header

 
News |
Actualité  | أخبــار
 

 
مقــالات وآراء

 

شيبـــــون

 

عبد الله علي إبراهيم

 

(3)

حياة دنيا شيبـــون

 

 

إلي العم الرفيق حسن سلامة. لإنسانيته عذوبة ومذاقها كالبشارة

 

التبست معرفة الأجيال العاقبة بالمرحوم الشاعر والشيوعي محمد عبد الرحمن شيبون (1930-1961) بخصومة الشاعر صلاح احمد إبراهيم مع قيادة الحزب الشيوعي. فلم يبق من مأثرة شيبون سوي مقطع من مقال نشره في 1960 قبل انتحاره في اكتوبر 1961 حشي به صلاح بيت شعر له في ديوانه "غضبة الهبباي" (1965). والبيت وهامشه يحملان قيادة الشيوعيين وزر موت شيبون، حنجرة الشعب، المأسوي. ولم يرد ذكر لشيبون عند صلاح أبداً إلا كبينة علي جفاء الحزب الشيوعي واستهتاره بحياة مناضليه. وقد عاد صلاح إلى هذه المادة في مبارزاته الشهيرة مع المرحوم عمر مصطفي المكي ( الصحافة، 23 يوليو 1968) فقال أن فصله من الحزب في آخر 1957 كان بمثابة سقوط لمثله الأعلى كشفت له عن خساسة وضعة. وقد رمت به في حالة مفضية إلى الانتحار: "الحالة التي انحصر فيها شيبون فقضت عليه" لولا أنه تمسك بشعره ومضي يناضل لشعبه حتى بدون حزب.

 

أحاول منذ حين في هذا الباب فك الارتباط بين صلاح وشيبون حتى نخلص إلى ترجمة لشيبون تحيط بحياته الغراء وموته المفحم معاً. وقد فتح لي هذا النهج معابر إلي مأثرة شيبون ردمها الزمن وعلاها الصدأ من فرط أحادية السيرة المروية عنه من زاوية غضبة صلاح الهببابية. فقد تحدثت في الأسبوع الماضي علي التلفون إلي السيد كمال شيبون، ابن أخ الشاعر شيبون ، المقيم بكندا وإلي السيد عبد الوهاب سليمان الأستاذ (بالمعاش) بجامعة السودان للتكنلوجيا وخدن شيبون منذ عهد الطلب بحنتوب في آخر عقد الأربعين. ولم أجد تعبيراً في سداد منهج "تحرير" حياة شيبون عن صلاح أبلغ من حديث كمال. قال لي كمال : "شكراً يا دكتور علي كلمتك عن عمي. فقد نشأنا في بيئة استؤصلت منها كل ذكر له. فأهلنا قد راعهم موته انتحاراً من بعد جساراته الشيوعية فصمتوا خشية تقليب الوجع والفقد. و لم نجد لعمي في الحياة الثقافية ذكراً سوي ما ورد عن المرحوم صلاح أحمد إبراهيم وهو نبأ سلبي كما كتبت. وقد استغربت دائماً إنني التقيت بالشيوعيين صغاراً وكباراً وفيهم من عرف عمي ولم يتكرم أحدهم بسؤالي إن كنت أمت للمرحوم شيبون بقرابة. لقد حللت عقدة من لساننا يا دكتور." وروى لي عن جده حكاية ربما ألقت الضوء علي تربية شيبون المعادية للاستعمار التي قادته للشيوعيين. قال كمال أن جده كان بقوة دفاع السودان أو بمؤسسة متصلة بها بمدينة الفاشر. وعصي يوماً أمراً فقرر الضابط الإنجليزي عقوبته سحلاً علي الأرض. وكان ذلك بمرأى من الناس. وحز ذلك في نفس امرأة من المشاهدين وأعجبها صبر الرجل علي الأذى فطفقت تزغرد له. وأبعد الإنجليزي والد شيبون عن الفاشر ولكنه عاد إليها بهدف وحيد هو البحث عن المرأة التي زغردت له ليتزوجها. وقد كان. وربما كان من التطابق الدال وصف صلاح لشيبون الشاعر الفدائي بأنه "حنجرة الشعب." فقد سبقته زوجة لأبيه إلي ذلك بالزغاريد يوماً غير بعيد.

 

أما حديثي إلي عبد الوهاب فقد ذكرني بلازمة المرحوم حسن نجيلة في درته الغراء "ملامح من المجتمع السوداني." كان نجيلة يغشي الجيل السابق له يتسقط أخبار زمانهم وربعهم. وكان يستثير كامنات وطوايا النفوس وربما استغربوا أن ما ظنوه زبدة حياتهم قد اصبح مادة للتاريخ. وكان نجيلة يردد نيابة عنهم: "ويل للشجي من الخلي." وكنت المؤرخ الخلي وكان عبد الوهاب الشجي وهو يشرق تذكراً لأيام شيبون.

 

تعارف عبدالوهاب علي شيبون وصلاح احمد إبراهيم بمدرسة حنتوب الثانوية في فبراير 1950 إثر رحلة مدرسية قام بها طلاب أم درمان الأهلية الثانوية إلي مدرستهم. وكان في طلاب الرحلة المرحوم معاوية إبراهيم سورج ومصطفي نديم. وكانا شيوعيين. وترقى معاوية في سلك الحزب حتى صار السكرتير التنظيمي له يوماً ثم خرج علي الحزب في انقسام 1970 المعلوم. وشغل منصب وزير الدولة بالخارجية والسفارة على عهد نميري الباكر. وبحي اركويت بالخرطوم محطة بص مسماة به لقرب منزل المرحوم منها. وكان معاوية قد سبق وجند عبد الوهاب للحزب في امدرمان. وعرفه خلال الرحلة بشيبون لعلاقة معاوية بكردفان عن طريق بعض أهل له من جلابة أم روابة علي أن وطنه الصغير هو الكوة. وكان شيبون قد سبق عبد الوهاب إلى حنتوب في 1948. ومن الجهة الأخرى تعارف عبد الوهاب وصلاح احمد إبراهيم، وهما من أم درمان، بفضل مصطفي نديم. ودعا عبد الوهاب صلاحاً لعضوية الحزب فقبل. وذكر صلاح هذه الواقعة فيما بعد في لقائه التلفزيوني مع الأستاذ حسين خوجلي. وذكرها مرة أخيرة في ديوان "نحن والردى" بقوله أنه كان وشيبون وعبد الوهاب نواة الحزب الشيوعي الأولي بالمدرسة.

 

لما جاء شيبون للخرطوم نزل بدار آل سليمان بأبي رووف وفيهم بالطبع الأستاذ أحمد سليمان. ثم انتقل ليقيم مع الأستاذ حسن سلامة (1924- ) بحي العمدة. ويبدو أنه تعرف علي سلامة بالأبيض وفي سياق الحركة الشيوعية التي كان يديرها سلامة كسكرتير سياسي لمديرية كردفان. وكان الثالوث، شيبون وصلاح وعبد الوهاب، يلتقي في بيت سلامة. ولسلامة أثر كبير علي شيبون. فهو مثاله وقدوته. أخذ عنه الهدوء والرقة. فكان مثله ميالاً لأخذ التحليل الجدلي إلي غايته. وما تزال هذه سمات حسن سلامة بعد ستين عاماً حين التقيت به في السنين الأخيرة. والتحق ثلاثتهم بتحرير جريدة "الأحرار" التى رأس تحريرها عبده دهب وكان سلامة من محرريها. وكانت مكاتبها في عمارة بالخرطوم استأجرت بها لاحقاً "صوت المرأة" مكتباً حين صدرت في 1955.

 

قال عبد الوهاب أن شيبون وصلاحاً كانا من أهل الذكاء الجارف. وكان يشع مخيفاً من عيونهما. وكان يقول لهما بذلك وكانا يضحكان. وكان شيبون رقيقاً شديد التأمل مع الصلابة وقدر من العناد. ويشترك مع صلاح في الرقة والعناد غير أن صلاحاً شديد الخصومة ويبلغ الحد منها. وقد أثر شيبون علي صلاح وعبد الوهاب معاً برقته. وكان البون بينه وبقية أعضاء الحزب شاسعاً. فهو واسع الصدر منفتح بينما أكثرهم منغلق سريع إلي دمغ الناس بأحكام قاضية. فإذا بخس بعضهم أحداً أمامه قال لهم لا تستعجلوا الحكم فمآله إلينا وسنكسبه رغماً عنه. وكانت معرفته بالماركسية حسنة ورشيقة. ووجدت مصداقاً لذلك في كلمة نشرها بصفحة الأدب بجريدة الميدان الشيوعية عام 1957 (اليوم والشهر تحت التحري). وكان عنوانها "في غير معترك." وتري في كلمته اليسر الذي يخلع به قفص الشعار لينفذ إلي الجوهر. وقال شيبون فيها أن الصراع الدائر حول وجوب أدب واقعي اشتراكي أو أدب هادف صراع زاغ عن المعني. والمعني الحق عنده هو كيف نوقظ مثقفينا من سباتهم العميق. وأضاف "المشكلة هي أزمة ثقافة، أزمة مشكلة حملة شهادات يواجهون أعباء بناء الوطن المستقل وأزمة المثقفين الماركسيين الذين اكتفوا من الماركسية بالانتساب إليها. نحن بحاجة إلي ثقافة وطنية. . . وهذا ميدان أبوابه مفتوحة للجميع: الواقعيون الاشتراكيون والبرجوازيون والمدافعون عن السلم وحملة النظريات الإنسانية المختلفة. . . أنتجوا إذن وأنتجوا فإن يبقي إلا ما ينفع الناس... أنتجوا ودعونا من عبد الصبور وعبد الزمار." ودعوته للإنتاج والإنتاج فحسب فيها صدي من كلمة حمزة الملك طنبل المشهورة :"يا شعراء السودان اصدقوا وكفى." وقد استفدت من كلمة طنبل في ورقتي التي هدفت منها رفع التمذهب الأدبي عن الشيوعيين صوب تأسيس طلاقة شيوعية في دنيا الإبداع. وكان عنوان الورقة "نحو حساسية شيوعية تجاه الإبداع والمبدعين" (إبريل 1976). وقيل أن التشبه بالنابهين فلاح.

 

ولم يبلغ حديث عبد الوهاب تمامه بعد. وطالت هذه الكلمة عن شيبون فوق ما قدرت. وأنا أسعد الناس بذلك. فحياة الرجل ريحانة فاح عبقها السجين. وربما كانت عنواناً لحياة دنيا جيل، وكفاح جيل، وموت دنيا جيل.

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة للجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية
TOUS DROITS RSERVS © 2005
Copyrights © 2005Sudan for all. All rights reserved

Web designers/ developers:mardisco