logo
RESPECT

 
 

 النُّوبة في السودان 
نضال شعب في سبيل العدالة والمشاركة في السلطة*

د. عمر مصطفى شركيان**

 

بعد استقلال السودان العام 1956، ورث القادة الوطنيون دولاب الحكم من المستعمرين وآلت إليهم مقاليد السلطة السياسية في البلاد. وحينئذٍ بدأت مشكلات السودان تطفو إلى السطح رويداً رويدا.  وقد ظهرت هذه المشكلات ـ في بادئ الأمر ـ في إخفاق رواد الاستقلال الأوائل في تلبية رغبات أهل الجنوب في قسمة الوظائف المدنية التي تمَّت سودنتها بعد جلاء الاستعمار، فضلاً عن توفير ضمانات دستوريَّة لحماية حقوقهم السياسية التي تمثَّلت في مطلب الحكم الفيديرالي لجنوب السودان. فالتمييز العنصري والاستعمار البريطاني ـ المصري (1898-1956) وضعا النُّوبة في مناطق مغلقة صعبت عليهم التحرُّك من حال البؤس الاجتماعي إلى حال تمكِّنهم من الاستفادة المتناسقة من إمكاناتهم البشرية والاقتصادية. وفي منتصف الستينيَّات من القرن الماضي بدأ اليأس يمتد إلى أقاليم السودان الأخرى كالشرق (موطن البجة) والغرب (دارفور) والوسط (جبال النُّوبة وأهل الفونج)، مما دفعهم القنوط إلى تكوين تنظيمات جهويَّة مطلبية، حيث نادت ـ فيما نادت ـ بتنمية مناطقهم اجتماعياً واقتصادياً والتمثيل السياسي، وقد ذهبت نداءاتهم المكرورة هباءاً منثورا؛ وعاش النوبة في هذا الوضع الميؤوس منه حتى ظهور مشاريع الزراعة الآلية، التي غالباً ما كانت ملكاً للجلابة الوافدين، ومموَّلة من البنك الدولي، حيث ألقت بهم ـ مع توسعها ـ إلى مهاوي الطرد المنظَّم والتهجير الواسع. ومهما يكن من الأمر، فإن حركة التنمية الاقتصادية والإنتاجية والخدمية والإدارية، التي بدت في عهد مايو بالرغم مما اعتراها من تشوهات، هي نتاج نضالات القوى الإقليمية بعد ثورة تشرين الأول (أكتوبر) 1964 من أجل حقوق القوميات والمناطق السودانية المظلومة.  فلما يئسوا من الحملة السلمية، وكظم الغيظ، واشتداد الطغيان، ووصول المقاومة المدنية درجات عالية لم تجد في تغيير الأوضاع، كان منطقياً أن تنشأ وتتطور مقاومة ذات طابع عسكري وترتقي تدريجياً إلى مصاف حركة تحرير شعبية تطهِّر الأرض من أرجاس احتكار السلطة والثروة والاستغلال والتهميش المرتبطان بهما. لذلك التحق النُّوبة بالحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان، وخاضوا مع أبناء الجنوب السوداني حرباً أهلية ضد أهل الحكم في الخرطوم منذ الثمانينيات من القرن المنصرم لاقتلاع جذور الاستغلال وتجفيف منابع الاستبداد. ففي هذه الحرب، التي استمرت عشرين عاماً، مات فيها 2 مليون شخص، وتم تشريد 4,5 مليون آخرين داخل وخارج الوطن. بالرغم من الدماء البريئة التي سُفِكت، والأنفس الزكية التي أُزهِقت، والسنوات العديدة التي فيها حُرِمت منطقة جبال النوبة من دخول مواد الإغاثة، إلا أن النوبة لم ينالوا من تغطية الإعلام الدولي والإغاثة الإنسانية وحالات وقف إطلاق النار مثلما حدث في جنوب السودان.

ولا ريب في أن النُوبة قد مضوا في هذه الحرب، التي أخذت غمراتها تنجلي في جميع مناحي الحياة العامة في السودان، وهم مدفوعين بعزم لا يعرف الكلال، وبغض للظلم لا هوادة فيه، وأمل في العدل لا حد له؛ قوم بهذا الحظ العظيم من العزيمة والبسالة كان طبيعياً أن يتعرَّضوا لما تعرَّض له النُّوبة من عسفٍ وعنت من قبل المؤسسة الحاكمة. وقد جادلنا في بعض التجاوزات التي اقترفتها السلطات الحكومية ضد حقوق الإنسان في جبال النُّوبة في كراسة نُشِرت لنا في مدينة مانشستر، المملكة المتحدة، في أيلول (سبتمبر) العام 1995، حيث غطَّت الكراسة حقبة نظام الفريق عبد الرحمن محمد الحسن سوار الدهب (1985-1986)، وحكومة السيد الصادق المهدي (1986-1989). ثم ما لبثت الحرب طويلاً حتى أمست ضارية وأخذت طابعاً دينياً. وفي واقع الأمر، فإن قادة نظام "الإنقاذ" ـ منذ استيلائهم على السلطة في حزيران (يونيو) العام 1989 ـ ودعاة الإسلام السياسي لم يكونوا يسعون لإقامة دولة الإسلام، وإنما سعوا لاستغلال الشعور الإسلامي لدي جمهور المسلمين السودانيين من أجل استلاب الحكم ثمَّ التوجُّه به باسم الدين لحشر كل مناوئ ومعارض أو ناقد في زمرة المارقين، والزنادقة، والمجدفين. هذه الاتهامات ترتكب بعض المحظورات لأنها تنقِّب في ضمائر الناس، وتحوِّل العامل السياسي، الذي يجب أن يُقدَّم على برامج واضحة، وعلى شفافية ومسؤولية تجاه الآخرين، إلى نوع من الكهنوت ومحاكم التفتيش وفتنة وطنية. وهذا ما لحق بالنُّوبة في السودان، وقد كلَّفهم في سبيل الحرية من أمرهم شططا. حيث أن قوة الخطاب الديني الذي رفعه الإسلامويُّون عالياً والديماجوجية الهائلة، التي يتمتعون بها، جعلتهم يضلِّلون كثيراً من الدهماء.

فحين خاض أهل الجنوب الحرب الأهلية الأولي في السودان (1955-1972) اشترك فيها بعض أبناء النُّوبة، غير أن غياب النظرة القومية الشاملة للمشكل وحصره بين الشمال والجنوب جعل النُّوبة ـ كمؤسسة سياسية ـ يتوجسون خيفة من الانخراط في صفوف المتمرِّدين الجنوبيين، لذلك خرجوا من الحل السياسي، الذي انبثق من اتفاق أديس أبابا العام 1972، بلا مكسب سياسي. بيد أن النظرة القومية للحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان وتبنيها قضايا الريف السوداني، التي تشمل ـ فيما تشمل ـ المشاركة السياسية، التنمية الاقتصادية، التوزيع العادل للثروة القومية والموارد الطبيعية، والارتقاء بالخدمات الصحية والتعليمية، وهلمجرا، جذبت أهل النُّوبة والفونج والبجة ومواطني دارفور للانضمام إليها. وإن اختلال ميزان السلطة والثروة هو الذي دفع أهل دارفور لإعلان حركة وجيش تحرير السودان، التي بدأت عملياتها العسكرية في شباط (فبراير) العام 2003. إذ نجد أن الأحداث المتواترة من دارفور قد كذَّبت إدِّعاء بعض منظِّري الشمال أنه وقتما ينفصل الجنوب ويمضي في سبيله سوف يبقى الشمال في أمن ووئام.  فماذا هم قائلون لأهل البجة الذين عقدوا العزم مع رصفائهم في دارفور في مقاومة السلطة المتحكِّمة في الخرطوم بكل ما أُوتوا من قوة من أجل حقوقهم السياسية؟ وماذا هم، كذلك، فاعلون إذ أن أهل الشمال القصي لمبتئسون أشدَّ الابتئاس، وأذاعوا للناس نبأ تكوين كيان الشمال؟ في الحق، إن الخارطة السياسية القادمة في السودان ستشهد تكتلات إقليمية قد لا تكون للأحزاب التقليدية (رجعية كانت أم تقدمية) لهم فيها من نصيب كما كانت في الماضي؛ إذ لم تعد الأمور كما كانت عليه في السابق. هذا هو الإطار السياسي والاجتماعي الذي يدور فيه بحثنا هذا.

يتضمَّن هذا الكتاب مجموعة من المقالات أعدَّها الكاتب في الفترة ما بين العام 1994ـ2004، وقد نُشِر جزءٌ كبيرٌ منها في صحف عربية وسودانية ومواقع "الإنترنيت" السودانية والإريترية، وهي: صحيفة "الحياة"، و"الزمان"، و"الاتحادي الدولية"، ومجلة "الزمان الجديد"، ومجلة "الحوار". وتعالج المجموعة الأولي قضايا التعدد الإثني واللغوي في جبال النُّوبة، ملامح من تأريخ مملكة تقلي التي سكت عنها تأريخ السودان الحديث، التحوُّل السياسي بعد انهيار نظام المشير جعفر محمد نميري، العقد الاجتماعي وشعب النُّوبة، المجتمع المدني وسلطان القانون في جبال النُّوبة، وسياسة حكومة السيد الصادق المهدي تجاه مسألة النوبة.  أما المجموعة الثانية، فقد تناولت البعد الأثني للصراع السياسي في السودان، وقضايا انتهاكات حقوق الإنسان في جبال النوبة من قبل السلطات المتحكِّمة في السودان طيلة سنوات الحرب الأهلية (1983-2005)، الحجر المحجور على حرية التعبُّد، وحرية التعبير، وتجاوزات الاعتقال الاعتسافي، ومحاولات الرئيس الأسبق جيمي كارتر الإنسانية في السودان بالمقارنة مع جهود السناتور جون دانفورث، مبعوث الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، للسلام في السودان. حيث شخَّص كلٌ منهما المشكل السوداني بطريقة مختلفة؛ فبينما نظر كارتر إلى مسألة الحرب الأهلية نظرة تقليدية بأنها حرب شمالية ـ جنوبية، وعليه اهتم بالعمل الإنساني والبرنامج الصحي في جنوب السودان، أدرك دانفورث بأن الصراع قومي ويمكن اختبار نوايا الأطراف المتصارعة في الحل الشامل بالبدء بوقف إطلاق النار بمنطقة جبال النُّوبة ريثما تستطيع جهود الإغاثة توصيل المواد الغذائية وتطعيم الأطفال ضد الأوبئة، والحد من تجاوزات حقوق الإنسان، والبدء الفوري في تفعيل الحل السلمي لهذا الصراع الدامي. أما المجوعة الثالثة فتتناول – بالنقد والتحليل – الظلم التأريخي لأهل التخوم وآفاق الحل السياسي، والوضع السياسي في السودان عامة والمناطق الريفية خاصة، والتي باتت تُعرَف في المصطلح السياسي المعاصر بالمناطق المهمَّشة، وكذلك العلاقة بين الأفارقة والعرب بما فيها التطور الفكري والسياسي والثقافي في السودان، الذي بدأ في أندية العاصمة المثلثة ومدينة واد مدني بالجزيرة، ثم ما لبثت هذه التجمعات الشقيقة طويلاً حتى خرجت من رحمها الأحزاب السياسية لتحمل أفكار العشيرة وبيوتات النسيب والحسيب دون إدراك لواقع الوطن الكبير؛ وكذلك تناولنا ـ في هذه المجموعة ـ الشخصية الأفريقية في المخيلة الغربية، لكيما نرفع الستار عن أحداث التأريخ التي أمست طي الكتمان.

هذه المواضيع تناولها الكاتب في كتابه "النُّوبة في السودان: نضال شعب في سبيل العدالة والمشاركة في السلطة" بشيء من التفصيل والتحليل كثير، ويقع السفر في 590 صفحة، ويوجد الآن في مكتبة مدبولي بالقاهرة، ومكتبة الحكمة وبعض المكتبات العربية في لندن، وسوف يظهر قريباً في معرض الكتاب بالشارقة في الخليج العربي.

 

 

 

* د. عمر مصطفى شركيان، النُّوبة في السودان: نضال شعب في سبيل العدالة والمشاركة في السلطة، دار الحكمة www.hikma.co.uk، لندن، 2006.
 

** د. عمر مصطفى شركيان، باحث وناشط سوداني، حاصل على درجة البكالوريوس في المنسوجات، من جامعة الجزيرة بالسودان، في عام 1988. نال في عام 1992 درجة الماجستير في تكنولوجيا المنسوجات من جامعة هريوت ـ واط باسكوتلاندا، ودرجة الدكتوراه من معهد العلوم والتكنولوجيا، جامعة مانشستر بإنجلترا، في عام 2000.

الأمين العام لتضامن أبناء النوبة بالخارج (المملكة المتحدة) في الفترة من 1994 إلى 1999، ثم الرئيس خلال الفترة من 1999 إلى عام 2003. له بحوث منشورة باللغتين الإنجليزية والعربية، في مجاله العلمي، وفي القضايا السودانية السودان بشكل عام ومسألة النوبة على وجه الخوص.
shurkian@yahoo.co.uk

 

 

 

 

 
 
                         Editing Staff              Comité de Rédaction  
Ihtiram Home Page ihtiramlogo
                        General Idea

        Aperçu

 

©جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005 Sudan for all. All rights reserved

Designers:

mardi|Shaggag