header

 
News |
Actualité  | أخبــار
 

 
مقــالات وآراء

 

شيبــــــون

 

عبد الله علي إبراهيم

 

(7)

شيبون: الفارس معلق

 

 

نحاول منذ حين في هذه المقالات وضع وفاة الشاعر الشيوعي محمد عبد الرحمن شيبون (1930-1961) في سياق سياسي واجتماعي وفكري قصدنا منه أن يوفر لنا فهماً أفضل لرحيل هذا الإنسان العذب. وكان اختار لمغادرة الفانية الانتحار وهو الحل الذي قال المنتحر الأكبر، الشاعر السوفيتي فلاديمير مايكوفسكي، أنه حل لا يوصى به أحداً برغم لا أنه لا مخرج سواه. واتجهت المقالات بشكل رئيسي لتجديد ذكري المرحوم بعد أن جمده الشاعر صلاح احمد إبراهيم في بيت شعر من قصيدته "أنانسي" (غضبة الهبباي 1965) وهامش له. وهما من نفثات صلاح ضد أستاذنا عبد الخالق محجوب وحزبه الشيوعي. وقد قر في فهمه أنهما قد دفعا شيبون دفعاً للانتحار. ولم نقصد بالطبع من العودة لموت الشاعر شيبون تبرئة أحد ممن استحق التجريم بحق القتيل. وقد رأينا الشاعر نفسه كتب أسماء من نغصوا عيشه بمدينة رفاعة وطواها في جيبه قبل أن يسلم عنقه طوعاً لعمامته في ذلك المنزل بمدينة الحصاحيصا في يوم في أخريات عام 1961. ولكننا من الجهة الأخرى لم نرد للشاعر القتيل أن يكون مجرد معروض قضائي دليلاً علي بؤس الحزب الشيوعي كما أراد له صلاح علماً بأنه لم يبق من شيبون للجيل الطالع سوي ما كتبه صلاح نفسه عنه. وقد نمت معرفتي أنا نفسي بالشاعر أضعافاً منذ بدأت كتابة هذه المقالات التي قدرت أن افرغ منها عند الحلقة الثالثة فإذ هي قد تجاوزت السبع وقد تزيد. وقد شد من أزري فيها نفر من مثل الأستاذ عبد الوهاب سليمان من زملاء شيبون وحافظي ذكره حتى أنني لأعده كاتباً للمقالات علي قدم المساواة من فرط إحسانه.

 

وجدت في مواقف الشيوعيين من شيبون مفارقات لافتة للنظر. فهناك من ناصبه العداء وهناك من ظل يحتفل به بغير تثريب. وهذا دليل أنه لم يكن للحزب نفسه توجيهاً أو آخر بشأن الرجل. وما كان له أن ينبغي. فشيبون لم يستقل برأي سلبي في الحزب ولم يستقل حتى منه. الغاية أنه، لملابسات إفراطه في الشرب مما سنأتي عليه في حديث قادم، ترك التفرغ بحلقته القائدة باتفاق مع مركز الحزب كما رأينا في اللقاء الذي انعقد بينه وبين أستاذنا عبد الخالق محجوب. وعليه فقد خضع تعامل الشيوعيين معه إلي اجتهادات فردية وإقليمية ربما شاب أفضلها شيء من سوء ظن الشيوعيين المقيم، مستنر وغير مستتر، في من اختلف معهم أو حتى من انحدر دركاً وما زال بينهم مثل شيبون. ولم تزل هذه البغضاء أو الوسوسة مع الشيوعيين للأسف. فقد رثيت لهم ينعون في صحيفة الميدان المرحوم الخاتم عدلان بقرينة أنه لم يكشف أسرار وخبايا الحزب حين ترك ساحته. فالخارج عنهم مخبر حتى يثبت العكس ويذكر له ذلك قبل حساب الملكين. وقد خرجت منهم قبل سنين وأكرمني جهاز الأمن بأنه لم يستدعني إطلاقاً ووقرني فلم يظن بي ظن السوء وأكل لحم المناضلين حياً. فتأمل.

 

وجدت أقوى الأدلة علي لؤم الشيوعيين حيال شيبون في ما كتبه الدكتور خالد المبارك (الرأي العام 8 فبراير 2005) في استرجاعه لذكريات من شبابه الشيوعي يوم فصلوه من الجامعة وعمل مدرساً بمدرسة أهلية للأولاد بها حتى غادر لبعثة دراسية بألمانيا الديمقراطية في خريف 1960. قال خالد: "والمعروف أن شيبون انتحر بعد أن قاطعه الأصدقاء وسدت في وجهه الأبواب. . . كما عرفت شيبون وكنت أحد الذين خاصموه عندما صدرت الإشارة بذلك، وأذكر أنني التقيت به أمام مبني المديرية بمدني وكنت مفصولاً من الجامعة أيام حكم الفريق عبود فتفاديت المرور بناحيته ولم أزره في رفاعة حيث كان يعمل بمدرسة البنات وكنت بمدرسة البنين". وأضاف في رسالة خاصة لي أنه لا يعرف عن اتهام حزبي معلوم لشيبون غير أنه أصبح غير مقبول بعامة وتفاديه أوجب. وأضاف خالد أيضاً أنه لم يضع اسم شيبون ضمن قائمة المدعوين لحفل أقامه له نفر من أصدقائه وزملائه برفاعة. وقال أنه لما التقي به في مدني كان في مهمة حزبية شديدة التأمين. فغير طريقه وأشاح بوجهه عنه غير أنه متأكد أن شيبون قد رآه. وكان خالد قد تعرف علي شيبون في مدينة كوستي حين عمل الأخير بها متفرغاً شيوعياً لبعض الوقت. واعترف خالد بفضله المعروف لصديقنا الشاعر شابو أنه ربما كان من ضمن أولئك الذين طعنوا شيبون من الخلف بشكل غير مباشر. وربما كانت تلك الإشاحة هي بعض ما ذكره شيبون عن الزملاء الذين أداروا له أكتاف باردة لم تكن حارة في يوم ما أبداً. وقد عض دكتور خالد بنان الندم علي لؤمه بالوكالة وقال أنه شرب من الكأس التي سقاها شيبون في مدني ورفاعة فقد تحاشاه خلان وخاصمه أعزاء بعد تركه الحزب.

 

من الجهة الأخرى كان شيبون موضع حفاوة جهات متنفذة في الحزب في الفترة التي سبقت انتحاره مباشرة. فقد بعث شيبون بقصيدة عن لومببا، رئيس وزراء الكنغو وشهيد حركة التحرر الوطني الأفريقية، قال أنها "كتبت علي عجل ولا بد أنها لا تخلو من نواقص. لقد أرسلت هذه القصيدة إلى جريدة "الرأي العام" منذ يوم 15-12-61 ولسبب ما لم تنشر حتى الآن وكان غرضي من إرسالها لهم هو نشرها بسرعة علها تؤدي بعض الفائدة لخدمة هذه القضية الهامة فإذا لم تنشرها الرأي العام حتى وصول رسالتي هذه إليكم فأرجو التكرم بنشرها. وبهذه المناسبة إنني في وضع الآن يمكنني من الكتابة إلى صوت المرأة. أرجو أن أوجه إلى نوع الخدمات التي يمكن أن أساهم بها في مجلتكم المتقدمة الموفقة مع خالص تحياتي."

 

وقد أخجل تواضع شيبون محررة المجلة وهي الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم. فشكرته علي رسالته ونشرت القصيدة في مكان آخر بالعدد (أبريل 1961) (أنظر الصندوق المرفق لتجد القصيدة). وأكدت لشيبون ترحيبها الحار بقلمه وأضافت: "ونعتقد أن شيبون يطلب توجيهاتنا من باب التواضع. وإذا كان المثل الذي يقول "أعط الخبز لخبازه" صحيحاً فإن شيبون خباز ماهر ولا نطلب منه إلا أن يقدم لنا ما يخبز."

 

وبلغ صفاء أفراد من الحزب حيال شيبون حد رثائه بعبارات فائقة الود. فقد بكاه المرحوم الحاج عبد الرحمن بقصيدة نشرها في ديوانه "أنا عطبرة" (بلا تاريخ والواضح أنه نشر بعد انقلاب مايو 1969) وكان قد صاغها في يناير 1962. وعنوانها "أفق" (بفتح الهمزة وكسر القاف). وهو يسأل شيبون، الموصوف بالفارس في القصيدة، أن يفق ليصوغ للفجر الذي أطل ألحانه بعد انهيار سدود الليل:

 

أحقاً قد مضي شيبون في تابوت إنسانا؟

 

أم الناعون ذلك قد جنوا زوراً وبهتانا؟

 

فإن قد فارق الأحياء في ضجر وكم عاني

 

فإن جميل ذكراه سيبقي رمز طوفانا.

 

وقد وجدت المرحوم الحاج قد رثى أيضا الزميل خليل نصر الدين الذي توفي في 1953 بداء الصدر وبكاه أستاذنا عبد الخالق كما ذكرنا. وقال أنه حي في ملامح الرفيقة الباكية الطموحة وفي وقائع "كل يوم كالنشيد" و "في القطن يجني في الجزيرة في تلودي" و"في مصر في الفيتنام وفي الصين البعيد." رحمهم الله أجمعين.

 

وفي حديث قادم نخرج من إطار التحقيق البوليسي الذي نصبه المرحوم صلاح أحمد إبراهيم منذ نحو نصف قرن حول من قتل شيبون إلى علم أفضل بالشروط الكاملة لحياة شيبون التي ساقته إلى الانتحار. وسنبدأ في الأسبوع القادم بمنزل بحي البوستة بأم درمان.

 

حاشية: كنت قلت أن شيبون قد انتحر في اكتوبر 1961. والتواريخ الواردة في هذا المقال تشير إلى تاريخ متأخر نوعاً ما ربما كان أواخر ديسمبر 1961. وستنحل هذه العقدة متى عدت قريباً إلى جرائد تلك الفترة.

 

 

لومببــــا

 

يا لومببا

 

أي اسم في ذرى التاريخ أربى

 

وتناهى

 

صار للشهداء قطبا

 

هام بالكنغو فشق له علي الألغام دربا

 

ناداه للبذل الضنين فكان قلبا

 

هزه شوق إلى المجد فلبي

 

وتحدي ملء سمع الكون غربا (أي دول الغرب)

 

هم أرادوا أن تكون الغصن سهل القطف رطبا

 

فكنت صلباً ،كنت كالفولاذ صلبا

 

أصليتهم حمم الكفاح

 

وسمتهم ركلاً وضربا

 

حسبوك فرداً أعزلا

 

لا يستأم ولا يلبي

 

فتفجرت قمم الجبال

 

ودوت الغابات شعبا

 

فإذا همو ملء السهول

 

كتائب كالثأر غضبي

 

وتحولت سود العيون مشاعلاً تشتاق حربا

 

عف السلاح علي يديك

 

فما استبد ولا تخبا

 

لو كنت سفاحاً غليظ القلب ذئبا

 

لأبدتهم وصلبتهم كالضأن صلبا

 

ولسقتهم نحو الحتوف

 

عواجزاً كلباً فكلبا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يا هيئة (هيئة الأمم المتحدة) جمعت لصوصاً

 

لا تري في القتل ذنبا

 

جندت قطاع الطريق

 

ودنت بالدولار ربا

 

أوكلت قرصان (عميل الاستعمارية العالمية) القرون

 

فأصبح الميثاق تربا

 

ضللت بالأمن الشعوب

 

فما استقر ولا استتبا

 

قد كسر الشعب القيود

 

فمن يذل اليوم شعبا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا تحسبوا من مات مات

 

فإنه حي لومببا

 

هو في مياه الكنغو يجري

 

صاخب الأمواج عذبا

 

هو في اهتزازات الغصون أصفى ندىً

 

وأعم خصبا

 

هو في التماعات النجوم

 

تبثه ضوءاً وشبا

 

هو في قلوب الطيبين

 

تحوطه عطفاً وحبا

 

هو في قوانين الحياة مضي إلى الآفاق رحبا

 

هو في ضياء الشمس

 

دفء

 

مرسل شرقاً وغربا

 

هو قصة التاريخ تضوي سيره درباً فدربا

 

لا تحسبوا من مات مات

 

فإنه يحيا بنا، يحيا لومببا .

 

 

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco