|
التعليم غير النمطي
سحر أبو شوك *
بلادي
الشارع.... قارعة الطريق
الإحصائيات بالضرورة غير متوفرة لأطفال الشوارع، أو معتمة،
ولكن نحن العاملين في الشارع نعرف أن العدد مهول. كانت
الحرب التي هزّت البناء الاجتماعي في المناطق المتأثرة
بالنزاع ـ باختصارٍ، في الجنوب ـ هي السبب الأساسي في وجود
الكثير من الأطفال في شوارع الخرطوم بلا أسرة، ينامون في
المجاري. ولكن اليوم، فإن السبب الأول والرئيسي في وجود
الأطفال في الشارع هو الفقر. الفقر الحاد المدقع.
بعض أطفال الشوارع يرجعون في نهاية اليوم لأسرتهم التي
تسكن في أطراف الخرطوم وأعني بالأطراف خارجها ليخرجوا في
الصباح التالي حيث أن المنزل خالٍ من كل شيء وأسرته لا
تريده عبئاً عليها وأحياناً تدفع الأم أطفالها للعمل بعد
ترك الأب للأسرة أو غيابه (الأم تعول الأسرة وهذا وضع
مجموعة كبيرة من الأسر)، فيخرج الطفل باحثاً ًعن عمل وهذا
يعتبر تشرد جزئي.
البعض الآخر من أطفال الشارع يذهبون كل فترة لزيارة الأسرة
كل أسبوع أو كل شهر أو كل عيد ـ كيفما اتفق ـ، أما التشرد
الكلي فهؤلاء لا يعرفون أين تقيم أسرهم أصلاً.
اليوم في شوارع الخرطوم هناك ثلاثة أجيال من الأطفال:
الجيل الأول، بين عمر 7 إلي 15 سنة.
الجيل الثاني، الشباب والشابات.
الجيل الثالث، هم الرضع ناتج العلاقات بين الشباب
والشابات.
إن الطفل الذي خرج بحثاً عن عمل مدققاً النظر للعربات
المتسخة أو أحذية المارة، أو الطفل الموجود في الشارع
ويسير بلا هدي، هم شركاء في الشمس والبرد والجوع والبحث
بلا جدوى عن شيء ما، شركاء في صباع السلسيون، والنظر
لواجهات البنايات الزجاجية الشاهقة والجلوس تحت ظلال باردة
بعيداً عن الضجيج. شركاء في تذكرة السينما لمشاهدة البطل
القوي يقطع رأس الشر ويحمي امرأته. شركاء لدرجة أن الكشة
لا تميز بينهما تأخذ كلاهما للمعسكرات (خاصة عندما تكون
هناك قمة أفريقية)، ويبقي الطفل هناك لحين تصل أسرته في
البحث عنه لمعسكر الحكومة.
المنظمات التي تعمل مع هؤلاء الأطفال في الخرطوم (أمل،
صباح، القديس منصور،
KCCW،
BOY HOPE،
جمعية برج السلام، الشباب للأطفال، معسكر طيبة وهو معسكر
حكومي وكذلك معسكر بشاير).
كل هذه المنظمات تعمل في إعادة التأهيل والتوعية أو
الإيواء أو التعليم أو التدريب المهني.
ما يخص التعليم
يتم تدريس المنهج العادي أو المنهج البديل (وهو منهج حكومي
يقوم بدمج سنتين أو ثلاثة سنوات في سنة واحدة، وذلك
للأطفال الذين تجاوز عمرهم سن المدرسة (12 سنة، حيث لا
يمكن إدخالهم سنة أولى، فيتم تدريس المنهج البديل لهم ثم
إدخالهم للصف الثالث أو الرابع مثلاً).
ولكن هل يمكن لهؤلاء الأطفال الحضور للفصل والجلوس في
الكنب المرصوص علي شكل مدرج في صفوف متتالية لتلقي دروس
الحساب والعربي وغيره؟ وهل نتائج دمج هؤلاء الأطفال في
نظام التعليم العادي ناجحة؟ الإجابة بالضرورة لا. فالأطفال
الذين تأخذهم الحملات من أطراف ووسط الخرطوم لمعسكر طيبة
يتم إلحاقهم بمدرسة داخل المعسكر لها كل مواصفات المدارس
الابتدائية التي في العاصمة، بينما هؤلاء الأطفال لا
يحبذون الذهاب للمدرسة أساساً.
في إطار التساؤلات حول كيفية إيجاد وسائل تساعد هؤلاء
الأطفال علي التعليم، أو بالأصح هل هذا المنهج يناسبهم في
هذا الإطار، قمت بزيارة بعض الجمعيات المصرية العاملة في
نفس المجال وتعرفت هناك علي منهج التعليم غير النمطي الذي
يعملون به:
اسم المنهج تعلم تحرر (باولوفرير).
شكل الفصل عبارة عن موائد مستديرة وكراسي (مدام منتسوري.
يفتح الفصل في الصباح و يعمل حتى السادسة مساء ولا عطلات.
كل طفل يأتي في الموعد الذي يناسبه خلال هذا الزمن (لأن
معظم الأطفال يعملون).
المنهج:
1. منهج فردي، حيث يأخذ كل طفل درسه بطريقة منفصلة، لكنه
يجلس مع المجموعة على نفس الطاولة.
2. يعتمد علي ألعاب مثل البازل والرسم والشف والتلوين، ثم
كتابة القصص. وهناك عمليات حسابية أيضاً.
3. مقسم لمستويات علي حسب القوة والضعف.
كل طفل له كراس وقلم وحقيبة صغيرة عليها اسمه. وبعد نهاية
الدرس يضع حقيبته في خزانة، وفي الحصة القادمة يأخذها
بنفسه ليبدأ من حيث توقف في المنهج.
منهج باولوفرير يعتمد علي صوت الحرف وليس الحرف نفسه، ويتم
تصميم المنهج لكل مجموعة عل حدة باختيار كلمات عامية من
بيئة هذه المجموعة، أي الكلمات التي يتعاملون معها يومياً
وبلغتهم، وتكتب بألوان مختلفة علي كروت بخط واضح ويبدأ
تعلم النطق بربطها بأي شكل مشابه.
يعتمد المنهج علي قراءة القصص من كتب، تكون الصورة في كل
الصفحة والكتابة عبارة عن سطر واحد أسفل الصفحة ويتم نقاش
كل موقف في الصور لمعرفة آراء الأطفال فيه.
دائماً في البداية تتم مساعدة الطفل أو ترك أصدقائه
يساعدونه حتى لا يفقد الثقة بنفسه .
الذين يدرسون المنهج ليسوا مجرد معلمي محو أمية، بل تلقوا
تدريباً على المنهج، حيث يدركون الدور الذي يصاحب تعليم
هذه الفئة من الأطفال. يقومون طوال الوقت بدعم الطفل
وتشجيعه بكل الوسائل، ومن خلال المنهج المصمم علي أساس
واقع هؤلاء الأطفال، ومناقشة مشاكلهم، وحل إشكالاتهم،
ومعالجة بعض السلوكيات، بالإضافة لان المنهج فيه مساحة
للحرية والتعبير عن الذات: الرسم والتلوين واللعب والمسرح
وغيره.
دخل بعض الأطفال المدرسة، ثم تركوها لأسباب مثل الضرب أو
سوء المعاملة. هؤلاء يكرهون المدرسة، أما الذين لم يدخلوا
المدرسة أساساً فهم يخافون من لمس القلم، هذه تقريباً هي
أنواع المشاكل التي تواجه معظم أطفال الشارع في التعليم.
يعالج المنهج الحالتين، فيبدأ مع المجموعة الأولي بألعاب
مثل البازيل. بعض الأطفال يأتون يومياً للعب البازيل ثم
ينصرفون، يستمرون كذلك لمدة شهرين مثلاً، فلا يتم إجبارهم
خلالها علي شيء، أما الذين يخافون من القلم فإن الشف
والتلوين يساعدهم في كسر الحواجز.
ولكن للأسف تصر الجهات الحكومية في مصر أيضاً علي منهج محو
الأمية.
معظم أطفال الشوارع في السودان، رغم مزاجهم المثقل
بالمخدرات، إلا أنهم يحبون الرقص بالجسد فما أكثر الملقبين
بمايكل جاكسون مثلاً. كذلك يحبون لعب كرة القدم والرسم
بشكل مثير للانتباه.
فلماذا لا نستخدم الأشياء التي يحبونها في تعليمهم، علي
الأقل في الفترة الأولي؟ ولكن هيهات، فالتعليم لدينا أما
أكاديمي أو حرفي (تدريب مهني) ولا خيارات أخري، مهما كانت
نفسية، ومهما كانت ظروف المتلقي.
سحر أبو شوك،
ناشطة وباحثة في مجال حقوق الطفل ولها مساهمات في منظمات
المجتمع المدني في السودان. تعمل
بجمعية أصدقاء الأطفال "أمل"، بالخرطوم.
حاصلة على درجة البكالاريوس من جامعة الخرطوم، كلية
الاقتصاد والعلوم الاجتماعية.
|