header

 
News |
Actualité  | أخبــار
 

 
مقــالات وآراء

 

شيبــــــون

 

عبد الله علي إبراهيم

 

(5)

شيبون وعبد الخالق: الشعر بفمه الأهتم، وأنت بحفلات التأبين
 

 

كتب أحدهم علي صفحات سودانيزأونلاين بالشبكة كلمة بعنوان "عبد الخالق محجوب ورفاقه أبطال من كرتون يحملون سيوفا من خشب" (12-4-05) قال فيها أن أستاذنا عبد الخالق محجوب ليس بشيء. وتوالت عليه تأكيدات الشيوعيين انه بشيء وأكثر. وأخذوا يسوقون القصيدة في رثائه بعد القصيدة بعد القصيدة في بيان ميزة الرجل. وهي قصائد أوسعوها المرحوم. وكأنما توقع كاتب سودانيزأونلاين منهم ذلك فقال لهم انصرفوا بقصائدكم عني وقولوا لي "وبخشمكم الذي سيأكله الدود" من هو عبد الخالق في كلمتين أو ثلاته. ويطلق أهل هذا المنبر بالإنترنت علي مثل سوق القصائد وكتب الزعماء من قبل اتباعهم مصطلحاً ذكياً هو "عتالة النصوص". واشتهر بها الجمهوريون من أنصار المرحوم محمود محمد طه. فما تغلط وتكتب ما لم يرضوه عن فكرهم حتى عرضوا عليك نصوص الأستاذ كلها، بلا استثناء، حرفاً وشكلة.

 

وهكذا لم يعد أستاذنا عند الجيل الشيوعي الذي لم يشهد مأثرته عياناً بياناً سوى قصائد مادحة بينما احتكر خصومه نثر هجائه: عدو الخالق، صانع الانقلابات ومنكرها ثلاثاً، المنبطح علي النصوص الماركسية، العاطل المنعم باسم الشعب، المستبد صاحب النظرات المفخخة يديرها فيصيب ويصيد، وشيخ الطريقة ذو الغارات يحرق بها من خاف على نفسه من منافستهم: الجنيد وقاسم أمين وخلق كثير. لقد قتل الشعر بفمه الاهتم أستاذنا عبد الخالق وقتله الشيوعيون بحفلات التأبين كما ورد في عبارة جيدة لود المكي في رثاء صديقنا الشاعر علي عمر قاسم.

 

ربما تأخرنا جداً في فك ارتباط مأثرة الشاعر الشيوعي محمد عبد الرحمن شيبون (1930-1961) عن مدونة المرحوم صلاح أحمد إبراهيم. فقد اقتصر علمنا بشيبون علي ما كتبه صلاح عنه. وهي كتابة شحيحة ومغرضة. فلم يزد ما كتبه عنه من بيت شعر في قصيدة "أنانسي" (ديوان غضبة الهبباي) هجا بها صلاح أستاذنا عبد الخالق محجوب لدفعه شيبون للانتحار. واتصلت بالبيت تحشية اقتطف فيها فقرة من كلمة كان شيبون نشرها عام 1960 بجريدة الأيام.

 

وظل هذا الاتهام لأستاذنا معلقاً فوق رؤوس الشيوعيين لا يملكون له صرفاً ولا عدلا. وهذا من سحر الشعر ووقعه. وقد ذكرني الأستاذ غازي صلاح الدين بالأمس بقول المتنبىء في التحريج من عداء الشعراء: "فإن عداوة الشعراء بئس المقتني." وبلغ بالشيوعيين الخزى من الأمر انهم لا يريدون لأمر شيبون أن "ينبش" في عبارة لأحدهم سألته في الأسبوع الماضي أن يدلي بما عرف عن شيبون. ولم يترك شيبون مجالاً لمستزيد حول هوية الذين ساقوه سوقاً إلي الانتحار. فقد كتب أسماء الشيوعيين الثلاثة أو العاطفين علي الشيوعيين من زملائه المدرسين علي مذكرة احتجاجه علي الحياة التي وجدتها شرطة الحصاحيصا في جيبه علي جسده المتأرجح من السقف. بل قال لي عبد الوهاب سليمان أنه كان قد بعث له رسالة في هذا المعني رسخت له منها عبارة جاء فيها: "بعنا لهم أنضر سنوات العمر بتراب الجحود". وقد كتب نفس الشيء لزميله الأمين أبو ممن تشرد معه من كلية الخرطوم الجامعية عام 1952.

 

أريد في "جرد حساب" محنة شيبون الذي انشغلت به منذ أسابيع أن افرق بين تبعة مزعومة لأستاذنا عبد الخالق في انتحار الشاعر وتبعة حزبه. وهي تفرقة قصدنا منه أن تعين علي الفهم الحسن لهذه المسألة المعقدة لا طمسها وتفريق دم شيبون بين القبائل. وسنرى كيف ميز شيبون نفسه بين من أحسن إليه من الشيوعيين ومن أساء.

 

اتفق الرفيق حسن سلامة والأستاذ عبد الوهاب سليمان أن أستاذنا عبد الخالق محجوب لم يكن يرتح لشيبون. بل ألمح لي الإنسان الشيوعي الحبيب حسن سلامة (طال عمره وخيره ونبله) من أن شيبون ربما دخل في مواجهات مع أستاذنا بحكم كتاباته الأدبية. ويرى حسن سلامة أن قصيدة "تذكر يا أخي" المنشورة بجريدة الصراحة هي موجهة إلي أستاذنا تذكره له بوثاق القضية التي جمعت بينهما. ومن أسف إننا لم نقع بعد لا على القصيدة ولا ردة فعل أستاذنا لها. وسنترك مناقشة الأمر هنا حتى يتوفر لي أو لغيرى الوقوف علي جلية الأمر. ووجب التنبيه مع ذلك أن ما يكتبه الكاتب مرة ليس هو رأيه في كل مرة. فقد نشرت أنا نفسي كلمة جافية بحق أستاذنا في عام 1968 ثم ما لبثت أن وجدتني أخطو خلفه في السكة الخطرة. وأحبه جداً.

 

ربما طمع أهل الفضل في دور أميز لأستاذنا في استنقاذ شيبون. ولكن الواقعية تقتضي أن نحاسبه علي ما تمليه مسئوليته في قيادة حركة سياسية آخذة في الاتساع وفي ملابسات نظام عسكري قيد من طلاقته.

 

تسنى لي لقاء الأستاذ محمد إبراهيم نقد خلال غملته الثالثة. ورميت له سؤالاً عن شيبون زميله علي عهد حنتوب (1948) وكلية الخرطوم الجامعية حتى فصلا معاً في 1952 بعد إضراب 17 نوفمبر من نفس السنة احتجاجاً علي مناورات إنجليزية أتينا بطرفها في كلمة مضت. وقد استفاد نقد من بعثة عرضت للحزب من بلغاريا بينما تفرغ شيبون لعمل الحزب. ثم أخذ شيبون للشراب مما لا يستغرب في ثقافة "القعدة" الوطنية والشيوعية مما سيكون موضوع حديث قادم. وافرط شيبون في الشرب. وخشي الناس عليه خاصة بعد فترة قضاها معتقلاً. وتدارس مركز الحزب مسألته واستقر الرأي علي رفع تبعة التفرغ عن كاهله. وأوفد المركز استاذنا والمرحوم الشفيع أحمد الشيخ (أو المرحوم إبراهيم زكريا) لمناقشته في الأمر. وقال نقد أنهما عرضا عليه أن يذهب في بعثة دراسية إلي دولة بالمعسكر الاشتراكي أو يشتغل بالتدريس. وقد جاء شيبون بهذه الواقعة حرفياً في كلمته بجريدة الأيام (1960) التي أخذ منها المرحوم صلاح أحمد إبراهيم ما ناسبه في هامشه من قصيدة "انانسي" (غضبة الهبباي) وترك الباقي. وفي هذا الباقي المتروك يصف شيبون أستاذنا وزميله من المركز بالفضل لأخذه بعيداً عن مدرج سكة الأفندي المضاد الخطرة، وهي سكة إدارة الظهر لشغل الأفندية المأمون، ونذر النفس لقضية العدالة الاجتماعية. فقال: "ولن نعدم سلاحاً إذا كنا نحارب عواطف إنسان. ومن بعيد جاء الأهل بدافع من حرصهم وأجبروني علي أمور روضت نفسي علي قبولها. وكما ينحسر ماء النهر في فصل الجفاف تلاشت حماستي وتدثرت بحكمة الجيوش المنهزمة وبدأت أتراجع بانتظام. وتفضل ضابط مباحث فأجهز علي البقية الباقية باسم القانون واجتزت آخر المراحل بعون رجلين فاضلين." وكان ثاني اثنين منهما إذا هما في وفد مركز الحزب هو أستاذنا عبد الخالق.

 

ولم يعرض أمر شيبون علي أستاذنا إلا ألقى السمع وهو شهيدا. فقد حدثني الرفيق حسن سلامة عن انزعاجه لما آل إليه حال شيبون من انصراف إلي الشراب واعتكاف بالمنزل. وقد تقدم قولنا أنه كان بين سلامة وشيبون ود عظيم. وكان شيبون يتخذ سلامة قدوة ومثلاً. وقال سلامة أنه قابل أستاذنا عبد الخالق بشأن شيبون وطلب أن يصطحبه إلي الأبيض التي هي مقره كالسكرتير السياسى للحزب الشيوعي بمديرية كردفان. واستحسن أستاذنا الفكرة وأجازها. وأضاف الأستاذ عبد الوهاب سليمان أن شيبون أقام بمنزل السيد مكي عبيد الموظف بشركة مركنتايل بشرط أن يكف عن الشراب وبملاحقة من سلامة دقيقة ورؤوفة. واستعاد شيبون نفسه السياسية والشاعرة في الأبيض. وما لبث أن تسلل عائداً إلي الخرطوم في ملابسات نأتي عليها في حديث قادم. وقال سلامة أنه لم يعلم برجوعه ولكنه أخذ يتفادى لقاءه متي كان بالخرطوم.

 

وصف شيبون لأستاذنا بالفضل كلمة صادفت أهلها. فأستاذنا، علي نفاذ عقله ومتانته، رجل رقيق الحاشية يصغي للعوجة ويسد الفرقة. وهذا بعض تربيته. فقد توفيت والدته، أم النصر الحسن في عام 1944، وهو في السابعة عشر من عمره. وتركت صغاراً بين من هو في الرابعة (المرحومة هدى) ومن هو في السابعة (محمد). وكان رحيل الوالدة الأميرة الدبيرة هزة لم يسلم البيت بعدها وبخاصة والده الذي قطعت رأسه أبداً حتي وفاته في 1956. وتولى عبد الخالق مع اخته آمنة رعاية الزغب والوالد. فكان يأخذ هدى إلي مدرسة الراهبات في طريقه لمدرستة هو ثم يعود بها بعد الظهر. وكان هو الذي ردف محمد على العجلة وأدخله المدرسة الوسطي في حي العرب بمعرفة الرفيق آدم أبو سنينة وآخرين.

 

وعرف استاذنا عن كثب ما يجره خيار الأفندي المضاد، أي من تفرغ للعمل السياسي الشعبي واشمعل في السكة الخطرة، علي أسرة أملت أن يرفع من شأنها بأجر الأفندي الجزيل. فقد صبر والده علي قراراته في السفر إلي مصر وهجران كلية الخرطوم الجامعية ثم قراره الذي فاتح فيه الأسرة وهو تبني الشيوعية خطة في حياته، ثم اعتقاله في مصر. وآزاره الوالد بوجع لم يخف علي أحد. ولما عاد مصمماً للتفرغ للعمل الحزبي زاد الأمر ضغثاً علي إبالة. واضطر أن يعمل بجريدة "سودان هيرلد" لفترة محدودة إرضاء للوالد. وقالت السيدة فاطمة محجوب: "ولا أنسي أول ماهية لعبد الخالق وكيف صرفت علي كسوة العيد وشراء راديو وادخال الكهرباء للبيت."

 

وكان الانتحار بعض عاصفات حياة أستاذنا المركزية. فقد انتحرت أخته هدى في 1960 وهو رهين كوبر وأخوه محمد قعيد سجن الرصيرص. وحرموه أن يزورها في المستشفي وهي تلفظ أنفاسها بين حرائق جسدها الفاقعة. وخرج من السجن لفراش البكاء. وكتب لأختيه، آمنة وفاطمة، رسالة من السجن يقويهما علي نائبة الدهر ويستوحي من صبرهما قائلاً: " "وإنني في هذه الظروف الشديدة الحساسية أود أن أؤكد لكما عزمي المصمم علي المضي في طريق الاستقامة والشرف. ولكنني أيضا أؤكد لكما إننا سنشهد بزوغ الشمس في منعطف الطريق وسيبتسم محمد وهدى والجميع من حولنا." وقالت فاطمة لقد صدق واحتفل الحي كله معنا بثورة أكتوبر 1964 وخروج محمد من السجن. واتفق أهله أنه لم يبلع غصة هدى حتى فارق الدنيا.

 

وأستاذنا بكاء. بكى يوم حمل نعي الرفيق خليل لإخوته في البيت في عام 1951. وقال أخوه محمد أنه لم يره يشرق بالدمع لا قبل ذلك ولا بعده. وتلك حكاية ترد.

 

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco