الأسس الفكرية لتحقيق السودان الجديد، "كوش"،
وصناعة الاستقلال*
محمد جلال أحمد هاشم
السودان القديم والاستقلال*
مقدمة:
في عام 1956م خرج المستعمران المصري
والبريطاني من السودان الأمر الذي عني
فنّيّاً نيل السودان لاستقلاله، بمعنى أن
يتصدّى أبناء السودان لإدارة شئون بلادهم
بما يحقق الرفاهية والنماء لهم ولأجيالهم
القادمة، ثم ليلعبوا دورهم في تقدّم
البشرية جمعاء، باعتبارهم أمّةً مستقلّةً
تقف على قدميها. وقد كان من المفترض أن
يتمّ تداول السلطة عبر الديموقراطية فيما
نُظر إليها على أنها ليبرالية. كما كان
هذا يعني أن تشرع القوى السياسية
والاجتماعية في تأصيل الديموقراطية كفكرة
وسلوك داخل مؤسساتها وداخل بنية الثقافة
الاجتماعية للمجتمع ككل، ذلك لأن
الديموقراطية في تكنيكاتها، وليس في
جوهرها، كانت شيئاً جديداً للشعب
السوداني. ثمّ كان من المفترض للقوى
السياسية التي تقدّمت لقيادة دفّة الحكم
أن تُظهر أن لديها فهماً عميقاً لتركيبة
الشعب السوداني، وهي تركيبة لا تخطئها
العين قوامها التعدّد الثقافي والإثني
والديني؛ ليس ذلك فحسب، بل أن تُثبت أنّ
لديها برامج سياسية وثقافية تستند على
طبيعة هذا الواقع، وذلك بغية النهوض به.
هذا ما كان ينبغي أن يكون! فإلى ماذا يا
تُرى انتهى بنا الحال؟
بخصوص تحقيق جوهر الاستقلال والسير قُدماً
في هذا السبيل، وضح أن القوى السياسية
المتنفّذة في الأمر أعجز من ذلك بصورة لم
يكن يتصوّرها أحد. ففضلاً عن أنها لم تكن
تملك أي رؤية لتحقيق جوهر الاستقلال، بدا
واضحاً أنها هي نفسها من حيث تركيبتها
التي تراوحت ما بين العقائدية والطائفية
تمثّل عقبةً كأداء في سبيل تقدّم الشعب
السوداني وتحقيق جوهر الاستقلال. كما
أظهرت الأحزاب استعداداً فطرياً في
التخلّي عن الديوقراطية، التي ما إن يمرّ
عليها شهران حتّى تكون قد تسممت تماماً
بممارسات الأحزاب. فكان أن دخل السودان في
متوالية حكم نيابي يعقبه انقلاب عسكري،
فحكم نيابي يعقبه انقلاب عسكري. إن الإنقلابات العسكرية التي ظلت
تعوق مسيرة الديمقراطية هي في الواقع نوع
من أنواع الممارسات الحزبية تستثمرها بعض
الأحزاب للوصول إلى السلطة. إنها بذلك
تسعى لفرض برامجها بالقوة حين تضيق
بالممارسة الديمقراطية التي ليست من
مبادئها. إن كل الإنقلابات العسكرية كانت
وراءها أحزاب بعينها.
كما أظهرت الأحزاب بيمينها ويسارها
(الكلاسيكيين) أنها جاهلة تماماً بطبيعة
وتركيبة الشعب السوداني من حيث التعدّدية
الثقافية والإثنية والدينية. لذا ما كان
منها إلاّ أن تبنّت مشروع الأحادية
الثقافية لإدارة شئون السودان، أي أن
تُدار التّعدّديّة من خلال الأحادية،
فتصوّر! وكان أوّل ما سعت إليه الدولة
السودانية الوليدة بعد الاستقلال مباشرةً
إدارة ظهرها لأفريقيا التي استبشرت خيراً
باستقلال السودان باعتباره أوّل بلد
أفريقي جنوب الصحراء (وهذا تعبير مرادف
لكلمة "أفريقيا السوداء") ينال استقلاله.
في هذا أقبلت الدولة السودانية (الأفريقية
السوداء) إلى المجموعة العربية تستجدي
صكوك العروبة حتّى تُقبل كعضو بالجامعة
العربية. وقد مُنحت هذا الشرف ولكن ليس
قبل أن يُرفض طلبها من أكثر من عضو، إذ لم
يروا في السودان شيئاً
من عروبتهم.
وفي الحقّ ما كان ذلك الاعتراف ليحدث لولا
إستراتيجية استتباع السودان للمنظومة
العربية ثم تقدير العرب لأطماع مصر
بالسودان. لذا ما كان من الغريب أيضاً أن
يعبّر أحد قادة حركات التحرير الأفريقية
عن خيبة أمله بقوله: "بدلاً من أن يكونوا
أفضل الأفارقة اختار السودانيون وبمحض
إرادتهم أن يكونوا أسوأ العرب". ومع
اتّفاقنا معه في مجمل ما قاله، نشير إلى
أن ذلك لم يكن بمحض اختيار الشعب
السوداني؛ فتلك كانت ضلالة المركز والنخب
الحاكمة تجايرها المجموعات المستعربة بوسط
السودان وشماله، فضلاً عمّن والاهم من
أبناء المجموعات المهمّشة الأخرى. ذلك لم
يكن اختياراً ولا ينبغي له أن يكون؛ إذ
كيف يختار العبدُ سيّدَه؟ وكيف لمسلوب
الهُويّة أن يعرفَ أصْلَه؟
لذا لا يجوز أن يبدي المرء تعجّبه من
تبنّي الدولة للإسلاموعروبية كأيديولوجيا
رسمية وكمشروع للوحدة الوطنية بصرف النظر
عمّا إذا كان ذلك سيدفع السودان نحو تحقيق
الاستقلال أم سيدفعه نحو الاتّجاه
المعاكس. ولتمكين هذه المركزية
الأيديولوجية سعت الدولة ممثّلة في القوى
السياسية المتنفّذة إلى تحويلها لمركزية
جغرافية وثقافية تجييراً للمجموعات
المنتمية للثقافة العربية بوسط السودان
ومن شايعها من أبناء المجموعات المنتمية
للثقافات الأفريقية. في ذلك نظرت مؤسسة
الدولة إلى المجموعات الأفريقية بوصفها
تشكّل العقبة الأولى في مواجهة مشروعها،
ذلك لأن المركز قد اتّبع حيلة التوسل
الأيديولوجي بأجندة الثقافة العربية
الإسلامية لتكريس التهميش. وهكذا تمّ
تحويل آليات التّمركز والتهميش إلى سياسات
مسئولة عن تطبيقها وحراستها مؤسسات
الدولة.
كان من الطبيعي لمشروع خاسر كهذا أن يفضي
بالسودان إلى التدهور المستمر. ولذا كان
كل نظام حكم أسوأ من سابقه بصرف النظر
عمّا إذا كان نيابياً أم إنقلابياً. لقد فشلت الأحزاب السياسية فشلاً
ذريعاً في إيجاد حل لمشكلات الواقع على
المستوى النظري وعلى المستوى العملي.
فالأحزاب الكلاسيكية بشقيها، اليمينية
واليسارية، كانت تتعامل مع الواقع الثقافي
الإثني في السودان بغية السيطرة عليه،
بدلاً من أن تستند عليه في تحليلها له.
فقد وجدت الأحزاب نفسها بعيدة عن الواقع
السوداني، إما لأنها ظلت تكرس جل
محاولاتها لتطبيق مذهبياتها عليه، أو
لكونها أحزاباً طائفيةً أو برامجية لم
تكلف نفسها عناء التنظير ودراسة الواقع،
بل ظلت تعيش فقط على اعتلاف الجاهز. وهكذا
نجم عن كل هذا تكريس سياسات التمرّكز
والتهميش الأمر الذي أدّى إلى اندلاع
الحرب الأهلية التي تواترت حسب درجة
التهميش العرقي والثقافي ومن ثمّ
الاقتصادي والتنموي.
لكل هذا يمكن القول وباطمئنان كبير إن
السودان اليوم كأبعد ما يكون عن الاستقلال
الحقيقي. فنحن نعيش في كنف دولة فاقدة
للسيادة وفاقدة للهويّة وفاقدة لاحترام
أبنائها الذين حكمت عليهم الضرورة أن
يحاربوا هذه الدولة المارقة. لكل هذا
وللخروج من هذه الحلقة الجهنمية جاءت
الدعوة إلى السودان الجديد (كوش) باعتباره
السبيل الوحيد إلى تحقيق الاستقلال
الحقيقي.
معالم السودان الجديد (كوش)
التطور الفكري والحركي لمفهوم السودان
الجديد:
إن أكثر ما اتصف به الوعي العروبي في
السودان هو هذه النظرة الأحادية، حيث يتمّ
تغييب الهويات غير العربية فيه تغييباً
يستفزّ الأغبياء قبل العقلاء. ويستطيع
المرء أن يقول باطمئنانٍ كبير إن الوعي
العروبي منذ تأسيس السلطنة الزرقاء (أي
السوداء، لاحظ!) قد أسقط من اعتباره أن
السودان ما هو في الواقع إلاّ دولة
أفريقية سوداء الأمر الذي ينبغي أن يحتلّ
فيه غير العرب من السود مكانة الصدارة.
المفارقة تكمن في أن أهل السودان بعربهم
وأفارقتهم جميعاً سود في الواقع. إذن
إسقاط هذه الأفرقة السوداء من الاعتبار ما
هي إلاّ عملية استلاب واغتراب، وهذا أسّ
البلاء الذي لازم عملية البناء الوطني
وقعد بنا كل هذه القرون فأصبحنا كمن يصعد
إلى أسفل.
حتّى في القرن العشرين حيث كان ينبغي ـ
افتراضاً ـ أن يشهد حركةً تنويرية، انكفأ
المثقفون السودانيون من حملة الثقافة
العربية داخل خباء عروبتهم دانية السقف.
فمشروع هذه الثقافة فيما بدر منها منذ
بدايات القرن العشرين وحتّى الآن يشير
بوضوح إلى أنه قائم على إدارة معركة
هويّته الدونكيشوتية المتمثّلة في إثبات
عروبة السودان مقابل إنكار أو تشكّك العرب
العاربة لذلك. فمثلاً غاب الوعي بأفريقية
السودان في فكر حركة الفجر أوائل عقود
القرن العشرين. وحتّى عندما اتّجه بعض
المثقفين منهم إلى أفريقيا السوداء وبوعي
تام (مثل محمد المهدي المجذوب)، استبطنوا
ذات النظرة الانحطاطية التي عُرف بها
العرب والغربيون عموماً فيا يخصّ أفريقيا
(مفهوم البدائي النبيل). فيما بعد عندما
ظهرت مدرسة الغابة والصحراء وهي التي سعت
وبوعي تام أيضاً إلى رد الاعتبار إلى
المكوّن الأفريقي في هويّة السودان
العربية، بدا جليّاً أنها في خاتمة أمرها
إنما جاءت لإنقاذ هذه الهويّة من مأذق
محاصرتها أفريقياً، فكان أن دشّنت منظور
"بوتقة الانصهار" متّخذةً من إنسان سنار
نموذجاً لإعادة إنتاج باقي أمم السودان
الذين لا زالوا على أفريقيتهم داخل
الثقافة العربية كما حدث لإنسان سنّار،
تلك الدولة التي أسسها قومٌ سود لا يعرفون
العربية، فكان أن أسمَوا دولتهم "السلطنة
الزرقاء"، أي السوداء، فانتهى أمرُهم
بِددا. فمن نال منهم شرف إعادة الإنتاج
هذه فَقَد أي صلة بهويّته الأفريقية
الأصلية، أمّا من استعصت عليه هذه العملية
(الفونج والأنقسنا) فقد تمّ تهميشه ليقبع
في أدنى دركٍ للمجموعات المهمّشة حتّى لم
يجد بدّاً في النهاية من حمل السلاح.
إن روّاد الحركة التي دفعت في سبيل بلورة
مشورع السودان الجديد، ومن ثمّ النضال من
أجل إثبات أن هويّته الحقّة هي أفريقيته
السوداء، وأن تكلّمه بالعربية لا يعدو
كونه دولةً أرابفونية (Arabphone)،
كانوا جميعهم من باب البداهة أفارقةً
سوداً، خاصّةً ممّن تلبّستهم أبشع صور
التحامل العرقي والثقافي جرّاء عنجهيةٍ
عروبيةٍ في غير موقعها، أي منهزمة
ذاتيّاً، فضلاً عن إلباسهم ثوب الرقّ
مجّاناً لا لشيئ إلاّ لسواد سحناتهم في
بلدٍ اسمه حرفياً "بلد السود". وفي الحقّ
فقد بدأت هذه الحركة بدايات القرن العشرين
بالمناضل الزعيم علي عبد اللطيف الذي كان
أول من استخدم مصطلح "الأمّة السودنية"
بوصفه يعني جميع الإثنيات التي تعيش
بداخله، بخلاف المفهوم الإسلاموعروبي الذي
نادت به الكيانات الطائفية من أنصار
وختمية وخلافها والمتمثّل في سودان يسيطر
عليه أبناء القبائل السامية أو الشريفة،
أي القبائل المستعربة والمتأسلمة. إن علي
عبد اللطيف هو صانع الاستقلال الحقيقي،
فهو أول من أشار إلى أن السودانيين
يمثّلون أمّةً قائمة بذاتها الأمر الذي
يفترض أن ينالوا استقلالهم، فكان أن
تلقّفت الحركة الاستقلالية هذا الفهم
وجعلته محور أيديولوجيتها متّخذةً من اسم
"الأمة" عنواناً لها؛ ثم هو الذي صاغ
تكتيك ضرب شريكي الاستعمار (مصر
وبريطانيا) بعضهما ببعض، وذلك عبر تبنّي
جمعية اللواء الأبيض لشعار وحدة وادي
النيل كتكتيك دون أن يسمح لأي مصري
بالانضواء فيها، وهو ما تلقّفته الحركة
الاتحادية وطبّقته لاحقاً بحذافيره. قبل
كل هذا هو الذي دشّن أول حركة مدنية،
سياسية، غير طائفية، بل أكثر من ذلك
وعلمانية، الأمر الذي قفل الباب أمام
الطائفية لقيادة العمل السياسي الوطني عبر
مؤسساتها فكان أن لجأت لأبناء الأسر
المنتسبة إليها من الخريجين فتحالفت معهم
على أي يؤسس هؤلاء الشباب تنظيمات سياسية
علمانية في ظاهرها بينما تتخفّى الطائفية
وراءها (وهذا التحايل نفسه كان سبب فشلها
لاحقاً).
بعد حركة اللواء الأبيض بحوالي عقدين لعبت
"حركة الكتلة السوداء" دوراً مهمّاً على
مستوى تطوير المفاهيم والرّؤى النازعة نحو
بلورة تيّار السودان الجديد انطلاقاً من
وعيها بسودانيتها كونها سوداء اللون، هذا
وإن جاءت قدرتها على التغيير محدودة
للظروف الموضوعية والذاتية التي أحاطت بها.
ثمّ قامت الحرب الأهلية عام 1955م قبيل
الاستقلال عندما تبيّن لأهلنا في الجنوب
أن سياسات السودنة إنّما تعني في الواقع
سياسات إقصاء السود، فتصوّر! وهكذا اندلعت
الحرب الأهلية والتي استمرّت 17 عاماً
انتهت بتوقيع إتّفاقية أديس أبابا عام
1973م. وبالرغم من تقاصر حركة الأنانيا،
قائدة الحرب الأهلية حينها، عن النظر إلى
تلك الحرب باعتبارها حرب الهامش ضد المركز
(المنظور الدائري)، إذ وقعت فريسة المنظور
الأحادي الذي طرحه المركز (المنظور
الخطّي، أي شمال ضد جنوب)، إلاّ أنها
موضوعياً لعبت دوراً كبيراً في دفع مشروع
السودان الجديد للأمام. فبروز مدرسة
الغابة والصحراء الفكرية والتي دشنّت
منظور الآفروعروبية لا يمكن النظر إليه
بمعزل عن الحرب الدائرة حينها. إذ جاء ذلك
الاتّجاه الفكري كحل توفيقي بغية إيجاد
معادلة للخروج من مأذق الحرب، هذا بالرغم
من انحياز تلك المدرسة الواضح للمشروع
العروبي باعتبارها تنظيراً فكرياً لمنظور
بوتقة الانصهار. كما إن اتّفاقية أديس
أبابا كان لها الدور الأعظم في بلورة
منظور السودانوية، وهي الاتّجاه الفكري
الذي تجاوز انحيازية الآفروعروبية. فمجرّد
تواجد المثقفين الجنوبيين وإثبات تميّزهم
الفكري السودانوي إزاء رصفائهم ممّن كانوا
يعرفون بمصطلح "الشماليين"، وهو تميّز نشأ
عليه مثقّفو الجنوب الأفارقة سليقةً
وطبعاً جرّاء عدم الاستلاب، الأمر الذي
كشف للعديد من المثقفين السودانيين عن خطل
الآفروعروبية كما كشف عن الإمكانات
الفكرية الهائلة لجدلية التعدّد الثقافي
بالسودان. وقد تبلور كل هذا أخريات
سبعينات القرن العشرين وأوائل ثمانيناته
في طرح منظور "الوحدة في التنوّع" كبديل
نموذجي لمنظور "بوتقة الانصهار".
ثم جاء الفتح الفكري والحركي الكبير في
عام 1983م ببروز الحركة الشعبية لتحرير
السودان وقائدها الفذ الشهيد جون قرنق.
وفي الحقّ فإن مشروع السودان الجديد لا
يمكن أن يحال الفضل الأعظم في بلورته إلاّ
لشخصين هما الشهيدان علي عبد اللطيف (الذي
اغتال الاستعمار المصري والبريطاني شخصيته
بتواطؤ تام من قبل الحركة الوطنية الصاعدة
حينها) وجون قرنق (الذي اغتالته الفئة
الباغية واليد الغادرة بليلٍ عاصف). لقد
حُظي السودان منذ سقوط ممالكه الكوشية
والنوبية القديمة برجالٍ عظام، تحديداً
منذ عام 1505م، هم الذين لعبوا الدور
الأعظم في صناعة وبلورة السودان في كلا
صيغته التقليدية ومشروعه الجديد، وهم:
عمارة دونقس وعبدالله جمّاع، اللذان دشّنا
مشروع بوتقة الانصهار بقيام دولة الفونج
وكان ذلك بمعايير ذلك الزمان فتحاً فكرياً
وأيديولوجياً كبيراً؛ ثم محمد أحمد
المهدي، الذي دشّن تفاعل الحركات
الإسلامية الأصولية مع مشروع البناء
الوطني والتباسها بظاهرة الهوس الديني،
كاشفاً عن العمق الأيديولوجي في عملية
البناء الوطني؛ ثمّ عثمان دقنة الذي انحاز
لمشروع البناء الوطني المهدوي ليلعب الدور
الأساسي في احتفاظ السودان بالإقليم
الشرقي كجزء من أراضيه لاحقاً (ولنلاحظ
أنه تُوفّي عام 1926م دون أن يطالب كيان
الأنصار المتحدّر طائفياً من الحركة
المهدية باطلاق سراحه)، فلولاه لضاع منّا
هذا الإقليم العزيز نهائياً وذلك بضمّه
إلى إقليم إيالة الحجاز العثمانية ولإقليم
شرق أفريقيا دون أي واشجة تربطه بالسودان؛
ثمّ علي دينار الذي حافظ على استقلال
إقليمه دارفورعنوةً واقتداراً وذلك عندما
سقطت جميع أقاليم السودان تحت نِير
الاستعمار المصري البريطاني الأمر الذي
حدا بذلك الاستعمار إلى محاولة الالتفاف
عليه بتحويله إلى حاكمٍ دُمية، فأبى عن
كبرياءٍ وإباء؛ ثمّ شهيد الفكر الأستاذ
محمود محمد طه، الذي طرح نموذجاً حضارياً
متقدّماً في كيفية استصحاب الإسلام في
عملية البناء الوطني بوصفه قوّة فكرية
تنويرية هائلة تقوم على قيم الحرية
والديموقراطية والمثل العليا والأخلاق.
فضلاً عن ذلك فقد طرح الأستاذ الشهيد
نموذجاً حضارياً لقوّة الفكر السلمية
جسّدت روح التسامح الراكزة في تركيبة
الشعب السوداني والتي تهدّدتها فظائع
الحرب حتّى كادت أن تضيع تحت سنابك الدفاع
الشعبي والجنجويد. ولا ينبغي أن نتجاوز
مقام العظماء هذا دون أن نشير إلى نبوءته
المتعلّقة بسيطرة قوى الهوس على مؤسسة
الدولة، وهي نبوءة "التسويفات السبعة". إذ
قال عام 1977م لدى ظهور أعراض فيروس الهوس
الديني على مؤسسة الدولة: "من الأفضل
للشعب السوداني أن يمرّ بتجربة حكم الهوس
الديني، إذ إنها (1) سوف تكون
تجربة مفيدة للغاية (2) وسوف تكشف
لأبناء هذا الشعب مدى زيف شعارات هذه
الجماعة (3) وسوف يستولون على
السودان سياسيّاً واقتصاديّاً ولو
بالوسائل العسكرية ((4) وسوف يذيقون الشعب الأمرّين (5) وسوف يختلفون فيما بينهم (6) وسوف يُدخلون البلاد في فتنةٍ تُحيلُ نهارَها
إلى ليل (7) وسوف يُقتلعون من أرض
السودان اقتلاعا"، فما أشبه الليلة
بالبارحة. إن سلسلة الرجال العظام الذين
وُلدوا من صلب الشعب السوداني طويلة يأتي
هؤلاء على قمّتهم، بيد أن قمّة القمّة هما
الشهيدان علي عبد اللطيف وجون قرنق، آخر
سلالة ملوك كوش العظام/ مؤسسو السودان
الجديد.
السودان الجديد: كوش: الاسم والفكرة:
يذهب بعض المؤرخين والدارسين إلى أن مؤسسة
الدولة السودانية بحدودها الحالية قد
تأسست بعيد الاستعمار المصري ـ التركي عام
1821م، بينما يذهب البعض الآخر أبعد من
ذلك قليلاً، إلى السلطنة الزرقاء (أي
السوداء) عام 1505م. ولا شيئ أكثر خطأً من
ذلك، إذ إن مؤسسة الدّولة في السّودان
تُعتبر من بين الأقدم تاريخيّاً، إذ تعود
إلى 7000 سنة قبل الميلاد على أقل تقدير.
كما إن حدودها ظلّت هي نفس حدودها اليوم
مع فارق بسيط هو أننا كلّما عدنا إلى
الوراء، كلّما اتّسعت هذه الحدود شرقاً،
وغرباً، شمالاً وجنوباً. وعٌرفت هذه
الدولة عبر التاريخ بعدّة أسماء، مثل
كرمة، ، إثيوبيا، نوبيا، ثمّ السلطنة
الزرقاء فالسّودان حالياً، إلاّ أن أشهرها
كان اسم "كُوش" التي ورد في أغلب مصادر
التاريخ القديم كالتوراة والعهد القديم
وكتابات المؤرخين الأوائل. ما يجدر ذكره
عن جميع هذه الأسماء أنها تدور كلها حول
معنى "السّواد"، أي أن الاسم ظلّ يُترجم
من لغةٍ إلى أخرى عبر العصور إلى يومنا
هذا.
الآن في ظل القهر الثقافي والعرقي
والاقتصادي الذي ظلّ يمارس لقرون باسم
العروبة امتهاناً للهويّة الأفريقية
الحقّة للسودان، ولتدشين عصر التنوير
المتمثّل في مشروع السودان الجديد بوصفه
مشروعاً نهضوياً وتأصيلياً لوجه السودان
الحضاري الحق بوصفه أمّة أفريقية سوداء
نرى ضرورة أن نتجاوز اسم "السودان" ليحلّ
محلّه اسم "السودان الجديد" في صيغته
المركّبة. فالاسم في صيغته العربية
البسيطة أصبح مُثقلاً بالتحميلات
الأيديولوجية العروبية السالبة. في هذا
الإطار فإن المقابل الأفريقي في صيغته
البسيطة لاسم "السودان الجديد" هو اسم "كوش"
والذي نطالب باعتماده رسمياً بوصفه الاسم
غير العربي للبلاد.
مبادئ السودان الجديد (كوش):
منظومة المبادئ هذه تمثّل المقاصد
الإنسانية لمشروع السودان الجديد (كوش)
والتي عبر التقيّد بها والتزام خطّها أو
مفارقته ستتمّ محاكمة دعاة المشروع فكرياً
وتاريخياً. كما تخدم كبوصلة ومؤشّر تُقاس
عليه ما تمّ إنجازه من المشروع. وتقوم
مبادئ السودان الجديد (كوش) على ثلاثة
عناصر هي من حيث أولويتها: الحرية، والعدل، والسلام؛ إذ لا
سلام بلا عدل، ولا عدل بلا حريّة.
فالحريّة كقيمة ومبدأ هي التي تميّز
الإنسان عن الحيوان وهي بالتالي أسّ
التكليف، ذلك لأنها جماع العقل والكلام،
أي الفكر.
الحرية: هذه المنظومة تشمل الفرد والجماعة معاً
فيما ما يعرف بمؤسسات المجتمع المدني في
واقع ثقافي متعدد. لهذا فإن الحديث عن "
الفرد " في هذا السياق يكون في أغلبه
نظريا، لأنه في ظل الصراع الثقافي تختزل
الجماعة في الفرد، فأزمته هي أزمتها،
وأشواقه هي أشواقها. وننظر إلى الفرد على
أساس أنه جزء من منظومة اجتماعية، ويتفاعل
في فضاء ثقافي من القدرات والطاقات
والمواهب والأشواق والاختيارات، وأن له
حقوقاً سابغة على المجتمع والدولة، تتمثل
في حق الحياة والصحة والأمن، وحق التفكير
والتعبير والتعبد، وحق اختيار الدين أو
الجماعة التى يريد الإنتماء إليها
والتعامل معها. إن للفرد حق التطلع وتنمية
قدراته، واختيار العمل الذى يريد بمعيار
كفاءته، كما له الحق في امتلاك ثمار جهده
وعمله وحرية توجيهه باختياره، كل ذلك بشرط
واحد هو أن لا يفرض ذلك على الآخرين وأن
لا يكون على حسابهم، مقابل أن لا يفرض فرد
آخر أو جماعة إرادتهم عليه.
وفى ذات السياق، وبذات الحقوق، ننظر إلى
الجماعة ـ ثقافية أو سياسية أوعرقية أو
دينية .. إلخ ـ على أساس أنها منظومة على
درجة من الاستقلال عن الجماعات الأخرى،
وأنها في داخلها تقوم على العلاقات
الاختيارية بالحد الأدنى، وأن لها ولكل
الجماعات الأخرى المتعايشة معها حقوقاً
سابغة على الدولة، هي (على سبيل المثال)
حق التعبير عن تاريخها وتراثها وتطلعها،
بشرط أن يكون ذلك بالطرق السلمية، وأن لا
تقوم بفرض توجهها على الجماعات الأخرى، في
مقابل أن لا تقوم الجماعات الأخرى بفرض
تاريخها وتراثها وثقافتها وتطلعها عليها.
بهذا الفهم لا مجال في السودان الجديد (كوش)
لاحتمال أي توجّه أو سلوك ينهض على
التحامل الثقافي والعرقي ناهيك عن التمييز
العرقي.
العدل: وننظر إلى العدل باعتباره قضية كيفية
وليست مسألة كمية. إن العدل يقوم على أساس
أن الناس متساوون في الحقوق والواجبات،
وأنهم يكسبون هذه الحقوق من المواطنة،
وأنه في داخل هذه الدولة، فإن ال |