنا لخلاصة
محزنةهي أن جان كلير لا يرى أفضل من الـ "أبارتايد الثقافي" كمخرج من الخراب العظيم الذي
يتربص بمنجزات الحضارة الأوروبية.
لكن يبدو أن رغبة جان كلير في صيانة نقاء الفن
الأوروبي عن التدنيس المحتمل الذي يتهدده من طرف
أهل العالم الثالث تصل متأخرة نوعا، ذلك أن
الفنانون الأوروبيون، ومنذ وقت طويل، سافروا
كثيرا خارج حدود العالم الغربي وفقدوا نقاءهم
العرقي وبراءتهم الجمالية عن قصد أو عن غير قصد،
فهم بشكل أو بآخر تبعوا حركة التاريخ
الكولونيالي والنيوكولونيالي وسافر بعضهم مع
حملات الفتح العسكرية كما هيمن بعضهم على "السكان
الأصليين" بجاه الادارات الاستعمارية، وامتص
بعضهم دماء رعايا بلدان العالم الثالث بفضل
التواطوء الآيديولوجي مع سلطات النيوكولونيالية
الدولية والاقليمية واليوم هم يمارسون الهجنة
الثقافية بذريعة "حوار/حرب" الحضارات مع كل "آخر"
متوفر في متناول اليد بمباركة آلة العولمة
الغاشمة.
من يرميهم بحجر كل هؤلاء الناس الطيبين الذين لم
يتوانوا ـ رغم كل شيء ـ عن دفع حركة الفن على
درب الحداثة الوعر؟ أنا بطبيعة الحال، أنا
أرميهم بأكثر من حجر وذلك بطبيعة حال رعايا
بلدان العالم الثالث طبعا. حالي أنا كابن غير
شرعي لسفاح النيوكولونيالية التراجيدي على فراش
حلم التنوير الانساني المفقود. أنا أرميهم بأكثر
من حجر لكونهم فجروا وجاروا باسم هذه الحظوة
التاريخية المذنبة، حظوة النجاة من قدر الضحية
في عالم يتقاسمه الضحايا والجلادون. أولاد
الغلفاء لن يكفيهم حجر واحد و ستلزمني محجرة
بحالها و جيش من رماة المقاليع حتى أفش غبني
المقيم وهيهات. لكن "فش الغبينة" ليس في قمة
أولوياتي الراهنة. وسأمسك عنهم حجارتي وحجارة
غيري لأني أحتاجهم لتعريف أسس تحالف حضاري قمين
باعادة تأهيل الحداثة وانقاذ اليوتوبيا من مخاطر
السوق المتعولمة. إن النضال ضد الاستبعاد
والاستعباد، النضال من أجل القسمة العادلة
لخيرات عالمنا الروحية والمادية يحتاج لحلفاء في
ذكاء وفي مكر هؤلاء الأفذاذ من ورثة السحرة
والعلماء الذين نسميهم الفنانين. أما كيف سننجز
مشروعنا الفادح؟ فهذا علمه عند ربي، لكن السؤال
نفسه طرف في المشروع اياه والحمد لله الذي لا
يحمد على مكروه سواه.
ولو عدنا لجان كلير، خفير اليوتوبيا، فان السعي
لقفل أبواب المتاحف الغربية وصالات العرض
والبينالي في وجه الفنانين القادمين من العالم
الثالث لا يؤدّي ولا يجدي، كون فناني العالم
الثالث موجودين في هذه الأمكنة منذ عهد طويل.
وحاليا ليست هناك حاضرة غربية أوروبية مهمة
تستغني عن منافع المحافل والمتاحف المخصصة لفنون
أهل العالم غير الأوروبي. وفي النهاية، فان حديث
جان كلير لا ينفع الا في اثارة غضب الفنانين
الذين يعتبرون أنفسهم فناني عالم ثالث ورعاتهم
وحماتهم الأوروبيين. ولكن فيما وراء غضبة هؤلاء
وأولئك فان حديث جان كلير يثير اشكالية مؤسسات
الرعاية الغربية وشهامتها الحضارية المزعومة
تجاه الفنانين المعاصرين الوافدين من خارج
العالم الأوروبي.
في هذا المشهد فان شبهة التجاوز الأخلاقي
النيوكولونيالي التي يرفعها جان كلير في وجه
المؤسسات الأوروبية لرعاية الفن غير الأوروبي
تبدو مشروعة. وفي الواقع فان كلام جان كلير يثير
التساؤل حول الدور المبهم الغميس للمؤسسات
الأوروبية المتخصصة في رعاية الفن المعاصر غير
الأوروبي. وجل هؤلاء الرعاة الذين يزعمون "التخصص"
في تقديم هذه الفئة أو تلك من فئات الفن غير
الأوروبي سرعان ما يخلصون ـ و في خلال سنوات، بل
في خلال شهور، الى اعلان أنفسهم كـ "خبراء" في
الفن غير الأوروبي وذلك عملا بالمثل المعروف "البلد
المافيها تمساح يقدل فيها الورل". وبحكم الروابط
وكفاءة وسائل الاتصال والاعلام فغالبا ما ينتهي
هؤلاء "الخبراء" الى تكوين نوع من شبكة من
الأشخاص الذين يتعارفون ويلتقون بانتظام من خلال
التظاهرات الفنية التي ينظمونها هنا وهناك،
بمساعدة الدول ومؤسسات الرعاية الخاصة، عبر
الحواضر الكبيرة بين قارات أوروبا و أمريكا.
ومع ذلك، فلو أخذنا، على سبيل المثال، هذا الفن
الأفريقي المعاصر كسبب يبرر وجود هذه الشبكة
الواسعة من محترفي الرعاية لوجدنا أن هذا الفن
الأفريقي يبقى غريبا، لا بالنسبة للأفارقة فحسب،
بل هو غريب أيضا على سوق الفن العالمي.
وغربة الفن الأفريقي على صعيد سوق الفن العالمي
تتفسر بكون هذا الفن الأفريقي المعاصرـ بخلاف
حال الفن الأوروبي المعاصر ـ لا محل له من
الاعراب وغائب تماما وبشكل مريب، كقيمة مالية،
ضمن سلم القيم المالية الذي تصنف عليه السلع في
ا لبورصة. ورغم أن بعض جامعي الفن الأفريقي
المعاصر وبعض منظمي المعارض الفنأفريقانية
يتفاءلون بالفن الأفريقي المعاصر كـ "أمل
البيزنيس الفني" في المستقبل القريب الا أن الفن
الأفريقي المعاصر يظل غير وارد على الاطلاق في
خاطر الجامعين والمستثمرين الذين قد يضعون مالهم
في ميزان سوق الفن المعاصر. ترى هل يعني ذلك أن
الفن الأفريقي المعاصر يفلت من قانون السوق؟
طبعا لا، لا أحد يفلت من القانون التوحيدي للسوق،
لكن التداخل البالغ التركيب للعلاقات التاريخية
بين الأقارقة والأوروبيين انما يؤثر بطريقة
مميّزة على نوع السوق الذي يبذله المجتمع
الرأسمالي المعاصر لانتاج الفنانين الافارقة.
وحتى الآن فقد واظبت أوروبا على بذل نوع من "سوق
رمزي" للفنانين الأفارقة. وأقول سوق رمزي ضمن
المنظور غير الواقعي الذي تدبر عليه أوروبا أمور
الفن الأفريقي، ذلك أن الفن الأفريقي يبقى في
خاطر الأوروبيين مساحة ممتدة لكل أنواع الهواجس
و الأوهام العربيدة التي لا تبال بالافارقة في
شيء. ففي أرض الفن الأفريقي يبيح الأوروبيون
لأنفسهم حرية اعادة تخليق صورة العالم وصورة
الأفارقة [مستودع "الآخر" الأبدي]، وقيل صورة
الأوروبيين أنفسهم حسب الأمزجة والملابسات.
فـ"بيير غوديبير"، المتحفي الفرنسي والباحث
الفنأفريقاني المعروف وسط المهتمين بالفن
الأفريقي كان قد نظم ـ في سبتمبر 90 معرضا
لأربعة وستين فنان معاصر من السنغال. وذلك في
قلب باريس في صالة " لارش دو لا ديفنص" "غوديبير"
ينظر للفن الأفريقي كـ "مستودع كبير لقيم
القداسة" ويمكن للفنانين الأوروبيين الذين يفتقر
عملهم لقيم القداسة "يمكنهم أن ينهلوا من هذا
المستودع طاقة القداسة التي يحتاجونها".
لكن الفن الافريقي المعاصر ينطرح في خاطر
الأوروبيين كمساحة لأعمال البر الثقافي ينشط
فيها نفر من الحادبين على أصالة الثقافات غير
الأوروبية ومن لفّ لفّهم من أهل الرفق بالـ "حيوان"
الفنان الأفريقي [و لو نظرت معان لفظة "فنان" في
المنجد فستجد بينها معنى "الحمار الوحشي له فنون
في العدو"، فتأمّل..] من شاكلة جامع الآثار
الفنية الألماني، الـ "هـرـ أيوه هرـ هورست
شاوركولر" الذي افتتح غاليري متخصصة في الفن
المعاصر الأفريقي والعربي في قلب باريس [ تاني؟]
في العام 94.
يقول الـ "هر شاور كولر" في المقابلة التي
أجرتها معه مجلة "جون آفريك" الفرنسية 13 ـ 3 ـ
94" لقد سافرت كثيرا في المغرب و في أفريقيا
".." و شاهدت الأعمال الرائعة التي أنجزها فنانو
هذه البلدان، وفي نيتي أن أبين للناس أن أعمال
هؤلاء الفنانين تضاهي في قيمتها أعمال الفنانين
الفرنسيين أو الأوروبيين والأمريكيين، بل أن
بعضهم يخلق أعمالا أقوى وأشد تشويقا ".."ومن ثمّ
فأنا أعتقد صادقا أن لهؤلاء الفنانين شيء
يقولونه للعالم الغربي. لكن الجمهور الغربي
غالبا ما يجهل حتى أسماء الفنانين الأكثر شهرة
بين الفنانين العرب والفنانين الأفارقة".."وقد
بدا لي أن هذا الواقع الذي يعيشه هؤلاء الفنانين
ينطوي على شيء من الاجحاف أو على الأقل على شيء
من الاختلال.". طبعا لم يعدم الهر شاور كولر
حفنة من الفنانين الأفارقة والمغاربة [فكأن
المغاربة يقيمون خارج أفريقيا] لتأثيث صالة عرضه
الباريسية بأعمالهم، من باب "المال تلته ولا
كتلته"، مثلما لم يعدم حفنة من الكتاب والصحفيين
الأفارقة والفنأفريقيين ليصفقوا ويهللوا لمشروعه
من باب "ان كان لك حاجة عند الهر قول له يا كلب".
وهكذا يبدو أن معظم الحادبين على مصير الفن
الأفريقي لا يستغنون عن مشروع ما لـ "انقاذ"
الفنانين الأفارقة. أنا شخصيا أحبذ مشروع "
كاترين م."، هذه الشخصية الروائية العجيبة التي
تحكي سيرة عربداتها الطليقة في كتاب "الحياة
الجنسية لكاترين م." للكاتبة والناقدة الفنية
الفرنسية" كاترين مييه" والتي تعتبر أحد أعلام
حركة النقد الفني المعاصر في فرنسا سيّما
وكتابها "الفن المعاصر في فرنسا" يعتبر مرجعا
مهما لدارسي الفن المعاصر في فرنسا. تحكي "كاترين م" [ ص اا] ".. حين بلغت العمر الذي
يتردد فيه الأطفال على مدرسة التلقين الديني
المسيحي، جاء يوم طلبت فيه مقابلة القس لأحاوره
في مشكلة لم أجد لها حلا. ذلك أني كنت أريد أن
أصبح راهبة "أتزوج الرب" وأغادر في ارسالية
تبشيرية لمساعدة الشعوب البائسة التي تتوالد في
افريقيا. لكني في نفس الوقت كنت أريد أن أتزوج
وأنجب أطفالا وأحيا حياتي. القس الصموت أنهى
مشروع حواري بطريقة حاسمة قائلا أن كل هذا الأمر
سابق لأوانه".
خسارة كبيرة كون "كاترين م" لم تتمكن من الحضور
لأفريقيا لتنقذنا كما أنقذت "الفن المعاصر في
فرنسا" ذلك أن كهنة النيوكولونيالية أرسلوا لنا
محترفي الفنأفريقانية الذين ينظرون لآفريقيا
كمفرخة للفنانين المستعدين لتقديم الغالي
والرخيص لقاء ربع ساعة "آندي وارهول" على مشهد
الفن المعاصر في حواضر أوروبا و أمريكا.
ان وضعية النفي خارج السوق الحقيقي التي يكابدها
الفناون الأفارقة المعاصرون تملك أن تكسب بعض
الشرعية لاشتباهات جان كلير في صدد دوافع مؤسسات
الرعاية التي تكفل الفنانين المعاصرين من العالم
غير الأوروبي. فهي في الغالب مؤسسات رعاية تعمل
كـ "رزيرف هندي" [وقيل"كرنتينة"] تحافظ على
كل فصيلة عرقية "اثنية" في المحل المخصص لها من
فترينة العرض التي تقسم العالم اثنيا. وعند
مقتضى الحال فقد تقوم مؤسسات الرعاية اياها
باجمال كافة أهل العالم غير الأوروبي في قفص
واحد باعتبارهم "آخر" الغرب الأوروبي.
في الـ "ريزيرف الهندي" المخصص للفنانين
الأفارقة، فان المبدعين يعرضون أساسا بوصفهم
أشخاص سود يتكنّز الروح الزنجي في دواخلهم.
وربما ساعدنا هذا الموقف لفهم الأسباب التي تجعل
من تصانيف سياسية استعمارية عبثية من نوع "أفريقيا
السوداء" أو "أفريقيا البيضاء" ما زالت رائجة في
أوساط متعهدي التظاهرات الفنأفريقانية في أوروبا.
وعلى طول علاقتهم التاريخية بأفريقيا فقد طوّر
الأوروبيون نوعا من تقليد أو "صنعة معارضية"
متميزة بحرفية عالية غايتها عرض منتجات الثقافات
الأفريقية للجمهور الأوروبي. هذه الصنعة
المعارضية الفنأفريقانية تأسست مناصفة بين جهود
رواد الاثنولوجيا الأوروبية ورواد الصنعة
المعارضية الحديثة. فمن جهة بادر نفر من
الباحثين الاثنولوجيين الى ارتجال صنعة قومسير
المعرض ارتجالا من واقع الضرورة العملية التي
عرفوها لأنفسهم منذ نهاية القرن التاسع عشر،
ضرورة تفسير أفريقيا للأوروبيين من خلال الأشياء
والأدوات التي غنموها من القارة المظلمة، هي
مبادرة ذات دلالة خاصة كونها تمت في لحظة
تاريخية كانت وسيلة المعرض فيها قد تطورت الى
نوع ثقافي مستقل بوصفه وسيط اتصال ثقافي جماهيري
وتعليمي جديد وكأداة بروباغاندا عالية الكفاءة [المعارض
الدولية في العواصم الأوروبية بدأت مع في النصف
الثاني من القرن التاسع عشر في فينا، باريس،
لندن وشيكاغو..].
ومن الجهة الأخرى فقد أفرزت هذه الصنعة
المعارضية الجديدة في البداية جمهرة من الأشتات
بينهم بعض المبدعين من محبي الزنج والاخصائيين
العموميين من جنس الألعبان والاداريين
الاستعماريين وبعض المبشرين والتجارالمغامرين
والرحالة المحترفين و"الحمرتجية" البهلوان
والحلاقين المتكلمين في الأفريقانية.. الخ. كل
هؤلاء الناس كانوا يبيحون لأنفسهم رخصة تقديم
وشرح "الأشياء الزنجية" للجمهور الأوروبي. ورغم
أن جمهرة مفسري أفريقيا قد احسرت لحدود بعض الـ
"مختصين" اليوم الا أن الكلام في الشأن
الأفريقاني ما زال مباحا لكل من هب ودب،
فأفريقيا بحر من الظلمات المعرفية والمنهجية وعن
البحر فحدّث..نخلص من هذا ـ ونحن ما زلنا في "الجهة
الأخرى"ـ الى أن نفر من قومسيرات المتاحف وبعض
منظمي المعارض الافريقية من هواة الاثنولوجيا
استأنفوا الصنعة المعارضية على هدي الأسس التي
طرحها رواد الاثنولوجيا الأفريقانية.
واليوم نلاحظ أن مباحث الاثنولوجيا، التي كانت
بمثابة حصان طروادة للمؤسسة الاستعمارية
الأوروبية، لم تعد تثير ريب الكثيرين في صدد
مراميها السياسية تجاه شعوب العالم غير الأوروبي،
كون المباحث الاثنولوجية انمسخت في المشهد
الاعلامي الأوروبي الى نوع من أيقونة كفاحية
عالمثالثية.
واذا كان رواد الاثنولوجيا قد ساهموا في عملية
تقديم وتثبيت الفن الأفريقي على خشبة المسرح
الفني الأوروبي فهم، في نفس الوقت، طبعوا هذا
الفن الأفريقي بطابع الجمالية الاثنولوجية.
وهكذا فان المنظمون الأوروبيون لمعارض الفن
الأفريقي ممن اكتشفوا هذا الفن الأفريقي في مشهد
الاثنولوجيا نظموا مساحة المعرض بطريقة يستحيل
معها تجنب المرجعية الاثنولوجية لموضوع العرض.
وعليه صار عرض الفن الوافد من أفريقيا يستدعي
بالضرورة تهيئة "ميزانسين" جديد يتبع الموجهات
الاثنولوجية المستبطنة في خاطر منظمي المعارض
الأوروبيين.
والمتتبع للعلاقة التاريخية بين فن الأفارقة
والظاهرة الاثنولوجية يلمس أن القوم في أوروبا
قد اختاروا، ومنذ عهد طويل، أن ينظروا لأفريقيا
من خلال انعكاسات زجاج فترينات المتاحف
الاثنولوجية. وهي حيلة مجزية تماما كون فترينة
المتحف توفر للناظر عبرها نوعا من الحماية كما
في اسطورة "بيرسي" صاحب الدرع الصقيل كالمرآة
الذي مكّنه من رؤية وجه الساحرة "ميدوزا" على
صفحته وقتلها دون أن ينظر اليها مباشرة، لأن من
ينظر مباشرة لوجه الميدوزا ينمسخ حالاً الى
تمثال من الحجر حسب الاسطورة. وتحت شرط الراحة
الأخلاقية لفترينات المتحف، فإن الزوار الميامين
للمتاحف الأفريقانية الأوروبية تمكنوا من مشاهدة
اشنع ميدوزات أفريقيا دون أدنى مخاطرة [و أعني
على سبيل المثال لا الحصر ميدوزات الغزو
والاستعمار والنهب والتقتيل والابادة والعنصرية
والاستعباد والاستبعاد والقصف والحصار والديون
والتجويع].
ومنذ مطلع القرن العشرين استقرت صورة أفريقيا في
المشهد الأوروبي بطريقة مجافية لواقع حياة
الافارقة وذلك بفضل الصنعة المعارضية
الأفريقانية التي ازدهرت وراجت بذريعة اضاءة
القارة المظلمة في الخاطر الأوروبي الاستعماري.
وفي مركز الصنعة المعارضية الأوروبية نجد عرض
أجساد الأفارقة كنوع معارضي تأسس بين المؤسسات
العلمية كالمتاحف والمؤسسات الترفيهية كالسيرك
وأسواق الملاهي أو حتى في الأمكنة التي تجمع بين
أغراض العلم وأغراض الترفيه كحدائق الحيوان. وفي
هذا المعنى قامت حدائق الحيوان الباريسية في
نهاية القرن التاسع عشر 1895 بعرض بعض أسر
الأفارقة من "أشانتي" غانا في أقفاص ليتفرج
عليهم الجمهور الباريسي.
وقد سبق عرض الأشانتي بعدة عقود عرض فتاة الـ "بوشمان"،
سارتجي باارتمان "المشهورة تحت اسم "فينوس
الهوتونتوت" التي عرضت في السيرك وأسواق الملاهي
بين لندن وباريس في 1810. وقد تم احضار "سارتجي
باارتمان" من لندن لباريس بعد أن باع سادتها
البريطانيون "عقد عرضها" لمروض حيوانات متوحشة
في سيرك فرنسي. وكان جمهور السيرك يدفع لرؤية
المخلوقة التي كان يفترض فيها ان تمثل الحلقة
المفقودة بين القرد والانسان. وكانت فتاة
البوشمان تعرض عارية كي يتأمل الجمهور بطريقة "علمية"
خصائصها العرقية وبالذات "خصائص" أعضائها
الجنسية التي ألهمت أدبيات التاريخ الطبيعي
للعنصرية الأوروبية صفحات مخجلات قلما يجود
الزمان بمثلهن. بعد خمس سنوات من وصولها لباريس
توفيت سارتجي باارتمان أثر اصابتها بالتهاب رئوي
الا أن مسلسل شقائا لم ينقطع بموتها فقد تكالب
عليها "علماء" زمانهم وقطعوا أوصالها باسم
الدراسة العلمية وحفظوا مخها وفرجها في قماقم
زجاجية ظلت مبذولة لزوار"متحف الانسان" بباريس
حتى نهاية القرن العشرين. وبعد انهيار نظام
الأبارتايد في جنوب أفريقيا ارتفعت أصوات بضرورة
اعادة ما تبقى من جسد فتاة البوشمان لدفنها في
موطنها. كن الغريب في الأمر هو أن القماقم
الزجاجية التي تحتوي على أوصال سارتجي باارتمان
اختفت من المتحف ـ بقدرة قادر ـ ولم يعد هناك من
هو قادر على رد غربتها وسط عًهَـد المتاحف
ومحفوظات الفنأفريقانية المشينة.
لكن التاريخ الطبيعي للبربرية الأوروبية في
أفريقيا لم يكشف بعد عن كل فظائعه المتحفية، فقد
نقلت وكالة الـ "آسوشيتيد برس" في تقرير لها
بتاريخ 30ـ 6ـ2000 أن السلطات الاسبانية قررت أن
ترسل الجسد المحنط لرجل أفريقي محفوظ في متحف
مدينة "بانيوليس" الكاتالانية، قررت أن ترسله
الى "بوتشوانا" لدفنه فيها بوصفها موطنه. كان
الجسد معروضا منذ 1916 ي متحف المدينة. وأصل
الحكاية يبدأ في القرن التاسع عشر في "بتشوانا"
حيث قام مغامر فرنسي اسمه "ادوار فيرو" بنيش
القبر وسرقة جثة "المحارب الأفريقي" وتحنيطها
وبيعها لعالم التاريخ الطبيعي الاسباني "فرانسيسكو
داردير" والذي قام بمنح الجسد لمتحف التاريخ
الطبيعي لمدينة "بانيوليس" .
وهكذا لا يفلت عرض أشياء الثقافة الأفريقية من
تاريخ العلاقة السوداء الدامية بين أوروبا
وأفريقيا. وهي علاقة محورها الموت، موت الأفارقة.
وفي المنظور الأوروبي الاستعماري فان الأفريقي
الطيب هو الأفريقي المحنّط على نحو العبارة
العنصرية التعيسة التي كان المستعمرون البيض
يرددونها بلا خجل في أفلام رعاة البقر
الهوليودية
«A good Indian is a dead Indian !»
واذا كانت ميزة الكائن المحنّط الأساسية هي ثبات
صورته واستعصاءها على التحول الذي يدرك الأحياء
فان مساعي الفنأفريقيين الأوروبيين لتثبيت صورة
أهل القارة الافريقية على هيئة واحدة لا تتغير
انما يكشف عن قناعة مضمرة في الخاطر الأوروبي
فحواها موت الأفارقة الأكيد. أي والله لقد متنا
وشبعنا موتا في خاطر سادة زماننا من الأوروبيين
الذين سيحسنون اليناايما احسان لو حنطوا جثثنا
ليؤثثوا بها متاحفهم وصالاتهم ومنتدياتهم
الثقافية فتفهم الأمم ما خفي من أمرثقافاتنا
وفنوننا.
في مطلع الثلاثينات نظمت الدولة الفرنسية من
خلال متحف "تروكاديرو" حملة اثنوغرافية لجمع
عناصر الثقافات المادية والروحية عبر أفريقيا.
كانت تلك الحملة تعرف رسميا بـحملة "داكار
جيبوتي". و كانت خطتها عبور القارة من أقصى
غربها للأقصى شرقها وجمع وتسجيل كل ما يمكن
تسجيله من تجسدات الثقافة الأفريقية. وكان على
رأس الحملة البروفسير "مارسيل غريول" من أعلام
الاثنوغرافيا الفرنسية تصحبه نخبة من أميز رواد
الاثنوغرافيا ويعاونه شاعر سوريالي شاب هو "ميشيل
ليريس" الذي سينشر لاحقا يوميات الحملة التي
امتدت لعامين في كتابه القيم "أفريقيا الشبحية".
وهو نفس "ميشيل ليريس" الذي سيصبح من أميز نقاد
الاثنولوجيا الفرنسية في زمن الاستعمار مثلما هو
نفس "ميشيل ليريس" الذي سيصبح من رواد
الآيديولوجيا الفنأفريقانية التي تفسد على أهل
أفريقيا أمور فنهم اليوم.
للمساهمة في الدعم المالي لحملة "داكار جيبوتي"
سعى القائمون على أمرها لتنظيم الحفلات الخيرية
في الأوساط الباريسية آنذاك فكان بعض نجوم
المجتمع الفني وبعض المشاهير ينظمون حملات
التبرعات لصالح "داكار جيبوتي". وقد ساهمت
الراقصة الأمريكية السوداء "جوزيفين بيكر" في
هذا المجهود بريع بعض استعراضاتها سيما وأنها
كانت السوداء الأكثر شهرة في أوروبا كلها آنذاك.
وبجانب "جوزيفين بيكر" كان المجتمع الباريسي
يحتفي بملاكم أمريكي أسود، حائز على لقب بطل
العالم في الملاكمة، اسمه "آل براون". وفي أمسية
منتصف شهر أبريل 1931 تم تنظيم ماتش ملاكمة خيري
قبل فيه "آل براون" أن يلاكم للحفاظ على لقبه
والتبرع بريع الأمسية لدعم حملة " داكار جيبوتي"
وذلك ـ حسب عبارة الباحث "جان جامان" ـ في
مقدمته لكتاب "ليريس"، مرآة أفريقيا، "لكي تتحقق
معرفة أفضل بأرض أسلافه ولرد الاعتبار لبني
جلدته السود. ومن خلال مشهد هذا العرض الرياضي "تم
عرض الجسد الزنجي في أكثر أبعاده حسية ـ ومن باب
أولى ـ أكثرها حيوانية، بيد أن القائمين على
تهيئة الحلبة في هذه الأمسية لم ينسوا أن يضعوا
عند كل ركن من أركان حلبة الملاكمة أحد حراس "متحف
تروكاديرو الاثنوغرافي" بكامل بزته الرسمية
فكأنما الجسد الأسود المعروض على الحلبة ، تحت
رقابة حراس المتحف، كان يرهص لتعريف مركز"
الأشياء الزنجية"
«Objets Négres» التي ستجلبها حملة "داكار
جيبوتي" بعد عامين من أرض أجداد الملاكم الأسود
لتعرضها في صالات متحف الاثنوغرافيا تحت رقابة
نفس الحراس المنتصبين حول الحلبة". أنظر "مرآة
أفريقيا" ص 27.28Michel Leirie, Miroir d’
Afrique, Paris Gallimard, 1996, pp. 27,28.
|