|
عقــــد
الجلاد و السمنـــدل
مكتسبات
جديدة للأغنية والموسيقى في السودان
عثمان تراث
أنتجت التحولات
السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحادة التي ظهرت في
الواقع السوداني منذ منتصف السبعينات، انحيازا لبنية
الرأسمال الطفيلي، في مقابلها وكجزء من خطابها الأيدلوجي
الشامل، خطابها الثقافي والفني، تمظهراً في سيادة أنواع من
الفنون الاستهلاكية، عاشت وظلت تعيش على إعادة إنتاج سمات
التخلف في الواقع، والتماثل والتماهي مع هذه السمات في
حدودها الأكثر ركاكة، استنادا على شعبية زائفة سندها معايير
التذوق والقبول المنتوجه داخل نفس البنية والمسربلة بأفق
التقليدية والاستهلاك ومظاهر الأزمة الشاملة.
ضمن ذلك الواقع
وفي داخله، وجدت بذرة التغيير التي ظلت تشكلها طلائع التغيير
على المستويات كافة. ولم تخل الساحة السودانية يوما من
الأصوات المملؤة بقوتها التحديثية والتحررية، على مستوى
الخطاب السياسي أو الخطاب الثقافي والإبداعي.
ونحن يهمنا هنا
الحديث عن الشق الثقافي والإبداعي لهذا الخطاب، نقول: أن
هامشاً ثقافياً / إبداعياً نشأت فيه وترعرعت مجموعة من
الأصوات والتشكيلات الإبداعية، بالضد عن المركز الإعلامي
الذي ظلت تشغله أنظمة السلطة المعرفية التقليدية، ورغماً عنه.
هذا الهامش وهو
ينزع نحو خلخلة المشروع الثقافي التقليدي في السودان، ويشن
حربه الإبداعية عليه، أنتج أعماله المسرحية، وأصواته النقدية
والشعرية والقصصية والتشكيلية والغنائية، وغيرها من الأصوات
والأعمال الجديدة التي ظلت تتكرس يوما بعد يوم ضمن مشروع
ثقافي حداثي، أتاحت له الفترة الديمقراطية السابقة فرصا أوسع
للتماسك والإفصاح عن نفسه والإجابة على بعض أسئلة الراهن
الثقافي.
ضمن هذا
المشروع، نرصد في مقالنا هذا حركة التحديث على مستوى الأغنية
والموسيقي في السودان في نموذجين من أوضح نماذج المكتسبات
الجديدة على الصعيد الفني للتراث الموسيقي والغنائي السوداني
هما: مجموعة عقد الجلاد الغنائية) و أوركسترا السمنـــدل.
أولاً:
عقــــد الجلاد
ظلت الأغنية
السودانية الحديثة تعاني من إشكالياتها، التي هي تجلي من
تجليات إشكالية الواقع الاجتماعي، ورغما عن ذلك ظلت هناك
دوما الأصوات الأكثر تقدما في قدرتها على الإجابة على أسئلة
راهنها. والحديث يشير هنا لمحاولة الرواد الأوائل وصولاً
للقفزة التي سجلتها تجارب بعض الأساتذة المغنين والموسيقيين
وعلى رأسهم الأستاذة محمد وردي ومحمد الأمين وعبد الكريم
الكابلي.
إلا أن
الملاحظة التي يمكن رصدها هنا هي: تلك المتعلقة بالمفارقة
الواضحة بين شكل تلك الأغنية الحديثة المتبلورة في المراكز
الإعلامية والثقافية وبين شكل الغناء الشعبي في منابعه
ومناطقه الأصلية في السودان، إذ يتميز هذا الأخير دون الأول
بشكل الأداء الجماعي، وهو أمر ظلت بعيدة عنه إلى حد كبير
الأغنية الحديثة في السودان. هذا إضافة إلى اعتماد الأغنية
الحديثة على لونيه واحدة، هي تلك التي أنتجتها بيئة المدينة
وسجلت سيادتها على الذوق السوداني في الكثير من مناطق الوطن
رغم التنوع الثقافي الكبير الذي تذخر به الساحة السودانية.
والذي أستتبعه بالضرورة تنوع في الفلكلور الموسيقي والغنائي
عند الجماعات والقبائل المختلفة ثقافياً، درجياً أو نوعياً،
مثل: الغناء الجماعي عند النوبة، المحس، البرتا، قبائل
النيل الأزرق، رقصات البقارة وطبولهم، الاحتفالات الطقوسية
بجنوب السودان، النقارة، والجراري .... الخ
استيعابا لهذه
الإشكالية، وسعيا نحو شكل أكثر ارتباطا بالتراث الغنائي
الشعبي في السودان، وفي نفس الوقت، أكثر حداثة قامت في
الفترة الثمانينات من القرن المنصرم عدة محاولات لتقديم شكل
جديد للأغنية الحديثة، كان أوضحها محاولات عبد الكريم
الكابلي في شريطه (أمطرت لؤلؤاً) ومحاولات مشابهة في التحديث
الموسيقي في شريط يوسف الموصلي (شوق الهوى) وعدد من محاولاته
الأخرى للتوزيع الموسيقي وفق أسس علمية حديثة. ورغما عن ذلك
ظلت الأغنية الجماعية في شكلها المتكامل هي النموذج الذي
تفتقده ساحة الغناء الحديث في السودان إلي أن نشأت مجموعة
عقد الجلاد الغنائية.
تبلورت بدايات
تكوين مجموعة عقد الجلاد الغنائية علي يد مجموعة من أساتذة
وخريجي وطلاب المعهد العالي للموسيقي والمسرح في الخرطوم،
وأعلنت المجموعة عن نفسها بشكلها الحالي (ستة مغنيين وخمسة
عازفين) في أواخر العام 1988، كأكثر المحاولات تقدما في
تقديم شكل للغناء الجماعي مدعوم بالمعرفة الموسيقية
والغنائية ومتجذراً في الواقع الثقافي السوداني، وكأرقي
النتائج في محاولات صياغة أغنية سودانية ترتكز على المفاهيم
المعاصرة ولا تخطيء الوجدان السوداني.
سعت عقد الجلاد
منذ بدايتها لتكوين أوركسترا بشري تتوزع مهام الأداء الغنائي
فيه على الأصوات المختلفة للمغنيين في المجموعة، بحيث تنتج
في محصلتها لوحات سماعية بدرجة تجعل الأغنية دون أي صوت من
هذه الأصوات عمل ناقص ومبتور.
وفي ذلك لجأت
المجموعة لعدة أشكال من أشكال الغناء الجماعي، فأدت بعض
الأغنيات عن طريق ظهور مجموعة أصوات (المجموعة) - المختلفة
في أنواعها ودرجاتها – بشكل متزامن لتخلق بناءً توافقياً
يعمق اللحن ويبرز جماله، إذ يغني كل فرد من أفراد المجموعة
بصوت يختلف عن صوت لحن الأساس، لكنه يتوافق معه ويخلق
انسجاما وعمقاً لحنياً وأدائياً.
استفادت (عقد
الجلاد) كذلك من تعدد أصوات المغنيين لديها في خلق حوارات
غنائية داخل المجموعة، بتقسيمها إلي مجموعات أصغر تتبادل
أداء الجمل الغنائية، وأحيانا الآهات والترنيمات اللحنية،
باستفادة كبيرة من الصوت النسائي في المجموعة، إما في خلق
حوار بينه وبين أصوات ذكورية، إما عند أدائه للمقاطع
الغنائية مع بقية الأصوات في نفس الدرجة اللحنية .
استفادت عقد
الجلاد كذلك من طريقتي (التتابع) و(التطارد) في شكل أدائها
الغنائي، بحيث يؤدي صوت أو مجموعة أصوات المقطع الغنائي وأن
يعقبه مباشرة صوت أخر يؤدي نفس المقطع فيما يشبه الصدى (التتابع). أو تتداخل الأصوات باطراد (التطارد).
لم تقف محاولات
عقــد الجلاد عند حدود تقديم شكل من الغناء الجماعي والتركيز
على التعبير الصوتي، إذ أن أعضاء المجموعة، مسلحين بالموهبة
والامتلاء بالمعرفة الموسيقية والغنائية ودوافع التطوير،
سجلوا محاولات قوية في عتق إيقاع ولحن الأغنية من إيقاع ولحن
القصيدة المغناة، وساهموا بالتالي في كسر نظام الميلودية
الرتيب الذي اشتهرت به الأغنية السودانية. هذا إضافة للفرصة
التي توفرت للمجموعة من خلال شكل الأداء الجماعي للقضاء على
كثرة اللزمات الموسيقية للأغنية في شكل أدائها الفردي السائد
.
وضمن مشروعها
لعتق الأغنية من أسر الموسيقي، سعت عقد الجلاد للابتعاد عن
المقدمات الموسيقية الطويلة وكثرة الوصلات الغنائية،
والتقليل قدر الإمكان من الآلات الموسيقية المصاحبة. إذ تقدم
المجموعة أغانيها بمصاحبة الأرغن والجيتار، أو العود،
والإيقاعات فقط.
ولأن عقد
الجلاد جزء من مشروع حداثي متكامل فلقد دعمها هذا المشروع
بأشعاره، وسجلت أغاني المجموعة نجاحات كبيرة في انتشال كلمات
الأغنية السودانية من السطحية والسهولة المبتذلة في التعبير
عن قضيتي الحب والوطن إلى فضاءات جديدة تتحرك فيها قصائد لا
تبتذل شكلها ولا دلالاتها:
" نعمة تحلم
بوجود
ما مشت بينه
القيود
أفضل ... أفضل
بكتير
بي وطن من غير
حدود
نعمة تحلم بي
عوالم
زي رؤى الأطفال
حوالم
لا عساكر ، لا
درادر
لا مظاليم لا
مظالم ...."
أو أغاني
بالعربية الفصحى، لا تتحدث عن موضوع وتترك أخر، بل تحمل
رؤيتها التي "تكشف النقاب في البداية عن كل شيء":
" يا بحرا
تجاوز في سكونه كل حد
يا بحر قم حرك
تحرك أو فعد
نحو ابتدائك
فالنهايات القديمة لا تحد
ألفظ جحيمك أو
فغادر ساحليك إلي الأبد
طاوعوا من شئتم
أو تابعوا من
خفتم
الذاهبون إلي
الفجيعة أنتم
فقط أفهموا
ألا وثيقة أو
وثاق
لا حقيقة أو
نفاق
تخفي عن
الأطفال
عورة من دفنتم
من رجال"
وعقــد الجلاد
منذ أن بدأت وضعت عينها على السودان كله، بتنوع إيقاعاته
الموسيقية، ولهجاته المحلية، فكسرت احتكار الوسط لشكل
الأغنية الحديثة في السودان، وغنت بلهجة قبيلة الشايقية من
الشمال وإيقاعات (النوبة) الحارة من جنوب كردفان، وغنت
(أيدينا يا ولد) بلهجة وإيقاع (الجراري) من شمال كردفان:
"حكومة كان
تنصلحي
كان تعرفي عيش
وملحي
كان تشوفي البي
تزحي
ما تباري القول
ترحي"
وكما غنت (عقد
الجلاد) لحلم السودانيين: السلام، بلهجة وموسيقي الوسط، وغنت
للحبيبة، غنت كذلك لأطفال فلسطين، وجربت أداء الموشحات
العربية، وما كان لها أن تنسي تسجيل معاناة سكان جنوب
السودان، من خلال الصياغة الجمالية ووسائط الأداء الغنائي،
وبإيقاعات أكثر من قبيلة من قبائل الجنوب ولغات تواصلهم
المحلية أو عربي جوبا:
" زوجة في
الدنيا بقي ما في
أنا بموت عزابي
رغيفه في
الدنيا بقي مافي
ماما بموت أنا
جعان
دوا في الدنيا
بقي مافي
ماما أنا بموت
عيان
صابونه في
الدنيا بقي مافي
ماما أنا بموت
وسخان"
بهذه البساطة
السلسة، والمقدمة عبر كرنفال غنائي متماسك، ينضح بالجمال.
استطاعت المجموعة أن تسجل أقوى المحاولات في تصعيد الأغنية
على قصيدتها وبذر هذه القصيدة وتشظيها في نموذج خلاق داخل
شكل الغناء الجماعي.
وقد هجست
مجموعة عقــد الجلاد كثيرا بالحرب البشعة التي ظلت تدور في
جنوب السودان وخصصت لها كموضوع أكثر من أغنية ورددت وسط
إيقاعات ساخنة:
"حرب زايد
بندقية
يختفوا اللقمة
الهنية
من أصابع طفل
جائع
أمه حزنانة
وشقية"
وعقــد الجلاد
وهي تؤدي هذه الأغنيات بإيقاعاتها ولهجاتها المختلفة، قامت
بأداء دورها الهام في تحديث وعلمنة الأغنية الشعبية في
السودان عبر نقلها من تلقائيتها الموجودة على الطبيعة
وإدخالها في نطاق التكنيك الحديث كلازم ضروري لنقل الفنون
الشعبية إلي نطاقات العلم والحداثة. ويظهر ذلك جليا في إعادة
إنتاج الأغاني والإيقاعات المحلية المختلفة، بطريقة جعلت
أداء المجموعة لهذه الأغاني يتجاوز حالة نقلها والتعبير عن
الواقع المنتوجه فيه إلى حالة التعبير عن حلمنا بهذا الواقع
، فارتدت هذه الأغاني والإيقاعات ثوبا من التأنق المضاف. ومع
أداء هذه المهمة الإبداعية استطاعت عقــد الجلاد أن تحافظ
على الخصائص الأساسية للأغنية الجماعية في السودان متمثلة في: تلقائية الأداء والتناغم والتنظيم الذاتي، إضافة إلي
التأليف المباشر والارتجال الحر كما يبدو من اختيار كلمات
بعض الأغاني مثل أغنيتي "أو مامي"، وأغنية "عليك الله يا
اللوري".
وتبقي محاولات
عقــد الجلاد هي المحطة الغنائية التي يصعب على أي محاولات
غنائية سودانية ستأتي لاحقاً تجاوز الوقوف عندها وامتصاصها.
أو تجاوز الذوق الشعبي الذي أنتجها وأحتضنها. وتبقي أغنية
عقــد الجلاد هي واحدة من المحاولات الدائمة للتجاوز داخل
حقل الأغنية السودانية، ضمن حالة التجاوز الشاملة من أجل
إعادة صياغة الواقع السوداني وفق نسق الحلم الذي تهجس به
عقــد الجلاد ونحلم به .
نتابع أدناه
أوركسترا السمـــندل والهامش.
ثانيا:
أوركسترا السمنـــدل
ضمن واقع يتميز
بالثراء الثقافي الكبير، وُجدت بين القبائل المتعددة
والمتنوعة في السودان الموسيقي الآلية البحتة، أي غير
المصاحبة بالغناء، وشكلت هذه اللونية الموسيقية جزء أصيلاً
من تراث بعض القبائل السودانية. ونلمسها بوضوح في معزوفات
(الوازا) و(البالمبو) مثلا عند قبائل منطقة (الأنقسنا) في
جنوب شرق السودان.
ورغم أن
الموسيقي الآلية البحتة، ظلت في العالم كله من أكثر الفنون
حظاً من الاهتمام والتطوير. ورغم الثراء الكبير للتراث
الموسيقي العالمي في هذا المجال، إلا أن هذا الضرب من الفنون
ظل في السودان محصوراً ومحاصراً في مناطق نشوئه الثقافية عند
بعض القبائل، وفي أشكال بدائية ضمن أشكال فلكلورية عديدة
تذخر بها الساحة الثقافية في السودان.
ويمكن القول إن
أكثر التجارب تطوراً وتحديثاً في تقديم موسيقي آلية بحتة في
السودان، هي تلك التي تمت في تقديم موسيقي المارشات العسكرية،
وفي تجارب رائد التأليف الموسيقي إسماعيل عبد المعين، وتجارب
الرائدين من بعده برعي محمد دفع الله وعلاء الدين حمزة.
في 1969م تم
افتتاح المعهد العالي للموسيقى والمسرح، الذي أشر لبداية
مرحلة جديدة للموسيقي والغناء في السودان، حيث تم فيه، ولأول
مرة، تقنين التوظيف الآلي الصحيح لتجارب إعادة إنتاج وتوزيع
عدد النصوص الموسيقية لبعض المغنيين السودانيين .
وخلال الفترة
من 1981 - 1982 ظهرت البدايات الحقيقة لطرح موسيقي آلية ضمن
قواعدها العلمية. وبجهود واهتمام بعض طلاب معهد الموسيقي
ظهرت حينها فرقة (تربو السودان) التي تواصلت جهود مؤسسيها مع
آخرين إلى أن تم إعلان ميلاد أوركسترا السمندل في نوفمبر
1986م، كأوضح تجلي للحداثة الموسيقية في السودان .
أعلنت
السمنــدل مبررات قيامها كتابةً في بامفلت توضيحي جاء فيه:
"الحاجة كانت
ملحة منذ أمد بعيد لقيام أوركسترا سوداني تتعاطى الموسيقي
السودانية والعالمية وتدعمها بالمعرفة الموسيقية وتبني
منطلقاتها على أساس الثقافة السودانية المتميزة بتنوعها .
ولذلك توحدت
لدى الأربع عشرة شابا وشابة الإرادة حول ضرورة تأسيس
أوركسترا تعبر عن التطلعات الثقافية بالبحث والتنقيب للإرث
السوداني وتقديمه بالصورة المثلى".
وفي بامفلت أخر
بعنوان (السمندل حداثة الميلاد وحداثة الموسيقي) أعلنت
السمندل أن "من أهدافها الاحتفاء بالتراث الموسيقي في
السودان وتشذيبه وتنقيته وتقديمه في إطار المعاصرة وملامسة
التراث الموسيقي العالمي ونقله ليكون في متناول الذوق
السوداني، ارتفاعا وتحليقا بالذوق خارج دوامة الميلودية
الرتيبة. والاهتمام بالتأليف الموسيقي الخاص بالأوركسترا،
وهذا من أبرز هموم السمندل، فضلا عن التوزيع الموسيقي لنغمات
خماسية محلاة بالهرمنة والتوظيف الآلي. حيث تجد الآلة
الشعبية فرصتها في التحديث لمواكبة الآلات الأخرى. وأنها
لنزهة نخرج بها من الأنماط التقليدية دون فك ارتباطنا
بمسارها العذب، مع إمكانية الرحيل الناعم من المحلية إلى
العالمية".
ذلك هو بالضبط
ما سعت لتطبيقه وتكريسه أوركسترا السمندل من خلال مجهوداتها
في تأدية بعض المقطوعات الموسيقية من تأليف ومعالجة أعضاء
الأوركسترا، وأداء بعض المقطوعات الموسيقية العالمية لموزارت،
باخ، وبيتهوفن، والشرقية لمحمد عبد الوهاب، وفي إعادة توزيع
وأعادة إنتاج بعض النصوص الموسيقية السودانية ضمن أسس
المعرفة الموسيقية الحديثة.
ورغم أن
أوركسترا السمندل أعلنت ان التأليف الموسيقي الخاص بالفرقة،
والتوزيع الموسيقى لنغمات موسيقية خماسية محلية هو من أبرز
هموم الفرقة، إلا أننا نستطيع أن نقول أنها، لم تستطع بما
يكفي تجاوز أسر سهولة البداية، النسبية، في التركيز على
إعادة إنتاج بعض النصوص الغنائية السودانية المعروفة لدي
المستمع السوداني. ورغم ما لهذا الجهد من أهمية في إضافة
جرعات جمالية وعلمية لمادة التلقي في الأذن السودانية، وخلق
جسور تواصل بين الأجيال الجديدة والتراث الموسيقي السوداني،
رغم ذلك فأننا نعتقد أن المهمة الأصعب والأهم التي تواجه
(السمندل) هي دورها في تأسيس جديد لأسس استماع موسيقي سوداني
حداثي قادر علي تعاطي الموسيقي البحتة والتفاعل معها دون
التوسل بنصوص غنائية سابقة ومعروفة. وهذا بالطبع يخدم فيه
أكثر تقديم المقطوعات الموسيقية الأصيلة والمؤلفة حديثاً.
بجد واجتهاد
وإخلاص تعمل (أوركسترا السمندل) وباحتفالية وفرح تتلقفهم
الآذان في السودان، وتنداح دائرة استماعهم، وهاهي تغادر
قليلاً قليلاً دوائر الصفوة ومنابر الجامعات لتدخل البيوت
السودانية من خلال الراديو والتلفزيون والأشرطة الخاصة.
والشباب الذين يملأهم الإصرار ويقودهم الإبداع (أعضاء
الأوركسترا) مصرون على خوض التجربة وافتتاح الجبهة الواسعة
ضد المشروع الثقافي التقليدي من أجل هزيمة رؤيته وزعزعة
السكون والتقليدية.
هوامش وملاحظات
ومعلومات هامة :
- كتبت هذا
المقال الاحتفالي في بداية عقد التسعينات من القرن المنصرم.
وتم نشره علي جزئين في مجلة (الوطن العربي) الباريسية في
مارس 1990م. ثم أخضعت المقال لبعض التعديلات والتحديث عندما
أعدت نشر الجزء المتعلق بـ (عقد الجلاد) في جريدة (الثورة)
اليمنية بمناسبة زيارة المجموعة لليمن في 1992م، وعندما قدمت
لاحقاً أوراقاً حول المجموعة في بعض المنتديات الثقافية في
صنعاء.
- أن تناول هذا
المقال لمجهودات (عقد الجلاد) و(السمندل) في تطوير الأغنية
والموسيقي في السودان، وأثرائها بمكتسبات جديدة، يأتي من
موقع المستمع العادي، بل وحتى الجاهل بفنون الموسيقي
ومصطلحات النقد الموسيقي والغنائي، وبغرض الاحتفاء وليس
ممارسة النقد. وهذا ما يبرر اللغة الإنشائية التي تطفو في
بعض الفقرات، ويبرر كذلك بعض الأحكام الأطلاقية التي أتت ضمن
المقال. ويظهر هم الاحتفاء، من موقع المستمع العادي، في غياب
المصطلح الغنائي والموسيقي الدقيق والذي لابد أن يلاحظه
المتخصصون منكم، علما أن ما ورد من مصطلحات ومحاولات شروح
موسيقية وغنائية استقيتها بشكل شفاهي من حوارات خاصة مع
صديقي عثمان النو، وأذكر أنني استفدت كذلك من مقال نشره
الماحي سليمان في مجلة (الدستور) اللندنية عن شريط (أمرت
لؤلؤاً) لعبد الكريم الكابلي.
- ليتني أستطيع
أن أكتب كما كتب يحي فضل الله عن عمر الدوش، أو كما كتبت
رقية وراق عن (ود وردي) لأعبر عن احتفال كبير ضخم وفرح تضج
به الدواخل لعودة (السمندل)، وقبل ذلك لاستطاعة (عقد الجلاد)
النهوض من تحت الرماد بعد أن غادرها، معذورون، أهم كوادرها
الغنائية. فمن كان يتوقع أن تظهر وتستمر (عقد الجلاد) بعد أن
فارقها أنور عبد الرحمن، وعمر بانقا، وحمزة سليمان، ومن
قبلهم مجاهد عمر، ومنال بدر الدين، ومني سيد علي، ونهلة عبد
المنعم؟ أنها معجزة لا نستطيع حيالها إلا أن نقف إجلالاً
وإكراماً وتعظيماً لذلك القصير العملاق عثمان النو. والتحية
لهم جميعا.
|