header
 
 
 

 

مأزق الحضــــارة الغربيــــة

مقاربة تحليــل فاعلي

 

الشيخ محمد الشيخ*

 

 

مدخل

2ـ كيف نحاكم الحضارة الغربية

3ـ المشكلة أو المأزق: إخفاق الحداثة

4ـ الأساس القائم للمعرفة

5ـ الأساس الجديد للمعرفة

6ـ الفاعلية

7ـ أسباب إخفاق الحداثة

 

 

1ـ مدخل :

لقد تيسر لي تقديم ورقة بحثية في مؤتمر مؤسسة " ترقية الوعي البشري "  بساندييقو بالولايات المتحدة، تحت عنوان " نحو علم للفاعلية"(1)، حيث تم استعراض المرتكزات الأساسية لنظرية الفاعلية، بوصفها نظرية في طبيعة الإنسان، ولا شك أن أي نظرية في طبيعة الإنسان، هي على نحو ما نظرية في طبيعة الكون، والعكس بالعكس. يقصد بالفاعلية القدرة على الإنتاج والإثراء الشامل للحياة، عندئذ يعنى علم الفاعلية بتنمية الفاعلية، تنمية قدرات الإنسان النفسية والروحية والإبداعية، أي يعني ببناء الإنسان الخلاق، وذكرت في تلك الورقة أن بعض الأسباب الداعية لتطوير علم للفاعلية تتمثل في:-

أ ـ  أزمة الهوية التي  يعيشها الإنسان المعاصر، التي تتجسد في التناقص بين الطابع الكوني للوجود الواقعي للإنسان الفرد، وانغلاق وعي هذا الفرد في الأطر الذاتية والأسرية والطائفية والقبلية والقومية.

ب ـ أزمة النهضة الحضارية في العالم الثالث، وخاصة الشعوب العربية والأفريقية، وجميعنا شهود على هذه الأزمة، لحظة بلحظة. لقد طالب الكثيرون بضرورة المقاومة وضرورة وضع الأولويات، وأري الأولوية القصوى للجبهة الثقافية، لترقية الوعي، ذلك أن الغرب قد أستطاع أن يفرض هيمنته على العالم أجمع بوساطة ما أبدعه من استراتيجية لرؤية الحقيقة، ولن نستطيع أن نتحرر من سلبيات وإخفاقات استراتجيته، التي لا نعاني منها وحدنا، بل العالم بأسره، بما في ذلك شرائح كبيرة في الغرب نفسه،  إلا إذا تمكنا من إنتاج استراتيجية  جديدة لرؤية الحقيقة تتجاوز إخفاقات الرؤية الغربية.  وتقدم حلولاً يقبلها الغرب طواعية، كما نقبل اليوم الكثير من معطيات رؤيته طواعية، فها نحن نلهث سعياً من اجل السيارة والتلفاز والنقال والكهرباء والدواء....إلخ . إننا جميعاً في قارب واحد، لن ينقذنا من الغرق التراث أوالجغرافيا أو العرق، لقد كان طوق النجاة دوماً وسيظل أبداً هو إنتاج معرفة جديدة، وتاريخ البشرية أصدق شاهد.

ج ـ  أزمة العلوم الإنسانية: أوضحت أن أزمة العلوم الإنسانية تتمثل في افتقارها إلى الموضوع على مستوى بنيتها النظرية، أي غياب النظرية العاملة، الأمر الذي يجعل منها علوماً لفرض السوية وتقويض انبناء الفاعلية.

د ـ  ذكرت أيضاً أن من ضمن الأسباب الداعية لعلم للفاعلية  "مأزق الحضارة الغربية" وهو الموضوع الذي سوف نتناوله في هذه الورقة، وهو موضوع ضخم وشائك، لذا سوف ينصب اهتمامي على النسق الفكري أكثر من التفاصيل.

نقصد بمأزق الحضارة الغربية فشل أو إخفاق مشروع الحداثة الغربية، وهو المشروع التأسيسي للحضارة الغربية. ويقصد بالحضارة الغربية المسيرة التاريخية الثقافية الاجتماعية للشعوب الأوربية خلال الخمسة قرون الماضية، سوف نستخدم مصطلحي الثقافة والحضارة بنفس المعنى، وتعني الثقافة - بالنسبة لنا- جاهزية معرفية لأجل إنتاج الوسائل المادية والقيم الروحية.

 

 

2- كيف نحاكم الحضارة الغربية؟

يحلو للبعض وصف الحضارة الغربية بأنها حضارة مادية إباحية استعمارية تحط من قيمة الإنسان وأشواقه الروحية، يقال هذا أحياناً – على سبيل المثال- إعلاء لشأن الثقافة العربية الإسلامية بوصفها ثقافة روحية ترفع من قدر الإنسان. بالمقابل هناك من ثمن عالياً الحضارة الغربية، كونها أنتجت العلم والتكنولوجيا، وأنتجت مجتمعات حديثة تسودها الديمقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان.

 بالطبع ليس محبذاً في أي بحث علمي رصين الركون إلى مثل هذه الانطباعات الوصفية، حتى لا نستصدر أحكاماً جزافية. وبما أننا لا نستطيع أن ننفذ إلى الواقع بصورة اعتباطية دون نظرية توجه هذا النفاذ،  يصبح من الضروري حين نعالج موضوعاً ضخماً مثل الثقافة الغربية أن نستهدي بنظرية عامة للثقافة، وحينما نحاكم هذه المسيرة الثقافية عبر القرون يصبح من الضروري أن نسترشد بنظرية في حركة التاريخ.

ثانياً: أننا لا نستطيع محاكمة هذه الحضارة من خلال كشف حساب لأوجه القصور والعطاء في كل حقل من حقول إبداعاتها، الفنون والآداب والفلسفة والعلم والتقنية والاقتصاد والسياسة ....الخ هذا أمر فوق طاقة فريق من الباحثين ناهيك عن فرد.

لذا سوف نلجأ إلى محاكمة أستراتيجية هذه الحضارة لرؤية الحقيقة، وما تنطوي عليه هذه الاستراتيجية من بديهية لا مفكر فيها، مولدة لنمط التحولات المعرفية في فضاء الثقافة الغربية. لذا سوف نبحث في محدودية أو اعتلال الأساس المعرفي (الابستمولوجي) الذي قامت عليه هذه الثقافة، كما نبحث في العلاقات الديناميكية لبني العقل  في فضاء الثقافة الغربية، ونقترح أساساً جديداً للمعرفة، استراتيجية جديدة لرؤية الحقيقة، تسمح بالكشف عن أسباب فشل مشروع الحداثة الغربي، ومن ثم كيفية تجاوز الإخفاقات. لذا في تقديرنا المتواضع، تكمن المنهجية السابرة لهذه الأغوار في التحليل الفاعلي، أي نظرية الفاعلية(2).

 

3-المشكلة أو مأزق الحضارة الغربية:

يتمثل مأزق الحضارة الغربية في فشل مشروع التنوير أو الحداثة الغربي، ونقصد بالإخفاق أن المشروع لم يحقق الطموحات المبتغاة، بل في كثير من الأحيان جاءت النتائج بعكس التوقعات. أحدثت الحداثة الغربية ثورة في مفاهيم العقل، الذات، التاريخ والطبيعية. كان ذلك حصيلة ثلاثة قرون (لخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر) من الكفاح والصراع  ضد سلطة الكنيسة الظلامية وضد الإقطاع.  فنتج عن ذلك الإصلاح الديني والنهضة، وبذلك تمكن  الوعي الأوروبي من إحداث قطيعة بين الماضي والحاضر، وتحول من الماضي إلى المستقبل، وتحول من سلطة أرسطو إلى سلطة العقل، وتم الانتقال من سلطة الكتاب المقدس إلى سلطة الطبيعة، ومن التمركز حول الله إلى التمركز حول الإنسان، ومن البحث في خلود الروح إلى البحث في طبيعة الجسد. فتطور العلم في كافة المجالات وازدهر. كما ناضل التنويريون من أمثال منتسكيو، روسو، فوليتر، هلفسيوس وآخرون ضد تدخل الكنيسة في شئون العلم، والتقدم الاجتماعي، كانوا ضد الطغيان ومع تحرر الإنسان من القهر  الطبقي، كانوا مع حرية الفكر ضد التعصب الديني، مع الديمقراطية ضد الملكية ومع الجمهورية الاشتراكية ضد الإقطاع (3).  مهد وأشاع كل ذلك فكر الأنوار الذي أعلى من شان العقل ومجد الإنسان كحرية وإرادة، وبشر بتقدمه وتحرره. وتحققت الثورة الفرنسية 1789 تحت شعار "الحرية، الإخاء والمساواة " . ولكن ما  أن توطدت دعائم الثورة وانفتح الأفق لتجسيد قيم الحداثة، سرعان ما بدأت النتائج تأتي على عكس التوقعات.  فباسم العقل والعلم والتقدم، جاءت أنظمة استبدادية شمولية تصادر حرية الفرد وإرادته، وباسم العقل والعلم والتقدم، انطلقت الجيوش الاستعمارية تغزو العالم، مصادرة لحقوق  الإنسان وسالبة الحريات. وفي النصف الأول  من القرن العشرين بلغت الحداثة قمة احباطاتها من خلال حربين عالميتين، سحقتا  ودمرتا عشرات  الملايين من البشر، ومازالت البشرية تذوق ويلات الحروب، والاستغلال والاضطهاد، كل ذلك باسم العقل والحقيقة والتقدم.

ثم العلم والتكنولوجيا اللتان  بنت عليهما الحداثة آمالها في تحقيق الرفاهية والسعادة للبشرية تحولا إلى وسيلة لتسليع الإنسان، جعله سلعة بخسة الثمن، وأصبحا وسيلة لدمار البيئة، إبادة الغطاء النباتي بما فيه من غابات وكائنات حية، في بقاع شاسعة من الكرة الأرضية، بث التلوث في باطن الأرض وخارجها، وفي البحار وفي السماء. هكذا بعد حربين عالميتين أنجبتهما أطماع الرأسمالية واستبداد السوق، وبعد إفلاس النظم الشمولية الاستبدادية، وبعد تواطؤ العلم مع السلطة والاستغلال، أصبح جلياً أن العقل الذي بشرت به الحداثة قد فقد عقلانيته وأن العلم قد فقد موضوعيته، وأن الإنسان قد فقد آدميته. أصبح كل شيء يلفظ أنفاسه الأخيرة على مشارف الفناء، ولم يتبق إلا إصدار شهادات الوفاة للعقل والحقيقة والإنسان كذات وإرادة. لذا كان رد الفعل المتوقع على أقل تقدير على مستوى نظام الخطاب، إعداد العدة لاستئصال الشمولية والعقلانية والذاتية، ومن ثم إعلان موت الإنسان ونهاية التاريخ(4،5)، وهي المهمة التي تبنتها ما بعد الحداثة، إكمال مراسم دفن جثمان الحداثة.

ها نحن أمام أهم وأخطر سؤال في تاريخ البشرية، لماذا لم يكن ممكناً تجسيد قيم الحداثة، قيم الحرية والإخاء والمساواة والتسامح، على أرض الواقع ؟ ما هو السبب؟ هل المشكلة في العقل أم العلم أم الإنسان أم فيهم جميعاً؟

اختارت ما بعد الحداثة ميشيل فوكوه، جاك دريدا، وآخرون، موت الإنسان ذاتاً وإرادة وعقلاً،  وذلك استناداً لمعطيات اللسانيات البنيوية التي تأسست على مجموعة من المسلمات، بات من الواضح أنها تلغي مفهوم الذات ومكونات الوعي والإرادة، مما يمثل تحدياً لأطروحات الحداثة الإنسانوية. ويتمثل التحدي في تحويل إشكالية المعني والدلالة من مجال نوايا ومقاصد الذات إلى مجال النسق اللغوي اللاشعوري. وانبثق أيضا من مضامين المسلمات اللسانية البنيوية تصور اللغة كنسق مقفل ومكتفي بذاته، وسابق الذات والعالم(6) . ليس هذا فحسب بل أن نيتشه وفرويد أكدا على أن الكوني ينبثق من اللاوعي واللغة والرغبة، خلافاً لمزاعم الفكر التنويري في أن الكوني ينبثق من العقل الذي يدعو إلى التحكم في الانفعالات بواسطة الارادة المسخرة لخدمة الوضوح. زعمت الماركسية أن الأزمة هي أزمة طبقة برجوازية وليست أزمة عقل، وإنه يمكن تجاوز الأزمة من خلال البروليتاريا صاحبت المصلحة الحقيقية في التغيير الاجتماعي وفي الحرية والعدالة والمساواة . لكن مع الأسف جاءت التجربة الاشتراكية دليلاً دامغاً على مأزق الحداثة. انهارت التجربة وأرتد المجتمع إلى الرأسمالية وآليات السوق، رغم التضحيات الجسيمة، مما يدل على صعوبة تجسيد قيم الحرية والعدالة والمساواة ليس فقط على الصعيد الكوني، وإنما أيضاً في الحدود القطرية الضيقة، مما يجعل السؤال مفتوحاً لماذا تموت اليوتوبيا؟ ولماذا يؤدي السعي وراء الاشتراكية والعدالة الاجتماعية إلى الاستبداد كما يؤدي إلى تدني الكفاءة الاقتصادية، أي إلى تدني معدلات النمو الاقتصادي؟

يرجع ألن تورين في مؤلفه " نقد الحداثة" أسباب إخفاق الحداثة وعدم التمكن من تجسيد قيمها على أرض الواقع، فيقول " أن نقد الحداثة المعروض هنا يريد أن يخلصها من التراث التاريخي الذي اختزلها في العقلنة ويدخل إليها فكرة الذات الشخصية وتحقيق الذات. إذ أن الحداثة لا تقوم على مبدأ وحيد ولا على مجرد تحطيم العقبات التي تقف في وجه سيادة العقل، إنما هي نتيجة للحوار بين العقل والذات(7) . من ثم يري ألن تورين أن فشل الحداثة يرجع إلى اضمحلال الذات نتيجة لاختفاء الغايات التي دمرها المنطق الداخلي للوسائل التكنيكية، كما يرجع السبب أيضاً إلى تقلص الحداثة إلى مجرد البحث عن اللذة،عن المكانة الاجتماعية، وعن الربح وعن القوة.(8) ولا تنفصل فكرة الذات عند تورين عن الفاعل الاجتماعي، فهي بالنسبة له إرادة فرد في التعرف عليه والاعتراف به  كفاعل . لقد أضطر ألن تورين بغية تفسير إخفاق الحداثة إلى فصل العقل عن الذات، ولأن هذا الفصل غير ممكن نجده في مكان آخر يعرف الذات فيقول" ماذا نعني بالذات؟ هي قبل كل شيء خلق عالم منظم بواسطة قوانين عقلية ومعقولة بالنسبة للفكر الإنساني."(9) وإذا كان الفصل  بين العقل والذات غير ممكن فكيف نفهم أن تطور الوسائل التكنيكية قد أدى إلى اضمحلال الذات، ولم يؤدي إلى اضمحلال العقل؟ وكيف نفهم أن سقوط الحداثة في البحث عن اللذة والمكانة الاجتماعية والربح قد أدى إلى اضمحلال الذات ولم يؤدي إلى اضمحلال العقل؟

كل هذه المتاهات تجعلنا أمام مأزق حقيقي يتطلب حله استحداث استراتيجية جديدة لرؤية الحقيقة، يحتاج إلى برادايم جديد، يحتاج إلى أساس جديد المعرفة البشرية.

ولكن ما هو الأساس القائم للمعرفة، وما هي حدود اعتلاله حتى نستوضح  الأساس الجديد؟

 

4- الأساس القائم للمعرفة:

شهد القرن العشرون تقدماً هائلاً في تطور العلم، إذ تحققت الثورات الثلاث: ثورة مكانيكا الكم التي أدت إلى اكتشاف الذرة واستغلال طاقتها، وثورة المعلومات التي أدت إلى اكتشاف الحاسب الآلي وغزو الفضاء وثورة الاتصالات. ثم ثورة البيولوجيا الجزئية التي أدت إلى اكتشاف الحامض النووي والهندسة الوراثية والاستنساخ. على الرغم من أن كل حقل من هذه الحقول ظل يستفيد ويوظف الاكتشافات في الحقول الأخرى لمصلحة تطوره الذاتي، إلا إن هذه الحقول ظلت تفتقر إلى ما يربط بينها، أي ظلت متشظية. يري الكاتب أن بعض الأسباب التي تقف خلف هذا التشظي، هي نفسها التي تقف خلف مأزق الحضارة الغربية، ألا وهي محدودية الأسس التي تقوم عليها المعرفة البشرية. تتجسد العلة والمحدودية في الطريقة التي فهمت بها مفاهيم : المادة، تطور الكائنات الحية والعقل.

 

مفهوم المادة:

يعرف الفيزيائي المادة بالكتلة وكمية الحركة(الزخم) كما يعرف الإشعاع أو الطاقة بالتردد وطول الموجة. وتم في إطار النظرية النسبية الخاصة إثبات الصلة الوشيجة بين المادة والطاقة من خلال (E=MC²)، وهذا يعني تكافؤ الكتلة والطاقة، إذ يمكن تحويل المادة إلى طاقة والعكس بالعكس. عندئذ حينما نتحدث عن المادة نقصد هذا التصور الذي تأسست عليه الفيزياء المعاصرة. في تقديرنا أن فشل الفيزياء المعاصرة في استكناه ظاهرة  الحياة وتطورها، بما في ذلك انبثاق العقل يرجع إلى محدودية مفهوم المادة آنف الذكر. فالمادة في إطار هذا الفهم خاملة لا تنطوى على القدرة على توليد النظام، لذا فقد أوضحت العديد من الدراسات أن تطور الكائنات الحية لا يمكن أن يحدث عشوائياً، ومن ثم ضرورة وجود مبدأ مولد للنظام.(10،11،12) ذلك أن طبيعة العقل بوصفه قدرة على توليد النظام ينبغي أن تكون نتيجة لعقلانية الطبيعية. يتطلب حل هذه المشكلة توسيع مفهوم المادة لينطوى على نحو ما على القدرة على توليد النظام أو المعلومات.

 

مفهوم التطور:

تأسست نظرية دارون على مسلمتين أساسيتين هما : الطفرات العشوائية والانتخاب الطبيعي. وبغض النظر عن عشوائية الطفرات أم لا، اعتمد الانتخاب الطبيعي على مبدأ زيادة الكفاءة التناسلية reproductive fitness أوfitness maximization  وإن معيار هذه الكفاءة هو القوة والأنانية والعنف. لقد تم استخلاص هذا المبدأ من خلال عمليات حفظ البقاء على مستوى النوع، عندئذ  عمم بوصفه المبدأ الناظم لتطور الحياة كافة، بما في ذلك الحياة الإنسانية. وفي حقيقة الآمر حين ينظر المرء إلى تاريخ البشرية يجده في عمومه تجربة تحقق صدقية مبدأ الأنانية والقوة والعنف، بل أن مجتمعاتنا  المعاصرة ليست بمعزل عن هذه  الصورة المأساوية. بيد إنه ـ لحسن الحظ ـ ليست هي الصورة الوحيدة التي تم التعبير عنها من خلال  تاريخ البشرية. لقد جسد تاريخ البشرية نماذج للحب والإبداع والعطاء والغيرية تناقض تماماً الصورة الغالبة. إن تجسيد الغيرية والإبداع من خلال أقلية لا يقلل من أهمية الظاهرة. أدت هذه الواقعة إلى انقسام العلوم الإنسانية،  تلك التي ارتكزت على البيولوجيا :علم النفس البيولوجيsociobiology  ، علم النفس التطوري، علم الاجتماع البيولوجي، استهدت هذه العلوم بالفطرة الدارونية، وبات أملها في حل مشكلات البشرية المستعصية،  الأنانية والعنف،  رهيناً  بما يمكن أن يقدمه تطور الهندسة الوراثية من حلول.(13) بالمقابل قلل الشق الآخر للعلوم الاجتماعية، تلك التي تركز على التعلم والاكتساب من دور الوراثة، التي اعتبرت شبه متساوية عند الجميع. هذا الانقسام في العلوم الإنسانية والتناقض الناشئ بينها، إنما يدل على محدودية مفهوم التطور الدارويني، أو على اقل تقدير يدل على محدودية قراءتنا لنظرية التطور، فصار الخلق والغيرية والإثراء الشامل للحياة خصائص منافية لتطور الكائنات الحية. لذا لزم توسيع قراءاتنا لنظرية دارون.

 

مفهوم العقل:

لقد عرف العقل وظيفياً بأنه عقل اقتصادي، عقل أداتي، عقل تواصلي..الخ، وعرقياً: عقل أوربي، عقل عربي، عقل ياباني ...الخ، دون تحديد التركيب الذي يسمح بأي من هذه الوظائف، رغم علم الباحثين إنه لا وظيفة بلا تركيب. لم يجد تركيب العقل حظه من البحث  مثلما وجدت وظائفه، يرجع السبب إلى وجود بديهية لا مفكر فيها(unthinkable assumption or hidden assumption ) مؤداها أن العقل البشري يتكون من بنية واحدة. أشاعت البديهية اللا مفكر فيها الإرباك في المعرفة البشرية على المستوى الفلسفي وعلى مستوى العلوم الاجتماعية والتاريخية، ذلك أن ديناميكية البناء الاجتماعي، وديناميكية حركة التاريخ وديناميكية الثقافة وديناميكية الوعي على صعيد الفرد لا تتجلى إلا من خلال ديناميكية بنيات العقل. لكل هذه الأسباب يصبح كشفنا لتعدد بنيات العقل وتعقيد تركيبه أمراً بالغ الأهمية.

 

البعد الانطولجي:

لا يقتصر مأزق الحضارة الغربية على المحدودية الايستملوجية أنفة الذكر وحدها، بل يتعلق أيضاً بوجود أو سيادة بنية  للعقل، يتم الكشف عنها، بنية العقل المادي أو البرجوازي وهي بنية مغلقة ومتدنية الفاعلية.(14) يخول انغلاق بنية العقل اقصاء واستغلال واضطهاد  كل من هو خارج الحدود  الجغرافية لبرامج عطاء البنية، ويتم ذلك عادة بحجة التفوق الديني أو العرقي أو الحضاري. عليه يخول انغلاق بينة العقل احتكار الحقيقة والسلطة والثروة: مصدر الشر في العالم. لذا تصبح الحاجة ماسة إلى أساس جديد للمعرفة، يسمح باستكناه ظاهرة الإنسان على نحو أفضل.

 

 

5- الأساس الجديد للمعرفة البشرية:

 

المادة:

يري كثير من الباحثين((Bohm 1990, Draganescu, Kafatos, 1998,(15، 16 أن مفهوم المادة كما هو متحقق في الفيزياء المعاصرة لا يؤسس الواقع النهائي، وإنه من اجل فهم ظاهرة الحياة والعقل يصبح من المهم النظر إلى الواقع النهائي في إطار نوع من تنام complementarity-- المادة المعلومات information. يري ديفيد بوم أن الإلكترون جزء لا يتجزأ من مجال وجسيم، ويري أن للمجال خصائص جديدة فارقة عن الميكانيكا الكلاسيكية، تتمثل في احتياز المجال على معلومات ناشطةactive information  وهو نشاط شبيه لنشاط المعلومات في خبرتنا الذاتية. بالمثل أكد دراقنسكو وكافاتوس على أن الواقع النهائي يشتمل على نوع من التنام بين المادة والمعلومات. عليه يتمثل التوسيع المقترح لمفهوم المادة في وعي الطبيعة التنامية للمادة المعلومات. ونسمى البنية التتامية للواقع النهائي بالفاعلية، لكونها تشمل على معلومات، بمعني قادرة على توليد النظام. بناء على هذه الرؤية التنامية  تتجلى بنى  الجماد عند الفاعلية المتدنية، وتتجلى البني البيولوجية والعقل عندما ترتقي الفاعلية، وتتجلى أبعاد الفاعلية ليست فقط كقدرة على توليد النظام وإنما كقدرة على الإبداع والإثراء الشامل للحياة.(17)

 

التطور:

لاحظنا إنه قد تمت قراءة نظرية التطور وتعميم نتائجها انطلاقاً من معطيات عمليات التطور الصغيرةmicro-evolutionary processes  التي تؤدي إلى المزيد من تكيف أفراد النوع الواحد مع البيئة، وهي عمليات تخضع لمبدأ زيادة الكفاءة التناسلية. لذا فإن توسيع مفهوم التطور يتطلب إعادة قراءة نظرية دارون واضعين في الاعتبار ناتج عمليات التطور الكبيرة macro-evolutionary processes، وهي العمليات التي تؤدي إلى تطور الشعبة phylum. فمن خلال تطور الشعبة تتخلق أنواع جديدة، محققة فاعلية وإبداعية التطور، كما يتم ابداع انساق بيئيةecosystems  يتوفر لها الاستقرار وحفظ البقاء على المستوى الشامل  للنسق، أي تتوفر الحماية الشاملة وحفظ البقاء الشامل لكل الأنواع في النسق، كان نسقاً ميكروسكوبياً أو ماكروسكوبياً. لذا يمكننا القول إنه بينما تخضع عمليات التطور الصغيرة إلى مبدأ زيادة الكفاءة، التناسلية، فإن عمليات التطور الكبيرة تخضع لمبدأ زيادة الفاعلية: الإبداع والإثراء الشامل للحياة.(18، 19)

 

العقل:

يتطلب توسيع مفهوم العقل اعتماد الفرضيتين الآتيين:

أ- لقد أدي تطور معمارية الدماغ  البشري إلى أن تتنزل زيادة الفاعلية من خاصية  تتعلق بعمليات التطور الكبيرة، تطور الشعبة، إلى خاصية تتعلق بتطور أفراد النوع البشري. هذا يعني أن الإنسان يخضع لمبدأ زيادة الكفاءة التناسلية، كما يخضع لمبدأ زيادة الفاعلية. عليه تظهر خصال الأنانية والعنف والاستغلال، (الخصال الدارونية) عند تدني الفاعلية، كما تظهر خصال  الحب والإبداع والعطاء الشامل عند ارتقاء الفاعلية، كان ذلك على مستوى الفرد أو مستوى المجتمع والنوع.(20)

ب- كما أدي تطور معمارية الدماغ إلى أن يتمايز العقل ويتمفصل داعماً الدوافع الأساسية لحفظ البقاء، التناسل، إنتاج واستحواذ الخيرات المادية والإثراء الشامل للحياة. أصبح كل من هذه الدوافع مصطحباً ببنية للعقل، ذلك أن الإنسان يتناسل بوعي وينتج ويستحوذ الخيرات المادية بوعي، كما أن النشاط الخلاق الذي يحقق الإثراء الشامل للحياة  نشاط واعي. بناء عليه يمكننا الحديث عن بنية عقل تناسلي وبنية عقل مادي أو برجوازي وبنية عقل خلاق. يقصد ببنية العقل النسق أو النواة التوليدية للوعي التي تحدد فكرة الإنسان عن نفسه ومنحي استجابته وتفاعله مع العالم. عندئذ يحتاز كل فرد بشرى بنيات العقل الثلاث: البنية التناسلية والبرجوازية والخلاقة.(21)

بنية العقل التناسلي: هي البنية التي يعي الإنسان من خلالها ذاته بوصفه