عن التعليم والثورة
العلمية التكنولوجية*
سعاد إبراهيم أحمد**
مدخــــل
الإنسان كائن يتفاعل مع محيطه البيئي منذ
الميلاد ويتعلم.. وقد أثبت العلم الحديث
مثلا أن الطفل الرضيع في شهوره الأولى
تتأثر خلايا دماغه فتتغير بصوت الموسيقى
مما يؤدي إلى تحسين قدراته على التعلم
عموما وفي علم الرياضيات على وجه الخصوص.
والمعروف أن التعليم مارسته البشرية منذ
بدء الخليقة لأن الأجيال الجديدة من
الجنسين لابد من أن تتلقى المعرفة وأنماط
السلوك والقيم كما المهارات المتراكمة في
المجتمعات التي يعيشون فيها؛ ولذلك يتغير
ويتبدل بتغير الأحوال عبر الزمان.
فالتعليم كان موجودا على الدوام بشكل أو
آخر عبر التاريخ؛ وتطور مع تطور المجتمعات
البشرية دون توقف وذلك لأن التعليم نشاط
إنساني ضروري وأهدافه التربوية لا مناص من
القيام بها بواسطة المجتمع، ولا سبيل إلى
توقفه إطلاقا إذن لأنه الأساس المستديم
الضروري للتنشئة الاجتماعية.
هذا الارتباط الوثيق بالمجتمعات التي تقوم
العملية التعليمية والتربوية على خدمة
أهدافها، والتي تتسم دائما بالتغيير
والتطور في مختلف الاتجاهات، تجعل العملية
التعليمية غير جامدة ولا ثابتة.
فالتغييرات الاقتصادية والاجتماعية
والسياسية التي تحدث في المجتمع تؤثر على
التعليم فيه لأن سياسات التعليم في الزمن
المعين تعبر عن توجهات وأهداف الطبقات
والفئات المحددة التي تهيمن على مقاليد
الأمور في ذلك المجتمع. فالتعليم ليس
محايدا، رغم وجود تراكم معرفي مشترك بين
مختلف النظم التعليمية، وانتقاء محتوى
التعليم وأساليب التربية تعبير عن توجهات
ومرامي تلك الطبقات والفئات المهيمنة تعبر
عن إيديولوجيتها في تنشئة الأجيال القادمة
بواسطة النظم التعليمية القائمة والتي
تنشئها في ارتباط وثيق بمصالحها ووفق
رؤاها كما هو معلوم.
وفي مسيرة نضال حزبنا نحو آفاق التغيير
الاجتماعي/التربوي في مواجهة ترسيخ الواقع
الراهن وتـثبـيت دعائمه، نقوم بالتغلغل
العميق إلى داخل أحشاء المجتمع عموما
والغوص في عمق دواعي ومرامي تبديل هياكل
التعليم ومحتواه خصوصا، بتعرية المقاصد
الحقيقية لكل ما يحدث فيها من تبديل ثم
نسعى لنشر الوعي لمواجهته مهنيا وشعبيا.
ذلك لأن أهداف التبديل في ظل سلطة الإنقاذ
لا تمت بصلة إلى ما نناضل من أجله من
تحريك لإرادة التغيير الجذري من أجل تحقيق
إنسانية الإنسان لكي يحقق ذاته دون
استلاب، ولتطوير حياته ومجتمعه بإرادته
الحرة وفق قدراته ومواهبه.
حزبنا لا يسعى لتغييرات شكلية ومظهرية لا
تتعدى سطح الخلل البائن في حقل التعليم.
لا يجوز لنا القيام بمجرد عمليات تجميل
سطحية لا تؤدي للعافية المستدامة، ولا
تقود إلى آفاق الحيوية والجمال الحقيقي في
شخصية الإنسان بحيث يكون متشربا بروح
التفكير المبدع لا التلقي السلبي،
والتساؤل المتقد وليس التسليم الخانع..
فالإنسان هو صانع التطور والتغيير وهو
أداته وهدفه في ذات الوقت. ولما كان
زماننا هو زمن انفجار المعرفة، وعصرنا هو
عصر الثورة العلمية التكنولوجية المتسارعة
الوتائر والمتزايدة القدرات على الانتشار
عبر القارات الخمس يوما بعد يوم دون
استئذان من أحد في كل مجالات استخدامها
المتعددة، لابد من النظر في أثر كل ذلك
على مجال التعليم ومستقبله في وطننا. هذا
المقال ليس بحثا بالمعنى الصارم للبحث
العلمي وإنما هو تأملات لطرح بعض المؤشرات
والقضايا لفتح المناقشة في مسألة التعليم
في عصر العولمة والثورة العلمية
التكنولوجية الذي نعيش.
الثورة العلمية التكنولوجية المعاصرة..
انفجار المعرفة..
في البدء لابد من الإشارة إلى حقيقة أن
التاريخ البشري يقول أن الإنسان كان مبدعا
في اختراع وصنع ما يحتاج إليه من أدوات
المعيشة والحرب والصيد والفنون؛ وأثبت ذلك
التاريخ أن الإنسان قادر على تحديد ما
يريده، واختراع التصميمات المناسبة
لأغراضه، وانتقاء المواد من البيئة
المحيطة به وتنفيذها بدرجات مختلفة من
الكفاءة والإبداع؛ مثلما أوضح تاريخ
التطور البشري أن الانسان قادر، بالتالي،
على تنويع تلك الأدوات عبر الزمان
وتطويرها وتحسينها لتفي بجميع أغراضه
بكفاءة أفضل طوال القرون الماضية.
غير أن النصف الثاني من القرن العشرين شهد
انفجارا في المعرفة العلمية وتطورا في
الإمكانيات التكنولوجية وتصنيعها وتوزيعها
على نطاق الكرة الأرضية مما فاق مجمل ما
حدث في الماضي كما ونوعا وانتشارا.
فبالنظر إلى ما يحدث حولنا من تطور علمي
وتقني في الواقع العملي المعاصر مقارنا
بالعصور الماضية نلاحظ الآتي:
1. تقلص الفارق الزمني بين المكتشفات النظرية
أو المعملية واستخداماتها وتطبيقاتها في
الواقع المعاش بدرجة كبيرة. ففي حين قام
تشارلس بابج (Charles
Babbage) باختراع وسيلة لميكنة العمليات الحسابية
منذ عشرينات القرن التاسع عشر لم يصبح
الحاسوب المستند إلى ذلك الاختراع آلة ذات
فائدة اقتصادية إلا في القرن العشرين.
وسرعان ما تطور ذلك الاختراع نتيجة
لاكتشاف وسائل لطباعة التوصيلات الكهربية
الدقيقة لتخزين المعلومات على رقائق
السيليكون وتصغير حجمه في الربع الأخير من
هذا القرن فشهدنا كيف أصبح بإمكان الأطفال
منذ عقد الثمانينات امتلاك واستخدام حاسوب
شخصي يضاهي بدرجة كبيرة ما كان يملكه
البنتاجون قبل عقود قليلة.
مثال ساطع آخر هو اختراع الترانزيستور
واستخدامه بكفاءة عالية في المذياع الصغير
المتنقل قليل الثمن تم في حوالي ستة سنوات
فقط، أي أقل عقد واحد بدلا عن أكثر من
قرن، ومذياع الترانزيستور الصغير أحدث
ثورة في عالم الثقافة الجماهيرية عبر
الحدود الجغرافية للدول منذ الخمسينات.
وقس على ذلك بقية الاكتشافات المتواترة في
جميع التخصصات والتي تنشر كل يوم في آلاف
المجلات والنشرات العلمية في مختلف أرجاء
العالم شاملة لمجمل مجالات المعرفة
العلمية الأساسية البحتة عموما كما العلوم
الطبية والزراعية والفضائية والبيئية
الأساسية والتطبيقية (Basic
and applied research).
2. اتساع هياكل وأماكن البحث العلمي التي
كانت غالبيتها في الماضي قاصرة على الدولة
والجامعات والشركات الكبيرة لأن متطلباتها
كانت مكلفة ويقوم بها باحثون من المتخصصين
فقط. الآن أمسى الأفراد مشاركين بفعالية
في البحث والاختراع وابتداع النظم
والتصميمات دون أن يصبحوا بالضرورة ضمن
تلك الهياكل بفضل الحاسوب المتطور. لذلك
تضخمت أعداد من يمكن اعتبارهم باحثين
والأهم من ذلك التضخم في الأعداد أن هناك
تغيير في نوع الممارسين لهذا النوع من
النشاط إذ لم يعد قاصرا على المهنيين
الأخصائيين وحدهم وأصبح العمال والفنيين
قادرين على المشاركة في ابتداع البرامج
لخدمة أغراض تطوير أساليب الإنتاج الذي
ينشدونه وتصنيع الأدوات المتخصصة لذلك
الغرض بواسطة تلك البرامج حسب نوع الإنتاج
وطبيعته ماديا كان خدميا في المؤسسات التي
يملكونها أو يعملون بها.
3. يتسم عصر انفجار المعرفة هذا بأنه أيضا
عصر الاهتمام الدولي الجاد بالكرة الأرضية
وحمايتها من الدمار الناتج عن تزايد
الاستهلاك مما أدي إلى كل أنواع التلوث
البيئي من مياه ونبات وهواء وتربة وغلاف
الأرض الجوي؛ إضافة إلى الاستنزاف
المتزايد لكافة الموارد الطبيعية
والمعدنية والنباتية والحيوانية بوتائر لم
يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية. وقد أصبح
موضوع حماية البيئة من الدمار الذي تسبب
الانسان في غالبيته أحد الأركان الهامة
للعلم المعاصر باعتبار أن استدامة التنمية
تتطلب تغيير أنماط وحجم الاستهلاك
الحالي. وقد أجبرت الدول الصناعية الكبرى
باتفاقات دولية على مواجهة ما تسببت فيه
من أذى خصوصا في جوانب الاستهلاك العالي
للموارد الطبيعية غير المتجددة ستدفع ثمنه
الأجيال القادمة. وتطالب الدول النامية
الدول الصناعية أن تدفع لها ثمن الالتزام
اليوم باعتبار أن تلك الدول حققت تقدمها
الاقتصادي دون مراعاة لحماية البيئة ولا
ذنب للدول النامية فيما حدث في الماضي من
دمار أو استنزاف مع ضآلة حجم قدراتها
الاستهلاكية.
4. تبعا لذلك التغيير والتطور تضاءلت الأهمية
النسبية للصناعات الثقيلة (الحديد والصلب
والفحم مثلا) في قيمة الإنتاج السلعي
العالمي إجمالا وفي عدد العاملين بها
مقارنا بالقرن الماضي حين كانت المعيار
الأساسي للقوة الاقتصادية والمنعة
العسكرية. فالتكنولوجيا المتطورة جعلت
الإنتاجية ترتفع دون الحاجة لزيادة
العاملين بل تقليصها مع تغيير نوعيتها
بسبب الأتمتة المتزايدة أو Automation في الصناعة الحديثة. وأصبحت العولمة تعني
الشركات التي لا وطن لها وليس المتعددة
الجنسيات كما كانت في عقد الستينات (Transnational
not Multinational)
ومن هنا أصبح تحكم الدول على رأس المال
المتنقل في ثواني عبر القارات والعطالة
المتزايدة في أوروبا والكثير من الدول
الصناعية وتزايد الفوارق في الدخول إضافة
إلى الفقر الذي صاحب سياسات التحرير تبعا
للعولمة السائدة من الهواجس الحقيقية التي
تتطلب جهودا من الحكومات عملية وعلمية من
نوع آخر جديد.
5. ومن أهم سمات الثورة العلمية التكنولوجية
ثورة الاتصالات التي كثيرا ما توصف بأنها
جعلت العالم كله كالقرية الواحدة بفضل
الارتباط السريع بمختلف وسائل الاتصال
المتاحة اليوم. لم يعد الباحث أو أي
مجموعة أو فرد في كافة أرجاء القارات
الخمس بجميع أنحاء الكرة الأرضية بل وفي
الفضاء الكوني معزولا بالضرورة عن باقي
البشرية المهمومة أو العاملة في مجالات
عمله واهتماماته. هذا التطور المذهل في
تكنولوجيا الاتصالات وتصاعد ارتباطها
بتكنولوجيا الحاسوب (digital
technology)
جعلت الانتقال (الجزئي) للتقنيات الحديثة
إلى الدول النامية ممكنا للانخفاض المطرد
في أسعار اقتنائه وإمكانية تقليل تكلفة
الإنتاج باستخداماته العديدة. بذلك تمكنت
الشركات من زيادة أرباحها وتوسيع أسواقها،
واستطاعت أن تروج لأساليب عملها مع
منتجاتها.
6. ومن الناحية الأخرى كان أثر ثورة
الاتصالات بالانترنيت إيجابيا على حركة
الشعوب إذ لم يعد بمقدور الدولة
الدكتاتورية أن تحجب المعرفة أو المعلومة
بسهولة كما الماضي.. فتنامي قدرة الشعوب
على إنشاء التنظيمات لمختلف الأغراض
السياسية والعلمية والاجتماعية والإنسانية
أصبح سمة بارزة في السنوات الماضية. بذلك
تزايدت حيوية المجتمع المدني وقويت شوكة
الشعوب، وأمسى الحرص على الترويج لمختلف
القضايا ولأهداف تلك التنظيمات بغرض
الإعلام والتوعية، أو التضامن أو تبادل
الخبرات والتجارب، عن طريق شبكات
الانترنيت أمرا عاديا للأفراد والجماعات
ليس في الدول الصناعية فحسب بل في الدول
النامية أيضا.
7. أخيرا كان للثورة العلمية التكنولوجية
أثرها على المرأة في ظل الاهتمام المتزايد
بحقوق المرأة وتحريرها ومساواتها في كل
جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية
والاجتماعية لتحريرها من الاضطهاد
والدونية. لقد تغير اسم ومحتوى التقرير
السنوي للأمم المتحدة لأن درجة تقدم الدول
أصبحت تقاس بالتنمية البشرية في كل منها..
أصبح لا يقتصر على متوسط نمو الدخل القومي
ونصيب الفرد في البلد المعين إذ يشمل
معايير أخرى تتعلق بالمتطلبات الأخرى
المرتبطة بالإنسان والبيئة. هذه المتطلبات
تشمل توفير التعليم للجنسين أينما كانوا،
وخدمات الصحة الإنجابية للأم والطفل، وحجم
وفيات الأطفال، ودرجة مشاركة المرأة في
القوى العاملة ومدى مساواتها في الأجور
وفرص التدريب والترقية لأعلى السلم في
عملها كلها تضمن للمقاييس في هذا التقرير.
وقد أصبح الاهتمام بأمر المرأة مدعاة
لبروز مئات الأشكال لمتابعة أشكال
الاضطهاد بالقانون أو الأعراف أو الممارسة
الفعلية ونشر الوعي المعاكس إزاءها على
نطاق واسع. من الجانب الآخر الاستخدام
المتزايد لمنجزات التكنولوجيا الذي أدى
إلى تقليل الاعتماد على القوة العضلية
التي يتميز بها الرجال وأمست المرأة قادرة
على ولوج مختلف أنماط العمل التي كانت
حكرا للرجل في الماضي. كما أن الحاسوب
الشخصي وشبكات الاتصال جعلت المرأة تتمكن
من العمل دون الخروج من المنزل باعتبار أن
المشاركة في العمل وفي رفع مستوى دخل
الأسرة بحيث يصعب الاستغناء عنه لم يغير
أو يقلل من المهام المنزلية التقليدية مما
ضاعف الاستغلال الذي تعاني منه عمليا. غير
أن تواصل لتغيير صورة المرأة كمخلوق ضعيف
لا حول له ولا قوة وأدنى من الرجل في كل
الأشياء المهمة في الحياة بدأت تتغير في
دوائر تتسع يوميا. والمهم هو أن المشكلات
النظرية والعملية في مسألة التحرير
الحقيقي والتام بيولوجيا واجتماعيا لا زال
البحث العلمي جاريا فيه والتقدم فيه
يتسارع عاما بعد عام.
التعليم في السودان: ما أمره إذن؟
الثورة العلمية التكنولوجية أمست واقعا لا
سبيل إلى تجاوز آثاره على بلادنا، مثلما
أصبح التعليم الذي يتم في مؤسسات نظامية
تتحكم فيها الدولة كيفما شاءت أمرا واقعا
لا سبيل لتجاوزه أيضا. فليس من الممكن
تحقيق أوهام إيفان إليتش (Ivan
Illich)
البرازيلي المنتمي بكل وجدانه للمسحوقين
والذي يدعو لإلغاء المدرسة حتى يتحرر
الانسان من استعبادها الناتج عن توجهات
وأفكار وأفعال القوى المعادية لحرية
الانسان والمهيمنة على المجتمع. وإذا كنا
نتحدث عن ديمقراطية التعليم ونلخصها في
تساؤلنا المستديم: من يتعلمون وماذا
يتعلمون وكيف يتعلمون، كما نتحدث عن حق
الشعب في الثقافة الرفيعة توسيعا لقدرة
الانسان على إشباع وجدانه علميا وروحيا
لكي يتمكن من المساهمة في ترقية محيطه
الحياتي، فإن عصر الثورة العلمية
التكنولوجية وانفجار المعرفة يتطلب الفعل
المقصود بوعي لمواكبته في مجال التعليم
والتربية والثقافة. أقول هذا رغم أنني
أدرك مدى التردي الشامل الذي بلغه وطننا
عموما وفي جميع أوجه التعليم الذي نحن
بصدد تلمس واستجلاء بعض مؤشراته ضمن هذه
المناقشة. حقائق عملية لابد من أخذها في
الاعتبار عند رسم السياسة التعليمية:
1. الثورة العلمية التكنولوجية واقع فعلي لا
يعفينا عن إدراكها وأخذها في الاعتبار
حقيقة أن حوالي 50% من أطفالنا ما زالوا
غير مستوعبين في المدارس والمستوعبين منهم
تتسرب نسبة عالية منهم قبل إكمال مرحلة
الأساس. كما لا يفت في عضدنا حقيقة أن
بقية المستوعبين ينقصهم المعلم المدرب
والأدوات البدائية كالمساطر وعلب الهندسة
ناهيك عن الآلات الحاسبة ومعدات المعامل
أو الحاسوب. المشي على كل الأرجل بتزامن
ضرورة موضوعية لأن البداية الصحيحة تتطلب
ذلك.
1. إن تسارع خطى تطور التكنولوجيا وانتشار
الأدوات التقنية يتيح الفرصة لتجاوز مراحل
التطور التقليدية المعهودة كتوفر الطاقة
الكهربائية والهواتف مثلا الضرورية
لانتشار الممارسات المتقدمة لدى الأطفال.
إذ من الممكن تخطي تلك بالطاقة البديلة
وهذه بالاتصالات الفضائية وكلاهما يمكن
إيجاد الدعم الأولي لتوفيره ببرامج عون
خارجي منظمة دون صعوبات تذكر.
2. قبل البدء في برامج تحديث التعليم ليواكب
الثورة العلمية التكنولوجية لابد من تغيير
المواد هزيلة المحتوى وضعيفة المنهج،
وتنقية المقرر في ذات الوقت لإزالة كل ما
لا يتمشى مع أعمار الأطفال أو يتعارض مع
العلم أو مفاهيم العصر بمختلف قضاياه
كالعنصرية والمرأة والبيئة..الخ.
3. من المهم للغاية إعادة تأهيل المعلمين،
خصوصا في مرحلة الأساس، لإيقاف التلقين
الأعمى، آحادي التوجه السائد حاليا ليتمكن
من خلق مناخ ثقافي وتعليمي/تربوي في
المدارس يساعد من البداية على إنعاش الفكر
والعلم والإبداع في اتساق مع المهارات
العملية بمختلف الوسائل في كل مرحلة.
4. الابتعاد عن المفاهيم الخاطئة التي تفترض
أن التخصص المبكر أفضل سبيل لكفاءة
التعليم. أولا لأن العلم أثبت عدم جدواه
وأثبت أن التعليم الواسع الشامل للغات
والتاريخ والرياضيات والفنون والعلوم
الطبيعية والاجتماعية والمناشط الرياضية
والمسرحية والموسيقية والأعمال اليدوية
أفضل من التخصص الضيق في مراحل التعليم
العام قبل الدخول للتعليم العالي.
ثانيا أن هذا الانقسام في مسارات التعليم
وسيلة للتمييز الطبقي وخلق احتياطي للعمال
الشركات (يؤدي عمليا إلى تقليل ضغوط رفع
الأجور) وهم أول من أدرك أن خريج المدرسة
الفنية لا يتفوق على خريج التعليم الشامل
إلا لفترة وجيزة التي سرعان ما يتساوى
بعدها مع الآخر لأن معرفته العلمية رغم
أنها نظرية ومعملية إلا أنها تمكنه من
تعلم أسس وقواعد الحرفة سريعا. أضف إلى
ذلك المدارس الفنية لا تستطيع مواكبة
المستجدات التكنولوجية المستمرة في
الصناعة الخ. داخل أي بلد مهما بلغ من
ثراء. كما ثبت لهم أيضا أنه من الأفضل
توفير فرص التأهيل والتدريب المستمر
للعاملين بعد نهاية التعليم العام الموحد
للجميع. ومن المهم أن يتم ذلك وفق تقديرات
الاحتياجات المتغيرة لاقتصاديات البلد
المعين وفي ارتباط بمواقع عمل فعلية.
من المهم ألا نتوهم أن مواكبة الثورة
العلمية التكنولوجية في التعليم تعني
تقوية مقررات العلوم والرياضيات فقط (كلمة
مقرر مقصودة هنا لأن كلمة مناهج اصطلح على
تحميلها دلالة أوسع، ومن الممكن أن يشتمل
المنهج على أكثر من مقرر واحد نظريا كان
أم عمليا). لأن المرونة الذهنية وقوة
الملاحظة والقدرة على التدقيق والتحليل
والربط المدهش يستقيها الطالب من الدراسات
الأخرى المسماة أدبية أيضا. فاللغات
والتاريخ والأدب والرسم والجغرافيا
والإحصاء والفلسفة لا تقل أهمية عن العلوم
والرياضيات في مجال المعلوماتية الذي هو
مجمل التطبيقات العملية لمنجزات الثورة
العلمية التكنولوجية.
فالتعليم يتجه الآن نحو الخلق والإبداع
الذي يتطلب المرونة الذهبية قبل كل شئ
وعدوها الأول هو التلقين الأعمى والنظر
لأشياء باعتبارها مسلمات مطلقة وقد تكون
في الواقع نسبية آخر الأمر. فأسلوب
التلقين ينمي النظرة التي لا يجوز معها
الغوص في الأعماق بعيون ناقدة أو عقول
متسائلة، ولا تشجع على تحليل جزئيات
الأشياء بأدوات المتشكك، فالأمور التي
تعلمها الطالب كلها تلقين في تلقين، ثم
تقبل، وحفظ واجترار، ينمحي جله من الذاكرة
بعد حين دون النفاذ إلى أعماق النفس
ليتجذر وينمة ليكون نهجا وسلوكا تلقائيا
في مستقبل الحياة.. بذلك يختنق الخلق
والإبداع والقدرة على الدهشة في بلد هو
أصلا مستهلك لاختراعات الآخرين.. تنغلق
المرونة بسهولة داخل سياج سميك من العداء
الخفي للتجديد لأن التعليم النظامي يتسم
بطبيعته وبحكم وظيفته ودوره في التنشئة
الاجتماعية بصفات المحافظة ما لم يبذل جهد
مقصود خارق لتغيير تلك الطبيعة في المعلم
ومدرسته. فكيف نبدأ وما العمل إذن؟
نقطة البدء هي جعل تنمية الموارد البشرية
(تعليم وتدريب وصحة) أسبقية في خطة
التنمية القومية والموازنة العامة بحيث لا
يقل نصيبها عن ثلث الإنفاق الجاري. بذلك
نستطيع استيعاب كل الأطفال لتوسيع القاعدة
التي نعتمد عليها لولوج عصر المعلوماتية
في القرن القادم بسلاح فتاك: هو الإنسان
المسلح بالعلم والقدرة، ليس فقط على
استخدام منجزات التكنولوجيا المعاصرة،
وإنما للإسهام في تطورها بعلمه المنتمي
للمثل الإنسانية الرفيعة وقدراته على
توظيف موهبة الخلق والإبداع المتشرب بها.
المدرسة والمعلم هما الأكبر عددا والأوسع
انتشارا في الوطن ويتسم بسوء في التوزيع
وترد في البيئة المدرسية من مبان ومنشآت
ضرورية أخرى مع انعدام المعينات التربوية
الأساسية وانهيار في أوضاع المعلمين
الاقتصادية والمهنية مما تسبب انهيار
معنوياتهم وهروبهم من المهنة بالآلاف, لا
سبيل لمواجهة كل ذلك إلا بمشاركة قاعدة
واسعة منظمة من قوى الشعب في كل قرية
ومدينة، نساءً ورجالا باختيارهم
الديمقراطي الحر للقيام بمهمة وضع ومناقشة
وتنفيذ خطة إنعاش للتعليم ودعمهم بالموارد
المحلية والأجنبية.
الحاسوب هو قلب الثورة العلمية
التكنولوجية وتوفيره في جميع المدارس هو
ما نحلم به وفي غياب التغطية الكاملة توضع
خطة لتدريب جميع المعلمين على استخدامه
وتوفير ولو عدد محدود في مكتبات عامة بكل
المجالس بالمحافظات (عددها حاليا 632)
وتنظيم دورات تدريبية ومسابقات بين
المدارس مثل دورات الرياضة لأن من غرائب
مميزات الحاسوب أن الأطفال والشباب أقدر
على الإبداع فيه من كبار السن.
انتشار الحاسوب سيعجل الولوج لعصر
المعلوماتية لأن استخدامه للتعليم المستمر
للناضجين على البعد يكون ممكنا بمشاركة
مؤسسات التعليم العالي (الذي أصبح عهد
الإنقاذ وثورته التعليمية المزعومة يمنح
شهادات عشوائية لمنسوبيه) لأننا لا نستطيع
الصبر حتى يكبر الصغار!!
* ورقة قدمت لسمنار مكتب الثقافة (الحزب
الشيوعي السوداني)، الخرطوم في 25 أكتوبر
1998.
** سعاد إبراهيم أحمد، اختصاصية في
التعليم، وتعمل في مجال التدريس. كانت
العنصر النشط الأساسي في تطوير فكرة
الدراسات الإضافية وإنشاء معهد الدراسات
الإضافية التابع لجامعة الخرطوم. وهي فكرة
تهدف لجعل التعليم مبذولاً لعامة الناس
ولمن لم يتمكن من أبناء الشعب من مواصلة
دراسته في مؤسسات التعليم النظامي
الجامعية وفوق الجامعية.
مؤسِسَة النادي السوداني للفيلم، ومن أبرز
القياديات في العمل النسائي بالسودان.
وناشطة أيضاً في مجال تطوير المناطق
والثقافات المهمشة. ولها دور بارز في
توثيق وتطوير الثقافة النوبية والتعريف
بها.
|