|
في يوم المرأة العالمي: الماركسية والمرأة في السودان
عبد الله علي ابراهيم
هذه كتابات متفرقة تصادفت لي عن المرأة في ممارسة الحزب
الشيوعي لم يتسن لي بعد تحريرها في كتاب مرقوم. وقد
استعجلت نشرها في يوم المرأة العالمي لمحاربة عادة
سيئة
فشت في الكتابة عن هذه الممارسة بغير الرجوع أو نية الرجوع
إلى مظانها في مجلة صوت المرأة أو "الشيوعي" او غيرها وهو
كثير. وقد خرجت نظريات بأسرها تأسست على علم سماعي عن
ممارسة الشيوعيين السودانيين. وهي نظريات ملأت النشطاء في
مجال المرأة بالبغضاء بدلاً عن الأمل في خدمة النساء وبين
العاملات والزارعات وربات البيوت على وجه الخصوص. وسأكتفي
بهذه الزفرة لأني لا اريد لهذه الكتابات أن تكون هي نفسها
موضع نزاع وشقاق. فغاية قصدي أن أنبه بقوة (وهذا هو القول
الثقيل في المصطلح القرآني) إلى ضرورة الحكم على أو
لممارسة الشيوعيين بين النساء ورموزها بعد استيفاء عدة
البحث وهي اعتبار كل مكتوب عن الأمر قبل الفتوى بشأنه. وقد
رنوت لليوم الذي تقوم ناشطة او ناشط بخلق موقع على
الإنترنت لمجلة صوت المرأة في عيدها الخمسين (1955-2005)
حتى يقف الباحثون على أرقها بقضايا محدثة في مسألة المرأة
لفت لها النظر مقالي عن المجلة أدناه. وسيجد مثل هذا
المشروع عوني ما استطعت بدءاً بتوفير كل ما صورته من أوراق
المجلة من حصيلة دار الوثائق المركزية منها وهو قدر مطفف.
وهذا كله في ذكري أحبابنا من الرعيل الماركسي الأول جزاهم
الله عنا كل خير.

إلى روح فوزية حسن اليمني محررة الكرتون بمجلة "صوت
المرأة". كانت صفحة الكاريكتير هي التي يبدأ بها الناس
قراءة المجلة الشهرية. فقد جمعت فيها بين التبكيت على
استبداد الذكور في البيت والهزء باستبداد عصابة 17 نوفمبر،
في لغتنا آنذاك، بصورة غير مسبوقة او ملحوقة. ويوم يكتب
تاريخ فن الكرتون في السودان ستكون صفحة فوزية بيضاء،
وبيمينها . . . راقدة على اليسار.
فهرست الكتابات
1- السهم في كنانته: فاطمة أحمد إبراهيم والإمام محمد عبده
صندوق: قول ليهو ما يهدر فرحتهم
2- غصص فاطمة أحمد إبراهيم وغصصها
3- "صوت المرأة" في عامها الخمسين (1955-2005)
أ- حجاب أم استحجاب
ب-يا صوتها لما سرى
ج- أي صوت زار في الأمس خيالي
حكايات من المجلة:
-حكاية فاطمة بت باشتيل
-تجربة نصرانية في بيت مسلم
من جريزلدا الطيب إلى فاطمة احمد إبراهيم
4- بين الرفيق عبد الخالق وفاطمة: خطتان لعمل الحزب بين
النساء أو خلفيات تاريخية للملاسنة الخأيرة بين فاطمة
وناشطات أخر
السهم في كنانته: فاطمة أحمد إبراهيم
والإمام محمد عبده
"الي روح اختي قمر القسوم (1936-2002) التي حال دون
تعليمها حائل. ولم تتوقف عن طلبه مع ذلك في حلقات الامية
التي ادارها الاتحاد النسائي بحي الداخلة بعطبرة في نحو
1956. وكانت تأتيني بمجلة صوت المرأة، منبر الاتحاد
النسائي،التي بها اهتديت الي معان غراء عن وجع ظاهر شغلت
به عمري. رحمها الله وأمطرها بشآبيب البرد والثلج
والرحمات"
حدثت السيدة فاطمة أحمد ابراهيم كاتبة اسمها مهناز أفخامي
بطرف من سيرتها في كتاب عنوانه "نساء في المنفي" صدر
بالانجليزية في عام 1994 . وجعلت الكاتبة لفصل فاطمة
عنواناً هو "السهم في كنانته". ومصدر التسمية أن افخامي
لما التقت فاطمة لم تصدق ان الذي سمعته عن طاقة وجهاد
المرأة وقوة شكيمتها وعارضتها مما يمكن أن يحتمله هذا
الجسد الناحل بحضوره الأريحي اللطيف أو أن يعبر عنه صوتها
الخفيض الأجش. فبدت فاطمة للكاتبة سهماً في غمده ومحارباً
في اجازة. وقالت إنها مثل السهم في كنانته يبدو آلة من
الحطب والحديد لا خطر منها. وليس يتسني للمرء إدراك شوكة
هذه المراة وعزائمها المقاتلة حتي يراها في المعمعة
الاجتماعية كما السهم يؤخذ من كنانته ويصوب بقوة وإرادة
فيطعن غرضه بقوة وتصميم.
ووجدت في حديث فاطمة السخي الي أفخامي زواية للنظر الي
أسلوب فاطمة القيادي لم تقع لي قبلاٌ. فمنذ أول يوم استمعت
الي فاطمة في الستينات الاولي بالقاعة رقم 102 بآداب جامعة
الخرطوم وجدتها تربط بين حرصها علي الحشمة (المبالغ فيها
كما يراها البعض) في مظهرها وبين خدمة قضية المرأة في بلد
يواتي خصوم تلك القضية من البطراكيين (عتاة المعتقدين في
سلطة الرجل والممارسين لها) نصوص الاسلام لإفسادها وضبطها.
فقد حكت لنا كيف أنها ورفيقات لها في الخمسينات الأولي كن
يتحجبن من أعلي الي أسفل ليذهبن للشغل في مكتب مجلة صوت
المرأة، الناطقة باسم الاتحاد النسائي، أو المطبعة. وقالت
إنهن اقبلن يوماً علي المطبعة ولما رآهن أحد عمال المطبعة
بادر بالقول : "الله يدينا ويديكم." فقد ظن العامل أنهن من
الفلسطينيات الملثمات اللائذات الي السودان ممن كن يضطررن
احياناً لتكفف الناس.
ولم يغر فاطمة تبدل الاحوال في الستينات ، الذي به كفت
البطراكية عن النظر البوليسي لزي المرأة، لتغير من أسلوبها
في الحشمة. فقد جاء في حديث فاطمة الي أفخامي أنها حين
دخلت البرلمان في 1965 إمراة وحيدة بين 365 نائباً ذكراً
احتشمت في اللبس كثيراً. وقد هزمت بذلك عتاة خصوم المرأة
الذين لم يتأخروا ابداً بعد ذلك في التصويت لمشروعاتها
بشأن تقدم المرأة. وقد أخذت أجيال تلت فاطمة في الحركة
النسائية عليها الحاحها علي الحشمة في المظهر والتضييق
عليهن في ضوابط اللبس وغير اللبس. وقد استعانت فاطمة بنصوص
من لينين، المظنون فيه السفه والمشاعية، في محاضرة لها
يوماً لتزجر التقدميين عن الاسفاف الجنسي باسم التقدم.
وربما بالغت فاطمة في المطابقة بين الحشمة وأسلوب لبسها،
الذي هو ثمرة بئية تعنتت علي المرأة في الخمسينات وماقبلها،
تعنتاًً كبيراً. غير أنني لم أجد من نقدة أسلوب فاطمة هذا
من كان في تفهم أفخامي له وحسن إدراكها لمغازيه. فقد قالت
أفخامي بعد استماع مطول لحكاية فاطمة عن نفسها ومااضطرته
لها دعوتها الي تحرر المراة: "إنها لواقعة معذبة أن تكون
مناضلاً مبادراً من اجل تحرير المرأة في بلد مسلم. فالشأن
الشخصي لمثل هذه القائدة المبادرة يتحول الي شأن سياسي
عام." وخطرت لي أغنية من اغاني الربوع الامريكية الرائجة
هذه الأيام تنعي علي الناس انهم "لايرون الألم من وراء
القناع."
فلم تكن فاطمة بما ذكرته عن ليبرالية أسرتها وخفض عيشها
بحاجة للبس هذا القناع الثقيل. كانت فاطمة في حل عن قيد
الاسراف في اللبس لو لم تخرج من أمن بيتها الي العمل العام
تنتصر لبنات جنسها الغبينات في ظل بطراركية الخمسينات
المدججة. فقد كانت أمها قارئة بالعربي والانجليزية وتدير
مع ابنائها وبناتها جلسات مشتركة للمطارحة الشعرية. وكانت
الأسرة في ذلك الزمان القصي تجلس الي مائدة واحدة لتناول
الطعام. وكانت والدة فاطمة تقرأ لوالدها الصحف بينما يقرأ
لها القرآن. وكانت توقر زوجها العالم مدرس علوم الدين في
مفاوضة حسنة تحفظ له القوامة وتؤمن لنفسها مساحة مناسبة
لحريتها في دفع بناتها وأولادها في مدارج التعليم. ومن عرف
آل احمد ابراهيم عرف الآن من أي بئر نشلوا ماء همتهم في
شغل الوطن وصدق عزيمتهم في الخدمة العامة وثاقب فصاحتهم في
الذود عن حريته. فلم أفهم ثقة صلاح احمد ابراهيم، شقيق
فاطمة، في جنس المرأة ثقة لم تخالطها قشور الايدلوجية، الا
بعد أن قرأت حديث فاطمة عن نشأتها الاولي.
وقد أتاح لي سخاء افخامي في تفهم متاعب فاطمة أن أقارن
بين دعوتها إلى تحرير المرأة ودعوة هدى شعراوي في مصر.
فالمعروف أن لحظة اطلاق نداء تحرير المرأة عند هدي كان هو
خلع الحجاب بينما كان الرمز عند فاطمة هو ارتداء الحجاب أو
ماهو قريب منه. وربما رددنا الخلاف الي أحوال تباين وضعي
المرأة في مصر والسودان من حيث تقدم المجتمع وعلاقات
الذكورة والأنوثة فيه. غير أنه يجب أن لا يغيب عنا أن دعوة
فاطمة للتحرير اتجهت الي غمار النساء وفي إطار عمل طبقي
شعبي شيوعي بينما كانت هدى ودعوتها بعضاً من نهضة برجوازية
ثقافية في مصر. ولا يريد كل قائم بالأمر لغمار الناس أن
يخرجوا من اليد بينما هم أرأف بالبرجوازيين والبرجوازيات.
وقد سبقتني فاطمة إلى لفت النظر الي هذا الفارق بين حركتي
المرأة في مصر والسودان في ردها علي مقال لأستاذنا عبد
الخالق محجوب نشرته مجلة "الشيوعي"، المنبر الفكري
الايدلوجي للحزب الشيوعي، في العدد رقم 132 لعام 1968 تحت
توقيع "هاجر" وهو اسمها الحركي علي تلك الأيام.
أعجبني من قول فاطمة لأفخامي أنها تؤمن بأن النسوية تقليد
راسخ في ثقافة السودانيين وأن مساواة الرجال والنساء مما
يمكن أن نبلغه بالبناء فوق الأساس الصالح لهذه الثقافة.
وقد وافق هذا ما كنت أقرأه لها منذ أيام في محاضرتها التي
القتها أمام طلاب جامعة القاهرة فرع الخرطوم في 1980
وعنوانها "حول قضايا الأحوال الشخصية." وقد انتبهت إلى
عنصرين من عناصر منهجها التأصيلي. فقد بدأت بقانون الاحوال
الشخصية (الموروث وليس الصادر عن هذه الحكومة بالطبع) ولم
تجد ما تعترض عليه أصلاً غير بيت الطاعة. أما في بقية
المواد فهي إما استحسنتها وتركتها علي حالها مثل قوانين
الحضانة أو ما طالبت ان يتم أمام قاض مثل الطلاق وعقد
الزواج وتعدد الزوجات وبشروط دقيقة. وقد وجدت فاطمة في بعض
التشريعات الشرعية أثراً باقياً من نضالها هي نفسها ونضال
الاتحاد النسائي مثل المنشور الشرعي رقم 54 لعام 1960 الذي
كفل للفتاة الاستشارة حول من تقدم لزواجها. وقد جاء
المنشور استجابة لمذكرة تقدم بها الاتحاد النسائي الي قاضي
القضاة في 1954 يحتج علي تزايد حالات الانتحار من فتيات لم
يقبلن الاقتران بمن اختارته الأسر لهن. وأميز من ذلك كله
أن فاطمة طالبت بأن تجيز الحكومة الخصم من مرتب الأب ما
يكفي لنفقة عياله. ولم تكن القوانين المالية (واحسبها ما
تزال) تخصم أكثر من الربع. وقد تقيدت المحاكم المدنية بهذا
القانون المالي بالطبع. أما المحاكم الشرعية، الواقفة علي
أوجاع النساء وفقيراتهن بالذات، فقد كانت تلح، إلحاح
فاطمة، أن يخصم من الأب ما يعول أطفاله بغض النظر. وهكذا
تقدمت المحكمة الشرعية في أمر النفقة وتأخرت المحكمة
المدنية الموصوفة بالحداثة أي بالعدل والاحسان في شرط
الزمان والمكان.
غير أن أكثر ما جذب انتباهي هو مرجع فاطمة في إصلاح قوانين
الاحوال الشخصية الذي هو الامام محمد عبده (1905-1945 )
رحمه الله. فلم تأخذ مأخذاً علي تلك القوانين إلا وجدت له
مخرجاً حسناً من فتاوي الإمام. وهذا الذي ربما اقنع فاطمة
بأن النسوية ربما كانت أقرب الينا من حبل الوريد. ولو
تأملت فاطمة الأمر قليلاً لعرفت أن سماحة التقليد الشرعي
وتفتحه لحقائق المجتمع كما اختبرته هي واتحادها النسائي
إنما يعود الفضل فيه للامام محمد عبده. وقد كتب عن فضل
الإمام هذا الدكتور ج ن ج أندرسن وتبعته بإحسان الدكتورة
كارولين فلهر-لوبان المعروفة بأسم "مهيرة" بين معارفها
الكثر من السودانيين.
وأصل المسالة أن الإمام، الذي شغف بالحداثة ورأي الأخذ
منها بقوة وعافية فكرية، كان مشغولاً بترقية المحاكم
الشرعية. وقد أظهر أحد تلاميذه وأحبابه، الشيخ القاضي محمد
شاكر، ميلاً لإصلاح تلك المحاكم وقوانينها في مصر. فسأله
الامام أن يكتب له تقريراً يوصي فيه بما يعن له من سبل
الإصلاح. وقد فعل بعد طواف علي المحاكم. وقد اعتمد الامام
تقرير القاضي شاكر وتوسع فيه وأطلع عليه المسئولين ونشره
عام 1900 بعنوان "تقرير اصلاح المحاكم الشرعية." وأراد
الامام أن يمكن لاصلاحاته هذه في بلد بكر تحت التأسيس
كالسودان لم تنهض فيه طبقة من تلك التي تخشي الإصلاح
الديني وتتحفز لإطفائه. فأرسل القاضي شاكر في 1900 ليكون
أول قاض للقضاة في السودان بعد قيام دولة الحكم الثنائي في
1898. واتاحت له العذرية القانونية في السودان أن يجرب
اجتهادات شرعية قد يتعذر البدء بها في مصر المحروسة
القديمة. فقد أصدر القاضي شاكر منشورات ما زال العمل بها
سارياً وهي مما انتفعت به المرأة انتفاعاً كبيراً قضت
بالتطليق للغيبة والإعسار والحبس والضرار مما تأخر الأخذ
به في مصر نفسها حتي عام 1925.
غفلة فاطمة عن مزايا التجديد الفقهي في التقليد الشرعي
السوداني (1900-1983) ، الذي تجسد في قوانين الاحوال
الشخصية، هي غفلة عامة. فالإسلاميون اهملوا التنويه به
والغزل علي منواله لانشغالهم بأسلمة الدولة ذاتها. بل
وانتكسوا عن محاسن التقليد حين جعلوا ضبط النساء والتجسس
عليهن أكبر همهم بينما كان ذلك التقليد الديني رفيقاً
رقيقاً بهن. يكفي أنهن قد صرن بفضله قاضيات شريعة بفقه ذكي
لمولانا شيخ الجزولي (وقد صليت لروحه الماهر التقدمي عند
زيارتي لأضرحة الختمية بحلة حمد) ، وبمصابرة جميلة لمولانا
نجوي كمال فريد، أول قاضياتنا الشرعيات. وقد جففت الإنقاذ
هذا المصدر بغلظة عجيبة. وقد سمعت الجزولي يقول إن النساء
أدري بوجع النساء وأقرب إلى ظلاماتهن وإن القاضيات سيوسعن
من علم الشريعة وخيرها إذا عدلن باحكام يتأدب بها المجتمع
ويمتثل.
ومن جهة أخري تحاشي الفكر الجمهوري هذا التقليد الشرعي مع
أن أصلهما واحد وهو الحداثة الاسلامية التي ركنها وحجتها
الإمام محمد عبده. وزاد الفكر الجمهوري في جفائه لهذا
التقليد الشرعي بجعله هدفاً لحملات نقد وتنغيص. وقد كتبت
مرة في جريدة الميدان السرية في منتصف السبعينات التمس من
الجمهوريين أن يلطفوا عبارتهم في نقد القضاة مع علمي بمحنة
الجمهوريين وما نالهم من القضاة و الوعاظ في المساجد من
أذي وترويع. ومغاضبة الجمهوريين لم تقع من جهة إحسان ذلك
التقليد الشرعي أو إساءته بل من إرث مواجهة سياسية مع
رجال الدين راجعة الي أيام الحركة الوطنية. فقد صنف من
قصروا علي أنفسهم مجاهدة الاستعمار من أمثال المرحوم محمود
القضاة الشرعيين والاعيان وزعماء القبائل والطوائف بأنهم
من أعوان الاستعمار. وهذا كلام جاز طويلاً غير أنه خاضع
للنظر والمراجعة الآن. ويكفي أن تقرأ ما كتبه الدكتور حسن
احمد ابراهيم عن السيد عبدالرحمن المهدي لكي تتشكك في صواب
ذائعة ممالاة المستعمرين عن أولئك الرجال. وقد دق حكم
المحكمة الشرعية بردة المرحوم محمود محمد طه، عليه الرحمة،
في 1968 إسفين الخصومة بين القضاة والمرحوم واختلط حابل
تطوير الشريعة بعاديات السياسة وأطوارها وبمنطويات
النفوس.
وقد دعتني هذه الغفلة العامة أن اتوافر علي دراسة هذا
التقليد الشرعي في مظانه الكثيرة خلال أكثر من عقد من
الزمان. ورأيت خلافاً للتيارات الفكرية السودانية، التي
أتيت علي ملابسات اهمالها له، أنه ربما كان أكثر عناوين
الاسلام عندنا خطراً. فالدارس له يقف علي أمور كبيرة هامة.
أولها خطأ الذين يقولون بأن الثقافة الاسلامية ظلت لها
الهيمنة بشكل سرمدي في البلد (انظر الصندوق). فخلال العهد
الاستعماري ومابعده كثيراً كان الإسلام ثقافة مغلوبة لا
خطر لها في القوانين التي تحكم اقتصاد المسلمين أو
معاملاتهم أو معادهم ولم يبق لها سوي حيز الاحوال الشخصية.
وقد رأيت من الكتاب عندنا من جعل من هذا الكيد الاستعماري
للإسلام طبيعة للإسلام السوداني الصوفي العلماني بالفطرة
الذي يتحاشي السياسة ويستثقلها. واستعجبت كيف يستقيم مثل
هذا القول لبلد خرج من المهدية الي الاستعمار. فقاريء
الدكتور عبدالرحمن الخليفة يجد أن من أوائل الأحكام
القضائية التي صدرت في السودان بعد زوال المهدية كان بشأن
خلاف حول هل المال المستلف للعب القمار مما يسترد. فقد قال
عبدالرحمن إنه لم يكن مثل هذا الخلاف مما تنظره المحاكم
لمفارقة ممارسة القمار ذاتها للدين. كما استعجبت لماذا
يريد لنا قوم أن نعتمد الأصل في الاسلام تلك الصورة التي
أرادها له الاستعمار من فصل للدين عن السياسة لا الصورة أو
الصور التي يريدها أهلها له بالحسني والموعظة الحسنة بعد
تحررهم من حكم الأجانب.
ولم يكن غلب الاسلام بالاستعمار غائباًًًً عنا في اليسار
حين كنا نقول بشكل عام أننا نريد أن نسترد ثقافتنا الوطنية
التي طغي الاستعمار عليها ومحاها. ثم زاغت عيوننا عن ذلك
بفضل "الأزمة الفكرية في الحزب" التي إنتابت الشيوعيين منذ
أوائل الستينات وحالت دونهم والنظر الراشد في أمهات مسائل
التحرر من الاستعمار. وهي الأزمة الناشبة بعقل الحزب
الشيوعي وخياله حتي كتابة هذه السطور . . . وباعترافه
أيضاً. ولما غاب ذلك النظر استعاض اليسار عنه بجفاء عام
لذكر الشريعة أو تطبيقاتها في ملابسات " حرب الديك ،سك
الديك" مع الإسلاميين. ولم يكن الإسلاميون بأقل غفلة عن
التقليد الشرعي السوداني.
وثاني هذه الامور الخطرة التي تتصل بالتقليد الشرعي
السوداني في القضائية هو ان الشريعة لم يرتج عليها بغلب
الكفار الباهظ واستثمرت حتي ضواغط المستعمرين وأقباس
حداثتهم الشحيحة لتخرج بقانون للأحوال الشخصية ناضج
ولتعالج مسائل الرق وغيرها بذكاء وكفاءة.
وهذه المعاني الخطرة هي موضوع كتابي الذي صدر عن دار
الأمين بالقاهرة في يناير الماضي وعنوانه "الشريعة
والحداثة".
صندوق
قل ليه ما يهدر فرحتهم: صلاة سعادة المدير
وجدت في كلمة نشرها المرحوم الفاتح النور، مؤسس جريدة ودار
كردفان، ليس بياناً شافياً لهوان الاسلام علي الاستعمار
وحسب بل لكيف اقض هذا الهوان مضجع جمهرة المسلمين وباتوا
منه علي ضعة ومذلة. وهذا العار هو ما سماه بازل ديفدسون،
المؤرخ لافريقيا، ب" الخزي الخلقي للاستعمارCOLONIAL
MORAL INJURY."
وهو ما تتركه غربة الحاكم الدينية أو العرقية من جراح في
الرعية التي فرطت في استقلالها فتمكن منها من لا تتواثق
معه علي شيء ابداً ولا يستشعر مثقال ذرة مما تشعر.
ففي اول عهد الاستقلال تعين السيد مكاوي سليمان اكرت
مديراً لمديرية كردفان. وجاء يوم صلاة الجمعة وحضر الصلاة.
وهذا ما كتبه الفاتح عن هذه الصلاة المحضورة:
فقد جاء ذات يوم السيد مكاوي سليمان اكرت مدير كردفان في
زي وطني يقود عربة الدولة ذات العلمين لتأدية صلاة الجمعة
بمسجد الابيض العتيق. وبهر المنظر المصلين. فما زالت سطوة
المدير الانجليزي نافذة علي عقلهم ونظرهم. وانتهت الصلاة.
خرج سعادة المدير مكاوي والمصلون يتسابقون للتأكد من أنه
سعادة المدير شخصياً.
وكان عصر ذلك اليوم ومساؤه لاحديث للناس الا عن صلاة سعادة
المدير. وطبعاً كل من شاهده يروي عن صلاته بمزيد من
المشوقات للذين لم يحظوا برؤيته.
وفي اليوم التالي السبت طلبني مولانا الشيخ الكبير محمد
الامين القرشي وكان يومها قاضي شرعي مديرية كردفان. وهو
رجل عظيم ومجاهد كبير في سبيل الاسلام لم يخلد ويكرم كما
ينبغي (لبعض سيرته راجع كتاب الدكتور احمد عبدالرحيم نصر
عن التبشير المسيحي والاسلامي في جبال النوبة). وعندما
ذهبت اليه قال: قل لصاحبك المدير ما ينقطع عن صلاة الجمعة.
وقل ليه صلاته امس صحت المسلمين ورفعت معنوياتهم وأحس ضعاف
الايمان منهم والسذج بعظمة الاسلام بصلاته هذه. ومن واجبنا
أن نسايرهم علي قدر عقولهم. قل ليه ما يهدر فرحتهم ولا
يتخلف عن صلاة الجمعة أبداً. وإذا كان الوضوء صعب عليه
وكان البرد شديداً يجي بس بدون وضوء (جريدة الايام 4 يناير
1988)
وكان الاسلام المغلوب هو وحده العلماني. ولم تكن
المسيحية. فقد كان المديرون الانجليز يؤدون صلوات الأحد في
الكنائس الانجليكانية المبثوثة. وقد انعقدت اواصر دينية
وسياسية شتي في هذه العتبات الدينية حكي عنها القس قوين "امام"
كنيسة قصر الحاكم العام فيما روي عن كتشنر وونجت. ولا يزال
بيننا من يحاجج ان الثقافة الاسلاموعربية ظلت ناشبة
الاظفار في السودان ابداً بينما راينا في النص رجل من عترة
القرشي ود الزين يرخص للمدير الافندي ان يصلي بغير وضوء
لرد الاعتبار للاسلام بعد ستين عاماً من هوانه علي الناس.
غصص فاطمة احمد إبراهيم وقصصها
أقرأ منذ أيام ما توفر لي من أعداد مجلة "صوت المرأة" (قبل
1964) التي ترأست تحريرها الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم منذ
يوليو 1955. وأريد بذلك إعداد ورقة عنها إلى مؤتمر الجمعية
الأمريكية للدراسات السودانية الذي ينعقد بجامعة سانتا
كلارا بولاية كاليفورنيا يوم الجمعة القادمة. وقد قلت أمس
أنني اخترت هذا الموضوع بالذات لأنني رأيت الباحثين
الناشطين في مسألة المرأة السودانية تجاهلوا المجلة وهم
يدلون بآراء قاطعة حول قيمة الاتحاد النسائي. وربما كان
هذا بسبب تعذر الحصول عليها هنا. وقد يكون عذر الباحث
بتنائي مصادره من نوع العذر الذي هو اقبح من الذنب. كما
أردت بحديثي عن المجلة أن أنبه إلى أن عيد ميلادها الخمسين
سيكون في يوليو 2005. وربما كانت هذه مناسبة للوقوف عند
أثرها في حركة المرأة الاجتماعية وتدبير توفيرها علي
الإنترنت حتى لا يضل عنها باحث. وقد أسعدني أن أسمع أن
الأستاذة فاطمة تحتفظ بمجموعة كاملة منها كما قالت في
حديثها إلى السيدة نفيسة المليك.
جددت لي هذه القراءة لصوت المرأة قناعتي كقارئ مخضرم لها
أن الأستاذة فاطمة ليست هي الاتحاد النسائي الخالق الناطق.
فحركة المرأة التقدمية لأوسع وأذكي وأبقي من هذه المقايسة
علي فرد كما يفعل جماعة من محبيها أو خصومها. ولا أقول هذا
استخفافاً بأستاذتنا بل إعزازاً لها. فقد تجمعت سحب خير
هذه الحركة حول فدائيتها يوم خرجت وهي في شرخ الصبا في
أخطر سكك التقدم قاطبة وهي تحرير المرأة من قبضة الأبوية
الغليظة في خمسينات القرن الماضي. ولقد أعطت فاطمة المرأة
صوتاً حين عافته الناس وظنته منقصة وعورة. وقد جسد هذا
المعني رسم كاريكاتوري للدكتور ود الريح (الطالب وقتها) في
عدد من المجلة (يناير 1961). ففيه رسم إعرابياً مزدهياً
بعصاته وسوطه العنج ينهر بائع صحف ينادي "صوت المرأة، صوت
المرأة" ويقول: "عان الجني. كمان المرأة عندها سوط".
ولقد توقفت طويلاً عند مقدمات هذا الخروج الخطر لفاطمة.
فقد قالت في حديث لها نشر في كتاب هنا أنها كانت لا تحب
خدمة المنزل بينما تفرغ أخوتها للأنس والقراءة
أو
غيرها مما يوسع الأفق ويبني الشخصية. كما وقفت عند نبلها
الذي أخرجها من أمن البيت إلى زحام الشارع من اجل قضية
المرأة والمستضعفين. فقد جاءت يوماً متأخرة إلى الغداء من
المطبعة وأحرجها أن أهلها كانوا ينتظرونها لأنهم قوم
يجلسون نساء ورجالاً إلى مائدة واحدة. ولم تكد تبدأ الأكل
حتى طرقت الباب صبية معروقة تعرض بضاعة للبيع. وأشفقت
فاطمة من هزالها ودعتها للغداء ولم تقبل البنت. ثم دس والد
فاطمة بعض المال في يد البنت فانصرفت. أصرت فاطمة أن
تتبعها حيث مشت لتعرف بيتها وتحسن اليها. وهنا عنفها
الوالد قائلاً لها :"هل تظنين أن بوسعك حل مشاكل الناس
أجمعين". وحاولت فاطمة الأكل فغصت بحلقها اللقم وازدردتها
بالماء. وتوقفت عن الأكل بالكلية. وكان والدها يرقبها من
طرف خفي. فنهض وعانقها وقال:"كنت أظن ما تقومين به كلام
إتحاد نسائي ساكت. ولكن علمت الآن أن ما تقومين به صادر عن
شفقة حقيقية بالمستضعفين. أعفي عني يا بنتي. ومن اليوم
والله ما اسمع فيك كلمة ولا أقبل فيك كلمة. أكلي لقمة عشان
خاطري". ومن يومها لم يعتب عليها في
شيء.
كتبت مرة أقول أننا ربما أطلنا الحديث عن جيل الثلاثينات
وجيل الستينات وعن مساهمتهيما في موضوع الهوية الثقافية
لشعبنا وبلدنا. وربما أهملنا الحديث عن جيل الأربعينات
والخمسينات الذي جاءنا بفكرة الشعب نفسها وبالشعب. وقد
أوحي لي بذلك كتاب "تل |