header

 
News |
Actualité  | أخبــار
 

 
مقــالات وآراء

 

شيبــــــون

 

عبد الله علي إبراهيم

 

(4)

شيبون : جمر الجسد، صندل الشعر

 

 

لو أخذنا الأشياء بالظاهر لم يكن ذلك اليوم من أكتوبر 1961 يوماً أوحت دلائله بإقدام الشاعر الشيوعي شيبون (1930-1961) علي الانتحار فيه. فلم يكن بين تلك الأيام والليالي العديدة التي استوحش فيها الشاعر عن نفسه ومحيطه وحشة استحلي بها الموت. ولكنه اختار ذلك اليوم بالذات ليعلق نفسه بعمته من مرق سقف بدار السيد أحمد جابر بمدينة الحصاحيصا ليرحل إلي دار البقاء. ولم يمت الشاعر قليل الجثة بكسر العنق بل اختناقاً. كان اليوم الإكتوبري يوماً تكنفه دفء الأسرة. فقد ودع أمه وأخته عند محطة سكة حديد الحصاحيصا بعد إجازة قضياها معه ببندر رفاعة حيث كان يعمل بمدرسة "الأمل" الوسطي للبنات لصاحبها مجتبي عبد الله. وربما رتب لهما زوادة لرحلة عودتهما لديم أبي زبد بكردفان بشيء من كنتين المحطة: جبناً وطحنية وطعمية وخبزاً وموزاً وعلبة من عسل الأسد البريطاني. وكما تقتضي طقوس الوداع ومواقيته ربما انتظر شيبون حتى صفير كمساري القطر له بالرحيل ليدس في يد الوالدة بالمصروف ويري كيف سرت كهرباء القبول علي وجهها القديم مشرقاً بالعفو والرضا والإجازة.

 

لو أخذنا بالظاهر لم يكن انتحار شيبون مما يتمخض عن يوم في بر ذلك اليوم ورضاه. ولربما تأخرنا طويلاً جداً في تحري هذه الواقعة الفاجعة واكتفينا بقشور منها. فقد توارثنا واقعة هذا الموت الغاشم عن المرحوم صلاح احمد إبراهيم، صديق صبا شيبون وزميله في الحزب الشيوعي في الخمسينات، كبينة أخري علي لؤم أستاذنا عبد الخالق محجوب وحزبه الشيوعي. ونحن إذ نجدد النظر فيه نستلهم كلمة الأستاذ كمال الجزولي الغراء عن انتحار المرحوم الشاعر عبدالر حيم أبو ذكري الذي انقذف من مبني عال بموسكو في ابريل 1990. ولم يمنع حرج المسألة المعلوم كمالاً من الخوض في موت أبي ذكري من حالق بكلمة مكتوبة بماء الحساسية. وهي الكلمة التي قال كمال أنها من فروض ولائنا لأبي ذكري. وأضاف أنه من حقه علينا أن نأخذ المهمة العسيرة التي لا بد منها وهي تحري اغتياله بجدية وأن لا نسمح بانتزاع "واقعة انتحاره من مجري التاريخ الأدبي في السودان لتقبرها في طوايا الحياء الاجتماعي المتخلف والنجوى الخاصة المحضة ولا خير في كثير منهما." ولم نزدد بفضل تحري كمال الوثيق علماً بموت الشاعر فحسب بل و بجغرافيا العوالم الغراء التي ناشدها يوماً أن تنتظره:

 

إنتظرني، فأنا أرحل في الليل وحيدا

 

موغلاً منفردا

 

في الدهاليز القصيات إنتظرني

 

في العتامير وفي البحر إنتظرني

 

إنتظرني في حفيف الأجنحة

 

وسماوات الطيور النازحة

 

وقت تنهد المدارات

 

وتسود سماء البارحة

 

إنتظرني

 

ولسنا نرمي من وراء تحرينا لانتحار شيبون تبرئة أحد طالما تواتر الدليل علي تورطه في اغتيال الشاعر. وغاية المأمول من تجديد ذكري شيبون هو هز راكد عقيدتنا عن موته كما أرادها لنا صلاح ومن تبعوه بإحسان وبغيره. فمتى زللنا ميدان التحري من عقابيل العقيدة الصماء السائدة انفتح الباب علي مصراعيه للنظر الطليق ما التزم الدليل والبرهان.

 

حين يموت الشاعر "ينفصل الجمر عن صندل الشعر" كما قال محمد المكي إبراهيم في مرثيته للمرحوم المجذوب. ولو فهمت مغزى البيت فود المكي أراد القول أن جسد الشعر يذهب إلي مستقر له ويبقي الشعر فينا. والحال غير ذلك حين ينتحر الشاعر. فجمر الجسد يبقي كأنه يستصرخنا الثأر ممن اغتالوه خلال تأديته لواجبه الرسمي في فتح الكون بالقصيد، في عبارة بليغة للتيجاني يوسف بشير.

 

وأراد شيبون بالفعل أن يبقي جمر جسده صقيلاً مشعاً. فلم يكن انتحاره مثل انتحار الشاعر الروسي الثوري مايكوفسكي (1929) الذي التمس من أمه وأخوته ورفاقه ألا ينشغلوا بموته أو يلاحقوا من حمله عليه. فهذا عنده لغط وهو لم يكن من اللاغطين. خلافاً لذلك قصد شيبون أن يشهر بمن نغصوا عليه حياته بمضاضة التجني علي وقد جسده وجمره. فلما جاء بوليس الحصاحيصا ليتحرى انتحاره وجد في جيبه مذكرة عن ضيقه بالحياة بسبب تجنى ثلاثة من زملائه المدرسين بمدرسة الأمل وذكرهم بالاسم. واستجوب البوليس المدرسين المذكورين ولم يجد بينة يقيم عليهم بها جرماً بموت الشاعر. وأطلق سراحهم. وكان المدرسون الثلاثة من أعضاء الحزب الشيوعي أو من العاطفين عليه. واتضح لاحقاً أنهم كانوا حرباً عليه. فقد كانوا عيروه بسقوطه من شاهق التفرغ للحزب والقضية، أي ما وصفناه ب "الأفندي المضاد" ليصبح أفندياً آمناً بماهية ومربوط ماهية وآخر صرفية.

 

كان ظاهر يوم انتحار شيبون نجاحاً يتمنى المرء أن يدركه. ولكنه كان غير ذلك عنده. كان يوماً تحسب له وخشي منه كما ورد في مقال له بجريدة الأيام (10 أو 25 إبريل 1960 حسب روايتين مختلفتين للتاريخ). ففي المقال كشف شيبون عن اضطرابه بين أن يكون افندياً أوأفندياً مضاداً. وقال أنه وطن نفسه علي أن يكون الأفندي المضاد في تجربة جاسرة بين الكادر المتفرغ في الحزب الشيوعي بين 1952 وحتي نحو 1958. وقد طلب بهذه التجربة الحرية من قفص الأفندي الذي كان منتهى طموح وديدن كل خريج مثله. ولكن تداعت التجربة التي تناصر علي هدمها مجتمع لا قبل له بالأفندي المضاد ورفاق خذل. وما أن انطوت صفحة هذه التجربة الجاسرة الخاسرة، التي أصبح بعدها افندياً وجيهاً، حتى تنفس الجميع الصعداء وتراصوا يشيرون له بالبنان. وختم شيبون كلمته بما حياهم به وهو : "عاشت بلادنا . . . بلاد الأفندية!"

 

حين عبأ شيبون قفة زوادة أسرته بالجبن والطحنية وعسل الأسد البريطاني ومدها بنافذة القطار ثم أودع المصروف كف الوالدة علم شيبون أنه قد بلغ من الأفندية مبلغاً لا يريد بعده أن يقطع النيل من الحصاحيصا إلي رفاعة. لم يرد أن يري شماتة أولئك المدرسين الشيوعيين. فسينهض طقس "تسفير" الأم والأهل دليلاً علي هروبه من وعثاء الأفندي المضاد لينعم بأمن الأفندي. وقد وصف لي أحدهم الأفندي المضاد يوماً بأنه حالة خاصة من عقوق الوالدين. وربما قصد شيبون بانتحاره في يوم سؤدده كأفندي أن يحتج علي سوءات "بلاد الأفندية." ولكن ليس قبل أن ينحت علي جمر جسده أسماء عصابة الثلاث التي حالت دونه والنيل الأزرق ومدرسة "ألأمل" التي أجرت عليه رزق الأفندية المهين.

 

أي موت؛ ناهيك عن الموت انتحاراً، لم يسأل بعده حبيب أو قريب ما الذي هجس في خاطر الميت قبل أن يلقى حتفه. ولسنا ندري لماذا يؤرقنا حصاد الخاطر الأخير هذا. وقد زكي لي الأستاذ عبد الوهاب سليمان أنه ربما هجس لشيبون خاطر من قصة ترتبت عن تكليف أستاذنا عبد الخالق محجوب لهما عام 1955 بمهمة حزبية ما. يذكر عبد الوهاب أن أستاذنا، الذي كان كثيراً ما يغشي منزل صديقه أحمد سليمان شقيق عبد الوهاب، سأل عبد الوهاب أن يذهب إلي دار شيبون بحي البوستة ليأخذا معاً متفرغاً بالحزب من أهل رفاعة مسه شيء من ناس بسم الله إلي مقابلة نظمها أستاذنا مع المرحوم التيجاني الماحي. ويتذكر عبد الوهاب أن الرفيق كان صعباً وحملاه حملاً علي ركوب التاكسي وظل يهرف بقول غير مفهوم طوال المشوار. وما بلغا عيادة التيجاني حتى وجدا في الانتظار بها صحفي معروف من حزب الأشقاء. وأثارت مخائل جنون متفرغ الحزب والصحفي الشقيق كوامن شيبون فمضي يحدث عبد الوهاب عن الضغوط الاجتماعية علي من يحترف السياسة وكيف تفضي به إلي اختلال النفس وعلل الوجدان. وكان عبد الوهاب علي معرفة بمثل هذه الضغوط المفهومة من أسرة شيبون عليه بحكم أنه كبير الأولاد الذي خطبت وده الوظيفة فجافاها ركضاً وراء مغامرة أخري. وكان يتفادى السفر إلي أبي زبد خشية أن يرى بأم عينيه تلك الحاجة الأسرية التي صبأ عنها إلي السكة الخطرة.

 

ربما أبترق في خاطر شيبون الغبين وهو يلفظ أنفاسه انتحاراً مالآت الصحفي من الأشقاء الذي رآه في قائمة المنتظرين ذلك اليوم في عيادة التيجاني الماحي للأمراض العصبية. فقد انتحر الرجل يوم عيد الاستقلال الأول من يناير 1956 والعلم الذي اشتهاه أبداً قد استقر فوق السارية. فقد كان الصحفي الشقيق يريد للملأ أن يقرأ انتحاره علي خلفية خفوق ورفيف هذا العلم المقدس طوي. ومثله أيضاً أراد شيبون الرفيق أن يقرأ الناس انتحاره من بين أضابير دولة الأفندية وبحيثيات زملائه الشيوعيين في مدرسة "الأمل" برفاعة.

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco