|
السودانوعروبية، أو تحالف الهاربين:
المشروع الثقافي لعبد الله على إبراهيم في
السودان
محمد جلال هاشم
مقدمـــة:
يهدف هذا المقال إلى ترسم أبعاد اتجاه
جديد في قضايا الثقافة والهوية في
السودان. هذا الإتجاه يقوم ـ كما نرى ـ
على سودنة الإسلام والعروبة، وبالتالي رسم
حدود هوية إسلاموعروبية خاصة بالسودان
دونما عداه من دول أخرى ضمن المنظومة
الإسلامية عامة، وتلك الناطقة بالعربية
خاصة. ولهذا أطلقنا على هذا الاتجاه مصطلح
"السودانوعروبية"، على أن "العروبية"
تستبطن في داخلها الإسلام. إذ عندما نتحدث
عن دخول العرب إلى السودان، إنما نستضمن
في ذلك دخول الإسلام إلى السودان
بالضرورة.
تأتي أهمية هذا الموضوع من كونه حاسماً في
تحديد مسار السودان اجتماعياً، وسياسياً
وحضارياً. فقد كانت إشكالية هوية السودان
ـ ولا زالت ـ من حيث عروبته أو أفريقيته،
هي القضية الشاغلة بصورة مباشرة للطبقة
المثقفة، وبصورة أخرى غير مباشرة للقطاعات
العامة للشعب السوداني. ونستطيع أن نقول
بحق، إن قضية الهوية هي مأزق الفكر
الاجتماعي ـ السياسي السوداني طوال عقود
هذا القرن. والآن تشغل هذه القضية كافة
جنبات المسرح السياسي السوداني، خاصة مع
اشتداد حدة الصراع حول السلطة إلى درجة
الحرب الأهلية، وضلوع الأيديولوجيا
الإسلاموعروبية في هذا الصراع بكل ثقلها
وبشكل سافر عبر مؤسسة الدولة ومشروع
أسلمتها.
فيما يختص بالبيانات والبينات مناط
التحليل والاحتجاج في هذا المقال، فقد
عمدنا إلى الأدبيات الخاصة بالموضوع بقدر
ما وقعنا عليها، فأوردناها، مع حرصٍ، في
اقتباسات موثقة، ومن ثم تصدينا لتحليلها.
عليه، فإن المنهج الذي اتبعناه هو وصفي
تحليلي.
تستند الورقة في قوامها المنهجي على
تحليلنا لثلاثة مقالات كتبها عبدالله علي
إبراهيم خلال عقد الثمانينات. وحتى عنوان
مقالنا هذا نفسه مصاغ ومنحوت على غرار
عنوان واحد من المقالات الثلاثة. ولكن،
حريٌّ بنا أن نذكر أن بحثنا هذا ليس عن
عبدالله علي إبراهيم، بقدر ما هو يستند
على تحليل لمقالاته في هذا الشأن. بخصوص
عبدالله علي إبراهيم فإن أهميّته تأتي من
كونه أكاديمياً ضليعاً، وسياسياً نبيهاً،
خرج من أروقة الحزب الشيوعي السوداني بعد
علاقة استشارية لصيقة بالمرحوم عبد الخالق
محجوب (السكرتير العام السابق للحزب
الشيوعي السوداني، الذي أعدمه نميري عقب
انقلاب هاشم العطا في يوليو
1971م)،
مسنوداً بخبرة مشهودة، ومَكِنةٍ فكرية غير
منكورة. وقد وظف جهوده منذئذٍ لتكريس
الهوية العربية الإسلامية دون أن يدور في
فلك أي حزب سياسي. وقد أدت به مواقفه هذي
إلى مناورات تشهد له بالذكاء، واتبع في
ذلك حيلاً أعانته عليها ألمعيته
الأكاديمية الفذة.
لا نزعم أن عبدالله على إبراهيم يتفق معنا
في الرأي، وربما كنا على يقين من أنه
يختلف معنا أيما اختلاف فيما ذهبنا إليه.
والأمر كهذا، فحريٌّ بنا ألاّ نزعم بأن
الذين سندخلهم ضمن هذا الاتجاه الجديد
ينظرون إلى أنفسهم من خلال منظورنا لهم.
بقي أن نقول إن أهم محدوديات هذا المقال
هو انحصاره في الحركة الفكرية والسياسية
بين من ينتمون للثقافة العربية الإسلامية
أو ما يعرف تقليدياً بشمال السودان، الذي
يُنظر إليه على أنه تغلب عليه الثقافة
العربية الإسلامية. ولهذا عدة أسباب؛
أهمها أن المقال يتناول اتجاهاً إسلامياً
عربياً يسعى لاستيعاب الاتجاه الأفريقي في
هوية السودان.
إشكالية هويّة السودان
هذه الإشكالية لها ثلاثة محاور هي:
العروبية، الآفروعروبية، والأفريقية. وقد
نتجت عنها ثلاث مدارس في مجال الدراسات
السودانية. سنتعرض للمدرستين العربية
والأفريقية، ثم نركز تحليلنا على المدرسة
الآفروعروبية. وسبب هذا أن السودانوعروبية
ـ فيما نرى ـ هي بنت الآفروعروبية، أو على
وجه التحقيق، هي الاتجاه الجديد الذي بدأت
الآفروعروبية في التحول إليه والتشكل به،
بعد نجاحها في استيعاب المدرسة العروبية.
والآن جاء دور استيعاب كل عناصر التمرد
فيها.
المدرسة العروبية
قامت هذه المدرسة في أدبياتها على ما كتبه
عبد الرحمن الضرير في أوائل القرن العشرين
في كتابه
العربية في السودان،
بدافع إثبات عروبة السودان دون الالتفات
البتة إلى العناصر غير العربية التي تشكل
قوام الأطراف في الشرق والغرب، الشمال
والجنوب ـ هذا الأخير خاصة ـ فكأنها غير
موجودة [أحمد عبد الرحيم نصر، 1985: 15].
وتبعه في ذلك محمد عبد الرحيم في كتابه
نفثات اليراع في الأدب والتاريخ والاجتماع،
حيث دافع عن عروبة السودان وعن إسلاميته [المرجع
نفسه: 16-15].
وعندما استشرف السودان إستقلاله، كتب بعض
السودانيين في الصحف مثيرين موضوع العروبة
والأفريقية. وبدلاً من انتهاز الفرصة،
وإجراء حوار حول هذه المسألة، تصدى لهم
أكاديمي مصري الجنسية هو عبد المجيد
عابدين، فاتّهم أول ما اتهمهم بأنهم
عنصريون [نفسه: 18]. ثم ذهب إلى
التصريح والتأكيد إلى أن اللغة العربية
وثقافتها تتقدم في السودان، ولا شيء
سيوقفها. كما إنه لم يذكر شيئاً عن
الكيانات مشهودة التأفرق ـ مثل الجنوب ـ
وكأنها لا توجد، حاله في ذلك حال الضرير
وحند عبد الرحيم [نفسه]. وبالرغم
من أنه دافع عن العروبة كهوية ثقافية
لاعرقية، إلاّ أن حديثه استبطن نعرة عرقية
لا تخفى [راجع في ذلك كتبه: 1967:
108ـ109؛ 1972: 73ـ78.]
من الواضح أن هذه المدرسة كان محتوماً
عليها التراجع عن ريادة الحركة الفكرية
والعلمية في السودان، ذلك لأنها لا تحسّ
ولا تقرُّ أصلاً بوجود سودان خارج خيمة
الثقافة الإسلاموعروبية. فهي لا تشعر
بوجود المكوّن الأفريقي [حسبما فهموا] في
هوية أولئك الذين يجلسون القرفصاء في دار
الندوة الإسلاموعروبية في السودان، الأمر
الذي يجعلها لا تقرُّ بسودانية من هو ليس
بعربي.
المدرسة
الأفريقية
في رأينا أن وجود هذه المدرسة نظري
افتراضي، أي لحفظ ميزان الصراع من حيث
ثنائيته القطبية: عربي ـ أفريقي. فالحديث
عن الأفريقانية في السودان يأتي دائماً
تعبيراً عن الكيانات مشهودة التأفرق من
لغة وعرق … إلخ، واستبعاداً للعناصر
المستعربة. ولكن لا توجد كتابات عن سودان
أفريقي الثقافة مع اشتمال شمالي الوسط
المستعرب المسلم فيه. وقد قام أحمد عبد
الرحيم نصر بالتصنيف لهذه المدرسة مستنداً
في ذلك على بحث قدمه أحمد المعتصم الشيخ -
الطالب آنذاك بشعبة الفولكلور، معهد
الدراسات الأفريقية والآسيوية، جامعة
الخرطوم - لنيل درجة الدبلوم [نصر، 1985].
اعتمد أحمد عبد الرحيم نصر في تقويمه
وتصنيفه لهذه المدرسة على تركيز أحمد
المعتصم على أن أسماء الناس والأماكن ـ في
منطقة يُنظر إليها كمنطقة عرب مسلمين ـ
كلها نوبية الأصل. كما إن الابطال
الأساسيين الذين يردون في الحكايات
الشعبية من الذين ينتظمهم المضمار الأمومي،
مثل: الأم، الأخت، الخال، ابن الخال، ابن
الأخت…إلخ. وفي هذا ما يشهد ـ حسبما يرى
البحث
ـ بمخلفات
survivals
للنظام الأمومي
matrilineal system
الذي كان سائداً في سودان ما قبل العرب،
مضافاً إلى كل ذلك المعتقدات الدينية التي
ـ حسب رأي الباحث ـ لا تتوافق مع تعاليم
الإسلام
[
أحمد المعتصم الشيخ، 1975م].
على أيٍّ، ما كان لهذا البحث أن يكون
معلماً لمدرسة قائمة بذاتها في الدراسات
السودانية لو لم يصنفه أحمد عبد الرحيم
نصر هذا التصنيف، ولو لم يقوّمه هذا
التقويم. ولا نعني بقولنا هذا إن البحث
ضعيف في تكوينه، أو أي شيء من هذا القبيل؛
ولكن نقصد إلى القول بأن الكاتب نفسه لا
يذهب هذا المذهب في بحثه، والعنوان يشي
بذلك. فأحمد المعتصم يتحدث عن "عناصر
أفريقية في الأحاجي السودانية" وهذا شيء
بعيد ـ فيما نرى ـ عن التحدث عن هوية
أفريقية للسودان ككل.
وعلى أيٍّ، هذا الاتجاه عموماً لم يُشهد
له بفاعلية في تشكيل المواقف وبنائها في
السودان. بالطبع كانت هنالك وعلى الدوام
أصوات ترتفع مطالبة بحقوق الكيانات
الأفريقية في السودان، أو تتحدث عن رد
الاعتبار للمكون الأفريقي في ثقافة شمالي
السودان العربي المسلم؛ ولكن لم تكن هنالك
أصوات ترتفع منادية بأن السودان بمستعربيه
ومسلميه ـ بعيداً عن الإطار الجغرافي ـ هو
أفريقي الهوية. فدعوى أفريقية السودان
كانت بوصلتها دائماً ـ ولا زالت ـ تتجه
جنوباً وغرباً وشمالاً وشرقاً نحو الهامش
و الأطراف بعيداً عن الوسط والمركز وشمال
الوسط.
المدرسة الآفروعروبية
بواكير الدعوة وروادها
يمكننا أن نرتد ببواكير هذه المدرسة إلى
بدايات القرن العشرين ودعوة قومية الأدب
والاقتصار على ما هو سوداني السمات، أو ما
يسمى بمدرسة الفجر. لقد كانت جرثومة ذلك
الوعي تكمن في إحساسهم بحوجتهم إلى أدب
يعبر عن واقعهم. وقد بدأ هذه الدعوة
الشاعر حمزة الملك طمبل، وتبعه في ذلك
الكثيرون منهم محمد أحمد محجوب، محمد عشري
الصديق، وأخوه عبدالله
[محمد عبد الحي، 1976: 7-11]. ولكن محمد
عبد الحي يأخذ عليهم أن دعوتهم لم تكن
واضحة الرؤية. فمفهوم ما هو سوداني لم يكن
واضحا لدى طمبل
[المرجع نفسه: 9]. كما إن العمق
الأفريقي للسودان كان غائباً عنهم بالمرة
[نفسه: 23]. لقد مسّوا أفريقية
بالسودان مسّاً بينما تجاهلوا كينونته
الأفريقية من حيث تأفرقهم هم أنفسم،
وبالتالي سقط عنهم الوعي بأطروحة التمازج
والتفاعل الثقافي الذي انتظم الثقافة
العربية في السودان [نفسه].
إذن فقد كانت المطالبة بأدب سوداني السمات
بمثابة حوار عربي ـ عربي. فتلك المدرسة
(الفجر) سعت إلى سودنة الأدب الذي كان
يهيم في مفازة الشعر العربي الآبد. وعليه،
لقد كانت تلك الدعوة تتحرك داخل خباء
الثقافة العربية الإسلامية [
محمد فوزي مصطفى عبد الرحمن، 1972:
226-228].
رد الاعتبار للمكون الأفريقي
في أواخر أربعينات القرن العشرين وخلال
خمسيناته، ومع اشتداد حدة الخطاب العروبي
على المستوى الرسمي جرّاء كتابات أمثال
عبد المجيد عابدين وآخرين، ارتفعت أصوات
تنبّه للعنصر الأفريقي وتنحاز إليه كردّ
فعل لانحياز السواد الأعظم للعروبة. وقد
كان محمد المهدي المجذوب رائد هذا الإتجاه
حيث تغنّي بجنوب السودان وسعي في بوهيمية
آسرة للتماهي فيه. ولكن، كان المجذوب في
أعماقه عربياً نَزَا في سورة شبابه فأُعجب
بأفريقيا. فهو يقول في قصيدته (انطلاقة)
والتي ألفها بمدينة واو 1954م [ محمد
المهدي المجذوب، 1982: 20]:
فليتِي في الزنوج ولـي ربـابٌ تميـلُ
به خطاي وتستقيــمُ
أُجشِّمه فيجفلُ وهـــو يشكـو كما
يشكو من الحُمَةِ السليـم
وفي حِقْـوَيَّ من خـرزٍ حـزامٌ وفي
صَدُغَيّ من وَدَعٍ نظيـم
وأجتـرع المريسةَ فـي الحواني
وأهْــذِرُ لا أُلام ولا ألــوم
طليـقٌ
لا تقيـّدني قريـــشٌ
بأحساب الكــرام ولا تميـم
وأُصرعُ في الطريق وفي عيوني ضبابُ
السُّكْرِ والطّربِ الغَشوم
في هذا الفضاء ظهر شعر الفيتوري الذي فاخر
بسواد لونه، بل ودعا إلى أن نُعلن عن
زنوجتنا بالصوت العالي [أنظر
نص القصيدة في: فتح الرحمن حسن التني،
1990م: 327]:
قلها لا تجبن… لا تجبن
قلها في وجه البشريه
أنا زنجيٌّ..
وأبي زنجي الجدِّ
وأمي زنجيه
أنا أسودْ … أسودْ
لكني حرٌ أمتلك الحريه
أرضي أفريقيه
عاشت أرضي
عاشت أفريقيه
هنا يتضح الفرق بين المجذوب والفيتوري.
فالثاني يحمل في دواخله أزمة أفريقيته من
حيث الواقع المزري، بينما الأول معفي من
تبعة ذلك بحكم وعيه بعروبته، ولكنه يسعى
للتماهي في صورة ذهنية كوّنها عن أفريقيا
ربما كانت لا تمت إلى الواقع بصلة.
عليه، نخلص إلى أن الفيتوري جاء تعبيراً
عن وعي سوداني لم يجد لنفسه موضع قدم في
الواقع العروبي. وقد كان الفيتوري بحق
ترجماناً لهذا التيار، فجاءت أغلب قصائده
عن أفريقيا حتى تمخضت عن أربعة دواوين
تحمل اسم أفريقيا [1956؛
1964؛
1966؛ 1967].
الآفروعروبية والحل الوسط
إذن، فقد جاء شعر الفيتوري ترجمةً لحركة
استقطاب جديدة تدور رحاها حول الزنوجة
والأفريقانية الطاغية على الملامح
السودانية، وذلك في مقابل الاستقطاب
العروبي. بيد أن هذا الوعي الأفريقي
الصاعد جاء عبر خطاب عربي؛ وهنا كانت
مفارقته، فكأنما جاء مخرجاً من مأزق.
كان في مقدور هذا الطرف الاستقطابي الجديد
أن ينضج ويتبلور في نظرية معرفية يمكنها
أن تنسف بناء الاستقطاب العروبي الهش لولا
أن ظهر تيار الآفروعروبية كحل وسط يُخرج
العروبية من مأزقها. لهذا فإننا ننظر إلى
الآفروعروبية لا على أنها ناتج جدلي من
صراع الأفريقانية والعروبية، بل على أنها
جاءت كحل توفيقي منحاز لصالح التيار
العروبي، ولاستيعاب عناصر الثورة
الأفريقية المضادة. وقد نجح هذا التيار في
مسعاه، وليس أدلّ على ذلك من استيعاب
الفيتوري نفسه وتخصيص دكة مريحة له داخل
خباء العروبة.
أنظر مثلا إلى قصيدته (مقام في مقام
العراق) التي ألقاها ببغداد في مهرجان
المربد التاسع حيث يقول [أنظر
نص القصيدة في مجلة الدستور،
الإثنين، (19ـ26)، 1988م، ص 43]:
غيـرُ تلك البلادِ بلادُك لولا اليقينُ
ولـولا شمـوخُ العراق
العـراقُ الأيادي التي غسلت جبْهةَ الشرق
بالـدّمِ حتّى أفاق
العراقُ الصحائفُ مُذْهَبةُ النقشِ في زمن
العجـزِ والانسحاق
العراقُ المــلاحمُ لا تنتهي والرؤى ثورةٌ
والحضورُ ائتلاق
ويظلُّ العــراقُ مداراً وبغدادُ شمساً
تُضيءُ مـدارَ الرفاق
فالتماهي العروبي هنا كأوضح ما يكون، في
مقابل تماهٍ أفريقي سابق. ليس هذا فحسب،
بل إن الفيتوري يتماهي حتى تركبه العنجهية
العربية فلا يتمالك من أن يعرّض بالعجم من
المغول والمماليك والأغوات مختزلاً فيهم
الصفات السالبة ودامغاً بها متخاذلي
العرب:
كلُّ ما كان بالأمس أن المغولَ أَتَوْا في
الدجى ومَضَوْا في المحاق
وتقيمُ المقـــاديرُ فيــك احتجاجاً على
وطنٍ أبدي الوثــاق
ضــاع بين صراع المماليك والأَغَوَات
وفرسان عصر الوفاق
ثم يتباكى الفيتوري على هذا الوطن العربي
الكبير:
جـــزّأوه وقـد كان شعباً، فأضحى شعوبـاً
مُعبّأةً في زقــاق
ثم يختم قصيدته قائلا:
يــا بلادي التـي حملتني بعيـداً إلى
عُرسها يا بلادي العــراق
وهنا يكون الفيتوري قد سلا عشقه الأول
الكبير، أفريقيا، ليدلج بعد ذلك في ليل
القضية العربية.
الأكاديمية: حصان طُروادة
نهضت الآفروعروبية على أساسٍ متين وعلمية
صارمة، فقد أرساها أحبارٌ نهدوا إلى العلم
بوثبة شابة، وألمعية نافذة. وقد خلص ذلك
الجيل إلى أن السودان هو مزيج من العروبة
والأفريقية. فيوسف فضل في دراسته عن العرب
في السودان يخلص إلى أنهم نوبة استعربوا
[1973: 153-158]. ويذهب حريز في دراسته
لطقوس العبور ودورة الحياة عند الجعليين
[1969] ثم في دراسته لأدب الجعليين الشعبي
(الحكاية) [1977] إلى وصف ثقافتهم بأنها
آفروعروبية. وعلى صعيد علم السياسة تناول
هذه الإشكالية أيضا مدثر عبد الرحيم
متحدثاً عن مشاكل ومزايا الهوية
الآفروعروبية للسودان [1969؛ 1970].
لقد كانت تلك الكتابات رصينة، وقد استندت
على قدم راسخة في العلم، كما قامت على
وقائعية تاريخية وجدلية مؤدّاها أن سودان
اليوم هو ناتج تلاقح ثقافي نهدت فيه
العروبة والأفريقية برفدهما ثم كان أن
وسمته أفريقيا بميسمها. وهذا حق! الا أن
مشكلة الآفروعروبية تكمن في أنها رفعت
شعاراً لم تعمل بمقتضاه، فقد كانت
الأكاديمية العلمية بمثابة حصان طُروادة
ركبها ذلك الجيل الألمعي كيما يستأنس
الغابة، فيما سنرى لاحقاً.
مدرسة الغابة والصحراء
تولدت الآفروعروبية أول أمرها كاتجاه فكري
سوداني داخل الحقل العلمي الأكاديمي، وفي
هذا لبس نود إجلاءه. فبالرغم من أن بذرة
هذه المدرسة قد نشأت داخل المدرسة
الأكاديمية، إلاّ أن الإصدارات العلمية
الأكاديمية ـ كتلك التي رفد بها أمثال
يوسف فضل وسيد حريز وفرانسيس دينق ـ لم
تظهر إلاّ بين منتصف الستينات ومنتصف
السبعينات من القرن العشرين. هذا بينما
الكتابات الأدبية من شعر وقصة التي تنتمي
إلى الآفروعروبية قد ظهرت منذ أوائل
الستينات، ولذا تبدو دعوة الآفروعروبية
وكأنها قد ظهرت أول أمرها كتيار أدبي
فحسب. وما ذلك إلاّ لأنها قد خرجت في
تجلّياتها الأدبية قبل أن تخرج من أروقتها
الأكاديمية إلى الشارع السوداني. وتتمثّل
تجلياتها الأدبية في مدرسة الغابة
والصحراء، حيث ترمز الغابة إلى أفريقيا
والصحراء إلى العروبة. وقد بدأ ذلك في
أوائل الستينات من خلال مقالات في الصحف
رادها كل من محمد عبد الحي، صلاح أحمد
إبراهيم، محمد المكي إبراهيم والنور عثمان
أبكر، أدانوا فيها ثقافة الكف والصرامة
التي تتسم بها العروبة، ومجدوا في المقابل
الطابع الانفلاتي ـ فيما رأوه هكذا ـ
الذي تتسم به الثقافة الأفريقية [عبدالله
علي إبراهيم، 1988: 119].
هذه التيارات المناهضة للخطاب العروبي ـ
في مرحلة ما قبل التبلور والاستقطاب ـ كان
لابدّ للعمل على استيعابها في خطاب يجعلهم
يصطلحون عبره مع العروبة. وما كان هذا
ليتأتّى إلاّ بالاعتراف بالمكون الأفريقي
في ثقافة شماليي السودان. وهذا ما تم
إرساء قواعده علمياً من خلال الرفد العلمي
الذي ظهر في أروقته الأكاديمية مبكراً،
رغماً عن تأخر ظهوره للعامة عبر النشر.
لقد كانت تلك أرضية صلبة روّج لها دعاة
الغابة والصحراء يحدوهم عميدهم محمد عبد
الحي. فكان بالتالي أن أرسوا اتجاهاً
جديداً يعترف بالمكون الأفريقي ويضعه ـ
نظرياً ـ على قدم المساواة مع المكون
العربي، وذلك من خلال توازي وتساوي الغابة
والصحراء.
لقد جعلت مدرسة الغابة والصحراء من إنسان
سنار نموذجاً للإنسان السوداني، وقدمته
كمشروع. وفي ذلك يقول عبدالله علي إبراهيم
[المرجع السابق: 107]:
"أمل
الآفروعروبيين في تمازج الثقافات في
السودان معلق بحركة التصنيع التي بوسعها
أن تزيل البقية الباقية من العوائق بين
الجنوب والشمال.. وعليه يكون ناتج
الامتزاج بين الجنوب والشمال إعادة إنتاج
لإنسان سنار، الذي هو أساس التركيبة
الهجين للسودانيين الشماليين. فمحصلة
الامتزاج بين الجنوب والشمال في نظر
الآفروعروبيين ستكون بمثابة طبعة لاحقة
للسوداني الشمالي الذي لا عيب فيه حالياً
سوى تجاهله لتراثه الأفريقي".
العروبية والآفروعروبية: برنامج موحد
كان للعروبية برنامجها السياسي الاجتماعي
والثقافي متمثلاً في ميكانيزمات التمدد
والاندياح الاستعرابي الذي نشهده في سودان
اليوم، والذي جرت سيرورته منذ قيام دولة
الفونج. وهذا البرنامج يترسم خطواته وفق
خطاب يتسم بالتماسك والثبات. وفي المقابل
نجد أن الآفروعروبية لا تقدم لنا أي
برنامج له شكله التخطيطي وبعده التنفيذي
فيما يختص بإشكالية الهوية. فهي لا تطالب
بأن يكون التعليم على طريقة بعينها ـ مثلا
إدخال اللغات السودانية في المدارس ـ أو
أن تأتي البرامج الاقتصادية والسياسية على
شكلٍ بعينه بحيث تحقق جوهر الفهم
الآفروعروبي في فكرهم، والصورة التي
يترسمونها لما ينبغي أن يكون عليه
السودان.
فإذا كانت هناك تيارات رافضة للعروبة فإن
الآفروعروبية جاءت وهي تستبطن في تلافيف
ميزانها اعترافاً بالعروبة. وهكذا أصبحنا
في السودان ـ خاصّةً منذ السبعينات ـ نشهد
الخطاب الرسمي والشعبي يلهجان
بالآفروعروبية، بينما تتحكم ميكانيزمات
الاستعراب على كل أصعدة البرامج السياسية
والثقافية والاجتماعية والاقتصادية. وهذه
هي ذات ميكانيزمات الاستعراب التي شكلت
إنسان سنار (أي نموذج الآفروعروبية
للإنسان السوداني). فإذا علمنا أن هذا هو
ذات برنامج المدرسة العروبية، وصلنا إلى
أن العروبية والآفروعروبية عبارة عن
برنامج واحد يقوم على تكريس الاستعراب.
وما حديث الآفروعروبية عن المكون الأفريقي
ـ على وجه التحقيق ـ إلاّ من قبيل
الاستهلاك الشفاهي والتخدير كتكتيك
استيعابي.
وهكذا نتفق مع عبدالله على إبراهيم [المرجع
نفسه: 119] عندما يقول:
"وصفوة القول إن الآفروعروبية هي صورة
أخرى للخطاب العربي الإسلامي الغالب في
السودان".
ميكانيزم الاستعراب وثقافة أمدرمان
نعني بذلك العملية التي يبدو أن كل
الكيانات السودانية ذات الثقافة واللغة
الأفريقيتين معرضة كيما تمر بمراحلها .هذا
بالطبع ما لم نتحسب لذلك حتى لا تندثر هذه
اللغات.
ويمكن تلخيص ميكانيزم الاستعراب في الاتي:
أب وأم يتحدثان لغة سودانية كلغة أم ولا
يعرفان من اللغة العربية إلاّ بضع كلمات
لا يحسنان نطقها؛ ثم أبناء يبدأون بلغة
الأم، فتجبرهم ظروف الحياة على تعلم
العربية مع "لكنة" واضحة؛ ثم أبناء يبدأون
بالعربية كلغة أولى، وتصبح لغة الأم
هامشية، يفهمونها ولكن لا يجيدون التحدث
بها. وأخيراً يجيء أحفاد لا يعرفون غير
العربية مع تأفّف وتبرؤ من لغة الجد
والحبوبة.
|