header
 

 

حول أزمة المثقف والسلطة ووحدة قوى السودان الجديد

 

أحمد ضحية

   

 

حول أفكار هذه الورقة:

(6 ـ 1):

وبعد أن انتهى الكثيرون في شأن السودان إلى التسليم بأن مصيره إلى التفتت، ومآله إلى الانفصالات، نجد أن فكرة (وحدة السودان) لا تزال بحاجة إلى إعادة تأسيس في الوعي السوداني اليوم أكثر من أي وقت مضى.

فالكثيرون يعيشون وحدة السودان على صعيد الشعارات، بينما يحيون عملية بناء الدولة الانفصالية. ونشؤ المركزيات الاثنية في الأطراف.. حتى الوحدويون منهم يفكرون في الوحدة بينما يبنون الانفصال، فيما يبدوأن الجميع تخلى عن الحلم بسودان موحد ديمقراطي مستقل. مذعنين للفوضى المرعبة التي يمثلها السودان الراهن.

وهكذا ما سنطرحه هنا ليس بديلا بقدر ما هوإصرار على الاستمرار في (حُلُم) السودان الموحد. والقول: أن بمقدورنا الإتيان بما هوأفضل مما نراه الآن.

وهنا يبرز دور المثقف في إعادة تأسيس الوحدة في الوعي السوداني، وهي ليست عملية سهلة، شأنها شأن عمليات البناء: معقدة وطويلة الأمد، خاصة في ظروف حكم الإنقاذ التي حاصرت المثقف وهمشت وأقصت دوره بل وألغته في الحياة السياسية.

وهذا يقود إلى قضية الديمقراطية، التي لن تتحقق في ظل الحصار المتعاظم لدور المثقف، بمزيد من العوائق والأزمات التي وفرت الإنقاذ كسلطة استبدادية فاسدة شروطها مع سبق الإصرار والترصد..

ظللنا نتساءل طوال السنوات الماضية، كيف استطاع نظام (اسلاربوي) قمعي فاسد على شاكلة نظام الإنقاذ، الذي ولد وهويحمل بذور فناءه داخله.. كيف استطاع مثل هذا النظام الشائه البقاء والاستمرار، وإيصال السودان إلى هذه المرحلة من التمزق.

بالطبع ثمة آراء واستنتاجات وتصورات مختلفة، تمثل مختلف الاتجاهات السياسية، تجيب عن هذا السؤال، لكن ليس من بينها: الغياب الفاجع للمثقف!!..

هذا المثقف الذي – بعكس السياسي – يجيد معظم أنماط الثقافة ويدركها – بما فيها النمط السياسي – لأنه يمتهن الثقافة ويمتلك ملكة الإبداع، باعتباره منتجا للثقافة (1)..وإذ نتناول موضوع (الغياب الفاجع)للمثقف في السودان، فذلك لأن دوره – المثقف – ظل شاغل لكثير من الكتابات لوقت طويل.

وبالعودة إلى الوراء يمكننا ملاحظة أن فترة زمنية محددة مثل العشرينيات تمخضت عن مثقفين لامعين – بصرف النظر عن تصوراتهم المختلفة حول السودان – مثل عرفات محمد عبد الله ومعاوية محمد نور والتيجاني الماحي وبابكر بدري وإبراهيم احمد وعبد المجيد إمام وآخرون غيرهم..

إلى جانب تكوينات فاعلة في مسيرة تاريخ السودان الحديث، والتحولات التي مر بها، مثل جمعية " أب روف" واللواء الأبيض ومؤتمر الخريجين.. هذه التكوينات التي بناها المثقف، وشكلت علامات فارقة في صيرورة السودان. إذ امتد أثرها حتى الآن (2)..إذن عبر المثقف السوداني عن نفسه وعن تطلعاته لوطنه الذي يريد عبر مختلف المنابر والمجلات والإصدارات مثل حضارة السودان ومجلة الفجر، الخ.

الأدوار المختلفة التي لعبها المثقف في تلك الفترة تكاملت وترتب عليها نشؤ الأحزاب السياسية، بتوجهاتها المختلفة فيما بعد..

واستمر المثقفون السودانيون يلعبون أدوارهم المختلفة في المجتمع ليتمخض وعيهم لاحقا ومنذ السبعينيات عن مجلة القصة - إلى جانب ضغوطاته على المؤسسة الثقافية للدولة، التي أثمرت مجلة الخرطوم والثقافة السودانية – وسوداناو sudanowوالإذاعة والتلفزيون والثقافة الوطنية ووازا وحروف، الخ من مجهودات بذلها المثقفون.

إذن مثلت الفترة من الأربعينيات إلى الثمانينيات من القرن الماضي، فترة نشطة باتجاه تأسيس منابر المثقف، التي لم تتوقف في حدود الإصدارات فقط. إذ رافقتها تكوينات ثقافية مثل رابطة سنار الأدبية ورابطة الجزيرة للآداب والفنون ورابطة الأصدقاء الأدبية بكوستي، الخ حتى بدا أن مدن السودان المختلفة تكاد لا تخلومن تكوين ثقافي بناه المثقف. للعب دور ما في المجتمع المحلي، ويتطلع به – هذا التكوين – للعب دور قومي..

وفي هذا السياق، ومع اشتداد عسف السلطة الاسلاموية منذ 1989 مثلت مكتبة البشير الريح، الرئة التي يتنفس خلالها المثقفون، بعد أن صادر النظام الاسلاموي (اتحاد الكتاب السودانيين) وحل كل الروابط والجمعيات الأدبية والاجتماعية في العاصمة والأقاليم اثر بيان عسكري فج. وهكذا تفرق المثقفون أيدي سبأ بحل المنابر التي كانوا ينضوون تحت لواءها..

ومع ذلك، كان المثقف كلما حطموا له كيانا أوجد كيانا آخر، فبتعرض مكتبة البشير الريح للإغلاق أكثر من مرة، وتضييق الخناق على المثقفين، لجأ المثقف إلى المراكز الأجنبية(الفرنسي، الثقافي البريطاني، الخ..) ونهض من قلب هذه العتمة في مركز آخر: عبد الكريم مرغني، ثم عبد المجيد إمام ومركز الدراسات السودانية ونادي القصة السوداني...

هذه الحركة الدءوبة التي لم تنقطع خلال نصف قرن من الزمان، على الرغم مما تخلفه من رهق وغياب أحيانا، ظلت تؤشر على الدوام على شيء واحد: أن هناك مثقف سوداني، لا يبحث عن دور فقط في المجتمع، بل ويعرف دوره بالضبط، وان هناك مثقف مستهدف باستمرار بقمع السلطات السياسية والاجتماعية أحيانا، وان هناك مثقف مهدد بالصمت والسكت والغياب الفاجع!

 

(2 -6):

رافق نشاط المثقفين في منابرهم التي حاولوا تشييدها خلال أزمات الواقع البائس وحصارات وقمع السلطات الاستبدادية والملاحقات الأمنية التي تعرضوا لها، وتعرضت لها منابرهم، نوافذ ثقافية في الجامعات السودانية، مثلتها الروابط الاجتماعية والثقافية والإقليمية، التي حاولت أن تسهم مع المثقف المحاصر خارج أسوار الجامعات، في صياغة المعنى الاجتماعي العام للسودان.

لكن هل نجحت هذه المحاولات حقا في صياغة أي معنى اجتماعي عام ؟!..

يكفي أن نلقي نظرة واحدة على المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي السوداني.. ماذا نرى:

وطن متنازع تتآكله نزعات القبلية، مهدد بالانفصالات.. وطن لا يزال مقعيا في أحد الأزقة السحيقة للتاريخ.. وطن تنتظر مؤسسته العسكرية الفرصة في كل عهد ديموقراطي قصير الأمد للانقضاض والإجهاز على مخاض روحه المدنية التي تتطلع للولادة..وطن لا تزال الأمراض المنقرضة تاريخيا، مثل الكوليرا والملا ريا والسل تحصد أرواح مواطنيه.. هل هذه هي ثمرة نضالات المثقفين السودانيين ؟ !

في تقديري الخاص أن احد أسباب هذه المشكلة، يكمن في تواطؤ عدد كبير من المثقفين وانحيازهم لمصالحهم الذاتية خصما على الأجندة الوطنية، سواء باستمرارهم في إعادة إنتاج الثقافة التقليدية أو تواطؤهم مع الحكومات الاستبدادية والقوى الطائفية التي تنطوي مشاريعها أصلا على روح مضادة للتقدم، وحصيلة ذلك – الموقف المضاد للتقدم – التخلف المريع الذي يعيشه السودان اليوم..

ربما يبرز سؤال: إذن أين كان المثقفين الديمقراطيين التقدميين المنحازين للأجندة الوطنية ؟!..

وهوسؤال لا يمكن الإجابة عنه بصورة مباشرة، ففي فوضى الانقلابات والاستهداف المتعاظم للمثقفين منذ الستينيات بجعلهم "دريئة من قش" وتشويه مواقفهم وتصويرها على نحوكاريكاتوري أو بصورة تصورهم كشخصيات سايكوباتية، بل وابتذالهم ونعتهم ب"المثقفاتية"، وجعلهم موضوعا دراميا لجماعات "الحلمنتيش" المبتذلة. إلى جانب انهيار أوضاعهم الاجتماعية بسبب الاستهداف المتعمد والمستمر من قبل الحكومات العسكرية، وتعاظم هذا الاستهداف إبان فترة النظام الإسلاموي الحالي، وتسخير هذه النظم الشمولية المستبدة لجهاز الدولة، ليصبح محض جهاز قمعي..

في خضم كل هذه الفوضى من الاستبداد والفساد والتشريد والنهب المنظم للموارد والإحالة للصالح العام، فقد المثقف ثقته بنفسه بعد أن ضعفت شوكته، بالتالي قدرته على التغيير.

 

(6ـ 3)

وببروز النص الإسلاموي بمثابة نص على النص الحقيقي، حوصر الواقع برؤية أيديولوجية مفعمة بالالتباس والتلفيق طرحت نفسها حينا: صحوة إسلامية – وحينا آخر: جمهورية إسلامية، إلى أن بلغت منتهاها في المشروع الحضاري، أو(دولة الخلافة) – كما عند"المثقف" المرحوم فراج الطيب -، فمثلت الذروة في الالتباس والتلفيق – فقد شبه العبد الفقير لله المرحوم فراج الطيب "الجنرال" عمر البشير بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب- هذه الفوضى التي تعاد فيها عملية إعادة إنتاج واسعة النطاق للثقافة التقليدية، من قبل المثقفين "المسيسين الطائفيين والاسلامويين" الذين تواطأوا ضد الحقائق الأساسية لمجتمعات السودان المتباينة في عقائدها وثقافاتها وأعراقها..

 

(6ـ4):

إذن استهدفت الايدولوجيا المثقفين، فأصبح على رأس قائمة المطلوبين: المثقفين الديموقراطيين التقدميين.. فحاصرتهم بدعايتها المضادة، لتغريبهم عن مجتمعاتهم وتشريدهم عن بيوتهم وعملهم، بل ولاحقتهم واعتقلتهم وعذبتهم وعندما أطلقت سراحهم أصبحوا غرباء فعلا في بلادهم التي طالما حلموا بها وطنا أجمل..

وهكذا أنجز مشروع "الغياب الفاجع".. غادر المثقف وهويحمل هموم تكوين معارضة سياسية ذات نسيج ثقافي، رغبة في إظهار قضية السودان الذي خرج منه مهزوما ومجروحا ومكسور الخاطر ـ حيث لا عزاء في أغنية عثمان اليمني: نحنا ناس حياتنا جبر خواطر.. أو المثل السائد: كل مكسور بينجبر إلا الخاطر ـ ومع ذلك، حاول المثقف وهو في منفاه داخل الوطن أو خارجه، منفاه الجبري أو الاختياري الاستمرار في الكشف عن كل ما يتصل بالاستبداد والقمع وغياب حرية الرأي والتنظيم وتهميش الشركاء في الوطن..

 

(6 ـ5):

ثمة عوامل أخرى أسهمت في غياب المثقف، مثل انهيار الطبقة الوسطي التي إن لم ينتمي إليها المثقف طبقيا أواجتماعيا انتمى إليها روحا. فبتهاوي هذه الطبقة تحت ضربات النظام الاسلاموي، أصبحت المجتمعات السودانية غير قائمة على نفوذ وقوة الطبقة الوسطى، كطبقة تاريخية مسئولة عن إنتاج المثقفين – بصورة خاصة – فمع أثننة الإنقاذ للسياسة واستمداد قوة مشروعها الاسلاموي – الحضاري- من نفوذ العشائر والقبائل والبيوتات، وتفتت الطبقة الوسطى عمليا، توغل المثقف أكثر فأكثر في الغياب.

 

(6ـ6):

هنا يبرز سؤال آخر حول مستقبل الديموقراطية والإسلام السياسي، وغني عن القول التشديد على الأصالة والعودة إلى تاريخ انقضى وولى كقاعدة للانتقال إلى المستقبل، بدلا من اجتراح هذا الانتقال وأدواته في التاريخ العالمي للحداثة، يعتبر تسويقا للأسس الإيديولوجية للإسلام السياسي، كما أن المثقفين الذين يقومون بدور المؤامة والمصالحة والتلفيق – وما أكثرهم في ظل الإنقاذ – بين الإسلام السياسي وبين الديموقراطية الليبرالية، هم في الواقع يجعلون التصالح مع الإسلام تكتيكيا، كما يعتبر الاسلامويون الحوار الذي يتكالبون عليه الآن مع القوى السياسية التقدمية شأنا سياسيا لا يستتبع تنازلا عن أسسهم الأيديولوجية (3) التي تنهض في – الإسلام الصحيح وفقا لمزاعمهم – وكما يتصورونه كحراس للنوايا ومُلاك للحقيقة المطلقة، اصطفاهم ربهم - دونا عن سواهم من عباد الله المغلوبين على أمرهم إزاء فتاوى الترابي التكتيكية - للاهتداء لهذا الإسلام الصحيح.

مفاهيم أساسية حول المثقف والسلطة في سلاسل الأجيال:

 

(9ـ1):

نحاول هنا فحص علاقة المثقف بالسلطة منذ القرن السادس عشر، أي منذ قيام مملكة سنار (1505)، وصولا إلى فترة الاحتلال التركي المصري، ثم قيام الدولة المهدية، فالاحتلال الإنجليزي المصري، وأخيرا الحكومات الوطنية المتعاقبة،.

بالطبع سنكتفي فقطك بمحطات نرى أنها أساسية، في فحص العلاقة بين المثقف والسلطة في السودان – تاريخيا – علنا نتمكن من إلقاء بعض الضوء على جذور وتكوين هذا المثقف، تعيننا على تكوين فكرة عامة، توضح لنا ما هوعليه الآن، فربما يمكننا ذلك من التعرف على مزيد من الأسباب التي صاغت غيابه الفاجع على عهد الإنقاذ بصورة خاصة.

بداية إن لفظ مثقف intellectualالذي يتم استخدامه اليوم في العربية المعاصرة، لا يمكن العثور عليه في الأدبيات العربية القديمة، وهواسم مفعول من الفعل "ثقف"أي بمعنى حذق. إذ جاء في لسان العرب: "ثقف" الشيء "ثقفا" و" ثقافا" و"ثقوفة": حذقه. ورجل "ثقف" (بفتح الثاء والقاف) وثقف(بفتح الثاء وكسر القاف) وثقف (بفتح الثاء وضم القاف): حاذق.

إذن مصطلح مثقف هومصطلح حديث، حيث ترمز intellect إلى العقل في تشكيله أوالفكر في بناءه، ما يعبر عن الميل أوالنزوع إلى الفكر، وبذلك يختلف المثقف في تفكيره ورؤيته عن ثقافة المجتمع المحيط culture فالمثقفون هم أولئك الذين يشتغلون بفكرهم في فرع من فروع المعرفة ويحملون آراء خاصة بهم حول الإنسان والمجتمع ويقفون موقف الاحتجاج والتنديد إزاء ما يتعرض له الأفراد أوالمجتمع من ظلم وعسف السلطات. سواء كانت دينية أوسياسية (4).

قسم غرامشي المثقفين إلى مجموعتين حسب الوظيفة الاجتماعية: "مثقف تقليدي"(الأدباء والعلماء وغيرهم traditional intellectual  و"مثقف عضوي" (المفكر والعنصر المنظم في طبقة اجتماعية أساسية معينة organic intellectual). وتركيز غر امشي هنا على الوظيفة الاجتماعية يعني دور المثقف في توجيه أفكار وتطلعات الطبقة التي ينتمي إليها، أي القيام بممارسة منتظمة للتفكير في الواقع الاجتماعي والسياسي والمشاركة في تغييره، وفي هذه الحالة يصبح المثقفون انتلجنسيا intelligentsia ويتسع مصطلح المثقف ليشمل جميع الذين يصنعون الثقافة ويحملونها ويطبقونها، بل يعول اليسار الجديد على دور الشباب والطلاب كثيرا. مثلما يشمل المصطلح الخبراء والعقائديين النظريين والفلاسفة أو المفكرين والفنانين والصحافيين ورجال الإدارة والوظيفة.

هنا ثمة تمييز يضيفه دكتور حيدر إبراهيم بين المثقف الخلاق والمثقف الذي يقتصر نشاطه على نشر الأفكار وتطبيقها. الاثنان من النخبة المثقفة ولكن الانتلجنسيا هي التي تحصل على نصيب كبير في مراكز القوة والامتيازات (5).

مما تقدم، نلاحظ أن مصطلح مثقف من أكثر المصطلحات التباسا، إذ من الخطأ أن نخلط بين التراتبية والنخبوية، فمفهوم المثقف ضبابي بما فيه الكفاية. وكثيرا ما يخلط بينه وبين مصطلح الطليعة والتي هي مسألة مختلفة. فالنخبوية هي إيمان بسلطة قلة مختارة، أو مرجعيتها مما يشير عادة وعلى المستوى الثقافي إلى أن القيم هي حكرا على هذه الجماعة سواء كانت قد اصطفت نفسها بذاتها أو غير ذلك، مستمدة سلطتها أو مرجعيتها من مكانة غير موقعها الثقافي (خلفيتها الاجتماعية أو الدينية مثلا..) أومن نفوذها الثقافي وحده، ومثل هذه النخبوية كما يشير تيري اينغيلتون لا تتعارض مطلقا مع ضرب من الشعبوية (6).. ثمة ملاحظة مهمة نرغب في التأكيد عليها هنا، إذ نعني تحديد بالمثقف – في هذه الورقة – المثقفين المنظمين في قوى سياسية، والمثقفين الذين لم يسبق تنظيمهم، أوكان التنظيم مرحلة في حياتهم.

 

(9ـ2):

إذا استلهمنا بعض المعاني المهمة التي تتضمنها نظرية المجايلة التاريخية (7) في تحقيب التاريخ على أساس الوحدات الصغرى من سلاسل الأجيال، فان مصطلح generation هوالوحدة التاريخية الصغرى المقدر عمرها بثلاثين سنة وعليه فان الفضاء الثقافي والمعرفي السوداني عاش 17 جيل أي 17 وحدة تاريخية صغرى. إذا وضعنا في الاعتبار الجيل الحالي (1985 – 2015) وصولا – تنازليا – إلى الجيل المؤسس لمملكة الفونج (1505).

بلغة أخرى نجد أن الأجيال الثلاثة الأولى هي: (1505 -1535) – (1535 – 1565)– (1565 – 1595).

والأجيال الثلاثة الثانية: (1595 – 1625) – (1625 – 1655) – (1655 – 1685).

والأجيال الثلاثة الثالثة: (1685 – 1715) –(1715 – 1745) – (1745 – 1775).

والأجيال الثلاثة الرابعة (1775 – 1805) –(1805 – 1835) –( 1835 – 1865).

والأجيال الثلاثة الخامسة: (1865 – 1895) – (1895 – 1925 ) – (1925 – 1955).

والأجيال الثلاثة السادسة: (1955 – 1985 ) –( 1985 – 2015) – ( 2015 – 2045).

حيث تمثل كل ثلاثة أجيال وحدة تاريخية كبرى في سلاسل الأجيال.مع ملاحظة أن نقطة البداية الفعلية ليست تلك اللحظة التي تكونت وتشكلت فيها سلطنة سنار (1505) فتاريخ السودان ابعد من ذلك بكثير، يمتد إلى العصور القديمة التي تمخضت سيروراتها عن كوش ومروي اللتين تمخضتا بدورهما عن سنار والفاشر بطريقة أوأخرى. فهذه الممالك – في تقديري الخاص – هي نتاج عملية ثقافية واجتماعية وحضارية متصلة.

فاختيارنا إذن للحظة الفونج تأسس على أنها دولة تشكلت نتاج تحالف (اثني طائفي ) = (عرب القوا سمة العبدلاب +الفونج + المتصوفة "المثقفين")وحراك اجتماعي واسع..

كل ذلك تمخض عن شكل مؤسس لسلطة سياسية ولمجتمع منظم.جمعت فيه طوائف المتصوفة مختلف الأعراق، ومثل الشيوخ (الفقرا = الفقهاء أو العلماء) الطليعة المثقفة التي تستمد من نفوذها على الشعب،. تأثيرها على السلطة السياسية. التي كانت تحسب لهذه الطليعة المثقفة ألف حساب، فتمنحها الكثير من الامتيازات. التي لم تتمكن بها – مع ذلك – حرفهم من دورهم القائد للمجتمع. فقد تمكن هؤلاء المثقفين (الفقهاء) من حفظ المسافة بينهم وبين السلطة السياسية، وانتزعوا اعتراف الحكام بدورهم الفاعل في المجتمع، حتى أصبح يطلق على القرن الثامن عشر (عصر الفقهاء ).

 

(9ـ3):

وبسقوط دولة الفونج وبسط الاحتلال التركي المصري لنفوذه على السودان، تغيرت العلاقة بين المثقف(الفقيه) والسلطة، فحكومة الاحتلال الجديدة (التركية المصرية) عملت على توظيف الدين لإعطاء مشروعية للاحتلال. ولهذا السبب بالتحديد اصطحبت جيوش الاحتلال معها ثلاثة علماء يمثلون المذاهب المختلفة (باستثناء الحنبلي). وهكذا ـ كما يشير دكتور حيدر ـ ظهر لأول مرة (العالم – الموظف) الذي يتقاضى أجرا من الدولة بدلا عن تطوعه في المجتمع كما في السابق. بالتالي أصبح (العالم) جزء من جهاز الدولة الإيديولوجي، وأداة لتحقيق شرعية الاحتلال باسم الإسلام. وللتأكيد على ذلك تم قتل العلماء المناوئين للاحتلال بحملات الدفتر دار الانتقامية. ومع ذلك لم يكتسب العلماء(الرسميين) أي أرضية عامة بين الشعب. لكن انتهى مؤقتا دور (العالم – الصوفي)، الذي يقف حاجزا بين السلطة الاحتلالية الغاشمة وبين الجماهير التيس لم تكن لديها القدرة الذاتية على حماية نفسها (9).

 

(9ـ4):

وعندما اندلعت الثورة المهدية، أخذت الانتلجنسيا المعاصرة للاحتلال (والتي كانت قد تلقت تعليما أزهريا ) تحاول دحض المهدية بإصدار الفتاوى التلفيقية، أي قامت بوظيفتها العضوية، إذ كانت على استعداد تام لتقديم سائر التسهيلات الدينية للمحتل. ومع ذلك، نجحت الثورة المهدية.

فقد كان محمد احمد المهدي تجديدا لنموذج الفقيه أو رجل الدين المناهض للظلم (10) بتحديه علماء السلطة الذين تراكضوا لكسب ود الاحتلال، وهنا يستنتج دكتور حيدر انه ليس بالضرورة أن المثقفين طليعة حين يكون التناقض بين المصالح الشخصية وبين الأفكار والمعرفة والمواقف الملتزمة، إذ من الممكن أن ترجح المكاسب الذاتية).

  

(9 ـ 5):

عملت المهدية على توجيه مصادرها وتقليل احتمالات الاختلاف والتنوع الفكري والثقافي، ما أنتج وجود نوع من الفراغ الثقافي والفكري.، استطاع الاحتلال الثنائي الإنجليزي المصري فيما بعد استغلاله بزرع انتلجنسيا ذات توجه مختلف ومصالح جديدة، يمكن رؤيتها ورؤية ممارساتها فيما بعد الكولونيالية بوضوح، إذ تحولت الحكومات الوطنية بعد خروج المستعمر إلى مستعمر جديد.

وإذا أعدنا قراءة الفترة من منتصف القرن التاسع عشر حتى الآن أي الفترة من 1863 التي تم استهلال التعليم المدني (الابتدائي) وتعليم الإرساليات فيها. إلى أن تم تكوين التنظيمات في الجيل 14 1895 – 1925) نلاحظ أنه منذها بدأت تتبلور المرحلة الليبرالية الوطنية التي رافقتها تأثيرات الأفكار الوحدوية (وحدة وادي النيل) واليسارية والقومية العربية حتى 1985 وصولا إلى مرحلة المركزيات الاثنية الراهنة (جبال النوبة – جنوب السودان – شرق السودان – دار فور).

نلاحظ أيضا على المرحلة السابقة. أي الجيل 13 1865 – 1895) أي جيل الاستنارة – إذا جاز لنا استخدام هذا التعبير – الذي شهد جملة من التحولات التاريخية الصعبة، فقد كانت الأصداء المتلاشية للسقوط المدوي والمروع لمملكة سنار لا تزال ترن في مسامع هذا الجيل الذي اضطهد الاحتلال التركي المصري طليعته المثقفة، وقام بحملات تصفية واسعة النطاق في أوساطها. ثم جاءت المهدية لتحاصر من تبقى من الطليعة المثقفة باعتبارها البحر الكبير الذي يغمر موارد الماء الصغيرة !!!

 

(9ـ6):

وببسط الاحتلال الإنجليزي المصري لهيمنته على أنقاض الدولة المهدية أدرك الفقهاء والشعب أن التغيير الذي حلموا به إنما هوبرق خلب، حال سماء الغزاة في كل زمان ومكان لا تمطر سوى الرصاص.

وباستئناف التعليم الابتدائي وافتتاح كلية غوردون التذكارية (جامعة الخرطوم فيما بعد ) بدأ الجيل 14 – الذي اشرنا إليه فيما سبق – عهد التنظيمات إذ حدث تغيير جوهري مهم في هذه الحقبة، لم تعد الطليعة المثقفة هي تلك الطليعة التي أنتجتها الثقافة التقليدية (الفقهاء الأزهريين أو الذين درسوا في خلاوي القرآن ) ثمة طليعة مثقفة جديدة هي التي تتلقى تعليم مدني سرعان ما ستتشكل وتستثمر معارفها الجديدة.

ولذلك جاءت المقاومة للمحتل عبر الجمعيات الأدبية والوطنية والشعر والغناء، فبرزت في هذا السياق أسماء لامعة مثل خليل فرح (1894 – 1932) الذي كان رؤساءه ينظرون إليه بحذر لاتصاله بأعضاء جمعية اللواء الأبيض (توفيق احمد البكري، توفيق صالح جبريل، بشير عبد الرحمن،عبيد حاج الأمين، الخ )ومع خليل فرح ظهر غناء النخبة المثقفة (خريجي كلية غوردون التذكارية والمدارس الحديثة، غناء الخاصة أو غناء الصالونات كما أطلق عليه وقتها، وكان هذا النوع من الغناء مميزا بموضوعاته الاجتماعية والسياسية، ولا يزال السودانيين حتى الآن يتغنون بأغنيته الخالد (عازه في هواك) التي انطوت على المشاعر المتفاعلة بين "عازه" – الحبيبة – الوطن. وعاشقها المناضل الجسور:

- عازه في هواك نحن الجبال + وللبخوض صفاك نحن النبال

- عازه ما سليت وطن الجمال + ولا ابتغيت بديل غير الكمال

وفي ذات السياق، برز اسم الشاعر عبيد عبد الرحمن الذي كان مميزاً بشعره السياسي، وهكذا كانت مسيرة الشعر "الحقيبة" بصفة خاصة تعكس بطريقة أو أخرى منذ جيل محمد ود الرضي (1865 – 1982)، إبراهيم العبادي – الذي كان رائد في فن المسرح الشعري = مسرحية المك نمر التي كتبها في 1927، مرورا بجيل خليل فرح وعمر البنا ووصولا إلى جيل عبد الرحمن الريح ومحمد عوض الكريم القرشي (1924 – 1969) ومحمد بشير عتيق (1914 – 1992). نعم هكذا كانت هذه المسيرة بطريقة أو أخرى تعكس التوق للتحرر وبناء الدولة الوطنية.

وفي هذا السياق برزت حركة اللواء الأبيض (1924) تعبيرا عن أشواق الجماهير للحرية. مثلت حركة 1924 علامة فارقة، إذ حولت مفهوم المقاومة للظلم من إطارها ومفهومها التقليدي الإصلاحي الديني بزعامة رجال الدين منذ الجيل المؤسس(1505) إلى حركة مقاومة سياسية يقودها خريجي التعليم المدني والعسكري (علي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ ورفاقهم في جمعية اللواء الأبيض ). هذا التحول العميق سيلقي بظلاله على تاريخ السودان بعد الاستقلال (التحالف المستمر بين العسكر والمثقفين المدنيين = عبود وحزب الأمة 1958 نميري والحزب الشيوعي 1969 عمر البشير والترابي 1989).

هذا التحول الذي أحدثته ثورة 1924 في الدمج بين مفهومين مختلفين (المثقف المدني) و(العسكري) خلق لاحقا – في تقديري الخاص – نوعا من العلاقة الملتبسة بين القوى السياسية المدنية والجيش. في الفترات التي تلت الاستقلال.

 

(9 ـ7):

هذا التحول العميق لمفهوم المثقف في السودان، والذي أحدثته ثورة 1924 هوما فتح – أيضا – الرؤى والأبواب لنشؤ مؤتمر الخريجين فيما بعد 1938. لذلك أتصور أن عصر التنظيمات ممتد في الجيل التالي أي الجيل 15 1925 – 1955)، فقد بدأت مجهودات رائد التعليم الأهلي بابكر بدري، التي استهلها في 1910 في الإثمار، كما أن المدارس انتشرت.وتلقى البعض تعليما مدنيا في كلية غوردون ومصر وأوروبا وهكذا برز دور المثقف الليبرالي إلى السطح بقوة متمخضا عن نضج الجمعيات الأدبية والاجتماعية.

كانت هذه المرحلة التي بدأت ملامحها تتضح في العشرينيات من القرن الماضي مرحلة قوية لجيل ما بين الحربين العالميين، ستظل تلقي بظلالها حتى الستينيات التي تمخضت عن ( جبهة الهيئات ) التي كانت في احد أوجهها محاولة لفك الالتباس في مفهوم (المثقف ) (العسكري).

فعاليات جيل ما بين الحربين العالميين التعليمية والعلمية والتوعوية والفنية والثقافية والأدبية، عبرت عن نفسها في الشعر والغناء لتصل ذروتها في ثورة (1964)..

كما كانت تعبر عن نفسها منبريا من خلال مجلة الفجر وحضارة السودان..

إذن منذ 1924 طبعت الحركة السياسية والثقافية أهداف استقلالية من كل تبعات الاحتلال. تم التعبير عنها بأشكال مختلفة من خلال التجمعات الطلابية وتضامنيان الجبهة الوطنية المعادية للاستعمار ومنتديات وجمعيات وأحزاب المثقفين وتأسيس أولى الراديكاليات الشيوعية.وهكذا من جدل التلاحم برزت رؤى جديدة في تأويل النص الديني (محمود محمد طه) مختلفة عن التأويل التقليدي، فمع محمود محمد طه كانت الحرية هي القاعدة التي ينهض فيها الإسلام، وكان العقل – لا الوجدان فحسب – مصدرا للحصول على المعرفة.لا يقل أهمية.

هذا الزخم من الرؤى والأفكار والنشاط وصل إلى مداه معلنا طرد المستعمر من داخل البرلمان في 1956.

 

(9 ـ 8):

وهكذا تبدأ مرحلة جديدة من تاريخنا الوطني مع الجيل 16: ( 1855 – 1985) فقد برز دور المثقف إلى السطح بقوة اكبر في كل مناشط الحياة، ووصل ذروته في ثورة أكتوبر 1964. الشعبية الهادرة. التي أطاحت بحكم الفريق عبود – الذي كان قد تمت مباركته من حزب الأمة في 1958 – لكن يلاحظ على هذه الفترة أيضا أن دور المثقف مثلما برز بقوة من خلال الطلاب والأحزاب السياسية وجبهة الهيئات (التكنوقراط) انحسر فيما بعد كذلك بقوة، إذ سرعان ما انسحب معظم جيل ما بين الحربين العظميين إلى الوراء مفسحا الطريق لصعود جيل جديد يحتوي على ألوان الطيف السياسي المختلفة. فهذه المرحلة تجاذبتها أشواق اليمين الطائفي وتطلعات اليسار( الشيوعي والقومي العربي) والقوى الاسلاموية التي كانت قد أكملت تشكلها في "حظيرة" الطائفية، فغادرت هذه الحظيرة، معلنة بدء المذابح السياسية والعسكرية، والمذابح وسط المثقفين بصورة عامة (اتهام الطالب شوقي، معهد المعلمين بالردة 1966 – وطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان على خلفية هذا الاتهام. وإعدام عبد الخالق محجوب سكرتير عام الحزب الشيوعي وأعضاء سكرتاريته في 1971، ولاحقا إعدام محمود محمد طه 1984 تطبيقا لحد الردة، فمحاكمة البعثيين الأربعة بذات التهمة 1984، وإعدام 28 ضابطا أثر انقلاب رمضان 1990 الخ) مع تنامي هذه الاتجاهات في التفكير لعدة عقود واستمرار التشجيع للعسكريين على الانقلاب على العهود الديمقراطية قصيرة الأجل، وتقويض الروح المدنية التي لم يشتد ساعدها، تم اشتراع أكثر الآليات جذرية الفترة من الستينيات حتى الثمانينيات من القرن الماضي لتصفية المثقفين، سواء كان بالدعاية المضادة أو الإعدامات العسكرية وإعدامات ما أطلق عليه نميري العدالة الناجزة.

وهكذا بدا دور المثقف في التراجع. خاصة أن السبعينيات مثلت بدايات الاغتراب والهجرة المنتظمة من داخل السودان إلى خارجه. ليأتي عقد الثمانينيات وتجد الحركة الإسلاموية المسرح مفتوحا لها دون مقاومة فاعلة، إذ عملت منذ المصالحة الوطنية في 1976 على احتواء نظام نميري وتصفية المثقفين وإضفاء مشروعية لهذه التصفية التي تم استخدام نميري أداة لتنفيذها.

هكذا أخلت الحركة الإسلاموية المشهد من المثقفين الفاعلين في الحركة السياسية، وأضعفت المحتملين المتبقين ممن بقدرتهم مقاومة خطابها التلفيقي فعم الفساد الإسلاربوي بدمج التنظيم في جهاز الدولة ومؤسسات الاقتصاد الوطني. وغيرها من الأمور التي تكفي لإدانة الحركة الإسلاموية دون محاكمة والعمل على اجتثاثها نهائيا.

إذن أشرت أواخر الستينيات على بدايات الغياب الفاجع للمثقف العضوي. ما جعل المرحلة التي تلتها أي منذ 1985 تعج بمتناقضات وتعقيدات عجز المثقف المنهك نتيجة القمع والتشريد والحياة السرية تحت الأرض من التصدي لها.

فهناك ضغوط كبيرة تعرض ويتعرض لها المثقف في السودان، فالأجهزة الأمنية تلاحقه كونه أداة تحريك للجماهير وقادة الأحزاب المعارضة يسعون جاهدين لإقصائه وتهميش دوره، ففي لا شعورهم أن المثقف يشكل تهديدا مباشرا لمراكزهم الحزبية – كثيرون هم السياسيين الذين لا يجيدون السياسة كفن وتخصص قائم بذاته، باعتباره احد أنماط الثقافة، ومعظم السياسيين السودانيين انخرطوا في العمل السياسي بدوافع ذاتية أو قبلية أو طبقية أو بيوتاتية دون أن تكون لهم دراية كافية أوفهم عميق لماهية الفكر الذي يؤطر فعلهم السياسي في المجتمع، على عكس المثقفين – بسعيه للكشف عن جهلهم أو تعرية فسادهم وأخطاؤهم.

كذلك التيارات الإسلاموية تترصد المثقف فتدبج الفتاوى بحقه أما تهديداً أو تغريباً عن المجتمع، بحيث انه أصبح من الصعب على هذ1ا المثقف المحاصر من كل الاتجاهات أن يتمكن من إشعال ثورة حقيقية.

 

(9 ـ 9):

هل لنا أن نتساءل بعد: كيف آلت الأمور إلى هذا الدرك ؟!..

لقد مثل نظام نميري 25 مايو1969 اخطر العلامات الفارقة في تاريخ السودان الحديث، وفي أوضاع ومتناقضات وخطابات وحروب ومؤثرات يعاني منها السودان والمثقف السوداني حتى الآن، فنتيجة للقمع المايوي تم إضعاف المثقفين لأقصى حد، وعلى الرغم من واقع الاغتراب والهجرة خارج السودان والتشريد داخله تبلورت النخب المثقفة – سواء من تبقى في الداخل أو الذين فضلوا النفي الاختياري أو الإجباري – أكثر بكثير مما كانت عليه في الأجيال السابقة، بحيث استقطبت جماعات مثقفة ومتخصصة لتؤثر في العقل المركزي للسودان سواء كان من خلال منتجاتها الفكرية التي تمكنت من تأسيس مساحات نشطة وفعالة أو بدورها في قيادة أو توجيه أو الهام قوى سياسية مطلبيه (الهامش).

وهكذا برزت ادوار فعالة بحكم عدد من آليات التطور والانفتاح على الثقافات الغربية. لكن رافق ذلك زيادة نفوذ الإسلاموية، دون حاجة للاستتار خلف العسكر كما في عهد نميري، بل تم تسخير المؤسسة العسكرية لحماية ظلاميتها العلنية دون حرج.

 

علاقة المثقف والسلطة ومخاض السودان الجديد

 

(5ـ 1):

إذن مثل كل العالم النامي، نشأت الانتلجنسيا في السودان، نتيجة سببين متداخلين، أحدهما له طابع فوقي يرتبط بحركة التحرر الوطني ضد الاستعمار، والسعي نحو بناء الدولة الوطنية. والآخر نتيجة عملية بناء وتوطين جهاز الدولة (11)..تأثرت الانتلجنسيا في السودان المعاصر، بالانتلجنسيا التقليدية (علماء الدين) لكنها تأثرت أيضا بالمعارف والعلوم الحديثة والأفكار الجديدة.

يشير دكتور حيدر إبراهيم إلى أن احد الباحثين يرى ثمة توهم بأن المثقف خارج السلطة، ولكنه بداخلها، بمعنى وجود معارضة داخل السلطة لا خارجها، حين يبحث المثقف المسيس عن بديل داخل النسق السياسي القائم.

وهناك حالات المثقف داخل السلطة وخارجها في آن واحد، وذلك لأنه ينتمي إلى مؤسسة تديرها السلطة الحاكمة، ولكن على مستوى المبادرة الفكرية هو خارج هذه السلطة، وهذا لا يعني عدم وجود قلة تحاول أن تكون خارج السلطة، أو خارج كتلتها التاريخية (المؤسسة العسكرية، الأمة، الاتحادي، الحركة الاسلاموية والطائفية بصورة عامة) متناقضين فكريا معها، وينشطون سياسيا بهدف تغييرها، وقد يكون هؤلاء عاملين داخل أجهزة الدولة نفسها، لأن تحديد داخل / خارج السلطة يتم حسب الموقف الفكري والسياسي، أي بحالة الوعي وليس بحالة الوجود(12). ومن هنا ينطلق دكتور حيدر لدحض فكرة "التجسير" بين المثقف والسلطة، مشيرا إلى أن محاولات البعض تعميم فكرة التجسير بالقول أنها موجودة فعلا في المجتمعات الغربية وهي التي تجنب تلك المجتمعات التوترات، فذلك لأن المثقف هناك ليس بعيدا عن السياسة ومراكز اتخاذ القرار، ودوره مؤثر من خلال توعية الرأي العام أو تقديم النصح والمشورة للنخبة الحاكمة في الاقتصاد والاستراتيجيا والعلوم والفنون. كما يقوم بمهام عديدة ذات صلة بالعمل السياسي، مثل العلاقات العامة، كما تظهر في الحملات الانتخابية وقياس الرأي العام والاتجاهات، ويمثل المتخصصون المثقفين مجموعات أو ما يسمى think – tank تساعد في وضع القرار وإيجاد المبررات والتوضيحات وتقديم الحلول العملية أي الاستشارة السياسية المتكاملة، ومثل هذه العلاقة ممكنة في مجتمعات ديمقراطية وتعددية ليبرالية تكفل حق الاختلاف (13). لكن في مجتمعات استبدادية مثل حالة السودان الذي يقسم رئيسه بالطلاق في شئون الحكم والسياسة كأنه يفاوض على سعر"بعير" في "سوق الناقة" بأم درمان. فذلك غير ممكن؟!

من الصعب أن يتنازل مثل هذا الحاكم المستبد عن سلطته المطلقة طواعية للمثقفين، إذا لم يشكلوا قوة ضغط مؤثرة ومنظمة، لذلك يتم نسف فكرة التجسير هنا من أساسها (14) فالأمر لا يحتاج إلى جسور أو توفيق لوجهات النظر بل تغيير جذري، بتقويض نظام حكم المؤتمر الوطني الإسلاموي الفاسد وبناء نظام ديمقراطي على أنقاضه.

 

(5 ـ 2):

لقد وصلت أزمة المثقف والسلطة إلى ذروتها خلال عصر الإنقاذ، فقد هزم المثقف هزيمة ساحقة، وماحقة لدوره الطليعي، فالدينامكية الاجتماعية التي رافقت الفترة من العشرينيات حتى السبعينيات انتقلت إلى فئة المثقفين البيروقراطيين، وبالتالي ضمر مركز الأحزاب والتنظيمات السياسية وانتقل إلى جهاز الدولة، فقد صعدت البيروقراطية والعقائدية العسكرية والمدنية عدة مرات من خلال الانقلابات في (1958 – 1969 – 1989 ) على حطام النخبة المثقفة وكان ثمن هذا الصعود هيمنة العسكرتاريا أو العقائدية أو هيمنتهما معا كما في حالة الإنقاذ (يونيو1989)، بالتالي التهميش الدائم والعزل المنظم بل التشريد المتواصل للمثقف، ومنعه لعب أي دور مستقل في الحياة السياسية والاجتماعية، وهو ما يفسر أيضا ـ إلى جانب عوامل أخرى اشرنا إليها في حلقات سابقة ـ اغتراب وهجرة مئات أو آلاف العلماء والمهندسين والمفكرين والأدباء والفنانين إلى الخليج واليمن وأميركا وأوروبا وكندا واستراليا.

 

(5ـ3):

ما هي الأسباب التي دفعت بالعبدلاب والعنج لبناء دولة واحدة مركزها سنار، وما هي الأسباب التي دفعت بالفور والعرب لبناء دولة واحدة مركزها الفاشر، وما هي الأسباب التي حركت الفاشر وسنار لبناء مركز جديد في أم درمان، كحاضرة للسودان الكبير الموحد..

في ظني يمكن قراءة ذلك بطريقة مختلفة عما هوسائد – بعيدا عن مفهوم "الفرن " أوالدمج القسري أو"إعادة الإنتاج" وما يرافق هذا المفهوم من أحاسيس بالقسر والاضطهاد التاريخي والتدني أوالتقدير المبالغ فيه للذات في الهامش – نعم يمكن قراءته بطريق مختلفة إذا أعدنا قراءة الوعي السوداني للكشف عن التصور الوحدوي في سنار والفاشر وأم درمان.

فإعادة قراءة التجربة السنارية والتحالفات التي نهضت عليها، وإعادة قراءة سلطنة الفور – بل وحتى مملكة المسبعات في كر دفان التي شملت "مهشمي"جبال النوبة -، نلاحظ أن كل هذه الممالك أوالسلطنات نهضت في تحالفان شبيهة بتحالف سنار بطريقة أوأخرى.، وان أهم ما يمكننا الخروج به منها هوالحراك الاجتماعي الضخم الذي أحدثته، فالمهدية – مثلا – تمكنت من تحريك الشعوب السودانية بمختلف اثنياتها من أنحاء السودان المختلفة إلى مركزها في وسط السودان.فأم درمان. فمن شأن مثل هذه المراجعة أن تثمر جدلا واعيا حول تقويم التاريخ والتراث السوداني – الذي لا يخلو من ايجابيات عديدة – وتوظيف هذه الايجابيات في فهم الهوية الوطنية بصورة ايجابية، بالتالي الإفادة من ذلك لتصحيح وتقويم الحاضر، بدرجة أو أخرى، لاستشراف المستقبل "الفدرالي" المثمر للسودان دون شك.

فالتراث عموما باستثناء (العقيدة) يصبح تاريخا يدرس ويُدرس دونما حاجة للتشبث به، لا لشيء إلا لأن العصر تجاوزه،وإلا سيصبح التشبث بالتراث خاصة ما هو غير مفيد، واجتراره عائق أمام الوحدة والتقدم، وهذا يعني ضرورة إعادة بناء الثقافة الوطنية التقليدية وتحويلها إلى ثقافة وطنية ثورية.

فإذا كانت الطائفة هي مرحلة متقدمة عن القبيلة، والحزب السياسي مرحلة متقدمة عن كل ذلك، فإننا بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تغيير الواقع الاجتماعي للمضي ابعد من ذلك، بأن تكون لنا أحزاب حقيقية (برامجية) لا تعتمد على الولاء القبلي أو الطائفي أو الانتماء الديني في نفوذها، وان تكون لدينا تحالفات كبيرة (شبكة مؤسسات مجتمع مدني – جبهة ثقافية – وحدة قوى السودان الجديد أو كتلة قوى السودان الجديد)وهذا لا يعني أن نكتفي بتغيير الواقع الاجتماعي فقط، بل أن نعمل أيضا على تغيير المفاهيم المتصلة بالثقافة الوطنية وأبنيتها ومناهجها وتصوراتها للعالم وقيمتها، وإلا فان تبريرات الدعائية الطائفية والإسلاموية والإثنية ستودي بهذه الثقافة للحفاظ على تقليديتها ـ سواء كان ذلك في المركز أو الهامش ـ التي سرعان ما ستستعمل للانقضاض على الكتلة التاريخية (x) التي بإمكانها أن تشيد السودان الجديد فعلا، فالمكونات التقليدية مثل "روح وريحان" و"المنتدى الفقهي" و"وجه النهار" و"العلم والإيمان"...إلخ من برامج تراثية محلية ومستوردة من العالم العربي الإسلامي يتم توظيفها كمعاول هدم لمشروع التنوير باسم الإسلام، وهو ما يفتح الباب واسعا لبرامج المنوعات لتستضيف برامج مضادة للتغيير الاجتماعي في المنوعات المسائية المزعومة بتلفزيون السودان ـ الذي يفترض انه جهاز قومي وهو ليس كذلك قطعا ـ مثل استضافة المك ناصر وحاشيته من الجموعية قبل أشهر قليلة في منوعات المساء للتفاخر بأنهم ـ قبيلة الجموعية ـ "أصحاب البلد"، وأنهم تكرموا وتفضلوا على السودان بقطعة الأرض ـ التي هي في الواقع جزء صغير جداً من مليون ميل مربع مملوكة لحكومة السودان وفقا لقانون الأراضي منذ كانت مؤسسة الأراضي ضمن مسئوليات الجيش ـ التي شيد عليها مطار الخرطوم الجديد، الذي كان من المفترض أن يطلق عليه اسم الجموعية أو يسمى مطار المك ناصر؟ الخ من ترهات. تسهم في تشكيل الوعي الجمعي بالاتجاهات الخاطئة في هذه المرحلة الانتقالية الصعبة والمعقدة من تاريخ السودان.

يجب ألا يفهم من حديثي هذا أنني ضد الجموعية، فهذا ليس صحيحا، فاستضافة "مك الجموعية" أو "سلطان الداجو" ليقول مثل هذه الأمور لا تهمني ولا أظنها تهم السودان الكبير في شيء..ما يهم حقا هوأن تتم مثل هذه الاستضافة بطريقة مدروسة تسهم في تكريس "السودانوية" وليس"القبلية"..بحيث تضيف إلى رصيد وحدة السودان، لا أن تخصم من هذا الرصيد الفقير.

ما أعنيه بالضبط أن تراعي هذه البرامج عدم إثارة النعرات العرقية، فهز السيف (على طريقة يا بلد نحنا وحدنا رجالك) تجعل جهاز التلفزيون أكثر جهلاً من الجهل الذي هو عليه، في وعيه بحقيقة وطبيعة دوره "القومي" الفعلي، كما تكشف عن عدم وعي هذا الجهاز بالشعار الذي رفعه(التنوع في إطار الوحدة) هذا التنوع الذي لا يفهم منه الاسلامويين العنيفين القائمين على أمر التلفزيون سوى" الكمبلا" و"الطمبور "و"الكسوك" و"الفرنقبية"، الخ. فبنظرهم أنهم عندما يعرضون تراث الهامش في الرقص والغناء إنما يحققون الشعار المرفوع ـ إذن كل ما يفهمونه عن تنوع الهامش يتلخص في الرقصات والغناء فقط ـ وهو دون شك تفريغ للشعار المرفوع، فقد اعتادت الإنقاذ تفريغ الشعارات من مضامينها النبيلة، وقد فرغت شعار الفدرالية من محتواه من قبل. أن قضية التنوع اكبر من هز السيوف أو العجيزات. إنها باختصار تتلخص في كيف يسهم الهامش مع المركز في صياغة المعنى الاجتماعي العام لكل السودان، لا في الرقص والغناء فحسب.

ما يطرح الحاجة لتلفزيون جديد في برامجه الحية، يطرح ـ على نحو خاص ـ ما هو جوهري في قضايا التنوع الثقافي والتباين العقدي والإثني، ونقاط الالتقاء أو المشترك بيننا جميعا. وهو أمر يقتضي مذيعين حقيقيين على درجة معقولة من الثقافة والوعي. وهذا لن تحققه إلا سياسات جديدة للإعلام عموما سياسات ترمي لتعميق نقاط الالتقاء بين السودانيين في أطراف الجغرافيا المختلفة. سياسات تفهم معنى أن يكون لك "شركاء أصيلين" في الوطن، من حقهم أن يروا أنفسهم "ذاتا" فاعلة لا "موضوعا" من موقع الآخر الذي يجابه "الذات "المركزية، منذ 1956.

 

ما نرمي إليه انه يجب أن نعمل على معالجة الثقافة التقليدية في كافة مستوياتها بتفريغها من هذه العتمة التي تعتمل داخلها.واحتواء مراكز الخطورة فيها على مشاريع الوحدة الوطنية والتحديث، فدون ذلك لن يكون لدينا مجتمع مدني حقيقي ولا مؤسسات مجتمع مدني حقيقية ولا أجهزة قومية حقيقية في المحصلة النهائية لا وطن حقيقي أو دولة حقيقية بين دول العالم الواسع، الذي نشعر بالخجل عندما نتجول فيه ونرى الهوة التي تفصلنا عنه.

 

(5ـ4):

ما تقدم لن يتم إلا بضغط من الكتلة التاريخية (الكتلة التاريخية المقصودة هنا: قوى السودان الجديد الموحدة بما في ذلك الحركة الشعبية والمثقفين الديمقراطيين)التي لا يجب أن تكون هنا هي ذاتها مجرد مرحلة لتغيير موازنات السياسة وسياسات الدولة. إذ يجب أن تبنى وتشيد على أساس أنها تنظيم ينهض في العقلانية والديمقراطية وتعدد المنابر داخله والممارسة التحررية الوطنية والتنموية والوحدوية..

والكتلة التاريخية ليست مجرد مفهوم، فهي تحالف قابل للتطبيق وجدير بان نفكر فيه كفكرة مركزية لمجابهة تحديات هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا فهي ممكن امثل يتوافق مع معطيات تاريخنا الذي لطالما نهضت دوله في التحالفات، بالتالي يمكننا تحقيقه فالتاريخ لا تغيره ذكريات "نحاس" الجموعية في أم درمان ولا ذاكرة الفروسية لدى "بني جرار" – فقد كانت الميرم "تاجا" أخت علي دينار تساوي لوحدها عشرة فرسان أشداء، وقيل في رواية اثنيه أكثر راديكالية مائة.. وكان طبل علي دينار "المنصورة" لا يقرع إلا لأمر جلل.. وكان يا ما كان في سالف العصر والأوان.. ثم ماذا بعد كل هذا ؟!

ما الذي يعنيه كل ذلك للحاضر؟ التاريخ تغيره حسابات الحاضر وميزان القوى في هذا الحاضر..

ولان الإعلام القومي – مجازا – لا يزال إعلام إسلاموعربي لن يتم تصحيح مساراته لاستيعاب الشركاء الآخرين في الوطن إلا بتقويض حكومة المؤتمر الوطني من أساسها وتشييعها نهائيا إلى مزبلة التاريخ إلى غير رجعة للحركة الاسلاموية. ليبدأ عهد البناء الحقيقي للدولة السودانية الجديدة، التي نأمل أن يكون لنيفاشا "دور حقيقي" فيها. حتى يخرج فعلا من ركام الماضي وذكرياتنا الحزينة سودان جديد يلبي تطلعات الجميع.

 

(5 ـ 5):

صحيح نحن لسنا متشابهون كتؤام لكن ذلك لن ينفي أننا أخوة، وهو ما يجب أن نركز عليه كمثقفين وديمقراطيين – استثني هنا مثقفي المؤتمر الوطني وكتلته التاريخية والانتهازيين الذين تجدهم حينا أقصى اليمين وحينا آخر أقصى اليسار وفقا للموجة – يؤمنون بمشروع السودان الجديد بإرادة موحدة، تعمل على بلورة نظرية تعتمد عليها قوى السودان الجديد "الموحدة" بهدف مقاربة هذا المفهوم "السودان الجديد" كبرنامج للعمل الوطني وعدم الاكتفاء بتجارب الصواب والخطأ التي يمكن أن تقع فيها الحركة الشعبية لوبقيت منفردة لتها التاريخية "قوى السودان الجديد"، بعيدا عن تحالف المثقفين والديمقراطيين وقوى السودان الجديد.

ومسألة الإرادة الواحدة لن يحققها إلا هذا التحالف "الكتلة التاريخية" فدون هذا التنظيم لن يتمكن المثقفين ولا قوى السودان الجديد من حماية مكتسبات نيفاشا وتطويرها.

 

الكتلة التاريخية والمركزية الإثنية:

(5ـ1)

قبل أن أتناول موضوع هذه الحلقة (الكتلة التاريخية والمركزية الإثنية) ثمة موضع يفرض نفسه بالإشارة إليه. أعني: الحملة الدعائية التي شنها ويشنها حزب الأمة على حكومة المؤتمر الوطني على قرار (توازن الخوف) الذي أقامه المؤتمر الشعبي مع المؤتمر الوطني ب(العدالة والمساواة) لتدشين ـ كما زعم حزب الأمة ـ غد تشيع فيه الإنقاذ إلى "حثالة التاريخ".

إذا كانت هذه الحملة تنطوي فيما تنطوي عليه من دلالات على رسالة موجهة للحركة الشعبية لاستهلال غد يتعاون فيه الكبار (الأمة- الاتحادي –الحركة الشعبية)على حساب المثقفين والقوى الصغيرة التي خاضت تجربة الصراع المرير ضد الحركة الإسلامية (الإنقاذ).فان هذا المعطى يطرح وقفة جادة لقوى السودان الجديد مع ذاتها في سبيل إنجاز مشروع السودان الجديد قبل أن يتم تفريغه من محتواه تحت ضغط التوازنات التي يطرحها تعاون (الكبار) خصماً عليه.

ما يعيد طرح: مسألة الوحدة. وحدة قوى السودان الجديد وإبرازها مجددا فقوى السودان الجديد بمختلف تصنيفاتها تجد ما يبررها في واقع السودان ولهذا السبب تمتلك شرعيه الوجود والنهوض في كتلة تاريخية عبرت عنها خطاباتها سلفا. فهذه هي الضمانة المانعة لتفريغ مشروع السودان الجديد من محتواه.

إذا استصحبنا تجربه الدولة السودانية منذ1956 وسلوكها الإيديولوجي القائم على تعتيم الواقع باعتماده على خطابات مخلخلة قامت بتحريف قصدي أو غير قصدي للطبيعة الواقعية للسودان.وأدت إلى حجب تنوعه وتمايزا ته وتعداداته وتبايناته..

إذا استصحبنا هذه التجربة في قراءة النظم المتعاقبة منذ 1956 نلاحظ أن القوى المركزية في السودان (في طليعتها حزب الأمة بالطبع ) كانت إيديولوجيتها التقليدية احد الآليات الأساسية لهذا التحريف واسع النطاق،

فحزب الأمة يعتمد على حضور الثقافة التقليدية في وعى الجماهير بغرض تعبئة هذه الجماهير للاصطفاف حول برامجه التحريفيه للواقع انطلاقا من الاعتماد على ذاكرة الناس. لا عقولهم وغنى عن القول: عندما يتوقف العقل تعمل الذاكرة، فالأمة كطائفة تراثية ـ كذلك الاتحادي ـ تتعامل مع مجتمع تراثي فكره بديلا عن واقعه وماضيه المهدوي ممتد فوق حاضره المعقد الذي لا يكف عن طرح قضية التنوع والمواطنة والتي لا يملك لمجابهتها سوى تحريف الواقع ومعكوس هذه الفكرة أيضا هو ما يدفع بالمؤتمر الوطني إلى توحيد مركزه الإسلاموعربي بتفتيت الأطراف (الهامش) وبالطبع هذا لا يتم إلا بتحويل السودان إلى فسيفساء طائفية عرقية وهكذا تلتقي القوتين في المشروع الإيديولوجى المركزي.

هذا الواقع الشائك والمعقد يفرض على قوى السودان الجديد ضرورة أن يقوم وعيها على وعى تاريخي أولى خطواته الإسراع في تشكيل الكتلة التاريخية التي اشرنا إليها سلفا،وامثل طريق يؤدى إلى تشكيل الكتلة التاريخية هو اعتماد مؤتمر عام يجمع قوى السودان الجديد وقوى الهامش والمثقفين والقوى الديمقراطية الجديدة بميثاق وطني وحدوي له دلالته في وجود الدولة السودانية الديمقراطية الموحدة التي يتحول فيها شعار (التنوع في إطار الوحدة) إلى واقع حقيقي..

هذه الدولة المدنية التي نتحدث عنها، لن تستطيع الحركة الشعبية وحدها دون تحالف مع المثقفين وقوى السودان الجديد والقوى الديمقراطية الجديدة على إنفاذها فنيفاشا وحده ليس ضمانة كافيه. خاصة إن أيديولوجية الحركة الشعبية ـ والتي هي اقل أيديولوجية من غيرها ـ اعتمدت على شخص الزعيم قرنق الذي صحيح أنه استطاع في حياته إعادة طرح "السودانوية" بصورة قويه لإشعال إحساس المواطن السوداني بكيا نيته وبوجوده المستقل ومن هنا كان إلهاب المشاعر في الهامش ليتمخض عن "حركات ثوريه" مثل حركة داود بولاد المجهضة في مطلع تسعينات القرن الماضي وحركه يوسف كوة ثم تحرير السودان وقبل ذلك الحركة المسلحة لمؤتمر البجا..لكن الرابط بين كل هذه الحركات التي الهم بعضها مشروع الزعيم قرنق هو التهميش فقط بحيث صار "منطق "التهميش أيديولوجيا بديلة لبناء سودان موحد، وهو ضعف كبير يمكن النفاذ منه لضرب مشروع السودان الجديد،هذا إذا لم تنحصر قوى هذا المشروع في جزر معزولة. فمن الممكن أن تستمر هذه الحركات كأطر تنظيميه محددة ومحدودة. لكنها لن تكون موجودة كإطار كبير ومنظم يشمل السودان ككل. وبذلك تفتح الباب لمحاصرتها وضربها خاصة أنها مجرد حركات "تجريبية" لم تتبن خطاباً فكرياً سياسياً سودانياً محدداً وواضحاً فقد حاصرت نفسها في الهامش الضيق الذي تمثله  ـ البجا لا يفكرون في سوى أنهم بجا مهشمون كذلك الدارفوريون والجنوبيون ـ، وهذا من أكثر العوامل التي أدت إلى تقوية النزوع الانفصالي لدى البعض سواء في الشمال أو في الجنوب كما أن الرحيل المفاجئ للزعيم قرنق وضع هذه الحركات جميعها في امتحان صعب يهدد مشروعها بالتصفية وهذه التصفية لن تكون من جهة المؤتمر الوطني فحسب بل من قبل الثقافة التقليدية التي هي قوام عقل مركزي ظل يحكم السودان لعقود طويلة ولذلك ثمة ضرورة تحتم وعى قوى الهامش بعضها البعض، فتلك خطوة ضرورية لتشكيل كتله تاريخية فاعله.. فوعي الهامش لصورته كما تقوم في وعى المركز خاصة أن لدينا هوامش وليس هامشا واحدا..هوامش بحاجة أيضا لتصحيح صورتها في بعضها البعض. لحظتها فقط سيكتشف الجميع انه مختلف عما يقال عنه ومن هذا الاختلاف نكتشف مخايل لا أساس لها غير الأساس الذي تدعيه أو يدعى لها فيصبح هذا الاختلاف خطوة بالاتجاه الصحيح في إدراك مصيرنا المشترك وحاجتنا لبناء سودان موحد يعي عناصر التنوع والخصوصية في ذاته. والغاية هنا ربط الثقافة السودانية في مركز السودان وأطرافه بعضها البعض. جعل أخرها زمنا لا زيلا لبدايتها بل تجاوزا لها وتدشينا لبداية جديدة تمنح للأولى تاريخا بان تجعلها تدخل التاريخ هذا من ناحية التاريخ أما من ناحية الجغرافيا فدار فور وجبال النوبة والشرق والجنوب وطن واحد، في كل شبر منه نجد جنوب وشمال وشرق وغرب فالخصوصية في كل هذه الثقافات إنما تمنحها التميز والغنى والقوة(15).

 

(5 ـ 2):

صحيح أن للمؤتمر الوطني جماهيره، لكن الصحيح أيضا أن الحركة الشعبية بإمكانها أن تتحول إلى حركة أكثر جماهيرية، إذا اندرجت ضمن الكتلة التاريخية (تحالف قوى السودان الجديد) فحين تكون حركة جماهيرية لا نزال تغلي، مثل هذا الغليان الإثني الذي تمظهر في تشكيل حكومة جبال النوبة مؤخرا، لا يكون من الصعب الإطاحة بتقابل ثنائي تبسيطي كالتقابل بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني، أو المؤتمر الوطني وقوى السودان القديم، التي هي آخر بالنسبة للمؤتمر الوطني (ذات).. هذه الذات التي يسبغ عليها أنصارها أنها هي من استخرج البترول والذهب وبنت الجسور، وطرق الإسفلت – لكنهم لا يذكرون أنها سيرت الجنجويد والد بابين والدفاع الشعبي، الخ – على الرغم من أن هؤلاء الأنصار يعرفون تماما الكلفة الإنسانية الباهظة التي دفعها شعب السودان – لا الحركة الإسلامية -، ويعرفون تماما أنهم يدعمون نظاما فاسدا يغش في كل شيء حتى المقدسات..كما أن قدرة القوى القديمة على تغيير هذا النظام تنبع على وجه التحديد من كونها تلعب دورا مركزيا فيه..

لذلك الأكثر جدوى من كل ذلك هو نهوض تحالف قوى السودان الجديد، هذه الكتلة التي بإمكانها أن تصنع واقعا جديدا فعليا، وهكذا الكتلة التاريخية طرح يفرضه واقع فهم الهامش أخيرا لشروطه الظالمة، التي شرع في تغييرها سواء بالحركات الثورية أو القوى المدنية وتغيير المفاهيم التي لازمت عملية إدارة الدولة..ولكي يحقق هذا الهامش تحرره وشراكته في السودان الكبير لابد له من فهم النحو الذي يتداخل به وضعه الخاص مع سياق أوسع هو المركز، الذي يساعد منطقه على تقرير مصيره، بحيث لا يعود هناك مركز وهامش، فقط شركاء في الوطن الواحد.

وتحالف قوى السودان الجديد ليس بحاجة إلى نظرية معقدة، كيما تدرك الأطراف المختلفة أن الكرة في ملعبها لو توحدت، وان الواقع الراهن بائس بالقدر الذي يقتضي أن تعمل هذه الكيانات التي توحدت على تغييره. وهذا التغيير أحد شروطه بالطبع الحاجة التي تحسها القوى القديمة ذاتها لإعادة صياغة عقائدها النظرية ورغباتها السياسية، إذ لم يعد السودان بحدوده المعروفة ملك لآل فلان أوعلان، ونشؤ تحالف قوى السودان الجديد يسهم بفعالية في إعادة الصياغة هذه التي تسهم في عمليات الإصلاح الحزبي..وهذا أمر تشكر عليه قوى السودان الجديد مستقبلا فلولاها ـ لما كان ثمة حديث عن الحاجة للإصلاح الحزبي وعدم قيام الأحزاب على أساس ديني ـ ولولا ضغط الهامش الذي ما كان ليحس بحاجة للثورة وما كانت ثورته لتنجح ما لم تكن قائمة على هذا الوعي بالذات وبالآخر العائق (القوى القديمة) وما لم تكن ـ قوى الهامش ـ مسلحة بأهداف محددة ومتطابقة مع ذاتها بما يكفي لتحقيق هذه الأهداف، لولا كل هذه الأمور لما كان هذا الحوار عن وحدة السودان، وإعادة البناء. وهذا لا يعني بحال من الأحوال الانغماس في أثنية شاملة، كرد فعل لممارسات المؤتمر الوطني المضادة.

إن الإسلام السياسي الذي شيد السودان القديم في اللحظات الفارقة من تاريخه (سنار ـ المهدية، الصراع في البرلمان حول الجمهورية الإسلامية والدستور الإسلامي في الديمقراطية الثانية، تجربة 83- 1985، 89 ـ حتى ميشاكوس)، يجب أن يتم النظر إليه على أنه ينتمي للقوى القديمة، التي يجب أن تكون ممتنة لقوى السودان الجديد بأن تكف عن توظيف الدين في السياسة في السودان الذي ـ في تقديري ـ لن يجد خلاصه إلا في تحالف القوى الديمقراطية السودانية الجديدة والمثقفين والحركة الشعبية وحركات الهامش...الخ. عندها تتغير الموازين فعلا، وربما ينزاح عن كاهل الإسلامويين عبء قناعاتهم بمكاسبهم الإسلاربوية ولذاتهم الدنيوية ويشعرون بأنهم أحرار فعلاً في الحديث عن الموسيقى واللون والشعر. أشياء جميلة فعلاً لا علاقة لها بالدبابين والجنجويد.

بالطبع، لن يروق هذا الحديث للكثيرين من عشاق فقهاء الظلام. فالاختلاف هو حال البشر ما يعني أن ما من حال محدد على الإطلاق، وإذا ما كنا سنتمكن من القبض على هذه الحقيقة ما أن نسلخ عنا عبء مفاهيمنا التي تضفي التجانس والتماثل ونطرح ما لدينا من سر ديات كبرى منذ عصر الفونج والمهدية ألا نجد عندها سبيلا للتوصل إلى الحال الذي ينبغي أن نعيش عليه من الحال الذي نجد عليه الأشياء، قافزين من الوصف إلى الوصفة؟ التي تقتضي علينا ـ خاصة بعد نيفاشا ـ الاحتفاء السياسي بالاختلاف والتعدد والتنوع.

لقد كان الإصغاء المرهف إلى السياق التاريخي والى دور الثقافة في صياغة الذات والى اخفت أصوات التراث الإسلامي العربي مقررا إجباريا على كل السودانيين. الآن السودانيين المهشمين يصغون إلى اخفت أصوات تراثهم هم بكل ما تتسم به خصوصية واقعهم المحلي من قوة. أنهم يستمعون الآن إلى سردية مختلفة عن السر ديات المركزية..ويستمعون إلى جانبها إلى سردية تقول:

"كان يا ما كان في سالف العصر والأوان، مرت على السودان حقبة الحركة الإسلاموية التي وظفت الإسلام الكريم لخدمة أهدافها المنحطة، وسلوكياتها السياسية العنيفة. وكانت هذه الحركة الإسلاموية ترى انه من الممكن أن تسوغ أفعالها الطفيلية عن طريق حجج عقلانية حينا وخزعبلات حيناً آخر، حيث تضوع رائحة المسك في ركام الخراب والدم ؟ وكانت ثمة معايير معينة ومشتركة للوصف والتقويم تستخلص منها مبرراتها للحرب والقمع وتصدير الإرهاب و"الثورة الإسلامية"، وفقه الاغتيالات. والتهميش...الخ. وبنجاحها في دمج تنظيمها في جهاز الدولة، تمكنت من استعمار العباد ولم تكتف بذلك إذ عملت على أثننه الإثنيات ووظفتهم ضد بعضهم البعض، وكان ذلك هو كل ما يفهمه فقهاؤها حول مسألة جهاز الدولة وتقسيم العمل....و".

 

(5ـ3):

ما هو مطمئن أن تحالف قوى السودان الجديد إذا أنجز فعلا من خلال مؤتمر عام، سيكون أي نقد يوجه له مضطر للتواطؤ معه كتحالف، إذ لن يكون نقدا جوهريا، سيكون نقدا بمجابهة استقرار السودان وتقدمه..بالتالي لا يعدو أن يكون مثل "انتباهه " الطيب مصطفى للتدخل والمشاركة من زاوية اثنيه مركزية إسلاموعربية. ولذا فان النقد الذي على شاكلة انتباهه الطيب مصطفى لا يمثل تحديا لقوى السودان الجديد إلا بقدر ما يمكن لنعيق غراب أن يمثل تحديا للكتلة التاريخية التي قوامها "الهامش" سابقاً، الشركاء حالياً. والقوى الجديدة والحركة الشعبية.

 

(5ـ4):

الحديث عن سودان الديمقراطية الليبرالية، كمخرج وحيد لأزمتنا، يستتبعه بالضرورة حديث عن الليبرالية الديمقراطية، التي استطاعت أن تخلق أعظم تراكم في القوى المنتجة شهده التاريخ. إذ جعلت من الملكية لأول مرة أن يحلم الإنسان بنظام اجتماعي خالٍ من الحاجة والكدح بوصفها أول أسلوب عالمي للحياة وللإنتاج يجتث من الجذور كل العقبات ذات الأفق الضيق مما يقف في وجه التواصل الإنساني وتهيئة الشروط اللازمة للسلام والتنمية والحرية والعدالة وتكافؤ الفرص ولذلك تظل الديمقراطية الليبرالية شرطا أساسيا لتحقيق السودان الجديد. بمجتمعة الحر المجتمع الذي لا مكان فيه للإسلام السياسي أو العنصرية أو المستغلين والطفيليين وهذا لا يعنى أن يتم تعليق كل هؤلاء المرضى من كواحلهم على مآذن المساجد أو أبراج الكنائس أو إرسالهم إلى الكجور لمعاقبتهم بقدراته الروحية.

المجتمع التعددى لا يمكن أن يتم إلا بعداء حازم تجاه أعداءه والفشل في إدراك ذلك يعنى إسقاط المستقبل التعددى، على الحاضر المتصارع علية وفقا لمبدأ المنزلة بين المنزلتين والتوفيق والتلفيق بالتالي تعريض هذا المستقبل إلى خطر الحصار والانسداد التام.

 

(5 ـ 5):

إن أحد الأسباب التي تستدعى تكوين كتلة تاريخية من قوى السودان الجديد وقوى الهامش هو: لان هذه الكتلة تمثل احد الضمانات لعدم تحول قوى الهامش إلى مركزيات أثنية. هذا يعنى أن نعمل على بناء ثقافة مشتركة بمعنى الإسهام الفعلي للهامش في هذه الثقافة المركزية الإسلامية العربية عبر مؤسسات الديمقراطية فان ثمرة ذلك ثقافة اشد تنوعا وتغايرا بكثير من ثقافة تجمعهما معا رؤية العالم مشتركة. ويجب ألا نخشى من تعددية القيم وأشكال الحياة التي من المحتمل أن تنتجها مثل هذه الثقافة المشتركة فلطالما كان مزعجا للهامش انه مصاغ ومقلوب من قبل قوى المركز العربي الإسلامي التي تعمل على تحديده دون هوادة، إن لم يكن بالحرب المنظمة مثلما في الجنوب فعن طريق الجنجويد والجيش النظامي في دار فور. إنه الوضع الذي جعل الهامش يشعر بالخوف على تاريخه المحلي وثقافته وتراثه وأرضه وثرواته.

إذن نحن نتحدث بصورة غير مباشرة عن النسبية الثقافية. بما هي تصور أن للثقافات المختلفة مشروعيتها الذاتية الكاملة لكن ذلك لا يعنى أنها غير قابلة للقياس بأي وحدات مشتركة فهناك نوع من العقلانية مشتركة بين ثقافات السودان ومن الواجب دعمها كأساس مشترك. الواحد منا لا يجد صعوبة عندما يصادف سوداني آخر ينتمي لثقافة أخرى في التعامل معه لذلك يجب أن تكف الثقافة التي لطالما كانت مركزية عن غطرستها الإمبريالية بإصدار أحكام على أية ثقافة أخرى وهو الوضع ذاته الذي ينطبق على الثقافات الأخرى يجب ألا تصدر أحكاما على ثقافتنا العربية الإسلامية وهذا لا يعنى أن نكف عن القول لهم ويكفوا عن القول لنا يجب أن نتفهم ثقافاتنا المختلفة لأنها المدخل لمناهضة المركزية الإثنية. وحتى لا نفكك دون وعى بعض الأفكار التي يمكن أن تكون مفيدة للجميع فيما كان مركز أو هامش مثل فكرة المصير المشترك والوحدة الوطنية. خاصة أن الصراع بين المركز والهامش الجوهري فيه هو السعي للهيمنة السياسية ورفع مستوى المعيشة أي صراع على السلطة والثروة في التحليل النهائي. في خضم ذلك تم استغلال الاثنيات والدين،الخ.عدا ذلك فان قوى السودان الجديد جميعها لا تزال مجابهة بخطر الإسلام السياسي. كيف تواجه ذلك؟..

لاشك أن أعمالها الخصبة حول المركز والهامش والهوية إلى جانب التبصرات العميقة في مكر القوة المسلحة ودهائها سيمثل قيمة كبيرة إذا حلت محلة أفكار التضامن والتنظيم المنضبط والوحدة الوطنية بمعنى تحالف الكتلة التاريخية المنظم المستند على نظرية واقعية في مسائل القوة والسلطة السياسة وإلا سيكون كل ذلك التنظير عن الهوية والمركز والهامش والعمل المسلح، ضد هذه الكتلة التاريخية وضد الهامش وضد السودان الجديد وضد كل الديمقراطيين الذين لطالما حلموا بوطن المواطنة العادل والجميل بحكم النسبية الثقافية ذاتها. إنها بحاجة الآن أكثر من أي وقت مضى (مواجهة خصومها السياسيين وفقا لأسس معنوية فكرية متينة حيث لا شيء اقل من ذلك أن يوفر لها الموارد السياسية التي تحتاجها).

 

خاتمـــة

 

(6 ـ1):

قلت سابقا أننا ربما كسودانيين لسنا نتشابه كتؤام بسبب اختلاف أمهاتنا لكن مع ذلك لا نستطيع نفى أن هذه الأرض الشاسعة هي أمنا جميعا هذه الأرض الإفريقية النبيلة التي كانت موجودة دائما ولم تأت من الخارج على صهوات الخيول أو جيوش الغزو والاحتلال هذه الأم /الأرض هي ما منحنا هذا التوصيف (سوداني ) وهنا لابد أن نتوقف لتقديم ملاحظة مهمة فالناس عادة لا يسمعون أو يقرأون ما يلقى إليهم من كلام إذ يحاولون دائما الكشف عما ما وراء هذا الكلام لذلك يتركون السطور للانهماك لقراءة ما خلفها وما بينها لذلك سيتساءلون عن دور الأحزاب التاريخية..

وبوضوح تام أشير إلى أن فشل محاولات الإصلاح الحزبي واستمرار المزايدات على التغيرات الفكرية داخل القوى العقائدية اليسارية والطائفية هو الدافع الأساسي لكتابة هذه الورقة التي تسعى لأن تؤكد في احد أفكارها الأساسية على ضرورة قيام كتلة تاريخية من القوى الاجتماعية الحية والتيارات الإيديولوجية التي تنشد التقدم والتغيير في اتجاه تعزيز الكيان السوداني الموحد الديمقراطي العلماني.

وتعزيز القوة والمناعة لهذا الكيان وبوضوح أكثر تشمل هذه الكتلة التاريخية المثقفون والديمقراطيون والعلمانيون والجبهة الثقافية ومؤسسات المجتمع المدني وقوى السودان الجديد وهذا تصور في تقديري مفتوح للتطوير والتأسيس خلال المساهمات التي تشارك في حوار هذه الورقة التي تحاول النهوض في هذا الحوار قبل كل شيء.

 

(6 ـ2):

إذن المرجعية التي ننطلق منها هنا هي التطلعات البرامجية لحركة (حق) بشقيها: جديدة وحديثة، الحركة الشعبية. التحالف الفدرالي.مؤتمر البجا. حزب البعث السوداني (جادين) وكل القوى الجديدة الأخرى المنظمة كحزب المؤتمر الوطني وفصيلة الطلابي مؤتمر الطلاب المستقلين أو التيارات غير المنظمة التي تتطلع لسودان جديد.

هذه القوى كي تتوافق إرادتها في كتلة تاريخية بحاجة للابتعاد عن أسلوب التخوين أو إدعاء التنوير كما فعل الترابي بفتاواه الشهيرة مزايداً على الآخرين وهى قوى تدرك خطورة المزايدات وجلها عانت من عدم استجابة القيادات في أحزابها القديمة، لرياح الإصلاح والتغيير العاصفة. الأمر الذي أحبطها وجعلها تؤسس خطوط شروع مغايرة لما كانت عليه فيما مضى. لذلك لابد من الوصول إلى حد أدنى من الاتفاق حول إنقاذ مشروع السودان الجديد ككتله تاريخية. فهذا المشروع هو الخطوة الأولى للمطالبة بحد أقصى من حقوق الذات السودانية وذلك لا يأتي إلا بمقاومة الإحساس بالعجز والقصور العام الذي يعترى المشهد السوداني.

 

(6 ـ 3):

شاركنا مؤخراً، ك "قوى جديدة"، في حوار مفتوح مع الحركة الشعبية مكتب القاهرة حول وحدة القوى الجديدة ومشروع السودان الجديد وقبل كل ذلك مجابهة تحديات هذه المرحلة التي تسبق الانتخابات والاستفتاء. لكن للأسف كانت استجابة الحركة الشعبية لأطروحاتنا ضعيفة، وجسد حوارنا معها صورتنا الراهنة كسودانيين في ممارسه التحليل لقضايانا: كيف نمارس حوارا غنيا بالأفكار الغنية التي تخرج بلادنا من مأزقها السياسي الاجتماعي. دون أن نتأمل تفكيرنا ونعبر عن أنآنا الخاصة ظانين أننا نعبر عن الكل.. حتى تلك الثقافات الصامتة التي ظللنا نتحدث باسمها لم يكن لها مكان في حوارنا المتوتر القلق الذي لن يلغي كونها موجودة وتعبر عن نفسها بأشكال مختلفة دون تجسيد في الثقافة الرسمية. هذه الثقافات التي تعيش حالة فصام سياسي عن السياسة المعلنة بسبب عدم امتلاكنا لأجهزة إعلامية حقيقية واعية ( الإذاعة. التلفزيون. الصحافة) إذن ما لم نحسن من صورتنا في ممارسة التحليل لقضايانا سيكون البديل هو المؤتمر الوطني الإسلاموي الطائفي القائم على أساطير الاختيار ونقاء الدم للمسألة السودانية. هذا الإحساس الفج بالنقاء الذي يدفع رئيس الجمهورية المزعوم لتفضيله قيادة مليشيا جنجويد في حال حصول تدخل أجنبي في دار فور؟!. هذا الإحساس المتعالي بالنقاء هو ذاته الذي يدفع الطيب مصطفى وجريدته العرقية الدينية (الانتباهة) للاقتيات بنشر ثقافة الفتنة.

هناك حلول عرضت نفسها في مشروع السودان الجديد كمشروع بديل لمشروع المؤتمر الوطني الحاكم الذي في جوهره مشروع عنصري اثني عقدي يفقد شروط وجوده إلا في ظل إذكاء روح الصراع والعنف، فهو مشروع محكوم علية بالعنف كضرورة وجودية ولديه خبرة في هذا الإطار (إعدام ضباط رمضان. اغتيال عدد من السياسيين. الحوادث المريبة للطائرات في الجنوب. شهوة القتل عند إبراهيم شمس الدين والطيب سيخه في دار فور وجوبا. محاوله اغتيال حسنى مبارك. العنف ضد مختلف فئات الشعب السوداني بدء بالطلاب وانتهاء بالمرأة والأحزاب ). العنف ضرورة وجودية لدى المؤتمر الوطني حتى ولو لم يواجه العنف من الآخر (الجنوب /الشرق/جبال النوبة /دار فور...الخ) فانه يستدعيه وذلك لإذكاء روح التعصب للحفاظ على الإسلاموعربيه، ومن هنا يتناقض مع مشروع السودان الجديد بل مشروع السودان الجديد يفرض على المؤتمر الوطني والشعبي كطليعة متقدمه لقوى التخلف والعنف تحديا لا سبيل إلى تجاوزه.

سيقول البعض أن كل شخص في السودان لديه مشروع سودان جديد شايلو في راسو. فللمفارقة أنه في هذه الأيام، حتى رئيس الجمهورية الذي يقرأ ويكتب بالعافية، يتحدث عن السودان الجديد. بل ويعد به الجماهير؟

 

(6 ـ4):

وهو سؤال من قبل المماطلة فقد انطوت هذه الورقة على معان واضحة في هذا الخصوص فحديثنا عن السودان الجديد الذي طمحت إليه نيفاشا ناتج عن خوفنا عليه من أن تذروه رياح الإسلام السياسي والطائفية ولذلك عندما نشير للمؤتمر الوطني والشعبي كقوى شرط بقائها العنف لان في ذهننا أن الأمر اكبر من فتاوى الترابي العصرية فالأمر لا يتعلق بمستبد تسامح فجأة ( محمود محمد طه وحكم الردة )ولكن الأمر يتعلق بثقافة تقليدية تنتج التسلط وعدم احترام الآخر ولذلك شتان بين محمود محمد طه شهيد التنوير الديني والترابي الشاهد ) على مشروع تعريه التجربة الإسلاموية التي كان قد بناها هو ذاته، ليجيء في آخر الزمان بقراءته غير البريئة التي لم يكن يوما دافعها التنوير بل المزايدة والمصلحة والمنفعة فهو عراب النظم الاستبدادية المنحرفة عن روح الإسلام (بيعته لأمير المؤمنين جعفر نميرى ولأمير المؤمنين البشير ) تخيل نميري والبشير أمراء مؤمنين؟ هذا انحراف بين عن روح الإسلام وجوهره. هذا الجوهر الذي يتجاسر عليه الترابي بالعبث بين آن وآخر ذرا للرماد في العيون فيصدر ما شاء له من أحكام دافعها المزاج المقنع بالعقل والتكتيكات البائسة للحركة الإسلامويه.

 

(6 ـ 5):

نحن بحاجة لإنتاج معرفة واقعية بواقعنا في سبيل التكريس للبديل الواقعي (نيفاشا مدخلنا للسودان الجديد) خاصةً في مثل هذه الظروف التي يلقن فيها شخص معتوه مثل الطيب مصطفى وانتباهته القراء نصف خريطة السودان. مكتفيا بالسودان الشمالي، ولا يقف عند هذا الحد فحسب بل يقوم بنشر أخبار مزعومة تؤسس للعنف والتفرقة والتمييز العنصري والتحريض الطائفي والعرقي والديني.

اشعر الآن بخجل كبير أن أجد نفسي مضرا للإشارة لهذا المعتوه. فمن المؤسف أن ندخل في نقاش حول ثقافة الفتنه. لكن المؤتمر الوطني والشعبي فرضا علينا ذلك.صفوة القول لمجابهة ثقافة الفتنه والانتباهة وشخصيات معتوهة مثل الطيب مصطفى أن يعلن المثقفين الديمقراطيين حالة طوارئ إذ لا يجب السكوت عن مناقشه مثل هذه الأفكار التي ينشرها المؤتمر الوطني (بصورة غير رسمية) لإنجاز شروط بقائه واستمرار يته دون احترام لهذا الشعب المتنوع.

إذن ها نحن مرة أخرى نشير لفتاوى السيد الترابي المعتوه الأكبر الذي أراد الاستمرار في مزايداته التاريخية..هذه الفتاوى القديمة الجديدة التي قصد تفجيرها في هذا التوقيت بالذات كجزء من فلستة في فقه الضرورة والمصالح المرسلة فكان كالذي يبيع الموية في حارة السقايين. والسقايين هنا هم الصادق المهدي وما أدراك عن موقفه الشهير حول اتفاقيه سيداو؟ هذا الموقف الذي لن يجرؤ (في ظني)على شرحه للأنصار البسطاء بلغة بسيطة يفهمونها. لا أريد هنا أن تخوض نقاشا عقيماً حول إمامة المرأة أو فقه النكاح الشرعي وزواج الزنديق، فهي أمور من شأن علماء الدين وحدهم، "حجة الإسلام الترابي" و"الإمام الصادق المهدي". لكن يهمني هنا بصورة أساسية بلورة موقف حقيقي، فمفاهيم مثل المساواة عموماً ومساواة المرأة بالرجل خصوصاً وحقوق الإنسان والمواطنة وحقوق القوميات الأصيلة وخصوصية الدول والمجتمعات وقضية الديمقراطية...الخ، كل هذه الأمور بما في ذلك مفهوم الدولة نفسها هي مفاهيم ليبرالية. فالإسلام ليس فيه مفهوم دوله بهذا الاسم (دوله) هذه المفاهيم كلها مفاهيم ليبرالية وليست إسلامية وهى مفاهيم عصريه لم تنتجها الثقافة الإسلامية التقليدية بل تمخضت عن العلمانية وإذا كانت القوى العلمانية ممثله في اليسار الشيوعي والبعث ويسار الوسط قد خفت صوتها كما اشرنا من قبل بسبب جمودها غالبا وبسبب ما تعرضت له من اختراقات الحركة الاسلاموية وقمع جهاز سلطتها العنيف والدموي وبسبب فشل مشروع الإصلاح الحزبي والصراعات البينية والشقوق والانقسامات التي اعترتها تحت شعارات التحريف والتصحيح وتسبب ذلك في أن لا يسمع الناس سوى نداء الحركة الإسلاموية، فقد عملت هذه الأخيرة على استغلال الإسلام كوسيلة للسيطرة الاجتماعية للحفاظ على المصالح المرسلة للجماعة الإسلامية المزعومة،وبالتالي وضعهم القائم ضد التغير الاجتماعي وحركات المعارضة الجديدة مؤكدة على شكل الإسلام دون مضمونه وعلى حدوده دون حقوق الناس فالحركة الإسلاموية التي سيرت صيف العبور وبدر والميل 40والدبابين والسائحين، الخ.. ادعت الدفاع عن حقوق الله ورفضت الدفاع عن حقوق الإنسان وكأن الله ليس غنينا عن العالمين وكأن الدفاع عن حقوق الله يتناقض مع الدفاع عن حقوق الإنسان، الذي كرمه الله بالعقل. الله ليس بحاجة لأن تدافع عنه الحركة الاسلاموية في السودان، متخذة من الدين غاية في ذاته وليس وسيلة لتحقيق مصالح البشر.. وكان السيد الترابي عراباً وشاهداً على كل ذلك ؟

بدأت حركه الترابي بتطبيق حرفي للنصوص على عهد نميرى، فقطعت ما قطعت من أيدي وأرجل، وجلدت من جلدت، وفتحت الباب واسعاً للتيارات الظلاميه التي كادت أن تتسبب في كوارث قومية (إحراق كنيسة الثورة في العهد الديمقراطي الأخير، أحداث مسجد الحارة الأولى وما أدراك ما الخليفي، وبن لادن الذي جاب السودان شرقاً وغرباً إن لم يجب كل أنحائه) وفى كل ذلك كانت الحركة الإسلاموية وحلفاؤها الظلاميون لا يراعون ظروف العصر وخصوصيات السودان المتنوع والمتباين ومقاصد الشريعة وحاجات الناس. كأن الواقع لم يكن أساس نشأة النص كما هو معروف في أسباب النزول.

لا أظن أن أحداً من علماء المسلمين عبر تاريخهم المديد، منذ كانوا مجرد فكرة في خاطر قريش إلى أن آلت دولة الخلافة على عهد العثمانيين إلى ما آلت إليه سبق حسن البنا في القول أن الإسلام دين ودوله، مصحف وسيف. وإن لم يسبقه أحد، فذلك لأن مقولته ليست بديهية إذ كيف نقول أن الإسلام دين ودولة مع أن كلمه دولة لم ترد في القران الكريم مرة واحدة؟ إذن كيف تسمى الإسلام بما لم يسم به نفسه وبغير ما سمى به نفسه (الدين عند الله الإسلام، 190 آل عمران/، اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا، 3 المائدة. فالقول بالإسلام دين ودولة لهو قول يتجاهل التاريخ. ولكن التاريخ بالضبط هو التاريخ، ونحن نتحدث عن إسلام الدين لا عن إسلام التاريخ الذي ككل ما هو تاريخي. هو من صنع بشرى وقابل للتجاوز وليس له ما لإسلام الدين من قوة إلزام.

 

(6 ـ 6):

لماذا حرصت عدة قوى جديدة في مرحلة ارتفاع الصوت الإسلاموي (89-199) على رفع شعار العلمانية. رفعته رداً على محاولة الحركة الإسلاموية الضرب على وتر التفرقة الدينية وتطويراً لحساسيات المذهبية إلى مسألة أثنية طائفية تؤثنن الواقع والسياسة لتبرير وجود الحركة الإسلاموية، فدولة الخلافة التي طالما طمحت إليها الحركة الاسلاموية (ببيعتها لنميرى ثم البشير). عندما نشأت في أوائل الإسلام كان أساسها أن المفكرين كانوا سياسيين ورؤساء جيوش في آن واحد كما كان الشعب كله جنداً واحداً وهذا العهد لم يطل إلا قليلا (عهد النبي والخلفاء الراشدين) جاء بعده عهد دولة السياسة التي أساسها تقسيم العمل (كما يحب الرفيق ماركس التعبير). أصبح السياسي وقائد الجيوش في جهة والمفكر والشعب في جهة أخرى. بمعنى أن دوله الخلافة كانت أحادية ودولة السياسة كانت تعددية. ما يهمني هنا بالتحديد أن أفكار مثل التي أشرنا إليها سابقاً. مساواة المرأة. المواطنة. الدولة. حقوق الإنسان والديمقراطية... الخ. هي تعبير عن مواضيع فكرية عالمية تهم السوادنين جميعهم بمختلف عقائدهم بالقدر ذاته الذي تهم فيه العالم. على الرغم من مقولة (التركي ولا المتورك) التي هي خير تعبير عن حاله الحركة الإسلاموية في السودان، هذه الحركة التي أتضح أنها أحرص على العروبة والإسلام من قحطانيي وعدنانيي العرب (أهل الرأس والجته).

 

 

هـوامــش:

(1) صاحب الربيعي. الصراع بين السياسي والمثقف: قيم ام مصالح. مجلة الديموقراطية. العدد 18 القاهرة 2005 ص: 43

(2) أنظر مقالات (1 – 6): احمد ضحية. صحيفة الصحافي الدولي 2001. سؤال الهوية في فكر النهضة السودانية

(3) دكتور سيار الجميل. الانتلجنسيا العربية. رؤية معرفية في بنية الأجيال. مجلة الديمقراطية. العدد 18.القاهرة 2005. ص: 17.

(4) دكتور حيدر إبراهيم علي. المثقفون: المفهوم والتكوين في السودان.مركز الدراسات السودانية.القاهرة 2001 ص: 10

(5) تيري اينغلتون. أوهام ما بعد الحداثة. ترجمة ثائر ديب. الحوار اللاذقية. الطبعة الاولى2001ا.ص: 173

(6) أنظر: دكتور سيار الجميل. المجايلة التاريخية في فلسفة التكوين التاريخي.نظرية رؤيوية في المعرفة العربية الإسلامية. طبعة أولى بيروت – عمان الأهلية للنشر 1999.

(7) دكتور سيار الجميل. الانتلجنسيا العربية. رؤية معرفية في بنية الأجيال. مجلة الديمقراطية. العدد 18.القاهرة 2005 ص: 43

(8)  دكتور حيد إبراهيم " مرجع سابق" ص: 50

(9)  السابق ص: 57

(10) نفسه ص: 62

(11) نفسه ص: 63

(12) دكتور حيدر إبراهيم علي. المثقفون: المفهوم والتكوين في السودان.مركز الدراسات السودانية. القاهرة 2001. ص: 66

(13) السابق. ص: 25

(14) نفسه. ص: 34