header

 
News |
Actualité  | أخبــار
 

 
مقــالات وآراء

 

شيبــــــون

 

عبد الله علي إبراهيم

 

(9)

شيبون: كان بدري عليك

 

 

حاولت في سلسلة مقالاتي عن المرحوم محمد عبد الرحمن شيبون(1930-1961)، التي اختمها اليوم، فك ارتباط مأثرته ومأساة انتحاره عن تدوين وتأويل صديقه المرحوم صلاح أحمد إبراهيم لهما. فقد نفث صلاح في عرض محنة شيبون غضبته هو نفسه على الحزب الشيوعي وعلى أستاذنا عبد الخالق محجوب. فقد قال إن شيبون هو ضحية من ضحايا أستاذنا. وأستاذنا عند صلاح واحداً من ستالينيي (جمع ستالين) المناطق الحارة. وقد كان أكثر همي في هذه المقالات أن نحصل على علم أفضل بمحنة شيبون مما علمنا صلاح منذ أن نظمه في قصيدة "أنانسي" في ديوانه "غضبة الهبباي" الصادر في 1965. وقد حاولت رد هذه المحنة إلى البيئة السياسية والاجتماعية التي اكتنفت حياته القصيرة. وهي بيئة التفرغ للعمل ضمن الحلقة القائدة للحزب الشيوعي. وقد سميت هذه البيئة ب "الأفندي المضاد" جرياً وراء مصطلح صكه الشيخ حسن الترابي في لقاء لي معه عام 1996. فمعظم هؤلاء المتفرغين كانوا ممن جهزوهم للعمل في دواوين الدولة بأجر مرغوب معلوم ولكنهم اختاروا طوعاً وظيفة أخري يهدمون بها هذه الدولة ليبنونها علي نهج يخدم مصالح كادحي السودان. وهذه الهمة هي ما وصفه الإنجليز ب "النشاط الهدام".

 

ومما يؤسف له أن وقائع ومتاعب وخسائر هذه الحلقة المتفرغة محاطة بكتمان رفاقي حال دون وضعها تحت مجهر النقد والتقويم. فحتى المتفرغين الذين خرجوا على الحزب غالباً ما دسوا ضيقهم بشروط حياتهم المستحيلة وتحدثوا عن مسائل العقيدة والتكتيك وهلمجرا. فلا أحد يريد أن يطلع الناس على خفايا خيبته في الوظيفة التي اختارها يوماً بحماسة وتفاؤل. وهذا الستار المسدل على شقاء الأفندي المضاد إهمال مرموق لأمية (في لغة الكهرباء) الحزب التي عليها مداره ووهجه. فحلقة متفرغة الحزب في وسط دائرة العمل القيادي. ولا يصلح إلا بها. وقد فسدت كل مناقشات تطوير الحزب لما قصر الحزب دون تنمية منهج لتقويم وتصويب هذه الحلقة المتميزة في منظومة القيادة. ووقع هذا الإهمال في شكم هذه الحلقة حتى بعد أن شكي بعض من خاض تجربة التفرغ بالصوت الجهير. فقد كتب الأستاذ احمد علي بقادي عن نواقص حياة التفرغ كلمة شجاعة في كتابه "صحافة بالسياسة" (1971مايو). ولا حياة لمن تنادي.

 

فقد تفرغ بقادي للعمل كصحفي بجريدة الميدان الشيوعية في خمسينات القرن الماضي بعد هروبه من مصر التي تلقى بها بعض التعليم الجامعي. وكان أجره الشهري من الصحيفة عشرة جنيهات. ورأينا بالمقارنة أن مرتب الزميل حمري، ناظر المدرسة الأولية، كان 35 جنيهاً لوقتها. (قال المرحوم أحمد خير أن مرتبه في عام 1925 حين تخرج من الكلية كان 8 جنيهات. أي أن مرتب شبه الخريج بقادي بجريدة الميدان لم يزد بعد مرور ربع قرن سوى جنيهان ) وكان كل محرر بالميدان يقبض 25 قرشاً يومياً لحوائج اليوم الملحة. وزاد بقادي أنه كان يستنفد الماهية بالسلفيات قبل يوم الصرف الذي هو في علم الغيب. وقال إن من عجز عن تدبير سكن من المحررين بات في مكاتب الميدان.

 

ووجد بقادي كما وجدت أنا لاحقاً في السبعينات أن المتفرغ متروك في أكثر معاشه وكل معينات إزجاء فراغه للأصدقاء. فقد بليت ملابس بقادي فاعتصم بالبيت لأن الجريدة اعتذرت عن كسائه. ولامه رفاقه في اجتماع لا حق علي فشله في توسيع دائرة الأصدقاء من حوله لعونه في حلحلة أزماته الشخصية. ولم يكن بوسع بقادي حسب قوله بناء هذه العلاقات في زحمة عمل يبدأ صباحاً وينتهي في منتصف الليل. و قال إنه هدد بالاستقالة من جريدة لا توفر له ملابسه الضرورية. واستجابوا له غير أنهم "صروها" له كبرجوازي متعال متمرد وعنيد. وابتلى بقادي بهذا الشح والكدر في مؤسسة الميدان الحزبية التي ربما كانت الأفضل دخلاً بفضل دبارة زميلنا المرحوم سمير جرجس كما كتبت في نعيه منذ أشهر. وقد أتيحت لي فرصة التعبير عن فساد إسناد المتفرغ على بند الأصدقاء في حلقة انعقدت لمناقشة متاعب العمل القيادي بسجن زالنجي عام 1972. وقلت أن هذا الإسناد تفريط في الأفندي المضاد ( وهو استثمار حساس ونادر) الذي نريد له أن يخرج من عوالم الأفندية، التي شق عليها عصا الطاعة، ليرتاد شواغل الكادحين الذين خرج لنصرتهم. علماً بأن التفرغ لعمل الحزب لم يقتصر لا علي طبقة الأفندية ولا علي الرجال. فقد كان في حلقة المتفرغين جماعة من ذوي الأصول العمالية مثل المرحوم محمد محمود الشايقي. كما تفرغت الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم منذ منتصف الخمسينات لعمل النساء. ولما ترك الحزب الأفندي المضاد في ذمة غيره كان الأحمل لتبعة الأفندي المضاد هو الكادر الأغزر في الأهل والأصدقاء بالعاصمة. ولم يكن لشيبون، الفتى الكردفاني الشاعري الرؤى، سبيلاً إلي تدبير حاله بمقتضى أعراف الحزب للأفندي المضاد مثله.

 

كان المنزل بحي البوستة بأم درمان الذي سكنه شيبون مع متفرغين حزبيين آخرين هو بيت الداء. فقد كان بؤرة لقعدات ليلية شبه يومية. ولم يبدأ المنزل كذلك بل تردى في عادة الأنس شيئاً فشيئاً. فقد كان يتنادى إليه الرفاق والأصدقاء للسمر والشرب كما جرت سنة شباب المدن آنذاك. فحتى غير الشاربين كانوا يؤمون هذه الملذات المسائية لتفريج هم والخوض في الشأن السياسي. وللقعدة فرسان ليل هم غير فرسان النهار من أمثال شيبون. فإن تعمق النقاش وأوغل في "ساس يسوس" علي يد أمثال شيبون قال سادن القعدة: "أها عاوزين تقلبوها اجتماع. إنتو ما بتشبعوا اجتماعات". فالقعدة ساحة لأبن النكتة، الفلفلة، صاحب الطرفة، وخفيف الروح. وهي أيضاً موضع للتحلل من بعض العقائد طلباً للطرافة. فقد سمعت فيها من يقول إنه ماركسي إلا أنه لا يعتقد في حقوق العوين والعبيد. هكذا بالحرف. وهي أخيراً معرض للنعرات القبلية النيلية التي تطفو مع أبخرة المشروب. وهذه النعرات مادة أنس جاذب حتى للإخوان المسلمين ممن لا يجتمعون في قعدات مثل الرفاق. فقد وجدت المرحوم مبارك قسم الله، القيادي الإسلامي المعروف، يشكو مر الشكوى من إخوانه في الله الذين يسمرون بحديث الجاهلية عن مكارم الجعليين والشايقية. وهي مكارم يزدردها ازدراداً من لم يكن من هذه الأصول البهية من أمثال شيبون الكردفاني. وكان مبارك إذا سئل عن أصله قال إنه "بلالي" نسبة إلى سيدنا بلال.

 

القعدة تقليد بندري وطني أوفى دراسته المرحوم حسن نجيلة في كتابه "ملامح من المجتمع السوداني". وقد أخذ اليسار بأنس القعدة عن جيل 1924 والخريجين. وتوسع الجيل اليساري فيها حتى كادت أن تصبح حياة موازية لحياة الحزب نفسه. وقد تنبه أستاذنا عبد الخالق إلى مخاطر هذه الحياة الثانية فأشار في تقرير للجنة المركزية صدر في 1963 بعنوان "إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير" إلى ما ينجم منها من عادات تنعكس سلباً على الحزب. وجاء في التقرير أن الجماهير لا تستمع إلى من لا تحترمه. وقال إن بيننا الثرثارين ومن يستفزون مشاعر الناس الدينية ومن انزلقوا في السكر والعربدة. وقد أقاموا بأفعالهم هذه حاجزاً بينهم وبين الجماهير. ونبه التقرير إلي خصلة "استثقال" الناس والرفاق بغير ذنب جنوه وسمي ذلك فردية برجوازية صغيرة تبني الأحكام طيشاً علي النزوات.

 

ويقع أكثر هذا الاستثقال بالطبع في بيئة القعدة ثم يستشري إلى غيرها. وربما كان شيبون ضحية لمثل هذا الاستثقال المجاني. فلم يكن فيما يبدو ممن يستلطفه سوى الفطن. فقد قال الأستاذ عبد الوهاب سليمان إن الشقة بين شيبون والآخرين كانت واسعة. وكان لا يقبل تبخيس الناس في مجلسه لأنه يعتقد أن الناس كلهم، وإن طال الزمن، أهل لهذا الجمال الذي ينبت علي ضفاف الماركسية والزمالة التي كان قد نشدها في الحزب. والمعلوم أن القعدة لا تكتمل إلا بالقطيعة التي هي "عنكوليب أو قصب سكر" الونسة. وللأفندية عبارة في هذا المعني هي "النفتحلك فايلو." وكان شيبون صعب الاستئناس. فقد كان لماحاً بعيد النظر جريئاً علي نطاح حتى ما تواضع عليه رفاقه الثوريون. فقد سبق أن رأيناه يهزأ بانقسام الأدباء إلي مدارس بما فيها الواقعية الاشتراكية العزيزة عند الشيوعيين ويقول لزملائه قولة في معنى مراد حمزة الملك طنبل :"أبدعوا وكفي." والواضح في كلمته أنه كره لجاج الرفاق عن الشاعر صلاح عبد الصبور وعقيدتهم فيه وقال لهم "دعكم من عبد الصبور ومن عبد الزمار." رجل بهذه الجراءة علي المعلوم بالضرورة من ثقافة اليسار في زمنه لا بد أنه كان قليل الرفقة.

 

الواضح أن عنان نفس شيبون بدأ في التراخي بين جغرافيا هذه الفوضى. وزاد من سوء الأمر بعض عادات شيبون. فقد لاحظ من احتكوا به أنه نوؤم. فقد يستغرقه النوم اليومين والثلاثة بلا انقطاع. وأفرط في الشراب. ومؤكد أن هذا الإيغال زاد الطين بلة. وقد أخذ بعض الشيوعيين ذلك عليه ثم أهملوه أو ضايقوه. ووجد هؤلاء في تهافته سبباً للقول انه "زول شعر ساكت". أي أنه لم يخلق لمهمة الأشغال الشاقة، الأفندي المضاد. وهناك من قال أنه "مجنون". و نصحته قيادة الحزب بترك التفرغ كما مر من قبل. وفعل شيبون ذلك مكرهاً لا بطل.

 

قال نلسون مانديلا إن النضال، مثل الرياح الهوج، يترك خرائب في أثره. وشيبون رسم جميل حزين. وتحميل أستاذنا عبد الخالق دمه كما فعل صلاح احمد إبراهيم حيلة عاجزة. فهي شخصنة للأمر (كما نقول الآن) نكتفي من غنيمتها بتذنيب أوسم رجالنا قاطبة. وتحجب مثل هذه الشخصنة وجه القضايا في حين تكشف عن وجه المذنبين. ومن قضايا محنة شيبون العالقة هي كيف يترقى العمل القيادي بالحزب الشيوعي ليثبت قلب مثله على الإيمان بقضية الكادحين التي نذر لها نفسه. وهي قضية لا أعرف من أحسن تعريفها مثل أستاذنا عبد الخالق حين ظل يلح أن الأصل في أزمة الحزب هي في التناقض بين نفوذ الحزب الواسع وتوقعات غمار الناس منه وبين بدائية العمل القيادي فيه. وهو تخلف طال وأعول. وغاب هذا التلخيص الرشيق لأزمة العمل الثوري عن أفواج شباب التقدميين المتلاحقة. ولما غاب عنهم رأس الخيط هذا كان احتطابهم للإصلاح احتطاب ليل. فقد رمت جماعة "حق" في طلبها الإصلاح بالماركسية نفسها، وجازف آخرون بالهرب من سفينة الشيوعيين إلي الحركة الشعبية وغيرها، ولا زال هناك من يعتقد أن أزمة الحزب هو العجوز القاعدة بره: نقد والتجاني وآخرون ممن حجبوا الشباب عن مواقع القيادة. وترتب على ذلك أن راحت طاقة إصلاح حركة المستضعفين هدرا.

 

طوال كتابتي لهذه الكلمة الطويلة عن حياة شيبون القصيرة العذبة كان يتردد على خاطري مقطع من أغنية "كان بدري عليك" للمرحوم عمر احمد. مات في ريعانه أيضاً. ولم أصدق سمعي حين قال لي الأستاذ عبد الوهاب سليمان أن المرحوم عمر أحمد كان يتردد علي قعدة الرفاق بمنزل حي البوستة. وكان صوته قد بدأ في الطرطرة بعد إشراقه في الصبا. ولا بد أنه غني للقعدة "كان بدري عليك" مراراً وتكرارا" فقد كانت شبه وحيدته. وكانت الأغنية علي كل لسان حتى قيل إنه إنما كان ينعى نفسه بها قبل رحيله الفطير. إنسان جميل آخر غرد في السحر ورحل في الأصيل. وكان بدري عليه.

 

رحم الله أموات التقدميين السودانيين الذين كانوا، برغم عثراتهم الكبيرة وألوان شقاقهم المؤذية، اجتهاداً كثيفاً باسلاً غير مسبوق في مصائر وأشواق خلق الله المساكين: "ونريد أن نمن علي الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما ما كانا يحذران."

 

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco