header

 
News |
Actualité  | أخبــار
 

 
مقــالات وآراء

 

شيبــــــون

 

عبد الله علي إبراهيم

 

(8)

شيبون: لانهدأ من النقاش كالزرازير في السحر

 

 

أصبحت أفندياً مضاداً، أي متفرغاً لوجه العمل كل الوقت بالحزب الشيوعي، في عام 1970. وهو طريق لم يكن من سبيل لتفاديه منذ بدأت التعبير لأستاذنا عبد الخالق محجوب عن ضيقي بالوضع في الحزب في 1968. ووجدت أستاذنا لا يقل ضيقاً بالعمل القيادي في حزبه عني. بل علمت لاحقاً أن أول تقرير قدمه للجنة المركزية المنتخبة في 1967 هو عن أزمة القيادة بالحزب. و انتهز فرصة التعبير عن سخطنا ليضعني وجهاً لوجه أمام تلك الأزمة. وبلغ به هذا التمرين حداً أذن به لجماعتنا من شباب الكتاب الشيوعيين بالاستيلاء علي تحرير جريدة أخبار الأسبوع في 1969. وأخذ يجند بعضنا للتفرغ للحزب من فوق هذه القنطرة التي مددها بين ضفة ضيقنا بالقيادة وضفة أن نصبح جزءً من الحل.

 

لم يكن أحرج ما مر بي حين أصبحت أفندياًً مضاداَ في 1970 هبوط مرتبي إلى النصف مما كنت أتقاضاه من جامعة الخرطوم بل أنني لم أعرف من هو "الصراف" الذي اقصده للحصول علي هذا المبلغ المطفف. ولما تقدم الشهر ولم أحصل علي الراتب أخذت طريقي لمنزل زميلنا صلاح مازري، المسؤول المالي للحزب، بحي الأفندية بالمقرن. ولم تفت علي دراما المفارقة هنا. فها أنا أعبر "حلة الأفندية" الغناء التي أدرت لها ظهري الشيوعي بصلف رومانسي شبابي لأحصل علي مرتب كان ينزل ضعفه منذ شهر علي حسابي بالبنك بصورة حضارية. وبدا لي كأن الحزب نفسه يقول لي "أنت لم تهجر جنة الأفندية فحسب بل إنك لن تنال مرتبك المنقوص إلا بعد أن تشقها راجلاً حتى تقف علي كل مفردة نعيم فيها وتمتلئ حسرة يا ناكر جميل غردون. خم وصر." ها أنا أجتاز جغرافيا هواني علي الحزب. وقفت وأنا أعبر جغرافيا الهوان هذه علي بدائية العمل القيادي في حلقة المتفرغين التي هي أس الحزب ولبه. وتأملت دلالات ما قاله لي رفيق متفرغ بالمكتب السياسي حين أطلع علي خطابي لطلب التفرغ. سألني الزميل (الذي فصل من الحزب في ثنايا ملابسات صراعات 1970 حول موقف الحزب من انقلاب-ثورة 25 مايو) مستنكراً نيتي التفرغ في الحزب في حين تتفتح الوظائف لمن هم مثلي لخدمة الشعب بصورة أكثر مباشرة وكفاءة. وضرب لي مثلاً. قال إن الحكومة تبحث لزمنها عن إعلامي ثوري ليدير مثل هذا النشاط في مدينة واو. وبدا لي مؤخراً صراع الحزب في 1970 من بعض وجوهه كهجرة عكسية إلى جنة الأفندية من وعثاء الأفندي المضاد. وهي وعثاء حقاً. وصفها لي أحدهم يوماً بأنها عقوق والدين. ورأيت بعض نتاجها في رفاق غابوا في ذهول الإدمان أو ذهول الذهول وما رأيت أرجح منهم عقلاً ولا أحنى منهم قلباً ولا أسهر منهم عيناً علي أماني كادحي السودان. وما زلت احتفظ في أرشيفي بصورة رفيق تفرغ للحزب لفترة طويلة مؤطرة في إعلان صحفي من طراز "خرج ولم يعد." يا سبحان الله! ولما لاحظت غلبة الكادر المتفرغ في المفصولين من الحزب في 1970 قلت في نفسي ربما كان الأصح أن نسمي "انقسام" 1970 ب "ثورة المتفرغين" علي بيئة التفرغ الحزبي التي جاءوها في شبابهم ومنحوها معظم كهولتهم. ثم تفاقم مر العمر بهم والمسئوليات بينما ظلت الوظيفة كما هي عليه. لم يتطور الحزب بوصفها أو شرطها ليسع هذا النضج وإثقال الكاهل في سياق تحسين العمل القيادي به.

 

استصوبت النظر إلي محنة الزميل المرحوم الشاعر الشيوعي محمد عبد الرحمن شيبون (1930-1961) من زاوية بيئة الأفندي المضاد الموصوفة أعلاه. وكان المرحوم اختار أن يكون هذا الأفندي المضاد بعد فصله من كلية الخرطوم الجامعية في 1952 وهو ابن الاثنين والعشرين ربيعاً. وقد رفع الحزب عنه هذا التكليف في نحو 1958 لينتحر في 1961. فالقول علي نهج المرحوم صلاح احمد إبراهيم في قصيدته "أنانسي" من ديوان (غضبة الهبباي، 1965) بأن أستاذنا عبد الخالق محجوب هو قاتل شيبون هو من باب إلقاء القول علي عواهنه. فقد يبرئ هذا القول بعض سقم صلاح المعروف من أستاذنا والحزب ولكنه لا يتقدم بفهمنا لمحنة الشاعر قيد أنملة إن لم يبطئ به. وهذا بعض الحب القاسي الطويل لشيبون الذي قلت أن علينا أن نهجره إلي دراما أعقد لموت الشاعر المناضل.

 

لم يترك لنا شيبون فرصة استنتاج أن حياته القصيرة تشكلت من دراما ارتطمت أبداً بين عالمي الأفندي والأفندي المضاد. فقد كتب في المقال، الذي أخذ منه المرحوم صلاح أحمد إبراهيم ما ناسب هواه علي هامش قصيدته "أنانسي" التي ذم فيها أستاذنا عبد الخالق، كيف تناطح عنزا الأفندي والأفندي المضاد في حياته فأشقياه. وحكى في المقالة كيف انتصر الأفندي علي الأفندي المضاد في دراما هذه الحياة الشقية. فلما أفلت منه قياد تلك الحياة قال إن الأهل جاءوه: "بدافع من حرصهم وأجبروني علي أمور روضت نفسي علي قبولها. وكما ينحسر ماء النهر في فصل الجفاف تلاشت حماستي وتدثرت بحكمة الجيوش المنهزمة وبدأت أتراجع بانتظام. وتفضل ضابط مباحث فأجهز علي البقية الباقية باسم القانون واجتزت آخر المراحل بعون رجلين فاضلين (فيهما أستاذنا عبد الخالق كما أوضحنا). لقد عدت إلي القواعد بسلام، قواعد المجتمع الراكد الذي يرتعش من التجربة وعدت اشتغل أفندياً التزم وأتقيد بثمن بخس دراهم معدودات. وفي اليوم التالي ألقى الجميع أسلحتهم وأخذوا يلوحون بالتحية للقب الأفندي. وكنت أحييهم وأنا أردد: "عاشت بلادنا، بلاد الأفندية." وهي حكايته كما وقعت بغير رتوش.

 

حمل شيبون إلي عالم الأفندي المضاد ما حمل جيله من فدائية سياسية أممية مبتكرة يممت شطرها نحو قوي الكادحين والحرية الوطنية. وقد وصف صلاح أحمد إبراهيم جانباً من حياة ناشئة الحزب كما سماهم في رسالة لي في 1965. فقال كنا من فرط الشغف الجديد "نتطاير شرراً ككور الحداد. كنا لا نهدأ من النقاش كالزرازير في السحر، بالسين أو الشين." وقد شحذ تلك الفدائية وصقلها عند شيبون شاعرية مؤرقة. فقد ورد في كتاب أخير للأستاذ شوقي ملاسي أن شيبون حرر بالثانوية بحنتوب جريدة حائطية باسم "السامر" وسرعان ما أوقفتها المدرسة عن الصدور. فتضامن شوقي، الذي كان يحرر جريدة "الثائر"، معه وأصدرا معاً "سامر الثائر." وسرعان ما أصبح شيبون عضوا ً باتحاد كلية الخرطوم الجامعية لما صار طالباً بها حالاً محل الزميل طه محمد طه الذي كان قد فصل من الكلية. ورأيناه يتطوع بإلقاء خطاب إضراب 1952 بغير اختصاص لأنه حالت دون المختصين ظروف. وفصل ضمن آخرين من الكلية. ولم يتلجلج أبداً في اختيار التفرغ للعمل للحزب. وكان بين حلقة الكادر المتفرغ في كوستي أيام نجومها الزواهر: شاكر مرسال والطاهر عبد الباسط ومكي عبد القادر ومحمد الحسن احمد. وقال الدكتور خالد المبارك أنه كان اعد ديوان شعره للطبع و"تخاتت" الزملاء ثمنه مقدماً ولم يصدر الديوان وتلاشت المخطوطة نفسها حتى تاريخه.

 

أقام شيبون ببيت متفرغين في حي البوستة بأم درمان. ووصف الأستاذ عبد الوهاب سليمان حياته بذلك البيت بأنها "عيشة محترفين": لا أكل طيب ولا راحة ولا شراب هنيء. وكان فيهم من رأينا تدهور صحته النفسية حتى طلب أستاذنا أخذه لعيادة المرحوم التيجاني الماحي. ومن الجهة الأخرى عاش شيبون مؤرقاً بهموم الأفندي العادي. فهو أول من استخدم من الأسرة وأفضل من استثمرت فيه. ولا يستغرب منها بالطبع أن تلاحقه بالالتزام أو الإلزام المعروف تجاه الرحم. فقد كان يزوره والده الموصف بالأناقة حيناً بعد حين وينزل إما بدار آل سليمان بأبي روف أو بفندق الموردة. وكانت له مع شيبون لقاءات مفهومة بشأن تلك الالتزامات التي لم يكن بوسع شيبون الوفاء بها. وبلغ ضيق شيبون بهذه المذاكرة العائلية حد الامتناع عن زيارة الأهل. وترك الأبيض بليل دون أن يخطر الرفيق حسن سلامة الذي عطف عليه وأخذه لتلك المدينة ليعينه علي تجاوز إفراطه في الشراب. فقد كانت المدينة علي فركة كعب من مقر أهله وحاجتهم التي لا سبيل له لقضائها.

 

وكانت نفس شيبون ترزح تحت عيب خذلان الأهل. فقد سبق لنا القول في حلقة باكرة أنه كاشف صديقه الأستاذ عبد الوهاب سليمان بوخز يشك ضميره من جهة الأسرة. فقد ذكرنا أعلاه أن أستاذنا عبد الخالق كلفه وعبد الوهاب سليمان في 1955 أن يأخذا رفيقاً متفرغاً، سكن مع شيبون، فقد زمام نفسه إلي عيادة الدكتور التيجاني الماحي. وكان الرفيق صعب القياد يهرف بكلام "كتر" خلال رحلة التاكسي. ولما بلغا العيادة وجدا في الانتظار بها صحفياً من حزب الأشقاء انتحر فيما بعد في يوم استقلال السودان في 1-1-56. أثارت مخايل جنون الرفيق والصحفي الشقيق شيبون فمضي يحدث عبد الوهاب عن محنة السياسي المتفرغ بين الضغوط السياسية وضغوط العائلة. لقد رأي شيبون نفسه في مرآة أخويه في السياسة.

 

وكانت عودته إلى سكة الأفندي الدارجة بسيطة. فلما رفع الحزب عنه تكليف التفرغ في سنوات 1957 و1958 كان شيبون يتردد علي مكتبة الملايين الواقعة علي الركن الجنوبي الشرقي لجامع فاروق بالخرطوم. وشغرت أيامها وظيفة للغة الإنجليزية بمدرسة (الأمل) الوسطي للبنات برفاعة لصاحبها مجتبى عبد الوهاب باستقالة شاغلها، الأستاذ بكري خضر، والتحاقه بجامعة القاهرة. وقد ألزمته المدرسة بإيجاد بديل له حتى تخلي سبيله. وجاء من كلم بكري عن شيبون فزكاه لمجتبي وتعين بالمدرسة. وشاور شيبون صديقه عبد الوهاب سليمان فزين له الأمر. وقد وصفنا معاناته الأمرين في تلك المدرسة من شيوعيين أو عاطفين عليهم ساءهم سقوط الزميل من علياء التفرغ إلى أكل خشاش أرض الأفندية مثلهم. وهناك من يرى أن أمر هذه العصابة في رفاعة كان كيد أفندية محض لشخص متميز بدا لهم أن له علاقة عاطفية مستقرة استعان عليها بالشعر. فقد اشتكى أنهم كانوا يتربصون بخطاباته ويفتحونها للاطلاع على ما فيها. ووردت إشارة عابرة في كلمته بجريدة الأيام إلى سهولة حرب عواطف الناس. وربما عنى بها هؤلاء "العزال." وربما اجتمع عليه كيد العزل والسقوط من التفرغ مما ساقه إلي الانتحار عام 1961 بمدينة الحصاحيصا مباشرة بعد فراغه من وداع أمه وأخته بمحطة سكة حديد المدينة.

 

وما ضاق شيبون بأهله ولكن مرتب الأفندي المضاد يضيق. إذا لم يكن في الأفندية المضادة فضل زاد لوصل رحم شاغليها. فلم يكن هذا شاغل من رتبوها فالوظيفة فداء، فداء، فداء . . . لا غير. فحتى الأهل مدعوون أن يعينوا فتاهم المتفرغ بدلاً من أن يعينهم. فشاغلها منصوح أن "يدبر حاله." باستثمار العاطفين عليه من الأصدقاء والأهل. وقد جاء بهذه المعاني الأستاذ أحمد علي بقادي في كتابه (صحافة بالسياسة-مايو 1971) الذي حكي فيه طرفاً من حياته كأفندي مضاد بالحزب الشيوعي. ونترك البقية لحلقة أخيرة.

 

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco