|
مفهوم التهميش وتحديّات
العمل المشترك*
ورقة عمل قدمت في إطار "نداء لندن من أجل
السلام والتنمية والعدالة في شرق
السودان"، 17 سبتمبر 2005.
محمد جلال أحمد هاشم
المؤتمر النوبي (نوبيين كريووس)
مكتب بريطانيا
خلفيــة تاريخيــة
يُعتبر السّودان بمثابة غابة من الهويّات
الثقافيّة. لكن هذا لا يعني انتفاء
الوشائج والأواصر التي تشدّ هذا النّسيج
ببعضه لتشكّل لوحة إثنية/ثقافيّة رائعة.
فمثلاً المجموعة النّيليّة ـ الصّحراويّة
تُشكّل نسبة 64% من مجموع الهويّات في
السّودان، بينما تُشكّل المجموعة النّيجر
ـ كردفانيّة نسبة 32%. إذن 96% من مجموع
الهويّات بالسّودان ينقسم إلى مجموعتين
أساسيّتين فقط! وتنقسم المجموعة النّيليّة
ـ الصّحراويّة إلى ثلاث مجموعات صغرى هي:
السّودانيّة الغربية، والسّودانيّة
الوسطى، ثمّ السّودانيّة الشرقيّة، وهي
تشمل المجموعات الثقافية/اللغوية المنتشرة
في حزام بلاد السّودان من المحيط إلى
البحر الأحمر. هذا هو إقليم بلاد السودان،
وهذا هوالعمق الحقيقي للسودان [لمزيد من
التفاصيل، يراجع: يوسف فضل حسن، 1971]. في
هذه المجموعات اللغوية الثقافية يكون
مستوى القرابة أشبه ببنات أو أبناء
الأعمام. فعلى سبيل المثال نجد النوبيين
(على النّيل [الكنوز، الفاديجّا،
السّكّوت، المحس، والدناقلة] وفي شمال
كردفان [الحرازة] وفي جنوب كردفان وجبال
النّوبة [الدلنج، الغلفان، الداير،
الفنْدا، كاركو، كاتلا] وفي دارفور [الميدوب
والبرقد]) ينتمون إلى المجموعة
السّودانيّة الشرقيّة مع العديد من
الكيانات التي تتوزّع في جميع أنحاء
السّودان، شرقأ ، وغرباً، وجنوباً. لهذا
لا ينبغي أن نتعجّب إذا علمنا أن علماء
المرويات [عبد القادر محمود، 1985] يقولون
بأن لغة الباريا بأقصى جنوب السّودان من
بين أقوى اللغات السّودانيّة المرّشّحة
للعب دور أساسي في حل طلاسم اللغة
المرويّة، وكلاهما (الباريا والمرويّة)
ينتمي إلى السّودانيّة الشرقيّة، مثل
الدينكا، الشلك، النوير، الأنواك،
اللاتوكا، التبوزا، إلخ .. إلخ (حتى
الأشولي بين السّودان ويوغندا والماساي
بكينيا) .. ثم الإنقسنا بشرق النيل
الأزرق، والداجو والميما والكانوري
بدارفور ، فضلاً عن المجموعات التي تلتقي
معهم في النيلية الصحراوية مثل الفور،
الزغاوة والبرقو إلخ. هذا دون أن نذكر
جبال النوبة والتي نصفها ينتمي إلى ذات
المجموعة، مع نصف آخر ينتمي إلى النيجر ـ
كردفانية مثل كانقا، كادوقلي، قارمي،
توشّو، توليشي، إليري، توقولي، تيما إلخ
[في هذا فليراجع
www.ethnoglogue.org].
هذه هي حقائق العلم فيما يخص هويّة
السّودان. في هذه الخريطة الإثنية لا مجال
أبداً إلى الزّعم بعروبة هؤلاء وأفريقية
أولئك على أساسٍ عرقي. لقد انتهى إلى غير
رجعة عهد الأنثربولوجيا العرقية حيث
تتمايز السّلالات جينيّاً، سموّاً
وانحطاطاً. إن المعيار العلمي والمادي
اليوم هو الدّالة الثقافيّة واللغويّة.
الدولة السودانية والتعدد الثقافي والإثني
تُعتبر مؤسسة الدّولة في السّودان من بين
الأقدم تاريخيّاً، إذ تعود إلى 7000 سنة
قبل الميلاد على أقل تقدير [للمزيد ينظر:
ديريك ويليسبي،2000]. وعٌرفت هذه الدولة
عبر التاريخ بعدّة أسماء، مثل كرمة، كُوش،
إثيوبيا، نوبيا، والسّودان، والتي تدور
كلها حول معنى "السّواد"، كأنما ظل الاسم
يُترجم من لغةٍ إلى أخرى عبر العصور [إنتصار
صغيرون، 1999]. كما كانت حدودها أكبر
بكثير مما هي عليه الآن، إذ كلما عدنا إلى
الوراء، كلما انداحت دائرة حدودها.
وتميّزت هذه الدّولة عبر تاريخها الطّويل
هذا بالتّنوع والتّعدّد إثنياً، ولغوياً،
وثقافياً ودينياً. ومن خلال الاعتراف بهذا
التّنوّع تمكّنت الدّولة السودانية من
الحفاظ على وحدتها الوطنية. تمثّل هذا
الاعتراف في أن كل مجموعة ثقافية كانت
تتمتّع في إطار الدّولة الواحدة
بإستقلالية إدارية وسياسية داخل حدودها
الخاصة بها. ذلك ما يعبّر عنه حالياً
بمنظور "الوحدة في التّنوّع"، حيث يحتفظ
كل إنسان بثقافته ولغته في تعايش سلمي تحت
ظل دولة واحدة. في هذا الوضع تتكامل
الثقافات مع بعضها البعض دون إزاحة أو
استيعاب (أي تذويب).
الدولة السودانية واللامركزية
ظلّ السّودان يُدار بهذه الطريقة، التي
نعرفها الآن بعدة أسماء مثل اللامركزية،
الحكم الإقليمي، الحكم الذّاتي،
الفدرالية، الكونفيدرالية ... إلخ، منذ
أقدم العصور حتى السلطنة الزرقاء (1505م)
التي دشّنت ميكانيزم إعادة إنتاج
المجموعات الأفريقية (الهامش) ثقافياً
داخل الوسط العربي الإسلامي (المركز)،
وذلك باعتباره مشروعها للوحدة الوطنية.
بعد ذلك جاء الاستعمار التركي ـ المصري
(1821م) الذي انتهج أسلوب المركزية
الباطشة. ولكن بلا طائل، الأمر الذي حدا
به في النهاية إلى النكوص عنها ومن ثَمّ
الرّجوع إلى اللامركزية والتي فشل فيها
أيضاً لسيطرة الأسلوب المركزي على عقليته.
منذ ذلك الحين تكرّست لدى الدّولة العقلية
المركزية والمُقارَبة الأحاديّة لمعالجة
أوضاع التّعدد والتّنوّع، الأمر الذي
تبلور فيما يُعرف بمنظور "بوتقة
الانصهار"، حيث ظلّت الدّولة تعمل بكل ما
تملك من قوّة على إزاحة ومن ثَمّ تذويب
اللغات والثّقافات الأخرى بتهميشها
تنموياً وثقافياً.
الثقافة العربية/الإسلامية: حصان طروادة
استخدمت الدّولة في آليات التمركز
والتهميش التي اتبعتها سلاحاً خطيراً
تمثّل في تمرير سياساتها عبر أجندة
الثّقافة العربية والإسلامية التي لا
ينبغي أن نُحمّلها مسئولية ذلك، فهي منه
بريئة. لقد لعبت الثقافة العربية ـ
الإسلامية دوراً مجيداً في السودان، إذ
دخلت معترك الصراع الحضاري فيه في فترة
كانت المجتمعات السودانية تعاني من
الانغلاق، فكسرت طوق الانعزال [للمزيد
يراجع: يوسف فضل، 1973]. في ظل كل هذه
المعطيات نشأت مؤسسة الدولة وفق حرائك
الأيديولوجيا العروبية وما تبع ذلك من
تمركز وتهميش، وما ذلك إلاّ لأن الأحادية
الثقافية كانت هي عملة الوقت آنذاك، إذ لم
تكن قد بزغت عندنا بعد شمس الدولة الوطنية
القومية، كما لم تكن أزمة الهوية
باعتبارها مرتكزاً من مرتكزات حقوق
الإنسان قد تبلورت كما يشهد الآن روح
العصر وعقله [محمد جلال هاشم، 1999]. إن
التأكيد على أن الدين هو مصدر إلهام
روحي ومعنوي، فضلاً عن كونه يخدم حاجة
الإنسانية جمعاء للتفاعل السلمي والارتقاء
الروحي والمعنوي، لا ينبغي أن يضعف
المطالبة بفصل المؤسسات الدينية عن
المؤسسات السياسية، رفضاً تاماً لمفهوم
الدولة الدينية، ومن ثم النظر إلى ذلك على
أنه شكل من أشكال تسويغ القهر والاضطهاد
السياسي بمسوغات دينية. إن الدولة
الدينية لا تقف فقط على الأفكار الدينية،
إذ إن من حق أي مجموعة دينية أن تعبر عن
أفكارها سياسياً وأن تنشئ لذلك أحزاباً
سياسية. فإن كانت هذه الأفكار ديمقراطية،
فمرحباً بها مع جواز الاختلاف معها، أما
إن كانت غير ذلك فينبغي مناهضتها
لديكتاتوريتها ولمتاجرتها بالدين معاً.
الإسلاموعروبية: أيديولوجيا الدولة
السودانية
في ظل كل هذه المعطيات نشأت مؤسسة الدولة
منذ قيام دولة الفونج وفق الحراك
الأيديولوجي الإسلاموعروبي وما تبع ذلك من
تمركز وتهميش ومن ثمّ استقطاب أيديولوجي
للطبقة المثقّفة من أبناء المجموعات
المتعرّبة وتلك المستهدفة بالاستعراب وما
تبع ذلك من هوس ديني فاشستي عهدناه في
تجربة حركة الإخوان المسلمين (الجبهة
القومية الإسلامية، المؤتمر الوطني،
المؤتمر الشعبي إلخ قائمة التلاعب
اللغوي). إن أخطر ما في الأمر أن مؤسسة
الدولة ظلت تسوّق لأيديولوجيتها القائمة
على التمركز والتهميش عبر أجندة الثقافة
العربية الإسلامية، تحييداً لحملتها في
صراعها ضد المجموعات المهمّشة بادية
الأفرقة. وهذا هو مردّ اللبس في النظر إلى
المجموعات العربية أو التي تعرّبت تماماً
باعتبارها مسؤولة عن واقع التمركّز
والتهميش، في الوقت الذي تعيش هي نفسها في
تهميش مريع كما سيتضح أدناه.
في هذا نمايز تماماً بين مصطلحي "الإسلاموعروبية"
و"الثقافة العربية والإسلامية". فالأول ذو
دلالة أيديولوجية بحتة تعني مجموعة
المحددات السلوكية التي تشكّلت بها
الطبيعة الأيديولوجية للدولة السودانية
الحديثة التي قامت على الأسلمة والاستعراب
بوصفها
وعياً اجتماعياً ـ ثقافياً (أي
أيديولوجياً)، إذا قسناه بمقياس الإسلام،
لن يكون إسلامياً، وإذا قسناه بمقياس
العروبة، فلن يكون عربياً. بينما الثاني
يعني المجمل التراث العربي والإسلامي في
حال تجرّده من أي تشكلات أيديولوجية
مرتبطة بالمصالح الحياتي لمجموعة معينة من
البشر.
مفهوم التهميش
خلفية المصطلح
نشير إلى أن إدخال مصطلحي "المركز"
و"الهامش"، الذي تولّد داخل أروقة الفكر
الماركسي المحدث بعيد منتصف القرن
العشرين، وذلك في تحليل أوجه الصراع
الثقافي والسلطوي في السودان بدأت عام
1968م، عندما استخدم علي مزروعي [1971]
المصطلحين في معالجته النقدية للصراع
الثقافي بين مستعربي السودان وما شاكله من
دول ذات شعوب مستعربة أسماها الهامش
(السودان، الصومال، موريتانيا، جيبوتي)،
وبين العرب العاربة الذين أسماهم المركز.
في عام 1986م قام كاتب هذه السطور في
الإصدارة الشعبية الأولى لكتابه منهج
التحليل الثقافي بتوطين هذه المصطلحين
في تحليله للصراع الثقافي في السودان
بالنظر إليه على أنه بين مركز إسلاموعروبي
وهامش أفريقي؛ وقد استصحب مع مصطلحي
"المركز" و"الهامش" مصطلحي "الوسط"
و"الأطراف"، ليركن بعدها في الطبعات
الثلاث اللاحقة (1988؛ 1996؛ و1999) إلى
مصطلحي "المركز" و"الهامش".
بعد ذلك قام عبد الغفار محمد أحمد [1988]،
متبنّياً رؤية علي مزروعي بخصوص الحزام
الهامشي للدول العربية ، بمعالجة قضايا
الصفوة والطبقة المثقفة في هذه الدول
الهامشية من حيث تحامل رصيفاتها في باقي
الدول العربية العاربة عليها.
كما استخدم منصور خالد (1993) مصطلح
"المركز" دون "الهامش" بمحمولات جغرافية
ديموغرافية ("أهل الحضر والريف"؛ "المركز
والتّخوم"). فيما بعد تمّ تكريس هذا
المصطلح عبر كتاب أبّكر آدم إسماعيل
جدلية المركز والهامش [1997] بأجزائه
الثلاثة.
التهميش قديم
إن فهمنا ينهض على أن أصول التهميش ترجع
إلى قرون وليست عدة عقود كما يرى البعض.
كما يذهب فهمنا إلى أن عمليات التمركز
والتهميش ليست مرتبطة بعرقٍ ما، أو جهةٍ
ما، وما تصويرها على أنها كذلك إلا مجرد
خدعة. فالمركز مركز صفوي يحتكر السلطة
والثروة، وفي سبيل تأمين مصالحه يسخّر
الثقافة والعرق والدين والجغرافيا [محمد
جلال هاشم، تحت الطبع]. بهذا أصبح هناك
طريق واضحة للطامحين بالسلطة إذا ركبوها
وصلوا إليها: الأسلمة والاستعراب، أي
تبنّي الأيديولوجيا الإسلاموعروبية. وهكذا
تكوّن المركز من صفوة متباينة الأعراق
والثقافات، متلاقية في الأهداف المتمثّلة
في الثروة والسلطة. هنا لا يهمّ من أي
مجموعة ثقافية أو عرقية ترجع أصولك، طالما
كنت مستعدّاً للتضحية بأهلك تحت شعار
الإسلام أو العروبة، وكلاهما بريئ من ذلك.
في الواقع فإن أغلب الرموز القيادية التي
قام عليها المركز من أبناء المجموعات
الموغلة في التهميش إلى حد التعريض بها
ثقافياً وعرقياً. هذا هو المركز الذي
يسيطر على مؤسسة الدولة في السودان،
مهمّشاً في ذلك جميع السودانيين [أبّكر
آدم إسماعيل، 1997].
تشتكي كل المجموعات المهمّشة من قلة حظّها
في السلطة وانعدام نصيبها في الثروة. ولكن
في الأمر لبساً لا بدّ من إجلائه. إن
إحالة المتنفّذين في أجهزة الدّولة
والسلطة الحاكمة إلى خلفياتهم الثقافية
والإثنية من حيث قيمتهم العددية وليس
الأيديولوجية، لا ينبغي الأخذ به كمؤشّر
ودليل على النسبة التي حازتها المجموعة من
حيث السّلطة والثروة. فالمركز يجتذب
العديد من أبناء المجموعات المهمّشة والتي
نالت حظّاً وفيراً أو متوسّطاً من العلم
كيما يصبحوا جزءً منه، مقابل أن يمنحوا
السلطة والثّروة تعميةً لواقع حرمان أهلهم
من كليهما. فعلى سبيل المثال لم تخلُ
حكومة منذ الاستقلال وحتى الآن من
المثقفين الجنوبيين، في الوقت الذي لا
يغالط فيه إثنان أن نصيب الجنوب من السلطة
والثّروة لم يتغير البتّة عبر كل هذه
السنين. حتّى إنقلاب الإنقاذ في عام 1989م
شارك فيه ثلاثةٌ منهم. ومثال آخر يوضّح
المسألة ما عليه إقليم النوبيين في الشمال
و إقليم أهلنا البجا في الشرق؛ فكلاهما
يعاني من التهميش المزدوج. فبينما قبع
البجا بأرضهم، اضطُّرّ النوبيون إلى هجرة
بلادهم إلى درجة خلوّ الإقليم في بعض قراه
من السّكان. وكلا المجموعتين مهددة في
تراثهما وهويتهما من حيث احتمال زوال
لغتيهما، إضافةً إلى فقر إقليميهما. من
جانب آخر، إذا أحصينا عدد النوبيين الذين
شاركوا في الحكومات منذ الاستقلال وحتى
اليوم، مقارنةً مع ما عليه حال البجا، فإن
الصورة ستعكس مفارقة ضخمة في ظاهرها،
واحدة في جوهرها. إذ قلّما نجد نظام حكمٍ
لم يشارك فيه وبصورة أساسية أشخاص يعودون
في جذورهم العرقية و/أو الثقافية إلى
النوبيين، فضلاً عن بعض رؤوس الحكومات مثل
عبدالله خليل والنميري والصادق المهدي
والزبير، ناهيك عن الوزراء الذين ربما لا
حصر لهم، الظاهر منهم والخافي. بخصوص
البجا، فإن العدد قد لا يتجاوز أصابع اليد
الواحدة، والمتّفق عليه بينهم عامةً هو
عدد ستّة وزراء منذ الاستقلال وحتّى
اليوم. لكن يبقى السؤال: بماذا انتفع
النوبيون من كثرة عدد الوزراء والرؤساء
ممن يعودون في خلفياتهم العرقية والثقافية
إليهم؟ هل قامت تنمية في بلاد النوبة؟ لا!
فقد حازت تلك الصفوة النوبية كلا السلطة
والثروة، فهل تقاسمتها مع عامة الشعب
النوبي؟ الإجابة لا أيضاً! من الملاحظ أن
تلك الصفوة فيما تنزّلت من أجيال تنشّأتها
وربتها، قد ابتعدت عن أهلها ثقافةً
وموطناً، فقد استعربت وتأسلمت تماماً، فلا
أبناؤهم يتكلمون النوبية ولا هم يعرفون في
غالبيتهم شيئاً عن بلادهم وعن التهميش
المزري الذي ترزح تحته. هذه الصفوة كما لو
كانت قد باعت أهلها وبلادها من أجل السلطة
والثّروة. فليت الأمر وقف عند ذلك، فقد
وجد النوبيون المهمّشون أنفسهم في موقع
الدّفاع عن أنفسهم باعتبار أنهم جزء من
المركز الذي احتكر السلطة والثّروة، لا
لشيئ إلاّ لأن بعضاً من أبنائهم الذين
صرفوا عليهم من عرقهم ودمائهم قد باعوهم
في سوق النخاسة السياسية. إن ما أفاد منه
النوبيون من ذلك العدد الضخم من الرؤساء
والوزراء يساوي ما أفاد منه البجا من ذلك
العدد القليل من الوزراء، وهو لا شيئ. ولو
انعكست الآية، لما تغيّر حال كليهما
تهميشاً تنمويّاً وثقافياً.
إن المحتكم في هذه المسألة هو أن من تسلّم
السلطة ينبغي محاسبتهم على ضوء البرامج
الأيديولوجية التي بمقتضاها فعلوا ذلك، لا
بمقتضى خلفياتهم الإثنية التي لا دخل لها
فيما جرى. فحتّى الآن لم يتسلّم أيٌّ من
أبناء البجا أو المناصير أو جبال النوبة
أو النوبيين موقعاً سلطوياً باسم
المجموعات التي يصدرون منها باعتبار أن
ذلك الموقع يمثل جزءً من قسمة السلطة
والثروة الخاصّة بالمجموعة. فمثلاً إذا
استلم السلطة شخصٌ من الفور باعتباره
عضواً في الجبهة الإسلامية انطلاقاً من
أيديولوجية تمكين الدين وإعلاء راية
الجهاد، ثمّ أثرى بعد ذلك عن فسادٍ زاخم،
فضلاً عن بعض عمليات إبادة وتقتيل هنا
وهناك، في الجنوب والأنقسنا إلخ، فكيف
بالله نحمّل أهلنا في دارفور مسئولية هذا
المارق؟
التهميش نوعان: تنموي وثقافي
إن الهامش ليس في جهة جغرافية بعينها
(شمالاً كانت أو جنوباً، شرقاً أو غرباً
أو وسطاً) دون غيرها، بل هو في كل مكان،
ومن يغالط في هذا عليه أن يخرج مما يسمّى
بالمناطق الحضرية عدة كيلومترات فقط ليرى
التهميش بأم عينه. كما لا يصبح الهامش
وقفاً على مجموعات إثنية بعينها دون أخرى.
وهذا هو مناط القول بأن الهامش ليس
جغرافياً كما ليس عرقياً، بل هو سلطوي
[محمد جلال هاشم، تحت الطبع]. إلاّ أن
التهميش يجري على نوعين: بسيط ومركّب.
التهميش البسيط ذلك الذي ينحصر في الحرمان
التنموي والاقتصادي. في هذا يتساوى جميع
السودانيين بمختلف ثقافاتهم وأقاليمهم
باستثناء صفوةٍ منهم يشكلون المركز
وينتمون إليه. أمّا التهميش المركّب، فذلك
الذي يجمع بين الحرمان التنموي والحرمان
الثقافي ممثّلاً في توجّهات الدولة
الأيديولوجية لمحق الهويات غير العربية
وقتل لغاتها. في هذا كان التهميش الثقافي
مدخلاً للتهميش التنموي، إذ جعلت مؤسسة
الدولة الاستعراب مقابلاً للأفرقة، ومن
ثمّ قامت بإعلاء الهوية العربية وإزراء
الهوية الأفريقية. وقد كان من أثر هذه
التكتيكات الأيديولوجية أن وجدت المجموعات
الأفريقية (التي تعاني من التهميش المزدوج
تنموياً وثقافياً) نفسها في الدرك الأسفل
عرقياً، وثقافياً، واجتماعياً وسياسياً،
الأمر الذي يستوجب منها عملاً موحداً، ولو
تفاوتت درجات تهميشهم وتعرّضهم للاضطهاد.
التقسيم الخطي: تكتيكات الخداع
في سبيل تأمين تحكّمه على مؤسسة الدولة
وعلى رقاب العباد، اتّبعت الصفوة المهيمنة
على المركز العديد من الحيل. من ذلك تقسيم
السودانيين إلى مجموعات خطية متقابلة:
الأفارقة السود العبيد مقابل العرب
الشرفاء؛ ثم العرب نفسهم يتم تقسيمهم إلى
عدة مجموعات متقابلة، مثل الأشراف وأبناء
القبائل العاربة مقابل الأعراب البدو. هذه
التقسيمات الخطية القائمة على العرق
تقابلها تقسيمات أخرى قائمة على الجغرافيا
بتحميلات عرقية لا تخفى: الشمال (عربي،
مسلم) ضد الجنوب (أفريقي، مسيحي)، أولاد
الغرب (الغرّابة) ضد أولاد البحر (أولاد
البلد، أي أولاد العرب). روّج المركز الذي
سيطر على مؤسسة الدولة لهذه التقسيمات حتى
أصبحت بمثابة مفاهيم نمطية فشت في ثقافة
وسط السودان النيلي وشماله. إن الغرض من
هذه التقسيمات هو تحييد أكبر قدر من
المجموعات المهمّشة، ريثما يتمكن المركز
من احتواء مجموعات بعينها تشكّل تهديداً
مباشراً. إن التقسيم الأيديولوجي الحقيقي الذي
يعكس هذا الوضع هو تقسيم دائري: مركز يحيط
به هامش، وليس التقسيم الخطي [لمزيد من
التفاصيل، يراجع: محمد جلال هاشم، 1999].
الحرب الأهلية: حرب الهامش ضد المركز
لقد استمرت هذه العملية لزمن طويل حتى
وصلت في النهاية حد التمييز العنصري
والاضطهاد، ولهذا نهضت المناطق التي وصلت
حدّاً لم يمكنها معه تحمّل المزيد من هذا
الاضطهاد بوجهيه الثقافي والتنموي، فقاومت
بضراوة بلغت الآن مستوى الحرب الأهلية. إن
وتيرة اندلاع الحرب الأهلية تتساوق
طرديّاً مع درجة التهميش والاضطهاد، فقد
بدأت في الجنوب فجبال النّوبة والإنقسنا،
فالشرق ثم دارفور و عموم الغرب. ولنلاحظ
أن الحرب في الجنوب بدأت عام 1955م، بينما
لحقتها جبال النوبة والأنقسنا بعد ذلك
بأكثر من ثلاثة عقود. هذا لأن جبال النوبة
والإنقسنا كانتا لا تزالان تحت التحييد،
فالتقسيم الخطي (شمال ضد جنوب) كان لا
يزال تأثيره عليهما سارياً؛ ثم بعد ذلك
جاء أهلنا في جبهة الشرق ثم في دارفور ...
وهكذا إلخ. والآن هاهم النوبيون، وهاهم
أهلنا المناصير قد بدأوا في حراكهم،
وحتماً سيلحق بهم آخرون إلى أن يكتمل
تفكيك ماكينة التمركز والتهميش.
الكتاب الأسود والرؤية المقلوبة
لقد وقع الكثير من المثقفين السودانيين في
شرك النظر إلى التهميش من زاويته الرقمية
غير المنهجية، فأضاعوا جهدهم وجهد غيرهم
فيما لا طائل من ورائه غير تغبيش الرؤية.
إلاّ أن هذه الرؤية الرقمية السطحية
للتهميش توّجت فيما عُرف بالكتاب الأسود
[2003]، وذلك في سبيل نصرة قضية دارفور،
وهي رؤية تضرّ بمسيرة نضال القوى المهمّشة،
ذلك لأنها تشوّه الواقع أكثر مما تعكسه.
وبدءً نشير إلى أن الكتاب قد انبنى على
منهجيةٍ فضائحية، متحاملة لونياً وعرقياً،
في تناوله للتهميش من حيث مسمّاه. وفي هذا
كشف كُتّابُه، في أحسن الاحتمالات، عن
تبعيةٍ غير نقدية وغير راشدة لأيديولوجيا
المركز التي تحطّ من قدر كل ما هو أسود في
بلد السّود الذي اسمه السّودان. إن هذه
الأخلاقية الفاشيّة التي تُزري باللون
الأسود تكشف عن الخلفيات الأيديولوجية
التي قدم منها حاكةُ الكتاب، ألا وهي
الأيديولوجيا الإسلاموعروبية، وهي
أيديولوجيا تواطأ معها المؤلّفة قلوبهم
ممن حاكوا الكتاب الأسود. فمثلاً لتبيان
وجهٍ من أوجه الخطل التي انبنى عليها
الكتاب يمكن أن نشير، مثلاً، إلى أبناء
دارفور الذين انخرطوا في سلك الجبهة
الإسلامية المسئولة الأولى عن هذا النظام
وعن سياسات التطهير العرقي التي اتّبعها
في دارفور وقبلها في جبال النوبة
والأنقسنا والجنوب، أكثر عشرات، عشرات
المرّات من أبناء المناصير أو البجا أو
النوبيين. فهل معنى ذلك أن نحمّل هذه
الكوادر مسئولية الإبادة التي لحقت بأهلهم
في دارفور؟ إن سياسات التطهير العرقي
القائمة على العنصرية من حيث العروبة
والأفرقة، متجذّرة في بنية مؤسسة الدولة
منذ قيام سلطنة سنار عندما أصبحت تستند في
مشروعيتها الفكرية على الأيديولوجيا
الإسلاموعروبية. وقد انطوت تلك
الأيديولوجيا على منزلق سلوكي خطير، به
أصبحت الدولة تتحدّر انزلاقاً يوماً بعد
يوم. وفي هذا نشير إلى حقيقة أن التطهير
العرقي بدأ في دارفو بمذبحة الضعين عام
1987م في ظل حكم الصادق المهدي، أي في
الديموقراطية الثالثة [محمد جلال هاشم،
2005]. واليوم لو كان أبناء دارفور ممن
بدّد سني شبابهم وكهولتهم في تبعيةٍ عمياء
لدولة الجبهة الإسلامية المارقة، على
سُدّة الحكم لما أجدى ذلك أهلهم فتيلا من
حيث إمكانية تلافي التطهير العرقي، ذلك
لأن هذا المنزلق، دون إعفاء الأفراد
القائمين به من المسئولية، متأصّل في بنية
مؤسسة الدّولة. ولعلنا لا ننسى أن مذبحة
المساليت عام 1995م، والتي بدأت بها
فعلياً موجة التطهير الأخيرة في دارفور،
قد تمّت والوالي أحد أبناء المساليت. ومع
ذلك ما انتفع المساليت من ذلك شيئاً.
ولعلّ مثل هذا النهج الجائر هو الذي انتهى
بقادة المؤتمر الشعبي (أي نفس الجبهة
الإسلامية المارقة في ثوب جديد) ومن
والاهم من أتباعهم بحركة العدل والمساواة
إلى إحالة مسئولية التهميش إلى مجمل
مجموعتين ثقافيتين هما الدناقلة والشايقية،
أو النوبيين [راجع تصريحات خليل إبراهيم
خليل في قناة الجزيرة
www.aljzeera.net/channel/aspx
في "لقاء اليوم" بتاريخ 22/11/200، وما
ذلك إلاّ لأنهم ارتأوا أن أبناء هاتين
المجموعتين ممن انخرط في سلك هذه الحركة
المارقة، جرّاء الاستقطابات الناشبة فيها،
قد وحّدوا صفوفهم باعتبار أنهم شايقية أو
دناقلة. وهكذا أدّى بهم غياب الرؤية
الناهجة إلى الاعتقاد بأن المجموعتين
الثقافيتين في مجملهما مسئولتان عمّا حاق
بهم من تجريدٍ للسلطة ووخيم عاقبةٍ بين
عصابة السُّرّاق. ولا يفيدهم في هذا القول
بأن عصابة المتآمرين من دناقلة وشايقية قد
شرعوا في توسيع أحلافهم من ذوي القربى
تسلّطاً وإثراءً. فذلك ما استنّته هذه
الحركة بنفسها عندما جعلت من المحسوبية،
عن قرابةٍ كانت أم عن أيديولوجية، سياسةً
معترفاً بها من الدولة.
أجدى من ذلك أن ننظر إلى التهميش في بعديه
التنموي والثقافي، فإذا وقعنا عليه ما
التفتنا إلى كم عدد المثقف |